محاضرات
28/03/2026

الإمام الخميني : مشروع الإسلام في مواجهة الاستكبار

الإمام الخميني : مشروع الإسلام في مواجهة الاستكبار

ما هو سرّه؟ لأنَّ كلّ إنسان ينطلق في الحياة كلّها للإنسان كلّه، لا بدَّ أن يكون له سرٌّ تلتقي عنده عناصر شخصيَّته. فما هو سرّه؟

العالم العرفانيّ

كان "العارف بالله" الَّذي عاش اللهُ في عقله، فكان التَّوحيدُ كلّ عقله؛ ينظر من خلاله إلى كلّ مواقع الحياة، ليرى الله في كلّ موقع، وينظر إلى كلّ إنسان في الحياة، ليرى فيه الطَّاقة الَّتي أراد الله لها أن تتفجَّر فكرًا وعاطفةً وحركةً في خطّ المسؤوليَّة الَّتي تُغني الحياة، لتغتني الحياة بالله من خلال عباده.

كان العارف بالله، وكان الله في قلبه، "ما وسعَني سمائي ولا أرضي، ولكنْ وَسِعَني قَلْبُ عبدي المؤمن". وعندما عاش الله في قلبه، هرب كلُّ النَّاس منه إلَّا الَّذين يعيشون مع الله؛ فإذا ذكرتهم ذكرت الله، وإذا ذكرت الله ذكرتهم.

"عَظُم الخالق في أنفسهم، فَصَغُر ما دونه في أعينهم"، وذلك كان سرّ شجاعته، لأنَّ مسألة أن يخاف الإنسانُ، هي مسألة أن يخاف من النَّاس، وقد قرأ في كتاب الله: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[آل عمران: 175].

كان العارف بالله، ولم تكن معرفته بالله تجريدًا يعزله عن الحياة وعن الإنسان، ليعيش في غيبوبة صوفيَّة ضبابيَّة لا يعرف فيها أين مطالع النّور! ولكن كان العارف بالله الَّذي انفتح على الحياة من خلاله سبحانه، فهي خلق الله، وهي مسؤوليّتنا أمام الله؛ أن نُغنيها، ونُعظّمها، ونُثير فيها كلّ خير، ونُحرّك فيها كلّ عدل وحريَّة، ولذلك كانت عرفانيَّته هي معنى واقعيَّة الحياة في روحه وعقله.

كان العارفَ بالله، وعندما عرَفَ الله، شعر بمسؤوليَّته عن عيالِهِ سبحانَه: "الخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللهِ". لذلك عاش مع الإنسان كلّه، وفكّر في آلام الإنسان كلّه، وانطلقت حضاريّته من سعة وعيه لإنسانيَّته، وتحرّكت كلّ خطوط الحضارة في حياته من خلال هذه الشّموليَّة في الحبّ لله، الَّتي تجعله يحبّ المؤمنين ليلتقي معهم على الله، ويحبّ غير المؤمنين ليهديهم إليه تعالى.

والحبّ - أيُّها الأحبَّة - ليس مجرَّد عاطفة تتأطَّر في داخلك من خلال ذاتك، ولكنَّه شيء يتّسع ويتّسع، ويسمو ويسمو، حتّى تشعر أنَّك لا تملك أن تحقد على أحد.. وحتّى وأنت تحقد على الكافر، فإنَّك تحقد على كفره لا على إنسانيّته الَّتي يمكن أن تنفتح على الإيمان من الأعماق.

وهكذا عندما تعيش مع أيّ إنسان لا تلتقي معه، فإنَّك تضادّ ما هو فيه، ولا تضادّه هو، كما قال الإمام عليّ (ع): "احْصُدِ الشَّرَّ مِنْ صَدْرِ غَيْرِكَ بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ".. كن الإنسان الَّذي يتخفَّف من الشَّرّ كلّه، فإنَّك سوف تلتقي بكلّ الَّذين يمكن أن يتخفّفوا من الشَّرّ من خلال إشراقة فكر، ولمسة حنان، وحركة انفتاح.

شجاعةٌ وانفتاح

ومن خلال ذلك، كان المنفتح الَّذي لم يتعقَّد.. كان، وهو المؤمن كأشدّ ما يكون المؤمن إخلاصًا لإيمانه، المنفتح على غير المؤمنين، لأنَّها رسالته.

والرّسالة، أيُّها الأحبَّة، لا يمكن أن تدخل في عقل إنسان آخر إلَّا أن يدخل الحبّ معها، ولا يمكن أن تدخل في قلب إنسان إلَّا إذا دخلت الرَّحمة معها، لأنَّ قضيَّة أن تفتح عقل إنسان، هو أن تعطيه الجوَّ الحميم الَّذي يمكن له أن يعيش فيه حنان الفكرة الَّتي تعطيها، قبل أن يعيش صلابة الفكرة الَّتي تقدّمها.

