من أوصاف شهر رمضان المبارك، أنَّه شهر الطَّهور وشهر الإنابة وشهر التَّوبة.
التَّطهُّر منَ الأقذار
وكلمة "شهر الطَّهور" تعني أنَّ هذا الشَّهر هو الشَّهر الَّذي يتطهَّر فيه الإنسان من كلّ الأقذار والوحول العقليَّة والنَّفسيَّة والقلبيَّة والعمليَّة، لأنَّنا من خلال بيئتنا، ومن خلال إرث آبائنا وأجدادنا، ومن خلال خطايانا، نحمل الكثير من الأقذار الَّتي تمثّل قذارة عقليَّة، كما في الحالات الَّتي يعيش فيها الإنسان عقليَّة الشّرّ وعقليَّة الباطل في عقله، فهو يملك عقلاً يخطّط للشّرّ، ويخطّط للجريمة والفساد والإفساد، ويتحرَّك بالباطل؛ باطل الكفر والشّرك، وباطل الضَّلال، وباطل الانحراف، وهذه كلّها في المفهوم الإسلامي أقذار، لأنَّ القذر هو الباعث على التَّنفّر، والَّذي يشعر الإنسان بالحاجة إلى أن يزيله.
ومن الطَّبيعيّ أنَّ كلَّ الشَّرّ والجريمة والانحراف والكفر هو من الأقذار العقليَّة. وهناك قذارات قلبيَّة، باعتبار أنَّ قلوبنا تختزن العاطفة، فقد نجد هناك قذارات عاطفيَّة، وذلك أن يحبّ الإنسان من لا يستحقُّ الحبّ، كما لو كان إنساناً يبغضه الله، أو إنساناً يعمل ضدَّ الإنسانيَّة، أو إنساناً يفسد حياة النَّاس في الأرض، فالشَّخص الَّذي يحمل هذه المواصفات في شخصيَّته، لا يستحقّ أن ندخله في قلوبنا، لأنَّ القلب يعتبر العرش العاطفيّ للإنسان، وهو الَّذي يمثّل إنسانيَّة الإنسان في المعنى العاطفيّ. ولذلك، لا بدَّ للإنسان أن يختار الشَّخص الَّذي يستحقُّ أن يجعله في عرش قلبه، بحيث يوجّه نبضات قلبه وخفقاته إليه.
صراعُ العاطفةِ والمبادئ
وهنا قد يبدأ الصّراع بين المبدأ والغريزة، وبين المبدأ والمصلحة، فبعض النَّاس قد لا يستحقّون حبَّنا من خلال المبدأ، لأنَّهم مفسدون أو مجرمون أو كافرون أو مشركون، ولكنَّ غرائزنا تميل إليهم، لأنَّهم يمكن أن يلبّوا لنا شهواتنا، أو لأنَّ مصالحنا تهفو إليهم، هنا يصبح هناك صراع بين العاطفة والمبادئ؛ المبدأ يقول لنا لا تُدخِلوا هذا الشَّخص في قلوبكم، لأنَّه يمثّل إنساناً مضادّاً لله، ومضادّاً للإنسان والحياة، أمَّا غرائزنا وشهواتنا ومصالحنا وأطماعنا، فتقول إنَّ المهمّ أن نعيش ونحصل على لذَّاتنا وشهواتنا.
إنَّه الحبّ الَّذي ينطلق لمن لا يستحقّ الحبّ، والبغض الَّذي ينطلق لمن لا يستحقّ البغض. هناك أشخاص طيّبون في الحياة، لكن قد تحدث بيننا وبينهم مشاكل، وهناك أشخاص أخيار في الحياة، لكن يمكن أن يكونوا غير مرغوبين اجتماعيّاً، أو غير مقبولين عائليّاً، فيُطلَب منَّا أن نبغضهم، في الوقت الَّذي يستحقّون المحبَّة، وهنا أيضاً يحدث الصّراع بين المبدأ والغريزة، وبين المصالح والأطماع.
