يتحدَّث الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد، عن أجواء معركة أحد وآثارها ونتائجها، والَّتي حدثت في مثل هذا الشَّهر الَّذي واجه المسلمون فيه أكثر من معركة، وأكثر من فتح، وأكثر من هزيمة.
بينَ النَّصرِ والهزيمة
وقد أراد الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد أن يلاحق حركة المسلمين في نصرهم عندما ينتصرون، ليحدّثهم عمَّا يجب أن يفعلوه ويستفيدوه من قضايا النَّصر، أو في هزيمتهم عندما ينهزمون، ليحدّثهم عن العبرة الَّتي يمكن أن يأخذوها من الهزيمة، وعن الرّوح المعنويَّة الَّتي تبقى حيَّة في نفوسهم، سواء انتصروا أو انهزموا.
ومعركة أحد هي معركة عاش المسلمون النَّصر في بدايتها، والهزيمة في نهايتها، وكان للنَّصر أسبابه فيما أخذ به المسلمون من أسبابه، وكان للهزيمة أسبابها فيما أخذ المسلمون به من أسبابها.
والله يريد للنَّاس الَّذين يتحركون في خطّ الإسلام والإيمان، أن يواجهوا كلّ قضاياهم في الحياة، سواء كانت تتحرّك في الاتجاه الإيجابيّ، أو في الاتجاه السَّلبيّ، بالدَّرس والتأمّل، لأنَّ قيمة التّاريخ هي أنَّه يحمل لنا دروساً عن أحداث مضت، فنحن لا نريد أن نبقي تلك الأحداث الَّتي طواها التَّاريخ، ولكنَّنا نريد أن نحتفظ بدروسها، وهذا ما يريد الله لنا أن نتعلَّمه، كما هو النَّهج القرآني في ذلك كلّه.
إنَّ الله يريد أن يُحدّث المؤمنين عن الجوانب السَّلبيَّة لما أصابهم، لا ليزيد من آلامهم، بل ليرفع من معنويَّاتهم، وليواجههم بحركة الواقع الَّذي كان سلبيّاً عليهم، ولكنَّه أيضاً كان سلبيّاً على أعدائهم. والحياة في حركتها ليست من لون واحد، ولا تسير في طريق واحد، فالباطل لا يمكن أن ينتصر دائماً، إذا انتصر، والحقّ لا يمكن أن يبقى منهزماً دائماً، إذا هُزِم، لأنَّ سنّة الحياة كما أرادها الله في الكون والإنسان، تتحرَّك على أساس أنَّ لك يوماً وللآخرين يوماً {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 140].
الإيمانُ أمامَ الاختبار
يقول تعالى في أجواء معركة أحد: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا - فالمؤمن لا يضعف، ولا يحزن أمام البلاء، لأنَّه لا يستمدّ ثقته بنفسه من الواقع، بحيث إذا كان الواقع معه ارتفعت ثقته بنفسه، وإذا لم يكن معه نزل إلى مستوى الضّعف وعدم الثّقة بنفسه، بل إنَّ المؤمن يستمدُّ قوَّته من الله سبحانه وتعالى {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}[التّوبة: 40].
وإذا كان الله مع المؤمن، فمن يكون كلّ النَّاس؟! وإذا كان الله هو الَّذي ينزل البلاء، فإنَّه وحده القادر على رفعه. وإذا فهم الإنسان المؤمن سنَّة الله في الكون، وأنَّ الكون ليس عافية دائمة، بل قد يصيب المرضُ الإنسان، وليس نصراً دائماً، بل قد تصيبُ الهزيمة الإنسان، فإنّه يفهم حينها الحياة فهماً واقعيّاً، فلا تسقطه الهزيمة، ولا يطغيه النَّصر، بل ينظر إلى الهزيمة بأسبابها، وإلى النَّصر بأسبابه، فإذا كان المؤمن يعيش إيمانه بعمق ووعي وانفتاح وثقة بالله، فلن يضعف مهما انطلقت في حياته نقاط الضّعف، ولن يحزن مهما واجه البلاء في حياته.
- وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[آل عمران: 139]، الأعلون في إيمانكم، وفي إرادتكم المنطلقة من هذا الإيمان، لأنَّ الإيمان ليس مجرَّد كلمة، ولكنَّه يمثّل قوَّةً في العقل، وثباتاً في القلب، وصلابةً في الموقف، ووعياً للحياة كلّها.
ولماذا تضعفون؛ هل لأنَّكم جُرِحتم؟ هل لأنَّكم أُصبتم؟ هل لأنَّ هناك شهداء سقطوا منكم؟ هل لأنَّكم هُزِمتم في نهاية المعركة؟ لماذا تضعفون، ولماذا تحزنون؟
{إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ - وهو كناية عن الجراح الَّتي أصابت المسلمين في وجدانهم وأجسادهم ومواقفهم - فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ - وهم المشركون في بداية المعركة، وفي بدر قبل ذلك - وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ - لأنَّ حكمة الله تقتضي أن يبقى الكون في حالة صراع دائم، فكما هو الصّراع بين الرّياح العاصفة والرّياح الهادئة، كذلك تتصارع القوى والاتّجاهات، فليس هناك أحد في الكون يمكن أن يكون اليوم الدَّائم له، ولا أحد يمكن أن يكون اليوم الدَّائم عليه، بل كما قال ذلك الشَّاعر:
فَيَومٌ عَلَينا وَيَومٌ لَنا وَيَومٌ نُساءُ وَيَومٌ نُسَرّ
وهكذا تتحرَّك الحياة، والله سبحانه يقول حول سنّته في الكون: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[آل عمران: 26]. وإذا كان الخير كلّه والقدرة كلّها بيد الله، فمن يكن مع الله، يعش الأمل بالخير بعد الشّرّ، والأمل بالنَّصر بعد الهزيمة.
- وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا - إنَّ الله يدفع المؤمنين إلى ساحة الصّراع والمعركة، قد تكون المعركة سياسيَّة أو أمنيَّة، وقد تكون اجتماعيَّة أو ثقافيَّة، ولكنَّ الله يريد أن يختبر إيمان المؤمنين، لا أن يعلمهم، فالله يعرف ما يعرض للإنسان قبل أن يولَد، ولكنّه يريد أن يُظهِر ما عندهم من العمق الإيمانيّ، يريد للمؤمن أن يدخل في التَّجربة حتَّى يظهر إيمانه من خلالها {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}[العنكبوت: 1 - 3].
- وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ - يشهدون على أمَّتهم ومرحلتهم، ويشهدون على النَّاس - وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}[آل عمران: 140]، الَّذين يظلمون أنفسهم بالكفر، ويظلمون النّاس بالبغي {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا - ليمحّصهم من خلال البلاء، ومن خلال التَّجربة، ليكونوا أقوى على مواجهة التَّحدّيات، وعلى مواجهة المعارك - وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}[آل عمران: 141]، عندما ينطلق المؤمنون في قوَّتهم ليواجهوا الكافرين في قوَّتهم، لتتغلَّب قوَّة المؤمنين على قوَّة الكافرين.
ثمنُ الدّخول إلى الجنَّة
ثمَّ يخاطب الله المؤمنين، وهو خطاب لنا أيضاً الآن، لأنَّ الخطاب ليس خطاباً لمرحلة من التَّاريخ، ولكنَّه خطاب لكلّ الَّذين يحبّون الجنَّة ويريدون أن يدخلوها.
يقول تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ - هل تريدون أن تدخلوا الجنَّة مجَّاناً، أو أن تدخلوها لمجرَّد كلمات تقولونها قد لا تثبت أمام التَّجربة، أو لمجرَّد أعمال تقومون بها لا تثبت أمام التّحدّي؟ لا بدَّ أن تدخلوا ساحة المعركة، ولا بدَّ أن ينطلق الصّراع، ليدعو الرَّسولُ (ص)، وليدعو كلُّ من سار في طريق الرَّسول، إلى المواجهة، وإلى الجهاد والصَّبر، ليُعرَف الَّذين ينطلقون إلى الجهاد والَّذين ينهزمون، أو الَّذين يصبرون والَّذين يجزعون - وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ - من خلال حركتكم وجهدكم - وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}[آل عمران: 142].
{وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ – فعندما كنتم في حال السّلم والرّخاء، كنتم تتمنّون الموت شهادةً في سبيل الله - فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ - رأيتم الموت عياناً في المعركة، وهو يهجم عليكم في ساحات الخطر، أو ينال من إخوانكم - وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}[آل عمران: 143].
سببُ الهزيمة
لقد كانت التَّجربة صعبة لدى البعض، فقد انطلق المسلمون، كما ذكرنا في البداية، فانتصروا على المشركين الَّذين عبّأوا كلَّ قواهم ليعملوا على إزالة آثار هزيمتهم في بدر، وليعودوا كقوَّة قادرة على أن تفرض نفسها على الواقع كلّه، وأن تربك المسلمين بعد أن أضعفوهم، جاءت قريش إلى أحد مع حلفائها بكامل عدّتها وقوَّتها، ومعهم الدّفوف والطّبول، جاؤوا ليهجموا على المدينة، ليستأصلوا الإسلام في قاعدته.
وكان من المسلمين من يقول إنَّ علينا أن نبقى في المدينة لنستقبلهم جميعاً، وكان بعضهم يرى أنَّ عليهم أن يخرجوا خارج المدينة ليواجهوهم، حتَّى لا يكونوا في موقع الضّعف عندما ينال المشركون من المدينة، أو عندما يستغلّون حالة النّساء والأطفال الَّتي تربك السَّاحة.
وانتصر الرَّأي الثَّاني، وخرج رسول الله (ص) بجيشه، وواجه المشركين، وقبل أن يعبّئ الجيشَ، قال لجماعته إنَّ هناك ثغرةً في جبل يسمَّى عينين، يمكن أن يتسلَّل المشركون منه إلى المسلمين، فقال لهذه المجموعة ابقوا في هذه الثَّغرة حتَّى تحموا ظهورنا، لأنَّ الموقع استراتيجيّ جدّاً، ومن خلاله يتقرَّر النَّصر أو الهزيمة، فإذا رأيتمونا انتصرنا، فلا تتركوا الثَّغرة أبداً، وإذا رأيتمونا انهزمنا فلا تنصرونا، نحن نتدبَّر أمرنا في النَّصر ولكم حصَّتكم في الغنائم، ونتدبَّر أمرنا في الهزيمة، لكن حافظوا على هذه الثَّغرة.
ولكن عندما انتصر المسلمون وانهزم المشركون، ورأى بعض الَّذين يقفون في هذه الثَّغرة أنَّ إخوانهم بدأوا يجمعون الغنائم والأسلاب، كما هي عادة المنتصرين في تلك الأزمنة، قالوا لقد انتصر إخواننا، فعلينا أن ننزل حتَّى نحصل على ما يحصلون عليه من الغنائم، خوفاً من أن تفوتهم الغنيمة، وقال قوم آخرون: لقد أرادنا رسول الله أن لا نترك هذه الثَّغرة، وعلينا البقاء فيها.. وترك أكثرهم المكان، وبقي مصعب بن عمير (رض) وجماعة ممن معه، وكان المشركون منهزمين، وكان أحد الألوية في يد خالد بن الوليد الَّذي كان في معسكر المشركين آنذاك، فحانت منه التفاتة، ورأى ضعف هذا الموقع، فانقضّ من خلاله على المسلمين هناك، وقاتلهم حتّى قُتِلوا، ثمَّ جاء للمسلمين من ورائهم وهزمهم، باعتبار أنَّها كانت حركة مفاجئة لهم، حتّى إنَّ رسول الله (ص) أصيب وشجَّت جبهته، وكسرت رباعيَّته.
الاختبارُ الأصعب
وصاح صائح: لقد قتل محمَّد، وعند ذلك، اهتزَّ الضّعفاء من المسلمين، وقالوا إذاً، فلنتدبَّر أمرنا مع أبي سفيان، وكان أبو سفيان قائد قريش آنذاك، حتَّى نأخذ منه الأمان، وحتَّى نبايعه، وما إلى ذلك مما توحي به الكلمات، ولكنّ بعضاً آخر قال: "يا قوم، إن كان محمَّد قد قُتل، فإنَّ ربَّ محمَّد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمَّد".
