يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}(الحجر: 85). وقال سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}(الأنبياء: 16-18). وقال سبحانه: {لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}(الزخرف: 78). {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}(الكهف: 29). صدق الله العليّ العظيم.
الحقّ أساس نظام الكون
في هذه الآيات، وفي غيرها من الآيات، تأكيدٌ على الحقّ في مواجهة الباطل، لأنَّ الله أقام الكون على الحقّ، فالسَّماوات والأرض ترتكزان على أساس الحقّ، ولكلّ ظاهرةٍ كونيّةٍ في السّماء وفي الأرض سرٌّ يتَّصل بنظام الكون كلّه، وبنظام الحياة كلّها، وليس هناك أيّ لغوٍ، وأيّ لعبٍ، وأيّ لهوٍ. فالله سبحانه وتعالى أراد لكلّ شيءٍ في الكون، مهما كان صغيرًا، حتّى الأشياء الَّتي لا تدركها العين المجرَّدة، أن يكون له دورٌ في نظام الكون، وفي حركة الحياة.
ولنحاول أن نقوم بدراسةٍ لكلّ شيءٍ في الكون من خلال ما اكتشفه العلماء من أسراره، فسنجد الذّرّة الّتي هي أصغر شيءٍ في الكون، تختزن في داخلها الكثير من الأسرار والقوانين، ومن النّتائج الّتي تتَّصل بالواقع الكونيّ كلّه.
وهكذا يريد الله للإنسان في الحياة أن يتكامل مع الكون، فإذا كان الكون لا يرتكز على اللَّهو، وعلى العبث، وعلى اللَّعب، فالإنسان جزءٌ من هذا الكون، فلا بدَّ أن تكون حياته حياةً ترتكز على أساس الحقّ، بمعنى أن تكون كلّ كلمةٍ تصدر عن الإنسان، وكلّ رأيٍ ينطلق من عقله، وكلّ حركةٍ يتحرّك بها في حياته، مصدر نفعٍ للحياة وللإنسان، ولا يكون مصدر ضررٍ لها.. أن يكون وجوده، عندما يبدأ حركته في حركة هذا الوجود، وجودًا ينطلق منه الحقّ ليثبّت الحياة من خلاله، وينطلق منه الخير ليعطي للحياة معنًى تكبر به وترتفع وتسمو.
صراع الحقّ والباطل
لذلك - أيُّها الأحبَّة - لا بدَّ لنا من أن نفكّر في كلّ شيءٍ نؤمن به، وفي كلّ شيءٍ نقوله، وفي كلّ شيءٍ نعمله: هل هذا حقٌّ؟ هل هذا خيرٌ؟ هل هذا عدلٌ؟ حتَّى إذا رأيته خيرًا وحقًّا وعدلًا انطلقتَ فيه، أمَّا إذا رأيته شرًّا وضررًا وباطلًا، فما الَّذي يجعلك ترغب في الباطل، وفي الشَّرّ، وفي الإضرار بالنَّاس وظلمهم؟
ربّما يتصوَّر بعض النَّاس أنّهم يكبرون بالباطل، وأنّهم يستطيعون أن يحقّقوا من خلاله نتائج كبيرة. ولكنَّ الحقيقة أنّ الباطل لغوٌ لا قيمة له. ومعنى الباطل في اللّغة يشبه ما نقوله في حياتنا اليوميّة عندما نصف عملةً ما بأنّها أصبحت باطلة، أي أنّها لم تعد صالحةً للانتفاع، ولا تحمل أيّ قيمة. فإذا خرج الشَّيء عن حدّ النّفع، نقول عنه: بَطل أو أصبح باطلًا. ولذلك، لا يحتاج معنى الباطل إلى فلسفةٍ معقّدة، لأنّكم تعبّرون عنه بطبيعتكم في كلامكم اليوميّ؛ فعندما تقولون: هذه العملة بطلت، أو هذا المشروع بَطل، فالمعنى أنّه انتهى وفقد قيمته ولم يعد له فائدة.
أمَّا الحقّ، فهو الشَّيء الثَّابت الّذي يختزن في داخله عنصر البقاء، فلا يزول ولا يضمحلّ. فالحقّ في العقيدة يثبت فيها مهما كانت الشّبهات، والحقّ في الموقف يجعله ثابتًا مهما تعرّض للهزّات والضّغوط.
إذًا، لا بدَّ أن نفكّر - أيُّها الأحبَّة - أنَّ الباطل قد يغرينا بأرباحه، ولكنَّ أرباح الباطل سوف تذهب مع ذهاب الباطل. أمَّا الحقّ فقد يُتعبنا، قد يُجهدنا، قد يُخسّرنا بعض الشّيء، قد يُؤلمنا، ولكنَّه يحمل في داخله للمستقبل راحةً وربحًا وخيرًا يعوّضنا عن كلّ ما خسرناه، وعن كلّ ما تعبنا فيه، وعن كلّ ما أُجهدنا به.
