يتعلَّق حديثنا بالنَّبيّ عيسى بن مريم (ع) حول بعض ما أثير فيما تكلَّم به في دعوته لبني إسرائيل، في قوله: {وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}(آل عمران: 49).
الأنبياء والولاية التَّكوينيَّة
هناك الكثيرُ من العلماءِ يتحدَّثون أنَّ هذه الآيةَ، كما بعض الآياتِ الأخرى، تدلُّ على أنَّ اللهَ أعطى الأنبياءَ والأئمَّةَ الولايةَ على الكون، ممّا يسمُّونه الولايةَ التَّكوينيّة، كما أعطاهم الولايةَ التَّشريعيّة، ولذلك فإنَّ عيسى (ع) يحيي الموتى، ويخلُقُ أيضًا الطَّيرَ، وإن كان كلُّ ذلك بإذنِ اللهِ، لكنَّ اللهَ أعطاهم هذه القدرةَ وهذه الطَّاقةَ، ولذلك فهم يتصرَّفون في الكونِ كما يتصرَّفُ اللهُ، لكن بإذنِ اللهِ.
وهذه مسألةٌ ننكرُها أشدَّ الإنكارِ، ونرى أنَّها تقتربُ من الغلوِّ، وتتنافى مع الخطِّ التَّوحيديِّ بطريقةٍ وأخرى، وهذا هو ما نريدُ أن نبحثَه في لقائنا هذا:
ربَّما يتصوَّرُ بعضُ العلماءِ أنَّ هذه الآيةَ {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم...} إلى آخرِها، تدلُّ على أنَّ اللهَ تعالى جعلَ لأنبيائهِ ورُسلِه ولايةً تكوينيّةً يتصرَّفون من خلالِها بالكونِ، فيغيِّرون الأشياءَ وينقلونَها من حالٍ إلى حالٍ، ويجمِّدون الأسبابَ، ويصنَعون أسبابًا جديدةً للأشياءِ بإذنِ اللهِ، من خلالِ ما أعطاهم اللهُ من السّلطةِ على الكونِ في حركةِ التَّكوينِ، بحيثُ إذا أردنا أن نمتدَّ في الاستيحاءِ، نقولُ: يستطيعون أن ينقُلوا الشَّمسَ من المشرقِ إلى المغربِ، ومن المغربِ إلى المشرقِ، كما أعطاهم السّلطةَ الشَّرعيّةَ في إدارةِ شؤونِ النَّاسِ وحُكمِهم، وبثِّ قوانينِ الشَّريعةِ بينهم وهدايتهم إلى دينهم.
وقد أخذت نظريّةُ الولايةِ التَّكوينيّةِ بُعدًا عقائديًّا حاسمًا متنوّعًا في تضييقِ المسألةِ، لتبقى في دائرةِ المعجزةِ كما نختارُه نحنُ، وفي توسيعِها لتشملَ كلَّ الكونِ، كما يختارُها الكثيرُ من علمائِنا الكبارِ، ممّا يمكنُ للإنسانِ أن يطَّلعَ عليه في بياناتِ السيّدِ الخمينيِّ والسيّدِ الخوئيِّ، وحتّى الشَّيخِ الأنصاريِّ...
حتّى إنَّ البعضَ يرى أنَّ اللهَ فوَّضَ إلى الأنبياءِ والأئمَّةِ أمرَ التَّصرُّفِ في الكونِ في حركتِه الخفيّةِ والظَّاهرةِ، بحيثُ إنَّهم يملكون القدرةَ على تغييرِ ما يريدونَه في الكونِ وفي الإنسانِ، لكن من دونِ أيِّ قدرةٍ ذاتيّةٍ مستقلّةٍ من خلالِ خلقِهم البشريِّ، بل من خلالِ القدرةِ الَّتي مكَّنهم اللهُ منها وأعطاهم إيَّاها، فهم بقدرةِ اللهِ، الأولياءُ على الكونِ بولايتِه، وهذا ما يُبعدُ المسألةَ – كما يقولون – عن الشّركِ والغلوِّ والانحرافِ عن خطِّ العقيدةِ المستقيمِ.
يقولُ بعضُ الظّرفاءِ إنَّ الولاية التَّكوينيّة تعني أنَّ الوليَّ التَّكوينيَّ يصبح إلهًا ولكن بالدَّرجةِ الثَّانيةِ، أي أنَّ بعضَ النَّاسِ وصلوا إلى درجةٍ من الغلوِّ بحيثُ يقولون إنَّ علمَ الأئمَّةِ والأنبياء مثلُ علمِ اللهِ، ولكنَّ الفرقَ أنَّ ذاك ذاتيٌّ وهذا إيحائيٌّ، ولكن ليس هناك فرقٌ في المحصّلة، فالله يعلم كلّ شيء وهم يعلمون كلّ شيء.. هذا الغلوُّ في الحبِّ والولاء.