ولكنَّ الله ينظر يوم القيامة إلى قلوبكم، ولا ينظر إلى وجوهكم، فأوَّل ما ينظر الله إلى القلب، ليرى هل في القلب أولياؤه أم أعداؤه؟ هل هو موجود في قلوبنا، أم أنَّ الشَّيطان هو الموجود فيها!
وهذه مسألة دقيقة جدّاً، لأنَّ مشكلتنا أنَّ العاطفة عندنا تسبق العقل؛ فالعاطفة قد تتحرَّك سريعاً؛ قد تتحرَّك من خلال نظرة، أو كلمة، أو لمسة، أو من خلال جوّ اجتماعيّ، أو وضع عائليّ... ولو فرضنا أنَّ كلّاً منَّا أراد أن يدرس عواطفه، فكلّ منّا يحبّ أشخاصاً ويكره أشخاصاً، فلو جلسنا مع أنفسنا، ودرسنا لماذا أحببنا هؤلاء النَّاس وكرهنا أولئك، فقد لا نفهم من المرَّة الأولى لماذا أحببنا مَنْ نحبّ، وأبغضنا مَنْ نبغض، لأنَّه ربَّما يكون هذا الحبّ قد زحف إلى قلوبنا بطريقة لا شعوريَّة، وكذلك هذا البغض قد يكون دخل إلى قلوبنا بطريقة غير اختياريَّة، لأنَّ البيئة تؤثّر، والشَّهوة تؤثّر، والغريزة تؤثّر، وكذلك المصلحة والطَّمع.
تأثيرُ الأفكارِ الموروثة
لذلك، نحن نحتاج، حتَّى نطهّر عقولنا وقلوبنا، أن ندرس ما فيها؛ أن ندرس لماذا اخترنا هذه الفكرة، ولماذا اعتقدنا هذه العقيدة، لماذا أيَّدنا هذا الشَّخص ورفضنا ذاك؟ فلربّما نكتشف أنَّنا لا دخل لنا بما اعتقدناه واخترناه، وإنّما على طريقة {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ}[الزّخرف: 23]، فأهلنا كانوا يحملون هذه الأفكار، ونحن ورثناها عنهم، فكما نرث المال والأرض، فكذلك قد نرث الأفكار، هذه الأفكار الَّتي تفرض نفسها علينا بفعل المؤثّرات النَّفسيَّة والاجتماعيَّة، ومعنى ذلك أنَّنا سنتحرَّك بعقول لا نملكها، لأنَّ الآخرين هم الَّذين وضعوا فيها ما وضعوا.
لهذا، قد نحتاج أن نجلس مع أنفسنا لنفحص ماذا في عقولنا؛ ما هي أفكارنا في العقيدة، في السّياسة، في الاجتماع، أفكارنا في حركة الحياة والعلاقات الاجتماعيَّة، كيف تحدث العلاقات بين إنسانٍ وإنسان... فعلينا أن ندرس هذا الموضوع، حتَّى يختار كلّ منَّا فكره، أن ندرس الأفكار الموجودة، فإذا وجدناها خطأً عزلناها، وإذا وجدناها صحيحة أبقيناها، لنكون بذلك اخترناها بإرادتنا، ونستطيع حينها أن نقول إنّنا نفكّر بعقلنا، بعد أن نمحّص ما فرضه علينا الآخرون.
وخطورة هذا الموضوع، تكمن في أنّنا حين نتحرّك في الحياة، ونبني علاقاتنا في مختلف الأوضاع، فإنَّ منطلقنا الأساس هو أفكارنا. فحين يُسأل أحدنا: لماذا تصرّفتَ بهذا الشَّكل؟ لماذا فعلت هذا؟ يكون الجواب: لأنَّ تفكيري هكذا، لأنَّ فكرتي عن الموضوع كذا؛ في السياسة أو في الخطّ الاجتماعيّ أو في غيرهما، وهذا يعني أنَّ حركتنا الفرديَّة والاجتماعيَّة تبقى مشدودة إلى أفكارنا ومفاهيمنا الَّتي نحملها. ومن هنا تأتي الخطورة، إذ قد تكون هذه المفاهيم نافعة للحياة، كما قد تكون مدمّرة لها.