هنا، يريد الله منّا أن نستوحي من هذه الآية: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}(الأنبياء: 18)، يعني لا بدَّ أن تكون الحياة عندنا صراعًا بين الحقّ والباطل؛ أن نلتزم الحقّ فنؤيّده ونتحرَّك فيه، وأن لا نلتزم الباطل، بل نرفضه ونخذله لنسقطه.
الحقّ والباطل في العقيدة
والحقّ والباطل كلمتان قد تكونان غامضتين في التَّطبيق. فبحسب المفهوم، الحقّ هو الشَّيء الثَّابت، والباطل هو الشَّيء اللّاغي الّذي يزول. ولكن بحسب التَّطبيق، هناك حقٌّ في العقيدة، وهناك باطلٌ في العقيدة؛ الحقّ في العقيدة يتمثّل في توحيد الله، فالله سبحانه وتعالى هو الإله الواحد، ولا ربّ غيره، هذا هو الحقّ في العقيدة. وفي مقابله هناك الشّرك بالله، وهذا هو الباطل في العقيدة. بعد ذلك، تأتي النّبوّة ورسالات الرّسل، وهذا هو خطّ الحقّ وقيادة الحقّ. وفي المقابل، هناك المستكبرون، والكافرون، والطَّاغون، والضَّالّون، وهذا هو الباطل وقيادة الباطل.
الحقّ هو الإيمان باليوم الآخر؛ بأنَّ هناك يومًا يجمع الله فيه النَّاس ليحاسبهم على أعمالهم: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}(الزَّلزلة: 7 - 8). وهناك باطلٌ في العقيدة، وهو كما في قول بعض النَّاس مما ذكره القرآن: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}(المؤمنون: 82)، أو أن يقولوا: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}(الجاثية: 24)، فهذا باطلٌ في العقيدة.
هنا، لا بدَّ لنا من أن نلتزم الحقّ في العقيدة؛ فإذا التزمتَ بوجود الله وتوحيده، والتزمتَ بعدله، والتزمتَ بالرّسل وبالرّسالات {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}(البقرة: 285)، والتزمتَ باليوم الآخر، فأنت تلتزم الحقّ في العقيدة. وطبعًا، الإمامة هي من توابع خطّ النّبوّة. أمَّا إذا أنكرتَ شيئًا من هذه العناوين، فأنت تلتزم الباطل في عقيدتك.
بين الشَّرع والطّاغوت
وعندما نتحرّك في الحياة، في السّلوك، وفي الشَّرائع والقوانين، فإنَّ الحقَّ هو الالتزام برسالة الله الَّتي أرسل بها رسوله (ص) فيما شرَّعه له: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}(الجاثية: 18). وأيضًا: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(الأحزاب: 36). فإذا قال الله شيئًا في كلّ ما يريده من الإنسان، وقال الرَّسول (ص) ذلك، فإنَّ عليك أن لا تتوقَّف لتقول: دعني أفكّر، أو هل أختار هذا أو أختار غيره؟ أنت عبد الله، وعليك أن تنحني لله، فإذا قال سبحانه شيئًا، فعليك أن تتقبَّله بكلّ رضًا {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ - فالإنسان لا يُعدّ مؤمنًا لمجرّد أن يصلّي ويصوم، بل يجب على النَّاس إذا تنازعوا في أيّ شيءٍ، سواء كان نزاعًا زوجيًّا، أو ماليًّا، أو اجتماعيًّا، أن يعودوا إلى ما يقوله الله وما يقوله النَّبيّ (ص)، أي ما يقوله كتاب الله وسنَّة نبيّه - ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(النّساء: 65).
أمَّا أن تذهب إلى الشَّرع - ومقصودنا الشَّرع الَّذي يملك شرعيَّة أن يشرع، وليس كلّ من يتسمَّى باسم الشَّرع - فإذا حكم عليك بشيءٍ لا تراه مناسبًا لك، تقول: لا، ما هذه الشَّريعة؟ من أين جاؤوا لنا بها؟ أنا لا أريدها، وسأذهب لأشتكي عند الدَّولة، أو عند الجهة الفلانيَّة، أو عند العشائر! أليس هناك من يفعل هذا؟!
فيا أيُّها الإنسان، صلّ ما شئت، وصم ما شئت، وحجّ ما شئت، ولكن إذا كنت لا تتقبّل حكم الله عندما تتنازع مع غيرك، فأنت لست بمؤمنٍ.
فعندما تقرأون القرآن، دقّقوا في المعنى، واعرضوا أنفسكم على الكلمات القرآنيَّة: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ - أي لا يُسمّون مؤمنين - حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ – والشّجار هو التّنازع، والمعنى أن يقبلوا أن يحتكموا إلى رسول الله (ص) في نزاعاتهم - ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ - أي حتّى يرضوا بحكم الله - وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
والله سبحانه وتعالى يقول: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ - والطَّاغوت هو كلّ من يشرع بغير شريعة الله في عالم الحكم - وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا}(النّساء: 60)، بمعنى أنَّ الشَّخص يقول: أنا لا أريد أن أتحاكم عند الشَّرع، بل أتحاكم عند غير الشَّرع، وغير الشَّرع في القرآن اسمه طاغوت.