ونزلت الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ}، فهو (ص) رسول يبلّغ رسالات الله كما بلَّغها رسل الله قبله، وسيموت كما يموت رسل الله {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}[الزّمر: 30]، {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}[الأنبياء: 34].
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ - فهو رسول يملك عمراً محدَّداً فيما قضى له الله من عمر، لأنَّه بشر كبقيَّة البشر، وُلِد كما يولد البشر، ويموت كما يموتون، بالقتل أو حتف أنفه، هو يعطي الرّسالة، والرّسالة تبقى مسؤوليّتكم.. المسؤوليَّة لا ترتبط بحياة القيادة، بل ترتبط برسالة القيادة، فقد تموت قيادة لتخلفها قيادة، حتَّى لو كانت تلك القيادة في حجم النبوَّة وفي حجم الرّسالة وفي حجم الإمامة، إنَّ القيادة لا تلغي حركة الرّسالة وامتدادها، لأنَّ أيّ رسالة، مهما كانت عظيمة، لا يمكن أن تبقى خاضعةً لحياة الرَّسول، وإنَّما تستمرّ بعده في خطّه وهديه ومنهجه وتعاليمه، فإنَّ الرَّسول لا يبقى بجسده مع النَّاس، ولكن يبقى بروحه وعقله ونهجه وسيرته {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب: 21].
- أَفَإِن مَّاتَ - حتف أنفه - أَوْ قُتِلَ - في المعركة - انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ - ورجعتم إلى جاهليَّتكم من جديد، وانهزمتم أمام الكفر والاستكبار.. ثمَّ لو أنَّكم انقلبتم على أعقابكم، فهل تتصوَّرون أنَّكم بذلك تضرّون الله؟! إنَّ الله غنيّ عن إيمانكم وعن إسلامكم، كما كان الرَّسول غنيّاً عن ذلك {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[الحجرات: 17] - وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}[آل عمران: 144] الَّذين يشكرونه بالكلمة والفعل والموقف والاستمرار على النَّهج.
الارتباطُ بالرّسالة لا بالشَّخص
وهذا، أيُّها الأحبَّة، درس نتعلَّمه في كلّ مواقع القيادة عندنا، لأنَّ مشكلة البعض من النَّاس، أنَّه يستغرق في القيادة حتَّى يتعبَّد لها، ويعتبر أنَّ القائد إذا مات فقد ماتت القضيّة، أو مات الإسلام، أو انطلقت الهزيمة لتفرض نفسها. إنَّ الله يريد أن يقول لنا إنَّ القائد قيمته في خطّ القيادة وفي خطّ الرّسالة. لذلك لا تعتبروا ارتباطكم بالقيادة وبالرّسالة من خلال الشَّخص، وإن كان الشَّخص في أعلى درجات القرب من الله، وفي أعلى مواقع العلوّ في مكانته ودرجته، كمحمَّد (ص) الَّذي هو سيّد ولد آدم، ولكن عليكم أن تكونوا السَّائرين على نهجه، وأن تثقوا أنَّ الله لا يترك الأمَّة من دون قيادة، وأنَّه إذا ذهبت قيادة، فسيهيّئ الله سبحانه وتعالى للأمَّة قيادة ثانية وثالثة ورابعة، حتَّى يرث الله الأرض ومن عليها، لأنَّ لطف الله في الأمَّة يقتضي أن لا يبقى هناك فراغ في هذا المجال.
لذلك، حاولوا أن تنطلقوا بحركتكم من خلال الإيمان بالرّسالة، ومن خلال تهيئة كلّ الظّروف لولادة قيادة من السَّاحة نفسها، إذا لم تكن هناك قيادة منصوبة بالاسم من الله، أو إذا كانت هناك قيادة غائبة بلحاظ حكمة الله سبحانه وتعالى في ذلك.