غربلةُ الأفكارِ والعاطفة
لذلك، لا بدَّ أن نمنح أنفسنا وقتاً ننقّي فيه عقولنا من الشَّوائب، فكما ننقّي الحنطة والبرغل والأرزّ من الزّوان، علينا أيضاً أن نُصفّي عقولنا من الزّوان، لأنَّ الله تعالى سيحاسبنا على ما فكَّرنا فيه وما اعتقدناه. كذلك أن ندرس عواطفنا، أن ندرس لماذا دخل فلان إلى قلبنا، ولماذا خرج فلان منه، فلربّما نكتشف أنَّ هذا دخل بدون إرادتنا، وذاك خرج من دون إرادتنا، فإذا دخل شخص إلى بيتنا من دون إرادتنا، فهل نسمح له بالبقاء، أم نحاول بكلّ الطّرق أن نخرجه منه؟! وقد يكون هناك شخص نحبّ أن يكون في بيتنا، ولكن أتى من أخرجه، أفلا نحاول أن نرجعه؟!
فلماذا نعمل على أن لا يدخل في بيوتنا من لا نريد، وأن لا يخرج منها من لا نريد، بينما نوافق على أن يدخل في قلوبنا من لا نريد، وأن يخرج منها من لا نريد؟ فهل البيت أكثر أهميَّة عند الإنسان من القلب؟! إنَّ القلب هو بيت العاطفة الإنسانيَّة، والعاطفة الإنسانيَّة، كما تعرفون، قد ترفع الإنسان في بعض الحالات إلى القمَّة، وفي حالات أخرى، قد تنزل به إلى أسفل الوادي.
لهذا، لا بدَّ أن نختار عواطفنا، أن لا يفرضها علينا الآخرون، فإذا طلب منك أن تحبَّ فلاناً أو أن تبغض فلاناً، فعليك أن تعرف لماذا تحبّ هذا أو تكره ذاك، حتَّى لو كان مَنْ يطلب منَّا ذلك هم أهلنا، لأنَّ أهلنا قد يكون لهم عداوات كما لهم صداقات، لهم مَنْ يحبّون ومَنْ يبغضون، فلربّما هم أحبّوا نتيجة وضع معيَّن، وأبغضوا نتيجة وضع معيَّن، فلماذا نتحمَّل نحن مسؤوليَّة أوضاعهم المعيَّنة الَّتي فرضت حبَّهم أو بغضهم؟!
الآن هناك الكثير من الحالات في الواقع، ألا يوجد هناك مشاكل بين بعض العائلات؛ العائلة الفلانيَّة عندها عقدة مع العائلة الفلانيَّة، وهذه المسألة قد تتطوَّر، فإذا أراد شخص من هذه العائلة مثلاً أن يتزوَّج من العائلة الثَّانية، رفض الأهل من الجهتين، بسبب مشاكل بعضهم مع بعض، وغيرها من المشاكل، وهذا أمر يتوارثه الآباء والأبناء. أمَّا ما سبب هذه العداوات؟ فقد تكون المشاكل في جذورها سخيفة وطارئة، ولكنَّها خلقت عداوةً، وهذه العداوة أوجدت تقاطعاً وتباعداً، ونحن ورثنا هذا الشَّيء من أهلنا.
فلماذا نكون خاضعين لقضيَّة سخيفة، أو قضيَّة طارئة تاريخيَّة عقَّدت علاقة جدّنا مع جدّهم؟! نحن جيل آخر، عندنا مصالح مختلفة، وتلك القضيَّة ماتت مع الزَّمن، وهناك قضايا جديدة تفرض نفسها علينا، فلماذا نبقى مخلصين للعداوات التَّاريخيَّة وللصَّداقات التَّاريخيَّة، وربَّما تكون الصَّداقات خطأً، وقد تكون العداوات خطأً؟!