ويقول الله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ - وهو الّذي يدعو إلى غير الله، والّذي يشرع بغير شريعة الله، والّذي يتحرّك في غير الخطّ المستقيم الّذي يريد الله للنَّاس أن يسيروا عليه، هذا كلّه طاغوت - يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}(البقرة: 257).
فاختر سبيلك؛ هل تريد أن تخرج من ظلمات الواقع الَّذي تعيش فيه، إلى نور الله ونور شريعته، أم تريد أن تخرج من نور الإيمان الَّذي يجعل حياتك نورًا، وموتك نورًا، وبعثك نورًا، أن تخرج منه إلى الظّلمات؟
لهذا، أيُّها الأحبَّة، لا بدَّ أن لنا أن ننطلق على أساس الحقّ، والحقّ هو ما شرَّعه الله سبحانه وتعالى، فإذا ابتعد الإنسان عن شريعة الله، فيكون بعيدًا عن الإيمان.
تدبُّرُ عاقبةِ الأمور
يقول تعالى في كتابه: {لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}(الزّخرف: 78). إنَّ مسار الحقّ صعبٌ؛ فالحقّ قد يكون مرًّا وكريهًا مطعمه، والباطل حلوٌ. فعندما ترشف الباطل أوّل رشفةٍ، قد تتلذَّذ به وتشعر بالارتياح، لكنَّه عندما يصل إلى جوفك سيؤذيك. تأمّلوا حال البعض؛ قد يكون الشّخص مسرورًا بتناول طعام معيّن، يضحك ويأكل، ثمّ تراه يُصاب بتسمّمٍ ويقصد الطَّبيب. فليس المهمّ أن تكون الأكلة طيّبةً في البداية، بل أن تكون طيّبةً في النّهاية. فكثيرٌ من الأدوية مرٌّ طعمها ولكنَّ مفعولها حلوٌ، وهناك أكلات قد تكون حلوةً في بدايتها، ولكنّ مفعولها يكون مرًّا، وكم من أكلةٍ منعت أكلاتٍ!
لذلك، في الوصيَّة الَّتي أوصى بها رسول الله (ص) ذاك الرَّجل الّذي جاء يقول له: "أوصني يا رسول الله"، فقال له ثلاث مرّاتٍ: "هل أنت مستوصٍ إذا أنا أوصيتك؟"، قال: "بلى"، قال: "إذا أنت هممت بأمرٍ، فتدبّر عاقبته".
عندما يكون لديك مشروعٌ تريد أن تمضي فيه، سواء كان المشروع من قبل شخص عرضه عليك، أو كان فكرةً خطرت في بالك؛ كمشروع انتماء إلى جهةٍ، أو تأييد شخص، أو حتّى أن تقدم على أمرٍ في طعامٍ أو شرابٍ أو لهوٍ أو لذّةٍ من لذَّات الحياة... فعندما تهمّ بأيّ شيءٍ من ذلك، وقبل أن تخطو نحوه، شغّل عقلك، وتدبَّر عاقبته.. لا تربط نفسك بالبدايات، ولكن اربط نفسك بالنّهايات، لأنَّ البدايات قد تخدع الإنسان، والعبرة ليست بما يبدو في أوَّل الطَّريق، بل بما ينتهي إليه الطَّريق في آخره، فقد تكون البداية متعبةً والنّهاية مريحةً، وقد تكون البداية مريحةً والنّهاية متعبةً.
في كثيرٍ من الحالات، يمضي الإنسان في الأجواء بشكلٍ طبيعيّ، فيرى الأمور هادئةً في بدايتها، ولكنَّ المشاكل قد تكون متجمّعةً في نهاية القضيَّة.
ولهذا، فإنَّ الوصيّة الّتي يوصينا بها النَّبيّ (ص) من خلال هذا التَّوجيه للشّخص، هي أن لا يدخل الإنسان في أيّ مشروعٍ، تجاريًّا كان أو سياسيًّا، ولا في أيّ علاقةٍ أو اجتماعٍ عائليٍّ أو شخصيّ، إلّا بعد أن يدرسه دراسةً واعية، من بدايته إلى نهايته، وأن لا يستعجل في أموره.
التروّي في اتّخاذ القرارات
يقول الله تعالى: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ}(الأنبياء: 37). ويقول تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ - فلماذا العجلة؟ ولماذا الخوف من نسيانه؟ - إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}(القيامة: 16 - 19).
فلماذا نستعجل في أيّ مشروع نقبل عليه؟ لقد مكث كلّ واحدٍ منّا في بطن أمّه تسعة أشهرٍ، أفلا يصبر عشر دقائق، أو ربع ساعةٍ، أو ساعةً ليفكّر في المشروع؟ عندما يطرح أحدٌ علينا مشروعًا ويقول: "هيّا، أنا مستعجلٌ، أريد كلمتك الآن"، فإن كان هو مستعجلًا، فما شأن الآخرين باستعجاله؟ فإذا كنت تحبّ نفسك، فلا تستعجل في إعطاء كلمتك، ولا تستعجل في إعطاء قرارك، لأنَّك إذا تعجّلت في إعطاء كلمتك، فسيربح هو منك، ولكن أنت ماذا تربح؟
للإمام عليٍّ (ع) كلمةٌ يقول فيها: "لا يغرَّنّكَ النَّاسُ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّ الأَمْرَ يَصِلُ إِلَيْكَ دُونَهم"، بمعنى أن لا تسمح للآخرين بأن يخدعوك، لأنَّك أنت من ستتحمَّل النَّتائج، فعندما يطلبون منك الشَّيء الَّذي يريدونه، وتتسرّع أنت في القبول، فإذا كانت النَّتائج سلبيّةً، فستكون أنت من تعاني.
