يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ}[البقرة: 185].
نحن على أبواب هذا الشَّهر المبارك. ولا بدَّ لنا أن نعيش أجواءه وروحيَّته وحركيَّته في حياتنا، لأنَّه شهر بناء شخصيَّتنا الإسلاميَّة...
فالله سبحانه وتعالى أعطانا الوسائل المادّيّة لبناء شخصيَّتنا المادّيّة كجسد، فنحن ننشأ أطفالاً لا نملك لأنفسنا أيَّ نوع من القوَّة، ثمَّ نحاول تقوية هذا البناء، بما نأكل ونشرب، وما نحيطه من كلّ وسائل الرعاية، لينشأ الإنسان في جسد قويّ. ولعلَّنا نهتمّ ببناء أجسادنا أكثر مما نهتمّ بأيّ شيء آخر، لأنَّ أجسادنا هي وسائلنا للحياة، فإذا كانت أعضاؤنا مريضة أو مشلولة، فإننا لا نملك أن نمارس حريَّة الحركة في الحصول على حاجاتنا. ولذلك، فإننا نعمل بكلّ قوَّة في حماية أجسادنا من كلّ ما يضعفها أو يشلّها أو يستلب الحياة منها.
بناء الشَّخصيَّة العقليَّة
ولكنَّ للإنسان شخصيَّة أخرى هي الشَّخصيَّة العقليَّة، وهي العناصر الَّتي تكوّن عقله، هذه الشَّخصيَّة العقليَّة تحتاج إلى بناء وحماية ورعاية، لأنَّ الله خلق للإنسان طاقة العقل، وأراد له أن يقوّي هذه الطَّاقة، وتقويتها إنّما تكون بالتَّفكير وتشغيل العقل، فعلى الإنسان دائماً أن يحرّك عقله في كلّ الأمور الَّتي تُعرَض عليه، وفي كلّ قضيَّة من قضايا الحياة، سواء كانت تتَّصل به أو بالآخرين، حتَّى لو كان الفكر يتعبه، وأن لا يختار أن يفكّر له الآخرون.
وأنا أقول لكم دائماً، إنّ علينا أن لا نقول فكّروا لنا، بل فكّروا معنا، فهناك فرق بين أن يطلب الإنسان من الآخر أن يفكّر عنه، وبين أن يحاول أن يفكّر معه، فعندما نطلب من الآخرين أن يفكّروا لنا، فإنَّهم سيختارون لنا الفكرة الَّتي تلتقي مع مصالحهم ومزاجهم وثقافتهم، فقد يختلف النَّاس عنّا في المزاج والثقافة والمصالح.
الآن، مثلاً، عندما تكون الفتاة في سنّ الزّواج، وتقول لأبويها فكّروا عنّي في الشَّخص المناسب لي للزّواج، أو يطلب الشّابّ من أهله اختيار فتاة تكون مناسبة له كزوجة، ومن الطّبيعيّ أن يكون الأهل مخلصين في الاختيار، ولكن قد يكون تفكيرهم في الشَّخص الّذي يرونه مناسباً لولدهم مختلفاً عن تفكير ولدهم أو ابنتهم، فقد تكون ثقافة الأهل مختلفة عن ثقافة ولدهم، فبينما يريد الشّابّ أن تكون زوجته متعلّمة وصاحبة أخلاق وعندها خبرة اجتماعيَّة، قد تركّز الأمّ على فتاة تعرف في شؤون البيت والطّبخ والكنس... وقد لا يعنيها أن تكون متعلّمة، أو أن يكون عندها خبرة اجتماعيّة أو حسّ اجتماعي أو غير ذلك. وكذلك الأب عندما يريد أن يختار زوجاً لابنته، فقد يختار أن يزوّج ابنته لابن صديقه لتبقى الصَّداقة بينهما، أو أن يزوّجها لابن أخيه، وقد لا يكون هناك انسجام بينهما، إلى ما هنالك...