مناقشة الفكرة
ونحن نريد أن نناقش المسألة من ناحيتين:
جانب الإمكان
النَّاحية الأولى، وتنقسم إلى نقطتين: النّقطة الأولى، جانب الإمكان؛ ولا إشكال في إمكان هذا الجعل من ناحية المبدأ، لأنَّ الله القادر على الوجود كلّه والكون كلّه، يملك بحكم ألوهيَّته المطلقة، أن يمكّن بعض خلقه من بعض مواقع القدرة ووسائلها، فهو الَّذي جعل لهم القدرة في دائرة إنسانيَّتهم في أوضاعهم الخاصَّة والعامَّة، من خلال ما أوكل إليهم من مهمَّات تتَّصل بالمسؤوليَّات الملقاة على عواتقهم، والحوافز المرتبطة بتطلُّعاتهم وحاجاتهم. ولا بدَّ من أن يكون لله القدرة على توسيع هذه الإمكانات، فمثلما أعطانا الله قدرةً معيّنة بنسبة عشرة في المائة، يمكن أن يعطينا القدرة بنسبة عشرين في المائة، ويمكن أن يجعلها مائة في المائة، ما دام الأمر بيد الله الَّذي هو على كلِّ شيء قدير – هكذا يقولون – ويبقى الله مسيطرًا ومهيمنًا على الأمر كلّه، فله أن يبقيها في مدى حكمته، وله أن يسلبها عنهم في مدى قدرته، وليس في ذلك – كما يقولون – أيَّة منافاة أو انحراف عن العقيدة التَّوحيديَّة التي ترتكز على أنَّ الخلق والأمر له في كلِّ شيء، فلا يملك أحد من أيِّ شيء إلَّا ما ملَّكه الله، لأنَّ القضيَّة قضيَّة عطاء إلهيّ يتحرَّك في الدَّائرة الخاصَّة الَّتي يحدّدها الله لعباده من خلال إرادته المطلقة الَّتي لا يعجزها شيء.
جانب الحاجة أو الضّرورة
النّقطة الثَّانية: جانب الحاجة أو الضَّرورة لذلك؛ فهو أمرٌ ممكن، ولكن ما هي الضَّرورة لأن يُولّي الله بعض النَّاس على الكون؟ ولماذا يجعل لهم هذه الولاية التَّكوينيَّة؟ هل هناك مهمَّة تتوقَّف على ذلك؟ فالله هو وليُّ الكون كلّه، فهل تقتضي المسألة أن يملك هؤلاء قدرةً فعليَّةً شخصيَّةً، بحيث يصدر الفعل عنهم مباشرةً، ولا يتحقَّق الهدف إلَّا من خلال صدوره عنهم، أم هي قضيَّة تشريفيَّة، كما قال لي بعض العلماء بأنَّها ولاية تشريفيَّة! الولاية هي مسألة تنفيذيَّة وعمليَّة، فلا معنى لأن يجعل الله إنسانًا وليًّا تشريفًا له، فهذا أمر لا نفهمه! حيث يمنحهم هذا الموقع الكبير الَّذي لا يملكه أحد في الوجود غيرهم.
هذه علامات استفهام تطوف في الذّهن، فلا نجد لها جوابًا إيجابيًّا يؤكّد النَّظريَّة من ناحية واقعيَّة. فنحن نعلم أنَّ دور الأنبياء هو دور تبشيرٍ وإنذارٍ وتبليغ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا}(الأحزاب: 45 - 46)، {إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ}(فاطر: 23).
وإذا كان لهم دورٌ تنفيذيٌّ، فإنَّهم يتحرَّكون فيه - كأيِّ بشرٍ - من خلال الوسائلِ العاديَّةِ المطروحةِ بين أيديهم في الحالاتِ العاديَّةِ. فإذا جاء التَّحدّي الكبيرُ الَّذي يُحوِّل الموقفَ إلى خطرٍ جسيمٍ على الرّسالةِ، كما في قصَّةِ موسى مع فرعون، أو في بعض مواقع التَّحدّي في حياة الرّسول (ص)، وكانت الوسائلُ العاديَّةُ ذاتَ مردودٍ سلبيٍّ على الموقفِ والموقعِ، تدخَّلت المعجزةُ لتؤكِّد صدقَ الرّسالةِ وتحفظَ توازنَها..