لاحظوا كلمة الإمام عليٍّ (ع): "لا يغرَّنّك"، أي لا تجعل من نفسك الإنسان المخدوع، ولا الإنسان البسيط، ولا الإنسان السَّاذج. كن طاهرًا، ولكن ليس بمعنى أن تكون مغفّلًا. بعض النَّاس يقولون: "فلانٌ طاهرٌ"، ويقصدون بذلك أنَّه بسيط يُضحَك عليه ولا يفكّر؟! أليس هذا ما يقصدونه؟ ألا يُقال: "فلانٌ مؤمنٌ على البركة؟". لا، المؤمن ليس "على البركة"؛ إنَّه مباركٌ في عقيدته، مباركٌ في أخلاقه، مباركٌ في روحه، مباركٌ في نفعه للنَّاس، ولكنَّه دقيقٌ في حساباته، وليس ساذجًا أو بسيطًا.
وهذا الأمر ليس من عندي، بل من الأئمَّة (ع). فالإمام الصَّادق (ع) يحدّد ملامح المؤمن، فيقول (ع): "المؤمن حسن المعونة – أي أنّه ليس أنانيًّا، بل يعاون كلّ النَّاس من حوله، ويحاول بكلّ طاقاته أن يعينهم ويساعدهم - خفيف المؤونة - ليس ثقيلًا على غيره؛ لا يُثقل على أحدٍ بظلّه، ولا يُثقل على أحد بدمه، ولا يُثقل على أحد بأموره ومسؤوليَّاته، هو خفيف على كلّ النَّاس الَّذين يعيشون معه؛ خفيفٌ على عائلته وعلى أولاده وعلى جيرانه وعلى النّاس من حوله. فقيسوا أنفسكم على هذا الوصف، ليعرف كلّ واحد منكم نفسه.
- جيّد التّدبير لمعيشته - فعندما يبيع، أو يشتري، أو يتعاقد، أو يتزوّج، أو يصادق، أو عندما يدخل في أيّ مشروعٍ، أو عندما يؤيّد أو يعارض... يدبّر الأمور تدبيرًا جيّدًا في كلّ ما يتَّصل بحياته وحياة الآخرين، يعني أنّه دقيق في الحسابات.
- لا يُلدغ من جُحرٍ مرَّتين"، فلا يكرّر التّجربة الفاشلة؛ فإذا وضع يده في مكانٍ، ولدغته حيّةٌ أو عقربٌ، فلا يضع يده مرّةً ثانيةً في المكان نفسه. وهذا كنايةٌ عن أنَّ المؤمن ينتفع بتجاربه ويدرسها ويستفيد من نتائجها السّلبيَّة والإيجابيَّة، أمّا التّجربة الّتي يكتشف فيها الفشل والسَّلبيّات، فلا يعود لتكرارها من جديد.. فمثلًا، قد أؤيّد اليوم شخصًا ما، ثمّ يتبيّن لي أنّه ليس في مستوى المسؤوليَّة، عند ذلك لا أقول إنّه صديقي أو صاحبي، فأستمرّ في دعمه، بل إنَّ التَّجربة عندما تثبت فشلها، ينبغي أن أبحث عن تجربةٍ أخرى أفضل، لا أن أكرّر التَّجربة نفسها مرّةً بعد مرّة.
فالنّبيّ (ص) يركّز على هذه النّقطة: حاولوا في كلّ مداخلكم الّتي تدخلون فيها، وفي كلّ مخارجكم الّتي تخرجون منها، أن تبحثوا عمَّا يبني لكم حياتكم: "إذا أنْتَ هَمَمْتَ بِأَمْرٍ فَتَدَبَّرْ عَاقِبَتَهُ، فِإِنْ يَكُ رُشْدًا - أي إذا رأيت العاقبة خيرًا ورشدًا - فَأَمْضِهِ - أي امضِ فيه - وَإِنْ يَكُ غيًّا - أي إذا لم يكن فيه رشدٌ ولا خيرٌ - فَانْتَهِ عَنْه"، ووفّر على نفسك هذا العناء.
مسؤوليَّة الموقف
ونحن مدعوّون إلى أن نفكّر بهذه الطريقة، ولا سيّما في المشاريع الَّتي لا تقف عواقبها عند حدود الدنيا، بل تمتدّ إلى الآخرة. فالإنسان عندما يقف مع الظَّالمين أو الكافرين أو المستكبرين، ليكون أداةً لتنفيذ مشاريعهم ضدّ المظلومين والمؤمنين والمستضعفين، فإنّ القضيَّة لا تكون قضيَّة دنيا فحسب، بل قضيَّة آخرة أيضًا، لأنَّ كلّ موقفٍ يتّخذه الإنسان في نصرة الظّلم أو مقاومته، سيقف به غدًا بين يدي الله للحساب.