لذلك، عندما نقول للآخرين فكّروا عنَّا واختاروا لنا، فسيفكّرون ويختارون لنا ما ينسجم مع أذواقهم ومفاهيمهم، وربما تكون مفاهيمهم مختلفةً عن مفاهيمنا، وأذواقهم مختلفة عن أذواقنا. فتطوّر الحياة جعل كلّ جيل يفكّر بطريقة مختلفة عن الجيل الآخر، ولذلك قال عليّ (ع) في كلمته المعروفة في نهج البلاغة: "لا تؤدّبوا أولادكم بأخلاقكم، لأنَّهم خلقوا لزمان غير زمانكم". ومن المؤكّد أنَّ الأخلاق الأساسيَّة واحدة، ولكنّ المقصود هنا هو الأخلاق التي تختلف فيها الأجيال من حيث العادات والتَّقاليد وما إلى ذلك، وكلّ زمان له ذوق معيَّن ومفهوم معيَّن.
لذلك، علينا أن لا نقول للنَّاس فكّروا لنا ونحن ننتظر متى يأتي القرار، بل علينا أن نقول فكّروا معنا؛ أن نفكّر نحن، وأن يفكّروا هم أيضاً، حتى يلتقي الفكران في حوار بنّاء، يقودنا إلى نتائج مشتركة ومثمرة.
هذه هي حركة الحياة للإنسان الَّذي يحترم نفسه، لأنَّ الّذي يحترم نفسه هو الّذي يشغّل عقله دائماً، لأنَّ العقل الَّذي لا نجعله يشتغل، كالعضو الَّذي لا يشتغل، وإذا لم يشتغل يموت، لأنَّ الحركة هي الَّتي تعطي الحيويّة للعضو، فإذا لم يدرّب الإنسان عضلاته تبقى ضعيفة، وكلّما درَّبناها أكثر وحرّكناها أكثر، قويت أكثر. وكما عندنا عضلات يدين ورجلين وعضلات صدر، نريد أيضاً عضلاتٍ للعقل، وهذا لا يكون إلّا إذا شغّلنا عقلنا بما يصل إليه من نتائج، وشاركنا الآخرين في عقولهم.
التّكامل بين الأجيال
وقد ورد في وصيَّة النَّبيّ (ص) في استقبال شهر رمضان: "وقّروا كباركم، وارحموا صغاركم"، فعلى الجيل الجديد أن يوقّر الجيل القديم لأنَّ عنده تجربة أكثر، وعنده وعي أكثر للأشياء. لذلك، علينا أن لا نحتقر الجيل القديم..
قد تكون بعض الفتيات طالبة جامعيّة، بينما لا تستطيع والدتها فكّ الحرف، أو أن يكون الأستاذ الجامعيّ ابناً لفلَّاح. ولكن، صحيح أنَّكِ طالبة جامعيَّة، وأنتَ أستاذ جامعيّ، لكنَّكما وغيركما لم تكتسبوا علمكم من فراغ، بل من تجارب الآخرين. إنَّ ما تتعلَّمونه في الطبّ، مثلاً، هو ثمرة تجارب من سبقكم، وكذلك في الهندسة وغيرها من العلوم. إنَّ هناك من تأمَّلوا في الطبيعة وكتبوا عن تجاربهم. أمَّا آباؤنا وأمَّهاتنا، فقد لا يكون لديهم معرفة بالنظريَّات الأكاديميَّة، لكنَّهم عاشوا تجارب حياتية غنيَّة، وأصبحت لديهم خبرتهم في الحياة.