فلو أنَّ موسى (ع) جاء بنفسهِ، وهو الَّذي تربَّى في بيتِ فرعون، وكان من بني إسرائيل، من دون أيَّةِ معجزةٍ، لربّما لم يكن بإمكانه الدّخول على فرعون كليَّةً. فالقضيَّةُ لها خصوصيَّةٌ ودلالةٌ، لأنَّها تجعلُ موقفه في حالةِ الضَّعفِ الشَّديدِ ما لم تصاحبه حالة غير عاديّة، فعندئذٍ تتحرّك المعجزة لتحفظَ توازنَ الرّسالةِ في موقعِ الرَّسولِ، وتصدمَ واقعَ الكافرين بالصَّدمةِ القويَّةِ القاهرةِ الَّتي تردُّ كيدَهم، وتهدمُ كيانَهم، وتؤدّي بهم إلى الضّعفِ والهزيمةِ، كما في طوفانِ نوحٍ، ونارِ إبراهيم، وعصا موسى أو يدهِ البيضاء، وفلقِ البحرِ له، وإحياءِ الموتى، وإبراءِ الأكمهِ والأبرصِ لدى عيسى، وقرآنِ محمَّدٍ (ص)، وتنتهي المسألةُ عند هذا الحدِّ، فلا تتجاوزُ المعجزةُ إلى أشياءَ أخرى، أي أنَّ اللهَ يجري هذه القدرة على يدي النَّبيّ في واقعةٍ محدَّدةٍ، وتعودُ الرسالةُ إلى مجراها الطَّبيعيِّ، ويعودُ الرَّسولُ إلى الوسائلِ العاديَّةِ، ويتحرَّكُ الصّراعُ من جديدٍ، ليعيشَ النَّبيُّ هنا وهناك أكثرَ من مشكلةٍ وهمٍّ وبلاءٍ "ما أُوذيَ نبيٌّ مثلما أُذيتُ"، ليتحمَّل الألمَ القاسيَ، ويواجه التَّحدّياتِ الصَّعبةَ كأيِّ إنسانٍ آخرَ، من دون أن يبادرَ إلى أيَّةِ وسيلةٍ غيرِ عاديَّةٍ..
ولو كان النَّبيّ يملك القدرة التَّكوينيَّة بالمعنى الواسع، بحيث يستطيع التصرّف في الكون وتغيير الأشياء كيف يشاء، لتمكَّن من إبعاد كلِّ التحدّيات الَّتي تُوجَّه إليه.
أمّا التَّشريفُ، فإنَّه لا يتمثَّلُ في إعطاءِ القدرةِ من دون قضيَّةٍ، أو توسيعِ السّلطةِ من دون مسؤوليَّةٍ، واللهُ يشرِّفُ أنبياءَه من خلالِ رفعِ درجتِهم عنده، بتقريبِهم إليه، ومحبَّتهِ لهم، وعلوِّ مقامِهم في الآخرةِ، أمّا الدنيا، فلا قيمةَ لها عنده، ولذلك لم يجعلْها أجرًا لأوليائهِ، بل أتاحَ الفرصةَ الكبرى فيها لأعدائهِ.
لذا، فإنَّنا لا نجد أيَّة ضرورة أو حاجة تفرض إعطاء الولاية التَّكوينيَّة المطلقة لهم، إلَّا بالمقدار الَّذي تحتاجه الرّسالة في أصعب أوقات التّحدّي، مع احتمال أنَّها ليست من قدرتهم، ولكنَّها قدرة الله بصورة مباشرة.
الولاية وسدّ النَّقص
ثمَّ ما معنى هذه الولاية الَّتي لا أثر لها في حياتهم من قريب أو من بعيد، فالنَّبيّ (ص) يمرض ويقول "وا رأساه!"، والإمام عليّ (ع) يُضرَب بالسَّيف، والإمام الحسين (ع) يُقتل... وهكذا، فلو كان عندهم ولاية تكوينيَّة، فمن الَّذي يقدر عليهم؟
وما معنى هذه الولايةِ الَّتي لا أثَرَ لها في حمايةِ رسالتِهم، فلم يستعملوها في إذهابِ الخطرِ عنهم، ولم يتحرَّكوا بها في الانتصارِ لرسالاتِهم، وذلك من خلالِ قراءةِ تاريخِهم الصَّحيحِ كلِّه؟!
هذا مع ملاحظةٍ فكريَّةٍ مهمَّة، وهي أنَّ الولاية تُمنح للأشخاص من أجل سدِّ النَّقص في مواردها، من قِبَل الوليّ الَّذي يملك القدرات والخبرات الَّتي تمكِّنه من معالجة هذا النَّقص وإكماله. فمثلًا، لماذا نجعل الأب وليًّا على أولاده؟ لأنَّ الأولاد يعيشون حالةً من النَّقص بحكم سنّهم وقِلَّة تجربتهم، فيكون دور الأب أن يرعاهم ويربّيهم، ويسدَّ الخلل الموجود في شخصيَّاتهم بحسب ما يملكه من خبرة وتجربة.