فأنت في الدنيا قد تنجو من الحساب، وتخلّص نفسك من النَّتائج، ولكن في الآخرة لا مفرّ ولا مهرب، فهناك سيقف الَّذين ظلمتهم من خلال تأييدك لمن ظلمهم، ليقولوا: يا عدل، يا حكيم، احكم بيني وبين فلان، فقد تجسّس عليّ، ونقل أخباري إلى الظَّالم، فكان سببًا في قتلي أو سجني. ويقول آخر: يا عدل، يا حكيم، احكم بيني وبين فلان، فقد ظلمني حقّي، أو رفع عليّ دعوى باطلة، أو شهد عليّ شهادة زور، فحُكم عليّ بالباطل...
هناك تُعرض القضايا كلّها، ويُحاسَب الإنسان على كلّ موقفٍ اتّخذه، فكلّ شيءٍ بحساب. وإذا كانت الدّنيا قد يختلط فيها الظّلم بالعدل، ففي الآخرة لا يوجد ظلم {الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ}(غافر: 17)، فهذا هو شعار يوم القيامة.
لذلك، ينبغي أن يكون تفكيرنا موجَّهًا دائمًا إلى الآخرة، فعندما نفكّر فيما ينفعنا ويضرّنا، لا يصحّ أن ينحصر تفكيرنا في حدود الدّنيا وحدها، بل لا بدَّ أن نسأل أنفسنا: هل هذا الأمر ينفعنا عند الله أم يضرّنا؟ هل يقرّبنا من رضاه أم يبعدنا عنه؟ هكذا ينبغي أن يكون تفكير الإنسان المؤمن، وهذا هو الأساس الَّذي يجب أن ننطلق منه في تقييم مواقفنا وأعمالنا.
فلا بدَّ أن نهيّئ أنفسنا للوقوف بين يدي الله والحقّ في يدنا، حتّى نقف يوم القيامة أقوياء في موقفنا، فنقول لله: يا ربّ، جئناك بالحقّ في العقيدة، وبالحقّ في الشّريعة، وبالحقّ في الممارسة، وبالحقّ في المواقف، وبالحقّ في الانتماء... لقد حاولنا أن تكون حياتنا كلّها قائمةً على الحقّ.
التزام الحقّ دائمًا
في بعض ما ورد في أحاديث أئمَّة أهل البيت (ع)، أنَّ الإمام عليًّا (ع) أوصى ولده الحسين (ع): "يا بنيّ، أوصيك بتقوى الله في الغنى والفقر، وكلمة الحقّ في الرّضا والغضب"، أن تقول كلمة الحقّ عندما تكون راضيًا، وأن تقولها عندما تكون غضبان. يعني لا تكن كما يُقال عن بعض النَّاس: "مؤمن الرّضا، كافر الغضب"، بل كن واعيًا للحقّ في نفسك، وواعيًا للخطّ الإلهيّ في موقفك، مهما اشتدّ غضبك، ليبقى نور الحقّ يشرق في كلماتك من خلال إشراقه في قلبك.
يُقال إنَّ أحد النَّاس جاء إلى الإمام الصَّادق (ع) يستفتيه، كبعض النَّاس الّذين يأتون للاستفتاء عن الحكم الشَّرعيّ في بعض الأمور، فأفتاه الإمام (ع). ولكنَّ حكم الإمام لم يعجبه، لأنّه لم يكن ينسجم مع مزاجه أو مع مصالحه، فرأى الإمام الصَّادق (ع) الكراهة في وجهه، فقال له: "يا هذا، اصبر على الحقّ، فإنَّه لم يصبر أحدٌ قطّ لحقٍّ إلَّا عوّضه الله ما هو خيرٌ له". فالإنسان يجب أن يصبر على الحقّ حتّى لو كان مرًّا.
وفي وصيَّةٍ أخرى للإمام زين العابدين (ع) قال: "يا بنيَّ، اصبرْ على الحقّ وإن كان مرًّا".. وهكذا يجب أن يكون الإنسان "حَقَّاويًّا"، وأن يلتزم الحقّ دائمًا.
معنى الولاء لعليّ (ع)
إنَّ قيمة عليّ بن أبي طالب (ع)، والّتي جعلته كبيرًا عند رسول الله (ص)، ليست بنسبه، فأولاد عمّ النَّبيّ كثرٌ؛ فهناك أولاد العبَّاس، وهناك أولادٌ كثيرون هم أولاد عمّ النّبيّ، وليست قيمة عليٍّ (ع) بالمصاهرة، فإذا صحَّ أنَّ هناك بناتٍ لرسول الله (ص) ما عدا الزَّهراء (ع)، وبعضهم يقول إنّهنّ ربائبه، فإذا صحَّ ذلك، فعنده أصهارٌ آخرون..