في بعض الحالات، قد تكون الفتاة متخصّصة في تربية الأطفال، ولكن قد تكون والدتها أكثر خبرة وثقافة منها في هذا المجال، لأنَّ الأمّ الّتي ربَّت العديد من الأبناء، اكتسبت خبرة عمليَّة كبيرة في التربية، أليس هناك نساء يشترين كتبًا لتعليم الطَّبخ؟ ولكن قد تكون أمَّهاتهنّ أفضل منهنَّ في الطّهي بفضل خبراتهن العمليَّة. ومن هنا يأتي المثل المعروف: "أكبر منك بشهر، أعرف منك بدهر"، لأنَّ ما مرَّ عليه لم يمرّ علينا، وكذلك المثل: "اسأل مجرّب ولا تسأل حكيم".
لذلك، علينا أن لا نحتقر الجيل القديم، صحيح أنَّ هناك أشياء قد لا يفهمها الجيل القديم، لكن الأكيد أنّ هناك أشياء عنده جعلته مثقّفاً بالشَّيء الَّذي عاش تجربته وعمل فيه، فقد يكون الفلاح مثقَّفاً بالزّراعة أكثر من خرّيج كليّة الزراعة، وقد يكون هناك عمَّار يعرف بالهندسة والتّخطيط نتيجة خبرته أكثر من خرّيج الهندسة.
لذلك، "وقّروا كباركم"، أي تعاملوا معهم بتوقير، "وارحموا صغاركم"، أن لا يقول الكبير عن الصّغير هذا ابن البارحة ويريد أن يعلّمني، فقد يكون ابنك صغيراً، ولكنّه تعلّم أكثر منك، وكذلك ابنتك، وكما يقال: "كم ترك الأوَّل للآخر"..
إنَّ الإسلام يريد أن لا يكون هناك صراعٌ بين الأجيال، بحيث يسعى كلّ جيل ليهدّم الجيل الآخر، أو أن يحتقر كلّ جيل الجيل الآخر.. في الإسلام، هناك تكاملٌ بين الأجيال، بحيث يعطي كلّ جيل الجيل الآخر مما عنده، أن يكون هناك صداقة بين الأجيال، أن تكون العلاقة بين الجيل القديم والجيل الحديث علاقة تعاون وتفاهم وتكامل؛ أن يوقّر الجيلُ الجديدُ الجيلَ القديم ويستفيد منه، وأن يرحم الجيلُ القديمُ الجيلَ الجديد، فيحاول أن يسدّدَ خطاه، وأن يصبر عليه على قلَّة التَّجربة.
ولذلك، علينا أن نتعلَّم أن نشغّل فكرنا في كلّ شيء، قد يكون هناك أشياء لا نعرفها، فعلينا أن نفكّر فيها أوّلاً، وإن لم نستطع الوصول إلى نتيجة، نستعين بالآخرين.
التّفكير أوّلاً
هناك كلمات في لغتنا تعكس ذهنيّة الشَّعب والمجتمع، وعلماء النفس ربما يعتمدون على هذه الكلمات لفهم خلفيّات الذهنيّة الشعبيَّة. من هذه الكلمات، على سبيل المثال، حين تقول لأحدهم: "تعال فكّر في الموضوع"، فيجيبك: "لا وقت لديَّ للتفكير". لكن لا ينبغي لأحد أن يقول إنَّه ليس لديه وقت للتفكير، بل يجب أن نخصّص وقتاً للتفكير، لأنَّ أيَّ مشروع نريد القيام به، إذا لم يسبقه تفكير، سيكون مشروعاً فاشلاً وفوضويّاً. من الممكن أن نجمّد بعض أعمالنا مؤقّتاً لنعطي أنفسنا فرصة للتفكير. إنَّ الشَّعب الذي يقول "لا وقت لدي للتفكير"، هو شعب لا يقدّر عقله ولا فكره ولا عمله، لأنّ أيّ عمل دون تخطيط، لا يمكن أن يكون عملًا متكاملًا. لذلك، يجب أن نحرص على تشغيل عقولنا دائمًا، فلا يأخذ العقل إجازة إلَّا أثناء النوم.