علينا أن نغيّر ذهنيَّتنا، لأنَّ الاستغراق في شخصيَّة القائد، بحيث يكون هو كلّ شيء في الحياة، وبحيث يكون ارتباطنا بالرّسالة من خلال الرَّسول، لا أن يكون ارتباطنا بالرّسول من خلال الرّسالة، فإنَّ معنى ذلك أنَّنا سنسقط إذا سقط القائد النَّموذجيّ في حياتنا. لذلك، لا بدَّ لنا أن نغيّر هذه الذّهنيَّة، وأن نعتبر أنَّ أيَّ قيادة هي مرحلة في حركة الرّسالة، وأنَّ هذه المرحلة قد تعقبها مرحلة أخرى مع قيادة أخرى {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}[آل عمران: 145]، لأنَّ الله جعل لكلّ إنسان عمراً معيّناً، وحركة معيَّنة في حياته وفي موته.
الوحدةُ أساسُ النَّصر
وهكذا نلاحظ أنَّ الله تحدَّث الكثير عن هذه المعركة. ونحن، أيُّها الأحبَّة، نريد في واقعنا الَّذي نعيشه، أن نستفيد من دروس هذه المعركة، وأن نعرف أنَّنا عندما نعيش في ساحة التحدّيات، وعندما نعيش المعارك الفاصلة بيننا وبين الاستكبار، وبيننا وبين الكفر، فإنَّ علينا إذا أردنا أن ننتصر، أن لا نكتفي بشعارات النَّصر، ولكن أن نأخذ بأسبابه، وأن نهيّئ له أسبابه.
لا يمكن، أيُّها الأحبَّة، أن ننتصر أمام عدوّ يتحالف ضدّنا، ويقف في مواجهتنا، ليسقطنا ثقافيّاً وسياسيّاً وأمنيّاً واقتصاديّاً.. وأن نحصل على فرصة للنَّصر، أو على الأقلّ على فرصة للثَّبات والتَّماسك في المعركة، إذا كنَّا نعيش أوضاعنا على أساس تمزّقاتنا؛ تمزّقاتنا كمسلمين مذهبيّاً، ليحارب المسلمون بعضهم بعضاً في مذهبيَّاتهم، ويتركوا الاسلام الَّذي تلتقي المذاهب عليه، وتختلف المذاهب في اجتهاداتهم في فهمه، ليتركوه يقع صريعاً تحت تأثير قوَّة الكفر والاستكبار، في التَّحالف غير المقدَّس بين الكفر العالميّ والاستكبار العالميّ.
إنَّ علينا أن نجمّد ذلك، وأن نتعلَّم من عليّ (ع) كيف مارس موقفه في تلك المرحلة بعد وفاة الرَّسول (ص)، وأن ننطلق من كلمته: "لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً".
ليس من الطَّبيعيّ أن ننطلق إلى المعركة وظهرنا مكشوف للعدوّ من خلال خلافاتنا الهامشيَّة. لا يكفي، أيُّها الأحبَّة، أن ندعم المجاهدين بأموالنا، أو أن ندعمهم بشعاراتنا، أو بتأييدنا، إذا كنَّا لا نحمي ظهورهم بأن نكون قوَّة واحدة. الثَّغرة الَّتي ينفذ منها الاستكبار في أيَّة ساحة حرب بينه وبين المستضعفين، هي خلافات المستضعفين فيما بينهم، ونزاعاتهم في الأشياء الصَّغيرة هنا وهناك، عند ذلك، سوف تأكلهم خلافاتهم ونزاعاتهم، وسوف يسقطون في المعركة قبل أن يدخلوها. وهذه هي أسلحة الحرب المخابراتيَّة؛ أن تنفذ إلى داخل المجتمع المؤمن والمسلم والمجاهد، لتستفيد من خلافاته، على مستوى الخلافات المذهبيَّة والحزبيَّة، وعلى مستوى الخلافات العائليَّة والشَّخصيَّة، من أجل أن تشغل النَّاس بهذه الخلافات، وتحرّك لديهم الحروب الصَّغيرة، حتَّى ينهزموا في الحرب الكبيرة.
* خطبة الجماعة للرّجال في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 08/03/1996م.