وهذا مِمَّا تمثِّلُه الولايةُ التَّشريعيَّةُ الَّتي منحَها اللهُ لرسلِه، وامتدَّ بها لبعضِ أوليائهِ الَّذين يملكون الامتدادَ العمليَّ الحركيَّ للرّسولِ (ص)، مثل الأئمّةِ (ع). أمَّا جعلُ الولايةِ التَّكوينيَّةِ لأيِّ شخصٍ، فلا مبرِّرَ لها، لأنَّ اللهَ هو الوليُّ المطلقُ للكونِ، فهو الخالقُ له، والمدبّرُ لنظامِه، والمحرِّكُ لأوضاعِه، وفي جميعِ مواقعِه الكونيَّةِ الَّتي قدَّرَ لها قوانينَها الَّتي تتحرَّكُ من خلالِها، كما جاء في قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}(القمر: 49)، أي أنَّ اللهَ حدَّدَ للأشياءِ مقاديرَها بشكلٍ دقيقٍ جدًّا، بحيث لا تزيدُ ولا تنقصُ، ولا تتغيَّرُ ولا تتبدَّلُ، {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}(فاطر: 43)، وقوله تعالى: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}(الطَّلاق: 3)، فلا نقصَ في ولايةِ اللهِ للكونِ، بما في ذلك ولايتُه على الإنسانِ في نظامِ وجودِه، الأمرُ الَّذي يجعلُ منحَ الولايةِ الكونيَّةِ لأيِّ شخصٍ مسألةً لا مبرِّرَ لها، لأنَّ هذا الشَّخصَ لا يملكُ دورًا في تغييرِ الكونِ ونظامِ الخلقِ، وغايةُ ما هناك، أنَّ الله يمنحُه بعضَ القدراتِ في الأمورِ الخارقةِ للعادةِ بقدرتِه الإلهيَّةِ، سواءٌ حدثت بشكلٍ مباشرٍ، كما في معجزةِ النبيِّ عيسى (ع)، أو بشكلٍ غيرِ مباشرٍ، كما في معجزةِ النَّبيِّ موسى (ع)، ولكنَّ ذلك من خلالِ ولايةِ اللهِ التَّكوينيَّةِ، لا من خلال ولايةِ النَّبيِّ فيها.
أدلَّة الولاية التَّكوينيَّة
النَّاحيةُ الثَّانيةُ، ناحيةُ الدَّليلِ على ثبوتِها من خلالِ النَّصِّ القرآنيِّ؛ كيفَ ندرسُ هذه المسألةَ من خلالِ النّصوصِ القرآنيَّةِ، في نطاقِ المعاجزِ الخارقةِ في حياةِ الأنبياءِ؟!
دورُ الأنبياء في المعجزات!
نلتقي في البدايةِ بالنَّبيِّ نوحٍ في قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ}(القمر: 9 - 12)، وهي واضحةُ الدَّلالةِ على أنَّ المسألةَ كانت دعاءَ نوحٍ، واستجابةَ ربِّه له بإغراقِ الكافرين بالطّوفانِ، من دونِ أن يكونَ لنوحٍ (ع) أيُّ دورٍ عمليٍّ فيه؛ فنوحٌ لم يكن عندَه ولايةٌ تكوينيَّةٌ.
فإذا انتقلنا إلى إبراهيمَ (ع)، فنجدُ قولَه تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ}(الأنبياء: 68 - 70)؛ إنَّه اللُّطفُ الإلهيُّ بنبيِّه، إذ أرادوا إحراقَه، فأنجاهُ اللهُ من النَّارِ، فحوَّلها إلى عنصرٍ باردٍ.
فإذا انتقلنا إلى الطَّلبِ الَّذي قدَّمه النَّبيُّ إبراهيمُ (ع) إلى ربِّه أن يُريَه كيف يحيي الموتى، وذلك في قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(البقرة: 260)، فإنَّنا نرى أنَّ دورَ إبراهيمَ (ع) في المسألةِ هو أن يأتيَ بالطّيورِ ويذبحَها ويقسِّمَها إلى أجزاءٍ، ثمَّ يدعوهنَّ ليأتينَه سعيًا، ليشاهدَ الصّورةَ في كيفيَّةِ إحياءِ اللهِ للموتى؛ فإنَّ اللهَ هو الَّذي أحياها بطريقةٍ مباشرةٍ، ولم يكن لإبراهيمَ (ع) دورٌ في هذا الإحياء.
ونصلُ إلى موسى (ع) الَّذي تمثَّلت المعجزةُ لديه أوَّلًا في مجلسِ فرعون الَّذي قالَ، كما جاءَ في قوله تعالى: {... إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ}(الأعراف: 106 - 108). ثُمَّ في ذروةِ التَّحدّي الَّذي في صراعهِ مع السَّحرةِ، وذلك في قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ}(الأعراف: 117).
ونحنُ لا نرى أيَّ جُهدٍ لموسى (ع) في الموضوعِ؛ فإنَّه كان يعيشُ دورَ المنفعلِ الَّذي يحوِّلُ يدَه السَّمراءَ إلى بيضاءَ، ويحوِّلُ العصا الَّتي يمسكُها إلى ثعبانٍ، وكان خاضعًا للخوفِ من تجربةِ السَّحرةِ، وللحيرةِ تجاه ما يمكن أن يقدموا عليه بعد هذه التَّجربة في إطار التَّحدّي، لأنَّه كان ينتظرُ تدخّل اللهَ غيرَ العاديِّ في المسألةِ، وذلك هو قوله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ -لأنَّ النَّبيَّ بشرٌ، والبشرُ يخافُ ويحزنُ- قُلْنَا لَا تَخَفْ - أنتَ لستَ وحدَكَ- إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ}(طه: 67 – 69).