أهميّة العاطفة
أيضاً من عناصر الشخصيَّة القلب، والقلب كناية عن الحالة العاطفيَّة للإنسان، وحالة الإحساس لديه والشّعور والانفعال.
وكما أنَّ الإنسان لا بدَّ أن يكون له فكر ينفتح على حياته وحياة الآخرين، ينبغي أن تكون عنده عاطفة وإحساس وشعور. إنَّ الَّذي يربطنا بالآخرين هو إحساسنا ومشاعرنا وتعاطفنا، فهذه الحالة الشّعوريّة هي الَّتي تقرّب النّاس بعضهم من بعض؛ هي الَّتي تقرّب الأمّ والأب من الولد، وتقرّب الزَّوج من زوجته... إنَّ الحياة الّتي تخلو من عاطفة، تصبح جامدة كالصَّخر، لأنَّ العاطفة هي الَّتي تليّن الحياة وتجعلها حلوة وتجعلنا نرغب بالاستمرار فيها، لذلك ترى أنَّ الإنسان الذي عنده جفاف عاطفيّ يصبح عنده يأس.. وكلَّما زاد الإحساس العاطفيّ تجاه الآخرين وتجاه الحياة، زادت قدرة الإنسان على الشّعور بحلاوة الحياة واستمتاعه بها.
تربيةُ العاطفة وتوجيهها
ولكن، كما أنَّ على الإنسان أن يربّي عقله، عليه أيضاً أن يربّي قلبه، أن لا يجعل القلب يأخذ حرَّيته كيفما كان، لأنّنا إذا لم نربّ قلوبنا، فربما تتَّجه إلى عاطفة تضرّنا. فمثلاً، قد ينجذب الإنسان عاطفيّاً إلى الجانب الجماليّ في الآخر، وهو ما يسمّيه الشّباب والفتيات الحبّ من أوَّل نظرة، فقد يقبل القلب على الإنسان الآخر لأنَّ عنده صفة جماليَّة معيَّنة، فتراه يسقط رأساً أمام هذه الحالة، ويأخذ بمجامع قلبه.. وإذا انطلقت هذه العاطفة من استغراقنا بالجانب الجماليّ للآخر، فربّما تهدّم حياتنا. فصحيح أنَّ هذا الشَّخص الّذي انجذبنا إليه قد يملك جمالاً يجذب العين والإحساس، ولكن قد لا يملك صفات أخرى، كالعقل والأمانة والصّدق والذّكاء... فالإنسان إذا أراد أن يعطي عاطفته مداها في هذا المجال، فقد يسقط أمامها.
وهكذا، قد يعجب الإنسان باللّسان الحلو عند الآخر، فهناك الكثير من النَّاس يتأثّرون بالكلام الجميل.. وهناك أشخاص يتأثَّرون بمظاهر القوَّة، وهناك أشخاص ينجذبون، مثلاً، إلى الممثّلين والممثّلات والرّياضيّين وغيرهم من المشاهير، كما يفعل الكثير من الفتيات والفتيان الّذين يجتذبون إلى شخصيّة البطل أو البطلة، فهناك انجذاب يجعلهم يتصوَّرون أنَّ السعادة ستغمرهم إذا اقترنوا بهذا الإنسان أو ارتبطوا به. ولكنَّ الحياة ليست جانباً واحداً، فقد يكون هناك جانب لطيف في الشَّخص، ويكون هناك جوانب أخرى قد لا تكون لطيفة أو جميلة.
فعلينا أن نتعلّم كيف نربّي عاطفتنا؛ أن لا ننظر إلى الأمور من جانب واحد، أن نفكّر، مثلاً، أنَّ هذا عنده جمال جسد، ولكن كيف هو عقله وأخلاقه وعلاقته بالآخرين، قد يكون هناك شخص ناجح في جانب معيَّن، لربّما ينجح شخص في التَّمثيل، وينجح شخص آخر في الغناء، وينجح شخص في جوانب أخرى، صحيح أنَّه نجح في هذا الجانب، ولكنَّ ذلك لا يعني أن أهيم به حبّاً وشغفاً، بل عليّ أن أفكّر أنَّ هذا الإنسان النَّاجح في هذا الجانب، كيف هو نجاحه في الجوانب الأخرى، لأنَّ العلاقة بالإنسان الآخر عمليَّة معقَّدة وليست بسيطة، وخصوصاً عمليَّة الزواج.