وكذلك في عالم البيئات السياسيَّة، حيث تجد أنَّ العائلة الفلانيَّة مع الزَّعيم الفلانيّ وضدَّ فلان، ويريدون لأولادهم أن يكونوا مثلهم، أن يؤيّدوا فلاناً ويكونوا ضدَّ فلان، لماذا؟ فكما درستم هذا وذاك، واقتنعتم بهذا ورفضتم ذاك، فنحن أيضاً كجيل نريد أن ندرس فلاناً وفلاناً، ونريد أن نقرّر مصيرنا بأنفسنا، وليس بالضَّرورة أن تكون صورة آبائنا وأمَّهاتنا هي صورتنا، القرآن الكريم يقول: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[البقرة: 141].
لكلّ جيلٍ مسؤوليَّتُه
الجيل الماضي له كسبه وعمله وفكره وعواطفه، وسيسأله الله عن ذلك كلّه، وكذلك جيلنا له كسبه وعمله وفكره وعواطفه، وسيقدّم حساباً إلى الله عمَّا عمل.. إنَّ الله لا يقبل أن نقول: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ}. ماذا كانت مشكلة الأنبياء مع أممهم؟ كانت مشكلتهم هي هذه، كانوا كلَّما دعوهم إلى الإيمان والتعقّل وعبادة الله، يقولون: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ}[الزّخرف: 23 - 24]، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}[البقرة: 170].
نحن لا ندعو إلى أن نتنكَّر لتراث الآباء والأجداد، فقد يكون عند آبائنا وأجدادنا تجربة ليست موجودة عندنا، ولكن هناك فرق بين أن نقلّدهم فيما يفكّرون فيه، وبين أن نفكّر في تجربتهم وندرسها.
لا للطَّاعةِ العمياء
وهناك شيء علينا أن نفهمه: إذا كان لكلّ من آبائنا وأمَّهاتنا عقل، فلماذا نجمّد عقولنا لمصلحة عقولهم؟ فهل عقول آبائنا من ذهب وعقولنا من فضَّة؟! فقد تكون تجاربنا في الحياة أغنى من تجاربهم وأوسع، ولربّما قرأنا وسمعنا وعشنا أكثر منهم، فلماذا نتجمَّد عندهم؟ بل علينا أن نعيش الحوار معهم، وهذا أمر يجب أن يفهمه الآباء والأمَّهات، أنَّ من المفروض أن يحاوروا أولادهم عندما يكبرون، فقد يستفيدون من أولادهم أكثر مما يستفيدُ أولادُهم منهم في بعض الحالات... بعض الآباء يقول لولده أنت ابن الأمس، فهل تريد أن تعلّمني؟ نعم، يمكن أن يعلّمك.
هذا ما يريده الإسلام؛ أن يعين الآباء والأمَّهات أولادهم على أن يفكّروا، لا أن نقول للولد إنَّه ليس مِنْ حقّك أن تفكّر، بل أن نقول له فكّر، وعندما يأتي لنا بفكرته، فقد نقول له إنَّ فكرتك خطأ إذا وجدناها خطأً، أن نعوّد أولادنا على أن يفكّروا، لأنّهم إذا تعوَّدوا أن يقولوا لآبائهم وأمَّهاتهم دوماً سمعاً وطاعةً من دون قناعة، فسيقولون ذلك أيضاً للطَّاغية، فنكون بذلك نربّيهم تربية الشَّخصيَّة المستسلمة، وليس الشَّخصيَّة المفكّرة، ولا الشَّخصيَّة الَّتي تتحمَّل مسؤوليَّة نفسها.
اختيارُ أفكارِنا وسلوكِنا
وعلى هذا الأساس، علينا أن نستفيد من شهر رمضان، حتَّى ندرس أنفسنا في عقولنا وقلوبنا، من أجل أن نصلح عقولنا وقلوبنا، لكي نجري فرزاً بين الأشياء الصَّحيحة والأشياء الخاطئة، أن نبقي التَّصوّرات الصَّحيحة ونزيل التَّصوّرات الخاطئة، ولنبقي العواطف الطيّبة ونطرد العواطف الخبيثة.