لا، بل الَّذي جعل عليًّا (ع) يعظم في عين رسول الله (ص)، هو التزامه (ع) بالحقّ، ولذا قال (ص): "عليٌّ مع الحقّ، والحقّ مع عليٍّ، يدور معه حيثما دار"، وهذا يعني أنَّ عليًّا (ع) بلغ درجةً عاليةً من الالتزام بالحقّ، بحيث لا تستطيع أن تجد للباطل ثغرةً في مواقفه، أو في أيّ موقعٍ من مواقع حياته، أو في علاقاته، ولو كانت صغيرة، فالسَّاحة الَّتي يكون فيها عليّ (ع) هي ساحة الحقّ، لأنَّ الحقّ يدور معه حيثما دار، وهذه قيمته (ع)؛ أنَّه كان إنسان الحقّ في حياته كلّها.
وقد قال (ع): "ما ترك لي الحقّ من صديقٍ"، وقال للنَّاس: "ليس أمري وأمركم واحدًا؛ إنّني أريدكم لله، وأنتم تريدونني لأنفسكم".
ومن هنا، أيُّها الأحبَّة، ينبغي أن نفهم أنَّ ولايتنا لعليّ بن أبي طالب (ع) وللأئمّة (ع) هي ولايةٌ للإسلام، وولايةٌ للحقّ الّذي جاء به الله، وأرسل به رسوله (ص) وبلّغه إيّاه. فليست الولاية ولايةً ذاتيّةً وشخصيّةً، ولكنَّها ولايةٌ للخطّ، وولايةٌ للحقّ، وولايةٌ للدّين، وولايةٌ للمنهج.
لذلك، لا يمكن أن تكون من شيعة عليٍّ وتكون مع الباطل، لأنَّ عليًّا (ع) لا يقترب منه الباطل أبدًا... لا يمكن أن تكون من شيعة عليٍّ وتكون في حزب أهل الباطل، هذا لا يمكن أبدًا! لأنَّ عليًّا (ع) وليّ الله، فلا يمكن أن تكون من شيعته وأنت مع عدوّه، فالأمران لا يجتمعان. بعض النَّاس يقول: "أشهد أنَّ عليًّا وليُّ الله"، وينغّم صوته ويلحّنه فيها؛ لا تلحّن فيها، بل افهمها! إذا كان عليٌّ وليّ الله، بمعنى أنَّه يلتزم الله في كلّ أموره، فقل لنفسك: هل أنا ألتزم الله في كلّ أموري كما التزمه عليٌّ في كلّ أموره؟ هل أنا مع الحقّ أم أنّي مع الباطل؟
تنقية الدَّاخل
يجب أن نفكّر، لأنّ مشكلتنا جميعًا أنّنا نعيش خارج نطاق ذواتنا، فنحن دائمًا نتطلّع إلى الخارج، ونحدّق في النَّاس، ونلتفت إلى ما حولنا، بينما لا نتوجَّه إلى الدَّاخل إلَّا قليلًا: ماذا في عقلي من أفكار؟ ماذا في قلبي من عواطف؟ ماذا في مشاعري من أحاسيس؟
مَنْ منَّا ينتقد نفسه؟ نحن دائمًا ننتقد النَّاس، ولكن مَن الَّذي ينقد نفسه أو يفهمها، أو ينزل إلى أعماقها، أو يحفر في آبارها حتّى يُخرج الماء الصَّافي؟
نحن بحاجة إلى أن نحفر في الدَّاخل كما نحفر في الأرض لاستخراج الماء، لأنَّ الماء، كما تعرفون، ربّما يكون محجوبًا بالصَّخر، أو ممزوجًا بالأوساخ، فلا بدَّ من جهدٍ لإزالة ما يعترضه حتَّى يخرج نقيًّا صافيًا. وكذلك نفوسنا، فيها من الرَّواسب والأتربة ما يحتاج إلى تنقيةٍ وحفرٍ عميق، حتَّى يخرج منها الماء الصَّافي، فنشرب منه ونرتوي.
فوق كلّ الاعتبارات
وهكذا ننطلق في الحياة، هناك حقٌّ في الواقع، فهناك حقّ العدل؛ أن تعدل مع زوجتك، وأن تعدل المرأة مع زوجها، وأن تعدل مع أولادك، ومع جيرانك، ومع النَّاس من حولك، أن لا تكون القضيَّة قضيَّة قويٍّ وضعيفٍ، بل أن تكون القضيّة عندك قضيّة حقٍّ وباطلٍ؛ من له الحقّ، ومن عليه الحقّ.
فالله أرادنا أن نقول الحقّ ولو على أنفسنا، ولو على والدينا أو أقربائنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}(النّساء: 135). فإذا كان الحقّ ضدّ والدك فاشهد ضدّه، وإذا كان الحقّ ضدّ قرابتك فقل الحقّ ضدّه: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}(الأنعام: 152). وإذا كان الحقّ لعدوّك، فقل له كلمة العدل: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ - والشَّنآن هو العداوة والبغضاء - عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}(المائدة: 8)، أي اعدلوا حتّى مع أعدائكم، فهذا هو الأقرب للتَّقوى.