الآن مثلاً، قد يصادق أحد شخصاً، وقد يلتقي به كلّ عدّة أيّام، ويمكن أن يرتاح إليه أو ينزعج منه، أمّا الزواج، فيعني أن يعيش الشّخص مع الآخر سنوات طويلة في اللَّيل والنَّهار، بحيث تندمج حياته مع حياته، وعليه أن يتحمَّل مزاجه وذوقه وكلّ جوانبه الحسيَّة وعلاقاته الاجتماعيَّة، أهله وأصدقاءه وأقاربه، وهذا ليس سهلاً...
عقلنة العاطفة
لهذا، نحن نقول إنَّ علينا أن نحاول أن ننظّم عواطفنا، وذلك بأن نعوّد قلوبنا ونربّيها على أن لا تنفتح على الإنسان الآخر إلَّا بعد أن تتفهَّم كلّ جوانب حياته، بمعنى أن نعقلن العاطفة. وأنا دائماً أكرّر هذه الكلمات، أنّه لا بدَّ أن نعطي العاطفة جرعةً من العقل، وأن نعطي العقل جرعةً من العاطفة، فعندما نعطي العقل جرعة من العاطفة، يصبح ليّناً رقيقاً، وعندما نعطي العاطفة جرعة من العقل تتوازن.
لذلك، الكلمة الّتي يقولها البعض: "أنا أحبّ فلاناً حبّاً أعمى"، أو "أنا أثق بفلان ثقة عمياء"، هذا خطأ، لأنَّ الحبّ يجب أن يكون مفتَّح العينين، والثّقة أيضاً، لأنَّ في الإنسان جانباً مغلقاً وجانباً مفتوحاً، ولا يكفي أن نعرف الجانب المفتوح فيه، بل علينا أن نعرف المناطق الخفيَّة أيضاً.
لذلك، لا بدَّ أن نبني قلوبنا بناءً عاطفيّاً منفتحاً على المواقع الحيَّة للعقل، حتَّى لا تجذبنا العاطفة لتدمّر حياتنا في نهاية المطاف. إنَّ الإنسان العاطفيّ الَّذي يسقط أمام أيّ حالة حسيَّة، سوف يدمّره الآخرون ويستغلّونه، لكنَّ الإنسان الَّذي يجمع بين عاطفته وعقله، فيعرض عاطفته على عقله، هو إنسانٌ لا يمكن للآخرين أن يستغلّوه، لأنَّ الإنسان الَّذي يموع في العاطفة ويذوب فيها، سوف يكون عرضةً لاستغلال الآخرين له، فهو إنسانٌ ساذج بسيط، تسحره الكلمة، واللَّمسة، والنَّظرة.
الموازنة بين العقل والعاطفة
نعم، نحن نعيش حياتنا العاطفيّة، ولكن على أن يبقى عقل الإنسان يلاحق عاطفته، وهذا أمر قد يكون فيه صعوبة، لأنَّ الجانب العاطفيَّ غالباً يجعل الإنسان ينسى القضايا، ولكن علينا أن ندرّب أنفسنا على ذلك.
يقال إنَّ الذّئب عندما ينام لا يغلق عينين الاثنتين، بل يغلق عيناً ويبقي الأخرى مفتوحة، كما يصف الشَّاعر حاله بالقول:
| ينام بإحدى مقلتيه ويتَّقي |
بأخرى المنايا فهو يقظان نائم |
فهو يغمض عيناً حتَّى يرتاح، ويفتح عيناً، حتَّى إذا جاء أحد ليعتدي عليه يكون يقظاً.