وهكذا رأيناه، وهو العارف بالله، الشّجاع في كلّ مواقف الصّراع.. كانت شجاعته الأولى مع نفسه، فعرف كيف ينتصر على نفسه الأمَّارة بالسّوء، لتنطلق نفسه لتكون الأمَّارة بكلّ خير وعدل ومحبَّة. وانتصر على كلّ الَّذين لا يعجبهم الجديد، لأنّهم ألفوا القديم واستراحوا له، فكانت فتاواه في أكثر من موقف تختلف مع الكثير من مشهور الفقهاء.

ولاية الفقيه.. والاستفتاء

كانت مسألة "ولاية الفقيه" مسألة لا يقول بها في المذهب الإماميّ الإسلاميّ إلّا القلّة من العلماء، وقصَّة "ولاية الفقيه" ليست مجرَّد نظريَّة للحكم، ولكنَّها مسألة تدفع الفقيه إلى ساحة الصّراع، ليعيش حركة الواقع، كلّ الواقع، سياسيًّا كان أو ثقافيًّا أو اقتصاديًّا، ليشعر أنَّ الواقع مسؤوليَّته، وأنَّه ليس مجرَّد إنسان ينظّر ويتفرّج على الواقع من فوق، ولكن أن يعطي الواقع شيئًا من عقله ليخطّط له، وشيئًا من قلبه ليفتحه على كلّ الآفاق، وشيئًا من حركته من أجل أن يغيّره، لأنَّ الله {لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}[الرّعد: 11].

ولم تكن ولاية الفقيه في وعيه حكمًا إلهيًّا فوقيًّا، ولكنَّها كانت تتحرَّك من خلال هذه الآيات: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ}[الشّورى: 38]، و{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}[آل عمران: 159]. ولذلك عندما أمسك بالثَّورة والدَّولة، أفسح المجال للاستفتاء الشَّعبيّ حتّى في الدستور.

ولعلَّ من المفارقات - وقد يعتبرها النَّاس من الغرائب - أن تستفتي النَّاس في الإسلام، لأنَّ الدّستور هو القاعدة الإسلاميَّة، ولكنَّ الاستفتاء هنا كالبيعة للنَّبيّ (ص). هناك، لم تكن البيعة منطلقة لتؤكّد الشَّرعيَّة، فشرعيّته (ص) مع الله ومن الله، ولكنَّها كانت تؤكّد التزام الأمَّة بالشَّرعيَّة الإلهيَّة، لتقوم الحجَّة عليهم بما آمنوا به في عقولهم، وبما التزموه في بيعتهم.

ولذلك، فإنَّ الاستفتاء الشَّعبيّ في الإسلام يعتبر حركة شورى متقدّمة من جهة، ويعتبر بيعة لكلّ هذه الدَّوائر الَّتي يطلّ منها المسؤول الإسلاميّ الكبير.

ومن هنا، أيُّها الأحبَّة، لا نريد أن نجامل إيران إذا قلنا إنَّ النّظام الإسلاميّ فيها يتقدّم حتّى على كثير من الدّول في الغرب، لأنَّه الإسلام الَّذي ينطلق بالاستفتاء بشكلٍ مباشر. ليس هناك انتخاب من الدَّرجة الأولى وانتخاب من الدَّرجة الثَّانية؛ كلّه من الدَّرجة الأولى.. النَّاس هم الَّذين يصوّتون على الدّستور، وهم الَّذين ينتخبون رئيس الجمهوريَّة، وهم الَّذين ينتخبون حتّى الوليّ الفقيه، فالوليّ الفقيه ليس مجرَّد إنسان يعيَّنُ من فوق، ويطلّ على النَّاس من فوق، ولكنَّه ينطلق من خلال قناعة النَّاس، وقد تكبر القناعة ليكون في الموقع المتقدّم، وقد تنكمش هذه القناعة، ولا يعترض أحد على انكماشها في جانب هنا وجانب هناك.

إطلاقُ مصطلحِ الاستكبار

ثمّ كان العارف بالله الَّذي انفتح على واقع الاستكبار في العالم.. لم يدخل في التَّنظير الَّذي ينظّر به هذا النَّهج السياسيّ أو ذاك الَّذين يتحدّثون عن "استعمار وكادحين" وما إلى ذلك، كان يعرف أنَّ مشكلة الإنسان في هذا العالم هي مشكلة استكبار؛ أن يستكبر عقلٌ على عقول الآخرين، وأن يستكبر ماله، وأن تستكبر قوَّته، وأن تستكبر أوضاعه.. وقصَّة الاستكبار قصَّة الإنسان الَّذي يعيش ضخامة الشَّخصيَّة الَّتي تتألَّه، والَّتي تحاول أن ترتفع عن الإنسان، فلذلك استخدم كلمة "المستكبرين"، ولم يستخدم كلمة "المستعمرين".