ثمَّ نندفع بعد ذلك إلى سلوكيَّاتنا، فقد نشأت عندنا عادات وتقاليد، سواء بالأكل أو اللّبس أو اللّعب، أو العلاقات الاجتماعيَّة، وهي عادات إمَّا نرثها، وإمَّا أنَّها تشكَّلت من خلال مرحلتنا ومجتمعنا، فهذه العادات الَّتي فُرِضَت علينا، وهذا الخطّ من السّلوك الَّذي انطلقنا به، لا بدَّ لنا أيضاً أن نناقشه وندرسه، وأن نعتبر أنَّه ينبغي أن يكون للإنسان رأي في طريقة حياته.
فمثلاً، الآن، إذا أراد الإنسان أن يأكل، فهناك طريقة للأكل، فسابقاً كانوا يأكلون بأيديهم، أمَّا اليوم، فيستخدمون الشَّوكة والملعقة. ولكن ليس بالضَّرورة أن يفرض الإنسان على نفسه الطَّريقة الموجودة، بل يمكنه أن يتصرَّف بما يناسبه. نعم، إذا اقتنع، مثلاً، أنَّ الأكل بالشَّوكة والملعقة أفضل من اليد وأنظف، فيمكنه أن يفعل ذلك من باب الاقتناع، ولكن لو فرضنا أنَّ مزاجه اقتضى أنَّه يرتاح بطريقة أخرى، فليس بالضَّرورة أن يلتزم بما هو شائع.
مثل آخر من عالم الأزياء، فمصمّمو الأزياء في واشنطن وباريس ولندن وغيرها من الأماكن، ينشرون في كلَّ سنة صرعة أزياء معيَّنة، وقد يأتون بأزياء ضدّ الذَّوق، فلماذا أعير مزاجي وذوقي للآخرين؟ ولماذا أجعل ذوقي خاضعاً لهم؟
في بعض الحالات في عالم الأزياء قد يكون الذَّوق سيّئاً، وقد يكون التَّجديد لمجرَّد التَّجديد والتَّسويق. صحيح أنَّ الإنسان يلبس، عادةً، كما يرغب النَّاس، لكن عليه أن يكون ما يلبسه ملائماً لذوقه، لا أن نلبس على أذواق الآخرين. فهل يعيش الإنسان في بيته مثلاً على ذوق الآخرين؟ وهل ينظّم أمور بيته كما يريد الآخرون؟
وهكذا كلّ القضايا الَّتي نعيشها، أن لا نكون الشَّعب الَّذي يقلّد الشّعوب الأخرى، بل الشَّعب الَّذي يبدع، ففي كثير من الحالات، هؤلاء الَّذين يصمّمون الأزياء، قد يصمّمونها حسب التَّربية الغربيَّة، والتَّقاليد الغربيَّة، والواقع الغربيّ، ونحن شرقيّون ومسلمون، وهناك نوع من أنواع الخطوط الفنيَّة والاجتماعيَّة والشَّرعيَّة، وهؤلاء يصنعون على حسب عاداتهم وتقاليدهم، ونحن لنا تقاليدنا وعاداتنا، فلماذا نكون صورة مشوَّهة لما يفرضونه علينا؟
لهذا، ينبغي أن نحاول أن نختار حياتنا في تفاصيلها وأوضاعها، وأن نصنع الأفكار لطريقة الحياة وخطوطها، فهل باستطاعة الآخرين أن يفكّروا ولا يمكن لنا ذلك؟ وكما قلت، ليست عقولهم من ذهب وعقولنا من فضَّة، الفرق أنَّهم هم يفكّرون، بينما نحن نعير أفكارنا للآخرين.
لذلك، علينا أن نعيد النَّظر في أفكارنا وعواطفنا، وفي طريقتنا في السّلوك، وفي عاداتنا وتقاليدنا، بحيث نترك العادات السيّئة، ونبقي العادات الجيّدة، فعلى كلّ جيل أن يبدع في فكره وأسلوبه في الحياة، ولا نقول إنّنا نرفض ما يوجد في الأجيال السَّابقة، ولكن نحاول أن نأخذ منها ما يلائمنا، ونترك ما لا يلائمنا.