وهكذا علينا أن نكون، نحن لا نريد أن نكون ذئاباً، ولكن نريد أن نستفيد من الذّئب في طريقة الحياة؛ أن لا نغمض أعيننا دائماً، لأنَّنا إذا أغمضناها، فلن نستطيع أن نبصر الطَّريق، وأن لا نفتح أعيننا دائماً، لأنّنا بحاجة إلى أن نرتاح، ولكن أن نفتح عيناً ونغلق عيناً، حتَّى نستطيع أن نوازن حياتنا.
وأنا أعتقد أنَّه إذا استطاع الرجال والنساء أن يخطّطوا لحياتهم، فقد تقلّ أخطاؤهم ومشاكلهم، لكنَّ مشكلة الإنسان، كما قلنا، أنَّه يعطي لعاطفته الحريَّة، وعندما يعطيها الحريَّة، تنطلق من غريزته وليس من مصلحته.
إذاً، لا بدَّ من أن نربّي العاطفة تربية عاقلة، وأن نربّي حركتنا في الحياة، في علاقاتنا بالآخرين، وعندما نكوّن صداقةً، أو عندما نريد أن نؤيّد شخصاً أو أن ننتمي إليه، أن أدرس من هو هذا الّذي أنتمي إليه؛ هل ستؤدّي علاقتي به إلى الجنَّة أم إلى جهنّم؟ هل سيورّطني في مشكلة أم سيساعدني في حلّ المشاكل؟ هل يملك فلان إخلاصاً للقضايا الَّتي يتحدَّث فيها، أم يعتبرها جسراً للعبور حتّى يؤكّد ذاته من خلالها؟... نحن لا نريد أن نفكّر كما كان آباؤنا يفكّرون، كان كلّ جماعة يبيعون أنفسهم لزعيم، والزّعيم يتعاطى وكأنَّ لديه قطيعاً من الغنم يورّثه لمن بعده. ألم يكن يقال نحن من جماعة فلان، أو من رجال فلان، أو محسوبون على فلان؟ واليوم تُقال بطريقة أخرى، ولكن بالمضمون نفسه: أنا من مؤيّدي فلان...
الالتزام بالخطّ لا بالشّخص
نحن لا ينبغي لنا أن نكون من جماعة الشَّخص، بل من جماعة الفكر الَّذي يلتزمه الشَّخص، ومن جماعة المبدأ الَّذي ينطلق به، ومن جماعة الخطّ السياسيّ الَّذي يتبنَّاه ونؤمن به، فأنا أكون من جماعة هذا الشَّخص طالما هو ملتزم بالخطّ السياسيّ الّذي ألتزم أنا أيضاً به، أمَّا عندما ينحرف عنه، فلا أبقى ملتزماً به، لأنَّ علاقتي به إنّما هي من خلال خطّه ومبدئه وإخلاصه، فعلاقتي هي بالإخلاص والمبدأ والخطّ، فإذا انحرف الشّخص عن الخطّ، فلا يكون لي علاقة به.
إنَّ على الإنسان أن لا يستعبد نفسه لأحد.. نحن علينا أن نبقى مع القيادة، ولكن ليس تحت رجلَي القيادة. إنَّ أعظم النَّاس عندنا في عقيدتنا هو النَّبيّ محمَّد (ص) الَّذي هو سيّد ولد آدم، ومع ذلك، عندما حدّثنا الله عنه، قال: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}[الفتح: 29]، فالنَّاس يمشون مع القيادة من خلال أنهم يسيرون على الخطّ، {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب: 21]. فعلاقتكم بالرّسول (ص) أنّكم تقتدون به، لما يتمثل فيه من الخصائص الرساليَّة التي تتجسَّد في شخصه.