وأنا أتساءل: لماذا ينطلق كلّ هذا الجيل السياسيّ، جيل الَّذين يتحرّكون في الحريَّة، مع كلمة الاستعمار؟ إنّها اعتراف بأنَّهم جاؤوا من أجل أن يعمّروا لنا بلدنا! ونحن نعطيهم حجَّة عندما يقول كلّ واحد منَّا "المستعمر والمستعمرون"، إنّها تحمل شيئًا سلبيًّا في وعينا لهذا الواقع الَّذي صادر كلّ حريّتنا.

لذلك، كانت كلمة "المستكبرين" هي الكلمة القرآنيَّة الَّتي يريد الله فيها أن يثير المستضعفين، ليقول لهم إنَّ الضّعف ليس مبرّرًا ولا عذرًا للانحراف وللسّقوط، ما دمتم تستطيعون أن تأخذوا بأسباب القوَّة: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}]النّساء: 97[. لذلك، ليس لك أن تستضعف نفسك لتنحرف أمام المستكبرين، وليس لك أن تعيش الضّعف وأنت قادر أن تنتقل إلى موقع آخر تنمّي فيه القوَّة لتأخذ بأسبابها بعد ذلك.

جبهةُ المستضعفين

لذلك، تحدَّث الإمام الخمينيّ عن المستكبرين، وعندما كان الاستكبار يتحرَّك بين قوَّتين، قوَّة الشَّرق وقوَّة الغرب، كان يقول للنَّاس: "لا شرقيَّة ولا غربيَّة"، لأنَّ الشَّرق حتّى لو كان يلتقي معنا في بعض مواقعنا، لكنَّه يلتقي معنا من خلال أنَّ ذلك الموقع هو الموقع الَّذي يتحرَّك في ساحة الصّراع مع الآخر.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، أنتم تعرفون أنَّ تأييد الشَّرق لنا، كان تأييدًا يتحرَّك ضمن الموازنات والمصالح الدّوليَّة هنا وهناك. نحن لا مشكلة عندنا في أن يمدّ أحد إلينا يدًا، ولكن علينا أن نعرف قضيّتنا نحن، كيف تتحرّك وكيف تنطلق.

لذلك، كان يعتبر الشَّرق استكبارًا من خلال طبيعة أسلوبه، كما كان يعتبر الغرب استكبارًا، وإن كان الاستكبار هنا يختلف، لكنَّ الفكرة تبقى واحدة. وهذا ما يجب أن نعيه في كلّ واقع المستضعفين.

وقد عرف أنَّ مسألة مواجهة المستكبرين هي مسألة أن تعمل على أن تكون هناك جبهة للمستضعفين، وأن ينطلق المستضعفون في وحدة.. ولذلك، ولأوَّل مرَّة في الواقع التَّاريخيّ للواقع الإسلاميّ، وربّما للواقع الشَّرقيّ، ينطلق نداء "يا مستضعفي العالم اتَّحدوا"، لأنَّ الإمام الخميني كان يعتبر أنَّ أيّ انتصار للمستضعفين في مكان، هو قوَّة لهم في مكان آخر، وأنَّ كلّ قوّة للاستكبار هنا، هي قوَّة له هناك، لذلك أراد للمستضعفين أن يتَّحدوا وأن يؤلّفوا جبهة..

وحدة المسلمين

وعندما انفتح على الواقع الإسلاميّ، قال: "يا مسلمي العالم اتَّحدوا"، لأنَّ المسألة هي أن تكون الوحدة الإسلاميَّة: فكريًّا على القضايا الَّتي يلتقي عليها المسلمون، واجتماعيًّا على القضايا الَّتي يعيش في داخلها المسلمون، وسياسيًّا على القضايا الكبرى الَّتي يتَّفق عليها المسلمون. وهكذا كان يريد للمسلمين أن يبحثوا عن مواقع اللّقاء وعن الكلمة السّواء، لأنَّ القضيَّة في كلّ ما يصيب المسلمين هنا وهناك، ليست قضيَّة مجتمع سنّي يريد الاستكبارُ أن يقهره، أو مجتمع شيعيّ يريد الاستكبارُ أن يقهره؛ إنَّ المطلوب هو "رأس الإسلام"؛ الإسلام المتحرّك، الإسلام الَّذي يفتح عقل الإنسان وحركته على الحريَّة، أمَّا الإسلام الَّذي يسبّح في بلاطات الملوك والأمراء والرّؤساء وغيرهم بعيدًا من قضايا الحريَّة والعدالة، فهو إسلام يوافق عليه كلّ المستكبرين، لأنَّه لن يتعبهم.