ثُمَّ نلتقي بالنَّبيِّ سليمانَ (ع) الَّذي {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ - واستجابَ اللهُ دعاءَه- فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(ص: 35 - 39)؛ فليسَ في القصَّةِ إلّا دعاءٌ واستجابةٌ ربَّانيَّةٌ أعطتْه ما يريدُ، من دونِ أن يكونَ لسليمانَ أيُّ دورٍ عمليٍّ أو قدرةٍ واقعيَّةٍ في تحقيقِ ذلك.
ولايةُ من عندَه علمُ الكتاب!
وربما يتحدَّثُ البعضُ عن الولايةِ التَّكوينيَّةِ المعطاة لِمَن عنده عِلمُ الكتابِ، عندما طلبَ سليمانُ مِمَّن حولَه {قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}(النَّمل: 38)، في قدرةِ مَن عندَه عِلمُ الكتابِ، وهو "آصف بن برخيا"، على نقلِ عرشِ ملكةِ سبأ بلَمح البصر.. غير أنَّ هذا الأمر لا يدلّ على الجانب الذَّاتيّ للقدرة في معنى الولاية، بل هو قدرة خاصَّة ناشئة من سبب خفيّ يرتبط بحالة روحيَّة في موردٍ خاصّ، تأييدًا للنّبيّ سليمان (ع).
ولو كان هذا الأمرُ من موقعِ الولايةِ، لكان ينبغي لنا أن نلتزمَ بثبوتِ الولايةِ التَّكوينيَّةِ للعفريتِ من الجنِّ: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ}(النَّمل: 39). فالفرق هو دقائق بين ما يقومُ به عفريتٌ من الجنِّ، وما يقومُ به الَّذي عندَه عِلمٌ من الكتاب؛ فهل نقولُ بولايةٍ تكوينيَّةٍ للعفريتِ من الجنِّ إذا كنَّا قد اعتبرنا هذه ولايةً تكوينيَّةً لآصف بن برخيا، مثلًا، الَّذي كانت له القدرةُ على نقلِ العرشِ بوقتٍ أقلَّ؟!
ولاية الملائكة؟!
وهكذا، حاولَ البعضُ أن يستدلَّ بقوله تعالى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} أنّها الملائكةَ، باعتبارِ أنَّها هي الَّتي تدبِّرُ، ففسَّرها هذا البعض بأنَّ الملائكةَ هم الَّذين يدبِّرون الكون، وتدبيرُ الكونِ معناه أنَّ اللهَ أعطاهم ولاية التَّدبيرِ في هذا المقامِ. ولكنَّ الجميعَ يعرفون أنَّ دورَ الملائكةِ هو دورُ الموظَّف المنفّذ؛ فالملائكةُ لا يتحرّكون إلَّا لأوامرِ اللهِ فيما أوكلَه إليهم من بعضِ الأعمالِ الَّتي يتحرَّكون بها من موقعِ تدبيرِه للكونِ، لينفِّذوا ما أمرهم به بما يريدُ من التَّدبيراتِ الخاصَّةِ. وهكذا إذًا المسألةُ ليست مسألةَ ولايةٍ تكوينيَّةٍ.
عيسى(ع) والولاية التَّكوينيَّة!
ونصل بعد هذه الجولة الطَّويلة إلى عيسى (ع)، الَّذي قد يُدَّعى ظهور الآية في صدور المعجزة عنه، من خلال جهده الذَّاتيّ الَّذي اكتسبه بإذن الله، وهذا ما جاء في الآية، {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّه وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ...}(آل عمران: 49).
فنلاحظُ أنَّهُ ينسبُ الخلقَ إلى نفسهِ: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ}، كما ينسبُ عمليَّةَ إبراءِ الأكمهِ والأبرصِ وإحياءِ الموتى والإخبارِ بالغيبِ في أوضاعِ النَّاسِ الخاصَّةِ، إلى جهدِهِ وفعلِهِ الشَّخصيِّ، ولكنْ بإذنِ اللهِ. وربَّما يجدُ القائلونَ بالولايةِ التَّكوينيَّةِ الحجَّةَ الدَّامغةَ في هذهِ الآيةِ الكريمةِ.