قابليَّةُ التَّغيير
والإنسان مخلوقٌ زوَّده الله تعالى بقابليَّة التَّغيير، فكما يستطيع بالتدرّب والممارسة الرّياضيَّة والتَّمارين أن يطوّر حركات جسده ويغيّرها، لأنَّ جسده قابل لذلك، كذلك يمكنه أن يغيّر فكره وينمّيه، إذ إنَّ الله وهبه عقلاً قابلاً للتَّجديد والتَّطوّر. وقد أراد سبحانه للحياة أن تسير في خطّ النّموّ والتَّغيير، ولو بقي الفكر جامدًا عند الفكر الأوَّل، لظلّت الحياة بدورها متوقّفة لا تعرف التَّطوّر.
لهذا، الإنسان الَّذي يقول إنَّ الله خلقني بهذا العقل، ولو جاءت الدّنيا كلّها لا أغيّره، ولا أريد أن أسمع لأحد، هو إنسانٌ جامدٌ متخلّفٌ لا يعيش إنسانيَّته، لأنَّ الإنسان الَّذي يحترم عقله، هو الَّذي يقول للآخرين اعرضوا عليَّ وجهة نظركم لأدرسها وأفكّر فيها، وأعطيكم وجهة نظري، أمَّا الإنسان الَّذي لا يتغيّر فهو حجر، والله ذكر بالقرآن {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}[الرّعد: 11]، يعني حتّى يغيّروا ما بعقولهم من مفاهيم وأفكار، وما بقلوبهم من عواطف وأحاسيس {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}[الأنفال: 53].
إذاً، لقد منحنا الله إرادة التَّغيير، ولا بدَّ أن نبقي هذه الإرادة حيّةً في عقولنا وقلوبنا، وأن نظلّ نقرأ لنختبر ما عندنا: هل يحتاج إلى تغيير أم لا، وأن نظلّ نصغي لنستبين: هل ينبغي أن نعدّل ما عندنا أم لا، لأنَّ الله وهبنا عقلاً قابلاً للنّموّ والتَّغيير، لا عقلاً جامداً مغلقاً.
فإذا استطعنا أن نوجد مجتمعاً يستطيع أن يغيّر عقله وعاطفته، ويغيّر برنامج حياته، فيمكننا أن نغيّر التَّاريخ كلّه، عند ذلك، لن نخضع لوضع ضاغط.
الاستكبارُ ليسَ قدراً
الآن، هناك وضع عالميّ واستكباريّ، وكلّ النَّاس تقول إنَّه لا مجال إلَّا بالسَّلام مع إسرائيل، وليس هناك مجال إلَّا بالخضوع لأمريكا، لأنَّ أمريكا هي الدَّولة الأولى في العالم. ولكن لماذا ليس هناك مجال، والله يقول: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 140]؟!
أمريكا قبل عشرين سنة لم تكن وحدها، كانت مع الاتحاد السّوفياتي، وليس بالضَّرورة أن تبقى بعد عشر سنوات وحدها. صحيح أنَّنا الآن ضعفاء، لكن عندنا إمكانات صنع القوَّة وتحريكها.. أين كان اليهود من قبل؟ ألم نكن نقول عنهم إنّهم شذَّاذ الآفاق؟ كان يكتب في أمريكا على أبواب المطاعم: ممنوع دخول الكلاب واليهود، وأصبح اليهود اليوم يتدخَّلون في سياسة أمريكا.. كيف كان اليهود في فلسطين قبل 48 وكيف هم الآن؟! كلّ إنسان يأخذ بأسباب القوَّة، يحصل عليها من خلال الظّروف.