لذلك، كانت المسألة أنَّ للوحدة الإسلاميَّة مضمونًا ينطلق من خلال الرَّفض؛ أن ترفض بيدك إن استطعت من خلال هذه الوحدة، أن ترفض بكلمتك إن استطعت، وأضعف الإيمان أن ترفض بقلبك وبفكرك وبعقلك، أن تكون الإنسان الرَّافض. ليست وحدة إسلاميَّة تتمّ بالمجاملات أو بالتّسويات، بل وحدة إسلاميَّة تنطلق على أساس: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}[هود: 113]، وحدة إسلاميَّة تنطلق في خطّ عبادة الله وحده، وتقوى الله وحده: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء: 92]، {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}[المؤمنون: 52]، التَّقوى الثَّقافيَّة، والتَّقوى السياسيَّة، والتَّقوى الاجتماعيَّة، والتَّقوى الأمنيَّة.

مشروع الإسلام

وهكذا، أيُّها الأحبَّة، كان الإنسان الشّجاع في فقهه، وكان الشّجاع في سياسته، وكان الشّجاع في مواقفه الصَّلبة. وقد سمعته في حفل ضمّ أكثر الدّبلوماسيّين هناك، وأكثر قادة البلد، والشَّعب من حوله - وهو يقول بكلّ خشوع كأنّه يصلّي، وبكلّ خضوع كأنّه يبتهل: كلّ ما عندنا هو من الله، أنا لم أفعل شيئًا، لم أقم بشيء، فالله هو الّذي نصر ووفَّق وأعطى، وإذا كان هناك شيء للإنسان، فلست أنا الإنسان الَّذي عمل، ولكنَّها الأمَّة هي الَّتي ثارت وتألَّمت وعانت وعملت.

هذا الإنسان الكبير الَّذي عاش من خلال أنَّه العارف بالله، الَّذي عاش لله ابتهالًا، وعاش لله فقهًا، وعاش لله حركةً، وعاش لله في أمَّته.. احتضن أمَّته واحتضن الحياة، وكان يشعر بأنَّ القضيَّة، كلّ القضيَّة، هي الإسلام، وهذا هو مشروعه الحضاريّ، كان الإسلام قاعدته الحضاريَّة، لذلك لم يتحدَّث في أيّ شعار أطلقه إلَّا بالخطّ الإسلاميّ الأصيل، ولم ينطلق في أيّة خطّة خطَّط لها إلَّا من خلال ما ترتبط به الوسيلة بالهدف.

كان مخلصًا لكلمة الإسلام؛ أن تبقى تعيش في عقل الأمَّة حتّى وأنت تمدّ يدك إلى غير المسلمين.. أن تمدَّ يدك إلى غير المسلمين، لا من خلال حالة سياسيَّة طارئة يمكن أن تنطلق بها السياسة يومًا وتنفصل عنها يومًا، بل من خلال أنّها جذر الإسلام في عقيدته: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا}[آل عمران: 64]، و{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}[العنكبوت: 46].

القضيَّةُ الفلسطينيَّة

ومن خلال ذلك، انطلق مع فلسطين، كلّ فلسطين، وتحدَّث عن إسرائيل كغدَّة سرطانيَّة، وأراد للمسلمين أن يقفوا أمَّة واحدة في مواجهتها.

ولذلك، أيُّها الأحبَّة، من خلال خطّ الإمام الخمينيّ، ومن خلال وعيه لمشكلة اليهود في عالمنا الإسلاميّ كلّه، علينا أن لا نضع في حساباتنا، حتّى المستقبليَّة، أن تكون لإسرائيل شرعيَّة. حتّى كلّ هذه الاحتجاجات للإساءة إلى النَّبيّ (ص)، وكلّ هذه المظاهرات، قد تكون شيئًا يرضي إيماننا، ولكن أتعرفون ما الاحتجاج الكبير؟ أن يبتعد الَّذين صالحوا عن الصّلح ليخلصوا لأمّتهم، وأن يبتعد الَّذين طبّعوا عن التَّطبيع، وأن يبتعد الشَّعب عن أيّ تطبيع مع إسرائيل. إنَّ الردّ على الملصقات، هو أن لا نقابلها بملصقات وبتصريحات، ولكن أن نقابلها بالموقف، كلّ الموقف؛ الموقف الَّذي يقول لك: "اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدًا"، أن لا نيأس: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ}[يوسف: 87]، وأن لا نضعف: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[آل عمران: 139].

هذه هي قيم العزّة والحريّة والكرامة والقوَّة في خطّ الإسلام، فهل نأخذ بها فعلًا لا قولًا؟ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ *  كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}[الصّفّ: 2 – 3].

والحمد لله ربّ العالمين.

* مؤتمر الإمام الخميني (رض)، بدعوة من المستشاريَّة الثَّقافيَّة الإيرانيَّة - دمشق، بتاريخ: 07/07/1997م.