لذلك، لا نريد أن نؤيّد أشخاصاً لأنَّ أهلنا يؤيّدونهم، أو لأنّ قريتنا أو جماعتنا يؤيّدونهم، بل علينا أن نقتنع: هل يمثّل هؤلاء طموحاتنا السياسيَّة ومبادئنا الفكريَّة؟ هل يسيرون بنا إلى الجنَّة أم إلى النَّار؟ هل يتحركون في خطّ الله أم في خطّ الشَّيطان؟ هذا ما يجب أن نفكّر فيه، لأنَّ الله سبحانه وتعالى يوم القيامة يجعلنا مع الَّذين اتَّبعناهم {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً – لو أنَّ الله يرجعنا مرَّة أخرى إلى أيّام الانتخابات والتَّأييد والمهرجانات - فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}[البقرة: 166 - 167].
لذلك، عندما نختار الإنسان الَّذي نمشي معه أو خلفه أو نؤيّده، ينبغي أن نؤيّد عن قاعدة، ونرفض عن قاعدة، فلا نجعل عاطفتنا هي الّتي تقودنا، لأنَّ هذه الأمور تتعلَّق بمصيرنا في الدّنيا والآخرة، لأنّنا إذا اخترنا قيادة غير صالحة، فسوف تدمّر حياتنا وآخرتنا.
اختيار الأصدقاء
إذاً، لا بدَّ أن نربّي علاقاتنا، فمثلاً، أن لا تكون علاقة الصَّداقة كيفما كان، بل أن ندرس هذا الشَّخص جيّداً قبل أن نتَّخذه صديقاً، ويصوّر الشَّاعر ذلك بقوله:
| صاحبْ أخا ثقةٍ تحظَ بصحبتِهِ |
فالطَّبعُ مُكتَسَبٌ من كلِّ مصحوبِ |
| كالرّيحِ آخذةٌ ممّا تمرّ بهِ |
نتناً من النَّتنِ أو طيباً من الطّيبِ
|
لأنَّ الإنسان يأخذ طبعه من صديقه، والله يتحدَّث عن الصَّداقة فيقول: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا}[الفرقان: 27 - 29]، ويقول الله: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}[الزخرف: 67]، أن تكون الصَّداقة القائمة على التقوى والحقّ والخير، لأنّها هي الّتي تستمرّ في الدنيا والآخرة.
لذلك، لا بدَّ أن نختار أصدقاءنا وزعماءنا، وأن نختار قادتنا، حتى نستطيع بحسن الاختيار أن نركّز حياتنا على أساس متين.
دعوة إلى التّفكير
وأنا لا أريد أن أستهلك الكلام معكم، ولكن أريدكم أن تفكّروا معي في هذا الكلام، وأنا أتحسَّس مسؤوليتي أمام الله سبحانه وتعالى في أن أعطي الإخوة والأخوات ما يمكن أن يفكّروا فيه، حتَّى يركّزوا حياتهم على هذا الأساس، وأنا لا أدَّعي أنَّ كلّ ما أقوله صحيح، ولذا لا أقبل منكم أن تؤيّدوا كلَّ ما أتكلّم به دون أن تفكّروا فيه.
فلنفكّر معاً على أساس أن ننظّم حياتنا ونركّزها حتّى لا تكون فوضى، لأنَّ ما أراه في مجتمعنا هو فوضى عقل وفوضى عاطفة وفوضى علاقات، وأنتم تعرفون أنَّ البيت الَّذي فيه فوضى يتعب صاحبه، ولكن لو كان منظّماً سيريح أصحابه... فإذا نظَّمنا حياتنا على أساس أن نُعمِلَ عقلنا، وركَّزنا عاطفتنا، ورتّبنا علاقاتنا، فإذا لم نستطع محو أخطائنا، فسنخفّف الكثير منها، وهذا هو دور التأمّل والتدبّر في القرآن، ودور الوعي في شهر رمضان.
والحمد لله ربّ العالمين.
*خطبة الجماعة للنساء في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 19/01/1996م.