فلماذا نفكّر أنَّ موضوع الاستكبار العالميّ هو القضاء والقدر، وأنَّ موضوع إسرائيل هو القضاء والقدر؟ أبداً، فإسرائيل لم تكن فكانت، ويمكن أن لا تكون في المستقبل، فهل هذه عجيبة من العجائب؟ هي ليست كذلك. وأنا دائماً أقول إنَّ أمريكا العظيمة هذه، كانت مستعمرةً من مستعمرات بريطانيا، واليوم أمريكا هي الدَّولة الأولى في العالم بالقوَّة الَّتي تملكها، وبريطانيا هي الدَّولة الخامسة أو السَّادسة بالحساب السياسيّ والاقتصاديّ {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}.
إنّنا عندما ندرس التَّاريخ، نعرف أنَّه ليست هناك قوَّة خالدة في التَّاريخ، وليس هناك ضعف خالد فيه؛ القوَّة الخالدة هي قوَّة الله، وما عدا الله، فهناك من يضعف، وهناك من يقوى.
كيف نربحُ أنفسنا؟!
المهمّ أن نعيد النَّظر في فكرنا، في هذه الذّهنيَّات الَّتي اعتدنا عليها، والّتي تعلّمنا الخضوع، وتعلّمنا الطَّاعة العمياء، والثّقة العمياء، والحبَّ الأعمى، والحقد الأعمى.. فكلّ شيء أعمى سيعمي لنا حياتنا، أمَّا المطلوب، فأن يكون عندنا ثقة مبصرة، وطاعة مبصرة واعية، وحبّ واع، لأنَّ من يمشي أعمى، سيتخبَّط بهذا الجدار وذاك الجدار، فعلينا أن نمشي مبصرين {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}[الحجّ: 46]، أن لا نجعل قلوبنا عمياء، أن لا تكون عمياء عندما تختار فكرها، ولا عندما تختار عاطفتها أو حركتها.
لذلك، إنَّ هذا الضَّجيج الّذي نعيش فيه، ضجيج السياسة، وضجيج اللَّهو، وضجيج المشاكل الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، وضجيج شهواتنا ولذَّاتنا، نحتاج أن نأخذ إجازةً منه كلَّ يوم ساعةً أو ساعتين، أن نجلس مع أنفسنا، وأن نجلس مع ربّنا، لنفهم أنفسنا، ولنعرف مقام ربّنا، ولنتوب إلى الله، ولنرجع إليه، ولنتطهَّر من كلّ هذه القذارات العالقة بعقولنا وقلوبنا، لأنَّ المهمَّ أن نربح أنفسنا، لا أن نربح غيرنا فقط، فماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه؟! {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}[المدّثّر: 38]، كلّ إنسان مرهون بكسبه وعمله.
وأنا دائماً أقول لكم: أحبّوا أنفسكم، ولكن الحبّ الحقيقيّ، فهناك أناس يحبّون أنفسهم، وهم يفترضون أنَّ حبَّ النَّفس بأن يعطوها شهواتها ولذَّاتها، لا، بل أحبّوا أنفسكم بأن تعقّلوها، وأن تملأوها بالأشياء الَّتي تنتج، والّتي تحقّق لكم السَّعادة الرّوحيَّة في الدّنيا والآخرة، أمَّا أن يحبّ الإنسان نفسه، ثمّ يورّطها بما لا ينفعها، فهذا ليس حبّاً، بل أن يكون الحبّ الواعي، أن يصوغ الإنسان نفسه على حسب ما يحبّ الله سبحانه وتعالى ورسوله، ليكون الإنسانَ المسلمَ الواعي، حتَّى نفد إلى الله سبحانه وتعالى بقلوب طاهرة، ونيَّات صادقة، لنقف بين يديه {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشّعراء: 88 - 89].
المهمّ أن نسلّم عقولنا وقلوبنا، حتَّى نأتي إلى الله بقلوب سليمة من كلّ ما لا يرضي الله، لنحصل على ثوابه في الآخرة، كما نحصل على رحمته في الدّنيا، وهذا هو دور شهر رمضان، لو أحسنَّا القيام بدور شهر رمضان.
* خطبة الجماعة الأولى لسماحته للنساء، بتاريخ: 02-02-1996م.