ما هو سرّه؟ لأنَّ كلّ إنسان ينطلق في الحياة كلّها للإنسان كلّه، لا بدَّ أن يكون له سرٌّ تلتقي عنده عناصر شخصيَّته. فما هو سرّه؟

العالم العرفانيّ

كان "العارف بالله" الَّذي عاش اللهُ في عقله، فكان التَّوحيدُ كلّ عقله؛ ينظر من خلاله إلى كلّ مواقع الحياة، ليرى الله في كلّ موقع، وينظر إلى كلّ إنسان في الحياة، ليرى فيه الطَّاقة الَّتي أراد الله لها أن تتفجَّر فكرًا وعاطفةً وحركةً في خطّ المسؤوليَّة الَّتي تُغني الحياة، لتغتني الحياة بالله من خلال عباده.

كان العارف بالله، وكان الله في قلبه، "ما وسعَني سمائي ولا أرضي، ولكنْ وَسِعَني قَلْبُ عبدي المؤمن". وعندما عاش الله في قلبه، هرب كلُّ النَّاس منه إلَّا الَّذين يعيشون مع الله؛ فإذا ذكرتهم ذكرت الله، وإذا ذكرت الله ذكرتهم.

"عَظُم الخالق في أنفسهم، فَصَغُر ما دونه في أعينهم"، وذلك كان سرّ شجاعته، لأنَّ مسألة أن يخاف الإنسانُ، هي مسألة أن يخاف من النَّاس، وقد قرأ في كتاب الله: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[آل عمران: 175].

كان العارف بالله، ولم تكن معرفته بالله تجريدًا يعزله عن الحياة وعن الإنسان، ليعيش في غيبوبة صوفيَّة ضبابيَّة لا يعرف فيها أين مطالع النّور! ولكن كان العارف بالله الَّذي انفتح على الحياة من خلاله سبحانه، فهي خلق الله، وهي مسؤوليّتنا أمام الله؛ أن نُغنيها، ونُعظّمها، ونُثير فيها كلّ خير، ونُحرّك فيها كلّ عدل وحريَّة، ولذلك كانت عرفانيَّته هي معنى واقعيَّة الحياة في روحه وعقله.

كان العارفَ بالله، وعندما عرَفَ الله، شعر بمسؤوليَّته عن عيالِهِ سبحانَه: "الخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللهِ". لذلك عاش مع الإنسان كلّه، وفكّر في آلام الإنسان كلّه، وانطلقت حضاريّته من سعة وعيه لإنسانيَّته، وتحرّكت كلّ خطوط الحضارة في حياته من خلال هذه الشّموليَّة في الحبّ لله، الَّتي تجعله يحبّ المؤمنين ليلتقي معهم على الله، ويحبّ غير المؤمنين ليهديهم إليه تعالى.

والحبّ - أيُّها الأحبَّة - ليس مجرَّد عاطفة تتأطَّر في داخلك من خلال ذاتك، ولكنَّه شيء يتّسع ويتّسع، ويسمو ويسمو، حتّى تشعر أنَّك لا تملك أن تحقد على أحد.. وحتّى وأنت تحقد على الكافر، فإنَّك تحقد على كفره لا على إنسانيّته الَّتي يمكن أن تنفتح على الإيمان من الأعماق.

وهكذا عندما تعيش مع أيّ إنسان لا تلتقي معه، فإنَّك تضادّ ما هو فيه، ولا تضادّه هو، كما قال الإمام عليّ (ع): "احْصُدِ الشَّرَّ مِنْ صَدْرِ غَيْرِكَ بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ".. كن الإنسان الَّذي يتخفَّف من الشَّرّ كلّه، فإنَّك سوف تلتقي بكلّ الَّذين يمكن أن يتخفّفوا من الشَّرّ من خلال إشراقة فكر، ولمسة حنان، وحركة انفتاح.

شجاعةٌ وانفتاح

ومن خلال ذلك، كان المنفتح الَّذي لم يتعقَّد.. كان، وهو المؤمن كأشدّ ما يكون المؤمن إخلاصًا لإيمانه، المنفتح على غير المؤمنين، لأنَّها رسالته.

والرّسالة، أيُّها الأحبَّة، لا يمكن أن تدخل في عقل إنسان آخر إلَّا أن يدخل الحبّ معها، ولا يمكن أن تدخل في قلب إنسان إلَّا إذا دخلت الرَّحمة معها، لأنَّ قضيَّة أن تفتح عقل إنسان، هو أن تعطيه الجوَّ الحميم الَّذي يمكن له أن يعيش فيه حنان الفكرة الَّتي تعطيها، قبل أن يعيش صلابة الفكرة الَّتي تقدّمها.