ولكنَّنا نستوحي من كلمةِ "بإذنِ اللهِ" في هذهِ الآيةِ، أو كلمةِ "بإذني"، فيما خاطبَ اللهُ بهِ عيسى، أنَّ دورَ عيسى كانَ دورَ الآلةِ الَّتي تصنعُ شيئًا كهيئةِ الطَّيرِ وتنفخُ فيهِ، فيبعثُ اللهُ فيهِ الحياةَ، وهكذا يضعُ يدَهُ على الأكمهِ والأبرصِ وعلى الميِّتِ، فتحدثُ العافيةُ في الأوَّلينِ، وتنطلقُ الحياةُ في الثَّالثِ من خلالِ رعايةِ اللهِ.
من هنا، فإنَّ كلمةَ "بإذنِ اللهِ" لا تعني معناها الحرفيَّ اللُّغويَّ، بل تعني معنى القوَّةِ الَّتي تنطلقُ لتحقِّقَ النَّتائجَ الحاسمةَ الَّتي لا يملكُ عيسى أيَّةَ طاقةٍ خاصَّةٍ بهِ فيها، بل إنَّ اللهَ هو الَّذي يمنحُ يدَ عيسى في لمستها للأكمهِ والأبرصِ سرَّ الشِّفاءِ، ويوحي إلى عيسى الوسيلةَ المعرفيَّةَ لاطِّلاعِهِ على ما يأكلونَ أو يخزنونَهُ في بيوتِهِم، كما يحيي اللهُ الميِّتَ عندَ وضعِ يدِ عيسى عليهِ. فاللهُ هو الّذي يقومُ بذلكَ، ولكنَّهُ يقومُ بذلكَ عندما تصدر عن عيسى هذهِ الحركاتُ.
بشريّةُ الأنبياءِ وقدراتُهم
وهكذا نرى أنَّهُ لا دليلَ في كلِّ هذهِ المواقعِ على الولايةِ التَّكوينيَّةِ في النَّصِّ القرآنيِّ، بل ربَّما نجدُ الدَّليلَ على خلافِها، من خلالِ الآياتِ الَّتي تدلُّ على أنَّ النَّبيَّ لا يملكُ شيئًا من ذلكَ كلِّهِ، وأنَّ مهمَّتَهُ الأولى والأخيرةَ هي الرِّسالةُ في حركتِها في الإبلاغِ والتَّبشيرِ والإنذارِ وهدايةِ النَّاسِ إلى سبلِ السَّلامِ في الطَّريقِ إلى اللهِ، بل إنَّ القرآنَ يؤكِّدُ وجودَ عناصرِ الضَّعفِ البشريِّ في ذاتِ الرَّسولِ، ولكنْ في المستوى الَّذي لا ينافي العصمةَ.
فنقرأُ في سورةِ الإسراءِ قولَهُ تعالى: {وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا}(الإسراء: 90 – 93)، فحالي حالُ أيِّ بشرٍ آخر، {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}(الكهف: 110)، فلا فرقَ بيني وبينَ البشرِ، في أنّ قدراتي خاصَّةٌ ومحدودةٌ جدًّا.
فنحن نلاحظ أنَّ النَّبيَّ (ص) لم يتحدَّث عن رفضه للمعجزات الاقتراحيَّة الَّتي يوجّهها النَّاس الكافرون إلى الأنبياء كوسيلة للتّحدّي والتَّعجيز، مما يرفضه الأنبياء، لأنَّ مهمَّة النّبيّ ليست إشغال نفسه بتنفيذ هذه الطَّلبات الَّتي لا معنى لها بعد إقامة الحجَّة عليهم من قبله. فالقضيَّة ليست رفضًا للموضوع لأنّه يرفض الأشياء الاقتراحيَّة، بل تحدَّث عن أنَّ ذلك لا يدخل في مهمَّته الرساليَّة، كما أنَّه لا يملك القدرة باعتبار بشريَّته الَّتي تختزن في داخلها الضّعف البشريّ.
وربما كان إنكار الكافرين على الأنبياء بشريَّتهم، لأنَّ النبوَّة الَّتي تمثّل الحالة الغيبيَّة المرتبطة بالله، لا بدَّ أن تملك قدرة تغييريَّة للكون في زعمهم، تمامًا كما هي الحالة في قدرة الله الَّذي لا بدَّ أن يعطي النبوَّة للملائكة الَّذين هم من عالم الغيب، ويملكون القدرات الغيبيَّة الكونيَّة أيضًا. وإلّا لماذا كانوا يقولون: لماذا لم يرسل الله ملكًا؟ لأنَّهم يعتقدون أنَّ الملائكة عندهم قدرات فوق العادة، بينما النّبيّ ليس عنده هذه القدرات.