أن لا يكون للحقّ عندك علاقاتٌ اجتماعيّةٌ، فالحقّ حقّ.. ابنك، أبوك، أمّك، ابن عمّك، ابن حزبك، ابن طائفتك، ابن بلدك... كلّ هؤلاء لا ينبغي أن يكون لهم تأثير في موقفك، بل الحقّ هو الَّذي يجب أن يكون المعيار، وأن يكون الله أقرب إليك من كلّ هؤلاء، لأنَّ الله هو الحقّ..
التَّعصّب للحقّ
هذه نقطةٌ يجب أن نفكّر فيها، أيُّها الأحبَّة، لأنّنا مجتمعٌ - وخصوصًا المجتمع العربيّ - غارقٌ في العصبيّات؛ يتعصّب الإنسان فيه لعائلته، يتعصّب لأولاده، يتعصّب لحزبه، يتعصّب لطائفته، يتعصّب لبلده... بل علينا أن نتعصَّب للحقّ ولا نتعصّب لغيره، لأنّنا إذا تعصّبنا لجماعتنا وظلمنا الآخرين، فالآخرون أيضًا سيتعصّبون لجماعتهم ويظلموننا، لكن إذا تعصّبنا للحقّ، وكان الحقّ معنا، وتعصَّب الآخرون أيضًا للحقّ، فسيعطوننا حقَّنا ونعطيهم حقَّهم.
عندما يكون السّلوك الاجتماعيّ في المجتمع قائمًا على العصبيَّات، فالعصبيَّة قد تخدمك اليوم، ولكنَّها قد تخذلك غدًا، ولكنَّ الحقّ لن يخذلك ما دمت أنت على الحقّ. فالتّربية الاجتماعيَّة يجب أن تكون على هذا الأساس: "إنَّ العصبيَّة الّتي يأثم عليها صاحبها، أن يرى الرّجل شرار قومه خيرًا من خيار قومٍ آخرين، وليس من العصبيّة أن يحبّ الرّجل قومه، ولكن من العصبيّة أن يعين قومه على الظّلم"، هذه هي المسألة.
الحقُّ مقياسُ الرّجال
ثمّ هناك نقطةٌ أخرى، وهي أنَّ بعض النَّاس يعتبرون الرّجال مقياسًا للحقّ، وهذا خطأٌ، فالحقّ هو مقياس الرّجال، "لا يُعرَف الحقّ بالرّجال، ولكن يُعرَف الرّجال بالحقّ".
في بعض الأخبار، جاء شخصٌ إلى عليٍّ (ع) وهو في البصرة، في حرب الجمل، ويبدو أنَّ جماعة الجمل كانوا أكثر من جماعة عليٍّ (ع) في الحرب، فقال له: "أتراني أظنُّ أنَّ أصحاب الجمل كانوا على ضلالةٍ وأنَّا على حقٍّ؟"، أي انظر إلى هذا العدد الكبير من النَّاس، فهل يعقل أنّ كلّ هؤلاء على باطلٍ ونحن على حقٍّ؟ فقال له أمير المؤمنين (ع)، فيما رُوي عنه، كما في "نهج البلاغة": "يا حارث، إنَّك نظرت إلى تحتك، ولم تنظر إلى فوقك، فحرت – أنت نظرت فقط إلى مواقع أقدامك، ولم تنظر في الأفق الواسع - إنَّك لم تعرف الحقّ فتعرف من أتاه، ولم تعرف الباطل فتعرف من أتاه"، "اعرف الحقَّ تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله".
ينبغي أن يكون لديك وعيٌ بالحقّ، حتّى يكون الميزان بيدك، فإذا ملكت هذا الميزان، استطعت أن تزن النَّاس به، ومعرفة من على الحقّ منهم ومن على الباطل... بعض النَّاس يقولون: فلانٌ معه الأكثريَّة، إذًا فهو على حقّ، والله تعالى يقول: {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}(الأعراف: 187)، ويقول: {لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}(الزّخرف: 78)، ويقول: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}(يوسف: 103). فالقرآن لا يجعل الأكثريَّة معيارًا للحقّ، وليس شرطًا أن يكون الحقّ مع الأكثريَّة أو مع الأقليَّة، فقد يكون مع هؤلاء وقد يكون مع أولئك، ولكنَّ المعيار دائمًا هو الحقّ نفسه، لا عدد أتباعه.
لهذا، علينا أن لا نعتبر الرّجال مقياسًا للحقّ إلَّا إذا كان الرّجال معصومين، أو في مستوى الثّقة. فالنّبيّ (ص) مع الحقّ، وعليٌّ (ع) مع الحقّ، فحيثما يذهب عليّ بن أبي طالب (ع) تمش معه وأنت مغمض العينين، لأنّه مع الحقّ والحقّ معه، ولا نقاش في هذا. وعلى هذا الأساس يجب أن يكون موقفنا.