وهكذا رأيناه، وهو العارف بالله، الشّجاع في كلّ مواقف الصّراع.. كانت شجاعته الأولى مع نفسه، فعرف كيف ينتصر على نفسه الأمَّارة بالسّوء، لتنطلق نفسه لتكون الأمَّارة بكلّ خير وعدل ومحبَّة. وانتصر على كلّ الَّذين لا يعجبهم الجديد، لأنّهم ألفوا القديم واستراحوا له، فكانت فتاواه في أكثر من موقف تختلف مع الكثير من مشهور الفقهاء.

ولاية الفقيه.. والاستفتاء

كانت مسألة "ولاية الفقيه" مسألة لا يقول بها في المذهب الإماميّ الإسلاميّ إلّا القلّة من العلماء، وقصَّة "ولاية الفقيه" ليست مجرَّد نظريَّة للحكم، ولكنَّها مسألة تدفع الفقيه إلى ساحة الصّراع، ليعيش حركة الواقع، كلّ الواقع، سياسيًّا كان أو ثقافيًّا أو اقتصاديًّا، ليشعر أنَّ الواقع مسؤوليَّته، وأنَّه ليس مجرَّد إنسان ينظّر ويتفرّج على الواقع من فوق، ولكن أن يعطي الواقع شيئًا من عقله ليخطّط له، وشيئًا من قلبه ليفتحه على كلّ الآفاق، وشيئًا من حركته من أجل أن يغيّره، لأنَّ الله {لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}[الرّعد: 11].

ولم تكن ولاية الفقيه في وعيه حكمًا إلهيًّا فوقيًّا، ولكنَّها كانت تتحرَّك من خلال هذه الآيات: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ}[الشّورى: 38]، و{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}[آل عمران: 159]. ولذلك عندما أمسك بالثَّورة والدَّولة، أفسح المجال للاستفتاء الشَّعبيّ حتّى في الدستور.

ولعلَّ من المفارقات - وقد يعتبرها النَّاس من الغرائب - أن تستفتي النَّاس في الإسلام، لأنَّ الدّستور هو القاعدة الإسلاميَّة، ولكنَّ الاستفتاء هنا كالبيعة للنَّبيّ (ص). هناك، لم تكن البيعة منطلقة لتؤكّد الشَّرعيَّة، فشرعيّته (ص) مع الله ومن الله، ولكنَّها كانت تؤكّد التزام الأمَّة بالشَّرعيَّة الإلهيَّة، لتقوم الحجَّة عليهم بما آمنوا به في عقولهم، وبما التزموه في بيعتهم.

ولذلك، فإنَّ الاستفتاء الشَّعبيّ في الإسلام يعتبر حركة شورى متقدّمة من جهة، ويعتبر بيعة لكلّ هذه الدَّوائر الَّتي يطلّ منها المسؤول الإسلاميّ الكبير.

ومن هنا، أيُّها الأحبَّة، لا نريد أن نجامل إيران إذا قلنا إنَّ النّظام الإسلاميّ فيها يتقدّم حتّى على كثير من الدّول في الغرب، لأنَّه الإسلام الَّذي ينطلق بالاستفتاء بشكلٍ مباشر. ليس هناك انتخاب من الدَّرجة الأولى وانتخاب من الدَّرجة الثَّانية؛ كلّه من الدَّرجة الأولى.. النَّاس هم الَّذين يصوّتون على الدّستور، وهم الَّذين ينتخبون رئيس الجمهوريَّة، وهم الَّذين ينتخبون حتّى الوليّ الفقيه، فالوليّ الفقيه ليس مجرَّد إنسان يعيَّنُ من فوق، ويطلّ على النَّاس من فوق، ولكنَّه ينطلق من خلال قناعة النَّاس، وقد تكبر القناعة ليكون في الموقع المتقدّم، وقد تنكمش هذه القناعة، ولا يعترض أحد على انكماشها في جانب هنا وجانب هناك.

إطلاقُ مصطلحِ الاستكبار

ثمّ كان العارف بالله الَّذي انفتح على واقع الاستكبار في العالم.. لم يدخل في التَّنظير الَّذي ينظّر به هذا النَّهج السياسيّ أو ذاك الَّذين يتحدّثون عن "استعمار وكادحين" وما إلى ذلك، كان يعرف أنَّ مشكلة الإنسان في هذا العالم هي مشكلة استكبار؛ أن يستكبر عقلٌ على عقول الآخرين، وأن يستكبر ماله، وأن تستكبر قوَّته، وأن تستكبر أوضاعه.. وقصَّة الاستكبار قصَّة الإنسان الَّذي يعيش ضخامة الشَّخصيَّة الَّتي تتألَّه، والَّتي تحاول أن ترتفع عن الإنسان، فلذلك استخدم كلمة "المستكبرين"، ولم يستخدم كلمة "المستعمرين".