وإذا كان بعض النَّاس يتحدَّثون عن أنَّ القائلين بالولاية التَّكوينيَّة يؤكّدون أنَّ النّبيّ لا يختزن في مضمون بشريَّته أيَّة قدرة ذاتيَّة، بل إنَّ الله هو الَّذي يمنحه ذلك، يعني أنَّ الله هو الّذي يجعل القدرة في ذاته وفي جسده، فإنّا نجيب بأنَّ النّبيّ إنَّما كان يتحدَّث عن الواقع الفعليّ الَّذي تمثّله طاقته في دوره، ونفي الفعليّة معناه أنَّ الله لم يملّكه ذلك: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا}، فالله لم يعطه هذه القدرة، بل أعطاه الطَّاقة المرتبطة بحركيَّة الرّسالة في النّاس، ولم يعطه الطَّاقة، حتَّى بإذنه، لمثل هذه الطّلبات الصَّعبة، بمعنى أنَّ الله قادر على أن يعطيه، ولكنَّه لم يعطه.
المعجزة الوحيدة للنّبيّ (ص)
قد نستوحي من هذه الآيات ومن غيرها، أنَّ المعجزة الوحيدة للنّبيّ (ص) هي القرآن الكريم، فلم يقم النّبيّ (ص) بمعجزة أخرى، كشقّ القمر مثلًا، كما يذهبُ البعضُ في تفسير قوله: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ}[القمر: 1]، أنّ قريشًا طلبت من النّبيّ أن يشقّ القمر، فدعا الله سبحانه وتعالى فانشقَّ. ومن الطَّريف أنَّ بعضَ الرِّوايات تذكر أنَّ نصفَ القمر دخل في كُمِّه! مع ما نعرفه اليوم عن حجم القمر وطبيعته...
فالآية {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ} إنّما تتحدَّث عن حالة يوم القيامة، لا بوصفها معجزةً اقتراحيّةً وقعت على يد النَّبيّ (ص)، بحيث لو كان شقّ القمر منه، لكان أكثر استجابةً للتحدّي الَّذي واجهه (ص) من قبل المشركين الّذين كانوا يطلبون منه أن يأتي بآية كما فعل الأوّلون. وقد تحدَّث المشركون عن هذه المسألة، وهي عدم قيام النَّبيّ محمَّد (ص) بالمعجزة المماثلة لما قام به الأنبياء السَّابقون، وذلك في قوله: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}(الأنعام: 37)، وقوله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۗ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}(الرَّعد: 7).
فقد يظهر من هذه الآية أنَّ إنزال الآيات ليس أمرًا ضروريًّا للنبوَّة، إلَّا في حالات التّحدّي الكبير الَّذي يهدّد حركتها في ساحة الصّراع والمواجهة. وبذلك لم ينزل الله على النَّبيّ آية، لأنَّ التَّحدّي لم يصل هذه المرتبة الحاسمة.
وقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}(الإسراء: 59)، ظاهره نفي مطلق لإرسال الآيات الّتي كانت مطلبًا ملحًّا للمشركين، كما جاء في آية أخرى في قوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ - وليست عند النّبيّ - وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ}(الأنعام: 109). فإنَّ المسألة لم تكن في مستوى الضَّرورة، ولم تكن في واقع الحاجة للمهمَّة الرّساليَّة.
الضّعف عند الأنبياء!
ونلتقي في آياتٍ أخرى ببعض مظاهر الضّعف البشريّ الفعلي للأنبياء، وذلك كما في قصَّة موسى (ع) الَّذي: {فَخَرَجَ مِنْهَا - أي من المدينة - خَائِفًا يَتَرَقَّبُ}(القصص: 21)، وكان يعيش الخوف من قتل فرعون وقومه له: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ}(الشَّعراء: 14)، والخوف في ساحة التّحدّي مع السَّحرة: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ}(طه: 67 - 68).
ونجد ذلك في قصَّة إبراهيم (ع) عندما دخل عليه الملائكة الَّذين جاؤوا لإنزال العذاب على قوم لوط: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ}(الذَّاريات: 28).
ونلاحظ ذلك في خطاب الله للنَّبيّ محمَّد (ص) في كيفيَّة تقديم نفسه للنَّاس: {قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ - أنا إنسان فقير - وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ}(الأنعام: 50).
وقد ورد هذا المضمون في سورة هود: {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا}(هود: 31).
فإنَّ هذه الآية ظاهرة في تأكيد بشريَّة الرَّسول، وبأنَّ كلَّ ما لديه هو من الله سبحانه وتعالى، يمنحه إيَّاه بقدر حاجة الرّسالة إليه في حركتها في الحياة.
علم الغيب عند النَّبيّ
وثمَّة إشارة في الآية إلى أنَّ الغيب الَّذي قد يعلّمه الله للنَّبيّ، إنَّما ينزل عليه بطريق الوحي، كما جاء التَّصريح به في آية أخرى: {ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ}(يوسف: 102)، وقد جاء في قوله تعالى: {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}(الأعراف: 188).