أمَّا الإنسان العاديّ الَّذي يمكن أن يُخطئ ويُصيب، ويمكن أن يضلَّ ويهتدي، فعلى أيّ أساسٍ نتَّبعه؟ وخصوصًا إذا كان الشَّخص في المواقع السّياسيَّة أو الاجتماعيَّة، فإذا صار هذا الإنسان شخصيّةً سياسيّةً وهو لا يملك تقوى الله في النَّاس ولا في نفسه، أو شخص صار شخصيّةً اجتماعيّةً وهو لا يملك تقوى الله ولا يخافه، فعلى أيّ أساسٍ نتّبعه؟ هل لمجرّد أن يتّخذ موقفًا أتّبعه، كما كانت النّاس تتبع الزّعامات ولا تزال؟ هل إذا صار فلانٌ يمينيًّا صرت أنا يمينيًّا، وإذا صار يساريًّا صرت أنا يساريًّا، وإذا صار اشتراكيًّا صرت اشتراكيًّا، وإذا صار رأسماليًّا صرت رأسماليًّا؟ لماذا؟ هل تفهم أنت معنى اليمين ومعنى اليسار؟ افهم ما هو اليمين، وما هو اليسار، وما هو الوسط، وما هي الاشتراكيَّة، افهم الموضوع أوّلًا.
وبعد ذلك، فلانٌ هذا مَنْ هو؛ هل هو نبيٌّ، أو وصيٌّ، أو إمامٌ، ليكون مثالًا يُتَّبع؟! نعم، الشَّخص الّذي يملك المعرفة، ويملك التَّقوى، ويملك التّجربة، يمكن للمرء أن يلتزم به على أساس الاطمئنان من خلال التّجربة العمليَّة، لا من خلال العصبيَّة السّياسيَّة، أو العصبيَّة الاجتماعيَّة، أو العصبيَّة الماليَّة، أو ما إلى ذلك.
الصّمود أمام التيَّارات
هذه الأمور، أيُّها الأحبَّة، إنّما أحبّ أن أركّز عليها، لأنّنا نشعر أنّنا متعبون في مجتمعنا، متعبون جدًّا، فكلّ واحدٍ منكم الآن، على أساس العلاقات، يشعر وكأنّ الجبال على ظهره من خلال المتاعب الّتي يعانيها بسبب الإرباكات الاجتماعيَّة والسّياسيَّة والعصبيَّات الموجودة. لذلك، نحن إذا استطعنا أن نربّي أنفسنا ونربّي مجتمعنا، على أساس أن يكون الحقّ هو الَّذي يحكم علاقاتنا، ويحكم مواقفنا، ويحكم كلّ الأوضاع الّتي نتحرَّك فيها، عند ذلك سوف نرتاح: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}(الأعراف: 96).
لذلك نحتاج أن نفكّر؛ كيف هي أوضاعنا في هذه الأيَّام؟ هناك موجة ونحن نسير معها، أينما كان - ولا نتحدَّث هنا عن لبنان فقط - وهناك تيّاراتٌ جاريةٌ ونحن نمشي مع هذه التيّارات. نحن لو أردنا أن ندرس المسألة، لوجدنا أنَّنا مثل الخشبة في مجرى التّيّار، فالخشبة ساعةً تطفو إلى الأعلى، وساعةٌ تنزل إلى الأسفل، ساعةٌ تصير على الشَّاطئ وساعةً في قلب البحر، نحن هكذا، كما يقول الشّاعر: "إذا الرّيح مالت مال حيث تميل".
ينبغي أن نركّز، لأنَّ المسؤوليَّة في الإسلام، أيُّها الأحبَّة، هي مسؤوليَّة فرديّةٌ: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}(مريم: 95)، {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}(النَّحل: 111). لن يسألك الله: ماذا قال فلانٌ، وماذا صنع فلانٌ، بل سيسألك عن نفسك أنت ماذا قلت وماذا فعلت وكيف تصرَّفت، فأنت الَّذي ستُحاسَب على مواقفك ومواقعك، وستُحاسب على تأييدك أو رفضك، وعلى التزاماتك، وكلّ شيءٍ بحسابٍ.
ولذا ينبغي للإنسان أن يفكّر في الدَّاخل كما يفكّر في الخارج. ومن خلال ذلك، نستطيع أن نُوجِد مجتمعًا متماسكًا، وأمّةً قويّةً، أمّةً تلتزم قضاياها، ولا تسقط أمام كلّ عوامل القوَّة المضادَّة.
أن يظلَّ الإنسان مع الحقّ حتّى لو اجتمع النَّاس على هزيمته، فالهزيمة لا يجب أن تجعلك تفكّر أنَّك على باطلٍ.
رحم الله عمَّار بن ياسر، عندما أُصيب جيش عليٍّ (ع) في صِفّين ببعض التّراجعات، وكان عمّارٌ من قيادات جيش عليّ (ع)، وصار بعض النَّاس يقولون: كيف نهزم ونحن مع عليّ بن أبي طالبٍ؟ إذًا يمكن أن يكون الحقّ مع معاوية! فقال لهم عمّار: "والله لو هزمونا حتّى يبلغوا بنا سعفات هجر – وهي منطقة في القطيف - لعلمنا أنَّا على الحقّ، وأنّهم على الباطل"، فالهزيمة لا تعني أبدًا أنّنا على الباطل.
*خطبة الجماعة لسماحته في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 20/01/1995م.