وأنا أتساءل: لماذا ينطلق كلّ هذا الجيل السياسيّ، جيل الَّذين يتحرّكون في الحريَّة، مع كلمة الاستعمار؟ إنّها اعتراف بأنَّهم جاؤوا من أجل أن يعمّروا لنا بلدنا! ونحن نعطيهم حجَّة عندما يقول كلّ واحد منَّا "المستعمر والمستعمرون"، إنّها تحمل شيئًا سلبيًّا في وعينا لهذا الواقع الَّذي صادر كلّ حريّتنا.

لذلك، كانت كلمة "المستكبرين" هي الكلمة القرآنيَّة الَّتي يريد الله فيها أن يثير المستضعفين، ليقول لهم إنَّ الضّعف ليس مبرّرًا ولا عذرًا للانحراف وللسّقوط، ما دمتم تستطيعون أن تأخذوا بأسباب القوَّة: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}]النّساء: 97[. لذلك، ليس لك أن تستضعف نفسك لتنحرف أمام المستكبرين، وليس لك أن تعيش الضّعف وأنت قادر أن تنتقل إلى موقع آخر تنمّي فيه القوَّة لتأخذ بأسبابها بعد ذلك.

جبهةُ المستضعفين

لذلك، تحدَّث الإمام الخمينيّ عن المستكبرين، وعندما كان الاستكبار يتحرَّك بين قوَّتين، قوَّة الشَّرق وقوَّة الغرب، كان يقول للنَّاس: "لا شرقيَّة ولا غربيَّة"، لأنَّ الشَّرق حتّى لو كان يلتقي معنا في بعض مواقعنا، لكنَّه يلتقي معنا من خلال أنَّ ذلك الموقع هو الموقع الَّذي يتحرَّك في ساحة الصّراع مع الآخر.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، أنتم تعرفون أنَّ تأييد الشَّرق لنا، كان تأييدًا يتحرَّك ضمن الموازنات والمصالح الدّوليَّة هنا وهناك. نحن لا مشكلة عندنا في أن يمدّ أحد إلينا يدًا، ولكن علينا أن نعرف قضيّتنا نحن، كيف تتحرّك وكيف تنطلق.

لذلك، كان يعتبر الشَّرق استكبارًا من خلال طبيعة أسلوبه، كما كان يعتبر الغرب استكبارًا، وإن كان الاستكبار هنا يختلف، لكنَّ الفكرة تبقى واحدة. وهذا ما يجب أن نعيه في كلّ واقع المستضعفين.

وقد عرف أنَّ مسألة مواجهة المستكبرين هي مسألة أن تعمل على أن تكون هناك جبهة للمستضعفين، وأن ينطلق المستضعفون في وحدة.. ولذلك، ولأوَّل مرَّة في الواقع التَّاريخيّ للواقع الإسلاميّ، وربّما للواقع الشَّرقيّ، ينطلق نداء "يا مستضعفي العالم اتَّحدوا"، لأنَّ الإمام الخميني كان يعتبر أنَّ أيّ انتصار للمستضعفين في مكان، هو قوَّة لهم في مكان آخر، وأنَّ كلّ قوّة للاستكبار هنا، هي قوَّة له هناك، لذلك أراد للمستضعفين أن يتَّحدوا وأن يؤلّفوا جبهة..

وحدة المسلمين

وعندما انفتح على الواقع الإسلاميّ، قال: "يا مسلمي العالم اتَّحدوا"، لأنَّ المسألة هي أن تكون الوحدة الإسلاميَّة: فكريًّا على القضايا الَّتي يلتقي عليها المسلمون، واجتماعيًّا على القضايا الَّتي يعيش في داخلها المسلمون، وسياسيًّا على القضايا الكبرى الَّتي يتَّفق عليها المسلمون. وهكذا كان يريد للمسلمين أن يبحثوا عن مواقع اللّقاء وعن الكلمة السّواء، لأنَّ القضيَّة في كلّ ما يصيب المسلمين هنا وهناك، ليست قضيَّة مجتمع سنّي يريد الاستكبارُ أن يقهره، أو مجتمع شيعيّ يريد الاستكبارُ أن يقهره؛ إنَّ المطلوب هو "رأس الإسلام"؛ الإسلام المتحرّك، الإسلام الَّذي يفتح عقل الإنسان وحركته على الحريَّة، أمَّا الإسلام الَّذي يسبّح في بلاطات الملوك والأمراء والرّؤساء وغيرهم بعيدًا من قضايا الحريَّة والعدالة، فهو إسلام يوافق عليه كلّ المستكبرين، لأنَّه لن يتعبهم.