وهذه الآية تدلّ على نفي الفعليَّة في وجود الطَّاقة الَّتي تدفع عن النّبيّ الشّرّ وتجلب له الخير، بحيث إنَّها تأتي تدريجًا بمشيئة الله، لا بنحو خلق الطَّاقة في الكيان النَّبويّ ليتحرَّك من خلالها إراديًّا. ويؤكّد ذلك أنَّه يتحدَّث عن الواقع الَّذي كان يصيبه بالسّوء بمختلف ألوانه، أو يمنع عنه الكثير من الخير، فكأنَّه يريد الإيحاء بأنَّ ذلك لا يتَّصل بدوره الرّساليّ، لأنَّ دوره هو البشارة والإنذار لقوم يؤمنون، مما لا يحتاج فيه إلى علم الغيب، إلَّا بما يرتبط بحركة الرّسالة في تاريخ الرّسالات في الأمم السَّابقة، وهذا ما يوحيه الله إليه في القرآن الكريم من أنباء الغيب في التَّاريخ الَّذي لا يعلمه هو ولا قومه.
وقد ورد في بعض الآيات الحديث عن أنَّ الله يظهر رسله على الغيب، وذلك هو قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا}(الجنّ: 26 - 28).
فقد استند إليها القائلون بأنَّ الله أعطى رسوله وأولياءه العلم بالغيب، إمَّا بطريق الفعليّة الاستحضاريَّة، وإمَّا بطريق القوَّة والشَّأنيَّة، بمعنى أنَّه لو شاء أن يعلم لعلم. وذكروا أنَّ ظاهر الاستثناء في قوله تعالى: {إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} هو الإطلاق الَّذي لم يتقيَّد بشيء، ما يوحي بأنَّ المسألة تشمل كلّ شيء يريد الرَّسول أن يعلمه من الغيب. ويفسّرون ما حكي من كلامه تعالى من أنَّ إنكارهم العلم بالغيب أريد به نفي الأصالة والاستقلال، يعني: لا أعلم الغيب مستقلًّا دون ما كان يوحى.
ولكنَّنا نحتمل أن يكون قوله تعالى: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} إشارة إلى رعايةٍ إلهيّةٍ تحيط بالرَّسول فيما يُبلَّغ إليه من الغيب، فإنَّ الرّصد، أو هذا الجوّ الملائكيّ الَّذي يحميه من الشَّياطين، فيطردهم عنه، ويعصمه من وساوسهم وتخاليطهم، يراد منه ضمان وصول الوحي إلى النَّاس سالمـًا، من خلال حماية النَّبيّ (ص) حتى يبلّغ ما أوحي به إليه.
فليست الآية في مقام الحديث عن علم الرَّسول للغيب، بل عن حمايته بطريق الغيب، فكأنَّه بداية كلام جديد في الحديث عن مهمَّة الرّسل في إبلاغهم رسالات ربّهم واطّلاعه عليهم وحمايته لهم، وذلك على أسلوب الاستثناء المنقطع، لأنَّ الاستثناء - على حسب ما يراه هؤلاء - يتنافى مع الأسلوب القرآنيّ الَّذي يؤكّد نفي علم الأنبياء بالغيب، والَّذي لم يكن وارداً على سبيل نفي الاستقلال - كما ذكر - بل على نفي الفعليَّة بحسب الواقع الفعليّ الَّذي يعيشه الرّسول في حياته وفي مهمّته الرّساليَّة.
خلاصة الموضوع
وخلاصة الفكرة: إنَّ هناك فرقًا بين علم الغيب كملكة تدخل في نطاق التَّكوين الذَّاتيّ للنَّبيّ في خصوصيَّة نبوَّته، وهذا ما ينفيه الظَّاهر القرآنيّ، ولا سيَّما ذاك المتَّصل بإخبار الماضين، والَّذي يمكن إدراجه تحت عنوان علم الغيب، حيث ثمَّة إشارة واضحة في القرآن الكريم إلى أنَّ أنباءه هي من وحي الله، وبين علم الغيب المتَّصل ببعض موارد الحاجة إليه في موارد معيَّنة، فيلهمه الله إيّاه إلهامًا، فهذا ما لا ينفيه النّصّ القرآنيّ، بل قد تؤكّده بعض الآيات.
وقد وردت أحاديث متنوّعة في علم الأنبياء والأئمَّة بالغيب، وهي موضع جدل علميّ، وربما نتعرَّض لها فيما يأتي في حديث الغيب في آيات القرآن.
ومن خلال هذا الحديث الطَّويل، نستطيع أن نخرج بالفكرة الَّتي تنفي الولاية التَّكوينيَّة بمعناها التَّكويني الَّذي منحه الله للأنبياء والأئمَّة، لأنَّ الدَّليل لم يدلّ عليه بحسب فهمنا القاصر، ولكن يبقى في المسألة أنَّ الله يمنح الأنبياء الفرصة الَّتي يواجهون فيها تحدّيات الكفر بالمعجزات عند الحاجة إليها، وهذا لا علاقة له بالولاية التَّكوينيَّة.
والله العالم بحقائق آياته، والحمد لله ربّ العالمين.
* ندوة السبت الأسبوعيّة، الشَّام، بتاريخ: 11-4-2009 م.