لذلك، كانت المسألة أنَّ للوحدة الإسلاميَّة مضمونًا ينطلق من خلال الرَّفض؛ أن ترفض بيدك إن استطعت من خلال هذه الوحدة، أن ترفض بكلمتك إن استطعت، وأضعف الإيمان أن ترفض بقلبك وبفكرك وبعقلك، أن تكون الإنسان الرَّافض. ليست وحدة إسلاميَّة تتمّ بالمجاملات أو بالتّسويات، بل وحدة إسلاميَّة تنطلق على أساس: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}[هود: 113]، وحدة إسلاميَّة تنطلق في خطّ عبادة الله وحده، وتقوى الله وحده: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء: 92]، {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}[المؤمنون: 52]، التَّقوى الثَّقافيَّة، والتَّقوى السياسيَّة، والتَّقوى الاجتماعيَّة، والتَّقوى الأمنيَّة.

مشروع الإسلام

وهكذا، أيُّها الأحبَّة، كان الإنسان الشّجاع في فقهه، وكان الشّجاع في سياسته، وكان الشّجاع في مواقفه الصَّلبة. وقد سمعته في حفل ضمّ أكثر الدّبلوماسيّين هناك، وأكثر قادة البلد، والشَّعب من حوله - وهو يقول بكلّ خشوع كأنّه يصلّي، وبكلّ خضوع كأنّه يبتهل: كلّ ما عندنا هو من الله، أنا لم أفعل شيئًا، لم أقم بشيء، فالله هو الّذي نصر ووفَّق وأعطى، وإذا كان هناك شيء للإنسان، فلست أنا الإنسان الَّذي عمل، ولكنَّها الأمَّة هي الَّتي ثارت وتألَّمت وعانت وعملت.

هذا الإنسان الكبير الَّذي عاش من خلال أنَّه العارف بالله، الَّذي عاش لله ابتهالًا، وعاش لله فقهًا، وعاش لله حركةً، وعاش لله في أمَّته.. احتضن أمَّته واحتضن الحياة، وكان يشعر بأنَّ القضيَّة، كلّ القضيَّة، هي الإسلام، وهذا هو مشروعه الحضاريّ، كان الإسلام قاعدته الحضاريَّة، لذلك لم يتحدَّث في أيّ شعار أطلقه إلَّا بالخطّ الإسلاميّ الأصيل، ولم ينطلق في أيّة خطّة خطَّط لها إلَّا من خلال ما ترتبط به الوسيلة بالهدف.

كان مخلصًا لكلمة الإسلام؛ أن تبقى تعيش في عقل الأمَّة حتّى وأنت تمدّ يدك إلى غير المسلمين.. أن تمدَّ يدك إلى غير المسلمين، لا من خلال حالة سياسيَّة طارئة يمكن أن تنطلق بها السياسة يومًا وتنفصل عنها يومًا، بل من خلال أنّها جذر الإسلام في عقيدته: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا}[آل عمران: 64]، و{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}[العنكبوت: 46].

القضيَّةُ الفلسطينيَّة

ومن خلال ذلك، انطلق مع فلسطين، كلّ فلسطين، وتحدَّث عن إسرائيل كغدَّة سرطانيَّة، وأراد للمسلمين أن يقفوا أمَّة واحدة في مواجهتها.

ولذلك، أيُّها الأحبَّة، من خلال خطّ الإمام الخمينيّ، ومن خلال وعيه لمشكلة اليهود في عالمنا الإسلاميّ كلّه، علينا أن لا نضع في حساباتنا، حتّى المستقبليَّة، أن تكون لإسرائيل شرعيَّة. حتّى كلّ هذه الاحتجاجات للإساءة إلى النَّبيّ (ص)، وكلّ هذه المظاهرات، قد تكون شيئًا يرضي إيماننا، ولكن أتعرفون ما الاحتجاج الكبير؟ أن يبتعد الَّذين صالحوا عن الصّلح ليخلصوا لأمّتهم، وأن يبتعد الَّذين طبّعوا عن التَّطبيع، وأن يبتعد الشَّعب عن أيّ تطبيع مع إسرائيل. إنَّ الردّ على الملصقات، هو أن لا نقابلها بملصقات وبتصريحات، ولكن أن نقابلها بالموقف، كلّ الموقف؛ الموقف الَّذي يقول لك: "اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدًا"، أن لا نيأس: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ}[يوسف: 87]، وأن لا نضعف: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[آل عمران: 139].

هذه هي قيم العزّة والحريّة والكرامة والقوَّة في خطّ الإسلام، فهل نأخذ بها فعلًا لا قولًا؟ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ *  كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}[الصّفّ: 2 – 3].

والحمد لله ربّ العالمين.

* مؤتمر الإمام الخميني (رض)، بدعوة من المستشاريَّة الثَّقافيَّة الإيرانيَّة - دمشق، بتاريخ: 07/07/1997م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية