{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا}[الأحزاب: 9 - 15].
نزلت هذه الآيات في معركة فاصلة من أشدّ معارك الإسلام خطورة في صراعه مع الشّرك، وصراع المسلمين مع المشركين ومع اليهود، وهي معركة الخندق، وتسمَّى معركة الأحزاب، وفي رواية أنَّها وقعت في شهر شوَّال.
المؤامرة اليهوديَّة
وقد انطلقت هذه المعركة من خلال مؤامرة يهوديَّة، فقد هُزم اليهود في موقعة بني النّضير، عندما نقضوا العهد مع رسول الله (ص)، وحاربهم الرَّسول (ص) وتغلَّب عليهم.. عند ذلك، جاء رؤساء اليهود، وجمعوا أنفسهم، من يهود خيبر وبني قينقاع وبني قريظة وسليم، وذهبوا إلى قريش، فاستقبلهم أبو سفيان مرحّباً بهم، باعتبار أنَّهم يلتقون معه في عداوتهم لرسول الله (ص)، لأنَّ المشركين كانوا يعلمون كم يحمل اليهود من العداوة لرسول الله وللإسلام والمسلمين، وذلك من خلال أنَّ الإسلام أخذ عليهم المواقع الَّتي كانوا يتمتَّعون بها، فكان الجوّ له، والغلبة له، ولا سيَّما بعد أن سيطر على المدينة، ودخل أهل المدينة في الإسلام، وأصبحوا يمثّلون قوَّة كبرى، وأصبح الإسلام يمثّل قوَّة كبرى هناك.
فقال لهم أبو سفيان، فيما تقول الرّوايات، إنَّكم أهل الكتاب الأوَّل – لأنّهم أهل التوراة، والتوراة هي أوَّل كتاب أنزل من قبل الله سبحانه وتعالى - فأنتم تعرفون الحقائق، ونحن نسألكم: أديننا خير أم دين محمَّد؟ - ودينهم دين الشّرك، ودين محمَّد هو دين التَّوحيد، ودين التَّوحيد هو دين الرّسالات. ولكنَّهم أجابوا من منطلق العقدة النَّفسيَّة الَّتي كانوا يعيشونها ضدَّ الإسلام وأهله، فقالوا - إنَّ دينكم خير، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى في كتابه وهو يتحدَّث عن هذه المسألة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا}[النساء: 51].
وهذا ما يعيشه بعض النَّاس من المسلمين، عندما يعيشون العقدة من بعض المسلمين، أو من بعض الَّذين يختلفون معهم حتَّى في داخل المذهب الواحد، فيقولون عن غير المسلمين بأنَّهم أفضل من المسلمين وأقرب منهم، ويقولون عن الفاسقين إنَّهم أفضل من المؤمنين، على أساس أنَّهم يتعقَّدون من أيّ مذهب إسلاميّ آخر، فيفضّلون الكافرين عليهم، أو يتعقَّدون من المؤمنين في بعض جوانب أوضاعهم، فيقولون عن الفاسقين بأنَّهم أفضل منهم.
وأظنّكم تسمعون كثيراً من هذا حول الَّذين يعيشون العقدة، فينطلقون في حياتهم من خلال عقدتهم، حتَّى لو كانت عقدتهم تتنافى مع إيمانهم ومع دينهم، والله يقول: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}[القلم: 35 - 36]، {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ}[السّجدة: 18].
ولكنَّنا نتيجة عقدتنا، قد نفضّل الفاسق على المؤمن، والمجرم على المسلم. ولذلك، لا بدَّ لكم أن تنتبهوا إلى ذلك، لتفصلوا بين مشاكلكم النَّفسيَّة أو السياسيَّة أو الاجتماعيَّة، وبين خطوطكم الإيمانيَّة الإسلاميَّة، فلا يمكن أن يفضل الكافر المسلم، ولا يمكن أن يفضل الفاسق المؤمن، لأنَّنا عندما نتحرَّك في هذا الاتجاه، فمعنى ذلك أنَّ منطقنا سوف يكون منطق اليهود، عندما قالوا عن المشركين، وهم عبدة الأصنام: {هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا}[النّساء: 51].
وأنا في كلّ مرَّة أكرّر لنفسي ولكم: اقرأوا القرآن قراءة واقعيَّة عمليَّة ميدانيَّة، فعندما نقرأ هذه الآية، كيف أنَّ اليهود قالوا للَّذين كفروا: {هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا}، فإنَّ علينا أن نفتّش عن مظاهر هذا المنطق في حياتنا اليوميَّة، حين نميل نتيجة عقدة حزبيَّة أو مذهبيَّة أو شخصيَّة، إلى تفضيل الكافرين أو الفاسقين على المؤمنين.
المهمّ أنّهم تداولوا الأمر في خطر النَّبيّ (ص) وخطر الإسلام على اليهود والمشركين في المنطقة، فتحالفوا على أساس أن ينقض اليهود العهد الَّذي كانوا قد دخلوا فيه مع النَّبيّ (ص)، وأن يتحالفوا مع المشركين الَّذين عملوا على أن يضمّوا كلَّ حلفائهم من العرب، ليقودوا حملة حاسمة تقضي على الإسلام في مهده، وهو المدينة الَّتي كانت تسمّى يثرب، ليحكموا الطَّوق على المسلمين من كلّ جانب، بحيث يحاصرونهم، فلا يبقى لهم مجال للفرار، فيضطرّون إلى التَّسليم، وإلى أن ينزلوا تحت حكم المشركين واليهود.
فهي مؤامرة يهوديَّة في الأصل. ومن هنا نعرف خطورة اليهود على كلّ المجتمعات، وقد أخبرنا الله عنهم بأنّهم قومٌ لا يلتزمون بعهد {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم}[البقرة: 100]، {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ}[البقرة: 27]، فقد كانوا عاهدوا النَّبيّ (ص) عندما جاء إلى المدينة، على أن يكونوا في داخل المجتمع الإسلاميّ، ليكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وفقاً للشّروط الَّتي نصّت عليها المعاهدة الَّتي عقدها النَّبيّ (ص) وشملت جميع مكوّنات المجتمع اليثربيّ، بما فيه المجتمع اليهوديّ.
مرحلة تنفيذ المؤامرة
وهكذا جمعت قريش ما يقارب العشرة آلاف مقاتل من حلفائها، وانطلق اليهود ليجمعوا كلَّ جماعتهم ضدَّ النّبيّ (ص)، وبقيت هناك فئة واحدة، وهي بني قريظة، لم تدخل في هذا الحلف، فعملوا بكلّ الوسائل حتَّى أدخلوها. وهنا أُحكم الطَّوق على المسلمين، لأنَّ اليهود يقيمون في المنطقة العالية من المدينة، والمشركون جاؤوا من منطقة السَّهل، فأُحكِم الطَّوق عليهم.
والله سبحانه وتعالى عبَّر عن هذا الجوّ بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا – وكان ذلك في آخر المعركة، حيث أرسل الله ريحاً اقتلعت كلّ خيامهم، ولم يعد الرَّجل يبصر أخاه - وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ – وهم الملائكة الموكلون بإدارة هذا البلاء الَّذي نزل على المشركين - وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}[الأحزاب: 9].
ثمَّ يحدّثنا الله سبحانه عن طبيعة هذا الحصار، وطبيعة الحالة النَّفسيَّة التي كان يعيشها المسلمون، وطبيعة دور المنافقين - وهم الطَّابور الخامس كما يسمّونهم في هذه الأيَّام - في داخل المجتمع: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ – اليهود - وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ – قريش وأحزابها - وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ – بحيث انحرفت عن مسارها الطَّبيعيّ، وأصبح الإنسان لا يرى من شدَّة الخوف - وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ – صارت القلوب ترتجف من شدَّة الخوف، كأنَّ القلب يخرج من صدر صاحبه - وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا}[الأحزاب: 10]، بدأ الزّلزال النَّفسيّ، والنّاس عادةً عندما يعيشون حالة الرّعب والخوف، تهتزُّ عقائدهم وإيمانهم.
{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ – فهي تجربة جديدة لم يعهدوها، لأنَّهم كانوا يقاتلون خارج بلدهم من قبل، أمَّا هذه، فتجربة جديدة كانوا يعيشون فيها الحصار من جميع الجهات - وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}[الأحزاب: 11] صاروا في حالة الزّلزال النفسيّ والروحيّ والإيمانيّ.
ودخل المنافقون على الخطّ {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ – هؤلاء المعقَّدون الَّذين تنطلق عقدتهم ضدَّ الإسلام وأهله، لينسجموا مع أعداء الإسلام، وهذا ما نعيشه في كثير من النَّماذج في حياتنا، أنَّ بعض النَّاس قد يكونون معقَّدين من وضع داخليّ أو اجتماعيّ أو سياسيّ في داخل الوطن، فتتحرَّك عقدتهم، فيتآلفون مع أعداء الوطن في جميع الحالات.
وهذه من أخطر الأشياء؛ أن يعيش الإنسان العقدة النَّفسيَّة ويستغرق فيها، بحيث ينسى إيمانه ومبادئه وأهله ووطنه، كما هؤلاء الَّذين يتجسَّسون للعدوّ، سواء كان عدوّاً قريباً أو بعيداً، من الَّذين يتجسَّسون على أمَّتهم ووطنهم وأهلهم، ليكونوا أعضاء في المخابرات الدَّوليَّة أو الإقليميَّة أو المحليَّة.
- مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}[الأحزاب: 12] أين وعود النبيّ؛ لقد كان يحدّثنا أنَّنا سنستولي على كنوز كسرى وقيصر، وسنحكم العالم، ونحن الآن لا يستطيع أحدنا أن يخرج خارج بيته لقضاء الحاجة، فأين هذه الوعود؟! إذاً النبيّ كان يخدعنا!
{وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ - بدأت الحرب النَّفسيَّة بينهم من الدَّاخل، وبدأ التَّخوين - يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ – لا مكان لكم فيها - فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ – مكشوفة، كما نقول ساقطة عسكريّاً، فنحن نريد أن نهاجر مع أطفالنا وعيالنا - وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا}[الأحزاب: 13]، فهم يحاولون أن يجدوا مبرّراً للفرار والهزيمة.
{وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا – من جميع الجهات - ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ – أن يثيروا الفتنة في داخل المجتمع - لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا – هؤلاء النَّاس الَّذين يريدون الفرار - عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ - أعطوا عهدهم للنَّبيّ (ص) أنّهم في أيّ معركة من المعارك الَّتي يخوضها الإسلام ضدّ الكافرين، لن يفرّوا أبداً - وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا}[الأحزاب: 14 - 15] سيسألهم الله عن عهدهم لماذا لم يفوا به.
{قُل – لهم يا محمَّد - لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا}[الأحزاب: 16]، لو فررتم الآن من الموت أو القتل، فكم تبقون بعد ذلك؟ هل تخلدون؟ {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍۢ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ ۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَٰلِدُونَ}[الأنبياء: 34].
{قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً - لماذا تستغرقون في أنفسكم وفي هؤلاء الأعداء، ولا تستغرقون في إيمانكم، لترفعوا رؤوسكم إلى الله، لتعرفوا أنَّ الله هو الَّذي يملك لكم النَّفع، وهو الَّذي يملك لكم الضَّرر؟! فلو أراد الله بكم السّوء، فمن الَّذي يعصمكم منه، ولو أراد الله بكم الرَّحمة، فمن الَّذي يمنعه من ذلك - وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}[الأحزاب: 17].
{قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ – المخذّلين - وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا - تعالوا إلينا إلى مواقع الأمن - وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ – الحرب - إِلَّا قَلِيلًا}[الأحزاب: 18].
{أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ – بخلاء، يبخلون بأموالهم وأنفسهم على مجتمعهم - فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ – لأنَّه يعيش الهزيمة النَّفسيَّة - فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}[الأحزاب: 19].
أجواء المؤمنين
هذه أجواء المنافقين، فماذا كانت أجواء المؤمنين الَّذين زلزلوا في البداية زلزالاً شديداً، ولكنّهم عادوا وتماسكوا؟!
يقول تعالى: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ – لقد وعدنا الله ورسوله أنَّنا سنواجه التَّجربة الصَّعبة، وسنواجه التَّحدّيات الكبرى، وأنَّنا إذا ثبتنا وصمدنا، فسينصرنا الله إن نصرناه - وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ – فها نحن نرى التَّجربة أمامنا - وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}[الأحزاب: 22] لم ينطلق البلاء ليضعف إيمانهم، وليصادر ثقتهم بالله سبحانه وتعالى. وهذه هي صفة أولئك المؤمنين، وهي صفة المؤمنين في كلّ زمان ومكان، المؤمنين الَّذين عاهدوا الله سبحانه وتعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ – وهم المجاهدون الأوَّلون - وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ - وهم الَّذين يتحركون في خطّ الجهاد - وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}[الأحزاب: 23].
{لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ – فقد هزمهم الله بالرّيح الَّتي أرسلها إليهم، وبالجنود الَّذين أنزلهم عليهم - لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ - بعليّ (ع)، وهي ليست جزءاً من الآية، ولكن هذا تفسيرها - وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا}[الأحزاب: 23].
هذه هي الصّورة العامَّة. فماذا في التَّفاصيل؟
حفر الخندق
عندما وصلت أخبار هذا الحشد العدوانيّ إلى النَّبيّ (ص)، استشار أصحابه، وكانت هذه عادته (ص) مع أصحابه، والله يقول: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}[آل عمران: 159]، فقد كان التَّرشيد الإلهيّ للنَّبيّ (ص)، أن يعوّد المسلمين على أن يفكّروا معه، وأن يتحمَّلوا المسؤوليَّة معه، وكان (ص) يتحدَّث إليهم بذلك، ولذلك كان يستشيرهم في كلّ شيء، كان يريدهم أن يفكّروا، وأن يقتنعوا، ليسيروا معه من موقع القناعة، إضافةً إلى موقع الطَّاعة.
وكان سلمان الفارسيّ حاضراً بينهم، فأشار بحفر الخندق كخطَّة دفاعيَّة لم يعهدها العرب من قبل، فوافق النَّبيّ (ص) والمسلمون عليها. وكان النَّبيّ (ص) أوَّل من بدأ بالحفر، يشاركهم العمل بجهدٍ متواصل رغم جوعه الشَّديد، حتَّى إنّه ربط حجر المجاعة على بطنه. وتمكّن المسلمون من إنجاز حفر الخندق في وقت قصير، وعندما وصلت قريش ورأت الخندق، فوجئت بهذا الأسلوب الَّذي لم يكن مألوفاً في حروب العرب.
وهكذا وجد المشركون أنفسهم أمام مأزق حقيقيّ، بعدما أصبح الخندق حاجزاً طبيعيّاً يحول بينهم وبين النَّبيّ (ص) والمسلمين. وفي هذا الجوّ، طلب بعض المسلمين من النَّبيّ (ص) أن يدخل معهم في الصّلح، كما حاول أبو سفيان أن يبعث جماعةً للتَّأثير في النَّبيّ وإغرائه بالصّلح. واستمع النبيّ (ص) إليهم، وشاور أصحابه، وربّما مال بعضهم إلى أن يصالحوا، وأن يدخلوا معهم في مفاوضات ليعطوهم بعض تمر المدينة أو ما شابه، والنَّبيّ (ص) في كلّ ذلك ينصت إليهم ويستمع.
ووقف سعد بن معاذ، وقال له: يا رسول الله، نحن قبل أن ندخل في الإسلام، لم نكن نعطيهم أيَّ شيء، فنحن في بلدنا نمثّل قوّة، ولم يستطع أحد، لا قريش ولا غيرها، أن يفرض علينا شيئاً، أمَّا وقد أعزَّنا الله بالإسلام، وأصبحنا أكثر قوَّةً وإيماناً، وأصبحت الحرب بالنّسبة إلينا رسالةً للدّفاع عن الإسلام وأهله، فلماذا نقدّم إليهم التَّنازلات؟ وصمَّم المسلمون جميعاً على القتال.
مبارزة الشّرك والإيمان
هنا، اكتشف جماعة من المشركين، يقودهم عمرو بن عبد ودّ، ثغرةً، حيث كانت هناك منطقة من أقلّ المواقع عرضاً، فاستطاعوا بخيولهم أن يعبروا الخندق من خلالها، والمسلمون جالسون، وإذا عمرو بن عبد ودّ يتقدّم بطريقة استعراضيَّة ويقف متحدّياً، ثمَّ قال: "ألا رَجُلٌ؟! وهو يُؤَنّبُهُم ويَقولُ: أينَ جَنَّتُكُمُ الَّتي تَزعُمونَ أنَّه مَن قُتِلَ مِنكُم دَخَلَها؟ أفَلا يَبرُزُ إلَيَّ رَجُل؟".
وتقول كتب السّيرة إنَّ النَّبيّ (ص) كان يسأل المسلمين: "مَنْ لعمرو؟"، فلا يقوم أحد إلَّا عليّ. وفي المرَّة الثَّانية، لم يقم إلَّا عليّ، فيقول له النَّبيّ اجلس، وفي المرّة الثَّالثة، لم يكن هناك إلَّا عليّ من يملك القوَّة الرّوحيَّة والنَّفسيَّة والجسديَّة لمواجهة عمرو الَّذي كان يعدُّ بألف فارس.
عندها قال له (ص): "يا عليّ، امضِ لشأنك"، ودعا له، ثمَّ قال (ص)، فيما تروي كتب السّيرة: "برزَ الإيمانُ كلُّهُ إلى الشّرْكِ كُلِّهِ"، وذلك لأنَّ قوَّة الشّرك تجمَّعت كلّها في عمرو، فلو قُتِل عمرو لانهارت قوَّة الشّرك، وقوَّة الإيمان تجمَّعت في عليّ (ع)، فلو انهار عليّ لانهارت قوّة الإيمان، أي أنَّ قوَّة كلّ من الجيشين تجمَّعت في هذين الشَّخصين.
وانطلق عليّ (ع)، وتقول كتب السّيرة إنَّ عمراً قال له: "مَنْ أنتَ؟ قال: أنا عليٌّ .قال: ابنُ عبدِ مَنافٍ؟ فقالَ: أنا عليُّ بنُ أبي طالِبٍ. فقالَ: غَيرُكُ يا بنَ أخِي مِن أعمامِكَ مَن هو أسَنُّ مِنكَ، فإِنِّي أكرَهُ أن أُهَريقَ دَمَكَ .فقالَ عليٌّ (ع): لَكِنّي واللهِ ما أكرَهُ أن أُهَريقَ دَمَكَ"، فأنت تتحدَّث بصداقة الآباء، وأنا أتحدَّث بصداقة الله، نحن نقتل آباءنا وأهلنا إذا أراد الله لنا أن نقتلهم.
ثمَّ قال له عليّ (ع): "يا عمرو، إنَّك كنت تقول: لا يدعوني أحد إلى ثلاثٍ إلّا قبلتها أو واحدة منها، قال: أجل، قال (ع): إنّي أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّداً رسول الله، وأن تسلم لربّ العالمين، قال: يا بن أخي، أخّر هذا عنّي، فقال (ع): أما إنّها خير لك لو أخذتها. ثمّ قال (ع): ها هنا أُخرى، قال: وما هي؟ قال (ع): ترجع من حيث أتيت، قال: لا تتحدَّث نساء قريش عنّي بذلك أبداً، فقال (ع): فها هنا أُخرى، قال: وما هي؟ قال (ع): أُبارزك وتبارزني، فضحك عمرو وقال: إنَّ هذه الخصلة ما كنت أظنّ أحداً من العرب يطلبها منّي، وأنا أكره أن أقتل الرَّجل الكريم مثلك، وقد كان أبوك نديماً لي، فقال (ع): وأنا كذلك، ولكنّي أُحبّ أن أقتلك ما دمت أبيّاً للحقّ".
ثمّ نزل عمرو عن فرسه، وتجاولا، وصارت هناك غبرة حجبتهما عن الرّؤية، وإذا بالنَّاس يسمعون التَّكبير، فعرفوا أنَّ عليّاً (ع) قتل عمراً.
وقيل لعليّ (ع): لم انتظرت طويلاً حتَّى قتلته؟ لماذا لم تبادر إلى قتله عندما جلست على صدره؟ تقول السّيرة إنَّه قال لهم إنّي عندما صرعته شتمني أو بصق في وجهي، فخفت إن أنا قتلته في ذلك الوقت، أن أقتله ثأراً لنفسي، فسكنت حتَّى بردت أعصابي ثمّ قتلته لله.
تلك هي عظمة عليّ (ع)، عظمةٌ روحيَّة في إخلاصه لله تفوق عظمته الجسديَّة في بطولته. فالمقاتل قد يصرع خصمه، ويمكن أن يغدر به، ولكنَّ عليّاً (ع) كان يقاتل كمن يصلّي، فقد كان يقاتل قربةً إلى الله، وعندما كان يقتل أعداء الله أيضاً، كان يقتلهم قربةً إلى الله سبحانه وتعالى.
وعند ذلك قال النَّبيّ (ص) كلمته الخالدة، فيما تروي كتب السّيرة: "لضربةُ عليٍّ يومَ الخندقِ خيرٌ منْ عبادةِ الثّقلين" الجنّ والإنس، لأنَّها الضَّربة الَّتي استطاعت أن تحقّق الانتصار للمسلمين، لأنَّ القوم هربوا، ولاحقهم عليّ (ع)، ووقف على الثَّغرة هذه، ولم يدعهم يفرّون.
ثمَّ دالت الدَّولة على اليهود والمشركين، وانتهت المعركة بهزيمتهم، ولذلك ورد في تفسير آية: {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ}[الأحزاب: 25]: "وكفى الله المؤمنين القتال بعليّ"، والبعض يقول إنّ كلمة "عليّ" داخلة في الآية، ولكنَّ القرآن لا يأتيه الباطل، ولا زيادة فيه ولا نقصان، ولكنَّ هذا تفسير الآية.
بطولة عليّ (ع)
وقيل لعليّ (ع): عندما وقفت أمام عمرو بن عبد ودّ، كيف كانت معنويَّاتك؟ فقد وقف أمام بطلٍ كعمرو، فلا بدَّ أن تتراجع معنويّاته، قال: كنت أفكّر في ذلك الوقت لو أنَّ أهل المدينة كلّهم كانوا في جانب، وكنت وحدي في جانب، لقضيت عليهم، وهذه الشَّجاعة الرّوحيَّة لعليّ بن أبي طالب، والَّتي يقول فيها: "والله ما قلعْتُ بابَ خيبرَ، ودككْتُ حصنَ يهود بقوَّةٍ جسمانيَّةٍ، بلْ بقوَّةٍ إلهيَّةٍ"، ويقول لأخيه عقيل: "واللهِ لَوْ تَظَافَرَتِ العَرَبُ على قِتَالي، لمَا وَلَّيْتُ عنْها"...
هذه هي الروح المعنويَّة الَّتي نحتاج أن نستلهمها من عليّ، لم يعش عليّ (ع) الضّعف في أيّ موقف من المواقف؛ في بدر لم يكن قد تدرَّب على القتال، ولكنَّه قتل نصف الَّذين قتلوا في معركة بدر، وشارك المسلمين في قتل الباقي، لأنَّ هذه الرّوح الإيمانيَّة القويَّة المنفتحة على الله الَّتي امتلأت بحبّ الله ورسوله، هي الَّتي أعانت عليّاً (ع) على أن يثبت في المعارك، سواء كانت معارك عسكريَّة أو معارك سياسيَّة أو أمنيَّة، في أيّ مجال من المجالات.
وهذا، أيُّها الأحبَّة، ما نحتاج أن نستلهمه من عليّ (ع)، فعندما نواجه الحرب الإعلاميَّة النَّفسيَّة الَّتي تريد أن تهزم عقولنا وتضعف قلوبنا وتزلزل مواقفنا، فإنَّ علينا أن نتعلَّم من عليّ كيف تكون ثقتنا بالله سبحانه وتعالى، وكيف تكون ثقتنا بأنفسنا وبمواقعنا من خلال ثقتنا بالله سبحانه وتعالى.
هذه هي معركة الخندق أو الأحزاب الَّتي لم تكن القوى متكافئة فيها، وانتصر المسلمون عندما خطَّطوا، وعندما ثبتوا، وعندما لجأوا إلى إيمانهم وإلى ربّهم، وانطلقوا وقالوا: {هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}[الأحزاب: 22]، هؤلاء الَّذين {صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}[الأحزاب: 23].
المؤامرة المستمرّة
وقد عرفتم في بداية الحديث أنَّ المؤامرة كانت يهوديَّة، ولا يزال اليهود يحملون الحقد على الإسلام والمسلمين في كلّ أنحاء العالم، ويعملون على أن يفتنوا بين المسلمين، وأن يخطّطوا من أجل إضعاف الإسلام والمسلمين، وهذا ما نلاحظه في كلّ مواقفهم السياسيَّة والعسكريَّة والثَّقافيَّة.
ولذلك، لا بدَّ لنا من أن نواجه هذا الواقع اليوم بما واجهه المسلمون في التَّأريخ، فإذا كانوا قد جاؤوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، فقد جاؤونا من فوقنا ومن أسفل منَّا، وإذا كان اليهود قد تحالفوا في ذلك الوقت مع المشركين، فهم يتحالفون اليوم مع الاستكبار العالميّ، وقد دخل المنافقون على الخطّ؛ المنافقون من الملوك والرّؤساء والأمراء والشَّخصيَّات الاجتماعيَّة والسياسيَّة والأمنيَّة، هؤلاء الَّذين يتحدَّثون بالعرب والعروبة، ويختزنون في داخل نفوسهم الخضوع لليهود وللاستكبار العالميّ، هؤلاء الَّذين يتحدَّثون باسم الإسلام، ويتحركون على أساس أن يقمعوا المسلمين في بلادهم، وأن يعملوا على مواجهة كلّ من يتحرَّك في خطّ الحرّيّة والعدالة من المسلمين، هؤلاء الَّذين ينطلقون مع الكفر، فإذا صرخ مسلم إنَّنا نريد تطبيق الشَّريعة، نادوا بالويل والثّبور وعظائم الأمور، وقالوا إنَّ هؤلاء إرهابيّون أو متطرّفون..
هؤلاء هم المنافقون الَّذين يقولون: {مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}[الأحزاب: 12]، والَّذين ينطلقون ليثيروا الفتنة والهزيمة النَّفسيَّة فينا، هؤلاء هم حرَّاس مصالح الاستكبار العالميّ في بلادنا وأوضاعنا، وهذا ما نلاحظه في هذا الحلف غير المقدَّس بين الكثيرين منهم وبين اليهود والاستكبار العالميّ المتمثّل بالولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، هؤلاء هم الَّذين يعملون على تقوية اليهود على المسلمين.
الانحياز الأمريكيّ لإسرائيل
لا تزال أمريكا وهي تتحدَّث عن السَّلام، وتتحدَّث عن التسوية وعن إنهاء الحرب في المنطقة، لا تزال تتحدَّث حتَّى الآن بأنَّها تعمل على إبقاء التفوّق العسكريّ في المنطقة كلّها لإسرائيل، ولا تزال تمدّها بكلّ مساعداتها العسكريَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة، في الوقت الَّذي أصبحت إسرائيل تمثّل دولة من دول تصدير السّلاح إلى العالم، وتصدير الخبرة المسلَّحة، ومع ذلك، تعطيها أمريكا أعظم وسائل الحرب ووسائل التطوّر العسكريّ في كلّ ما تنطلق فيه التقنيَّة العسكريَّة الأمريكيَّة، لأنَّ أمريكا تريد لإسرائيل أن تكون فوق كلّ القوى في المنطقة، حتَّى الَّذين يقولون عن أنفسهم إنَّهم حلفاؤها وعملاؤها، لأنّه عندما تكون المسألة بين إسرائيل والعرب، فإنَّ العرب لا يمثّلون شيئاً سوى أنَّهم البقرة الحلوب الَّتي يمكن أن تحلبها إسرائيل في المستقبل، والسّوق الاستهلاكيَّة الّتي يمكن أن تكون سوقاً للمنتإلجات الإسرائيليَّة في المستقبل.
ونحن نجد أنَّ أمريكا لا تزال تتحدَّث عن سوريا بأنَّها دولة داعمة للإرهاب، ولذلك تحجب عنها مساعداتها الاقتصاديَّة المميَّزة، كما تتحدَّث عن إيران بأنَّها دولة داعمة للإرهاب، ولذلك فإنَّها تحاصرها اقتصاديّاً.
لماذا ذلك كلّه؟ لأنَّ أمريكا لا تريد لأيَّ دولة أن تحتضن الَّذين يطالبون بحريَّاتهم ويقاتلون من أجلها ومن أجل طرد الاحتلال من بلادهم، لأنَّ سوريا تحتضن الكثير من فصائل المقاومة الفلسطينيَّة، وتعطف على حركة المقاومة الإسلاميَّة في لبنان، ولأنَّ إيران تؤيّد الحركة الجهاديَّة في فلسطين وتدعمها، وتدعم الحركة في مواجهة الاستكبار العالميّ، فكلّ من ينادي بالتَّحرّر من ضغط الاستكبار العالميّ ومن ضغط الصّهيونيّة العالميَّة، هو إرهابيّ أو داعم للإهاب في نظر أمريكا والاستكبار.
ولذلك، فإنَّنا نريد لإيران وسوريا المنفتحتين على قضايا حريَّة الشّعوب، أن تزدادا قوَّةً في علاقاتهما الاستراتيجيَّة، وقد صفَّق الاستكبار العالميّ قبل أشهر لبعض تفاصيل الإشكال بين إيران وسوريا، ولكنَّهما كانتا أكثر وعياً، وهذا ما نجده في هذه الأيَّام، حيث تنطلقان معاً من أجل أن تخطّطا للمستقبل في مواجهة كلّ الضّغوط الَّتي توجَّه إليهما، وإلى كلّ الفريق الّذي يمثّل فريق الحريَّة والعدالة في المجتمع.
الوعي طريق الانتصار
إنَّ علينا، أيُّها الأحبَّة، أن نستلهم من هذا التَّأريخ الَّذي انتصر فيه المسلمون على كلّ الأحزاب، وعلى كلّ الحلف غير المقدَّس الَّذي انطلق ضدّ الإسلام والمسلمين، إنَّ علينا أن نستفيد من ذلك، بأن نفكّر في أن نركّز كلَّ مواقعنا، حتَّى نستطيع أن نحقّق الانتصار، وأن نقوّي روحنا المعنويَّة، وأن نمنع الهزيمة النَّفسيَّة، وأن نواجه كلَّ هؤلاء المنافقين والَّذين في قلوبهم مرض، سواء كانوا من قوى الدَّاخل أو من قوى الخارج، أن نمنعهم من أن يسقطوا الرّوح المعنويَّة للأمَّة، ومن أن يكونوا قوَّة للعدوّ في الدَّاخل، وقوَّة لقوى الضَّغط المضادّ في الخارج.
إنَّ هذه المسألة تحتاج إلى الكثير من الوعي الإسلاميّ والثَّقافيّ والسياسيّ، حتَّى يعرف النَّاس طبيعة الواقع الَّذي يحيط بهم، وطبيعة التَّحدّيات الَّتي تواجههم، حتَّى لا يسقطوا أمام ضغط الإعلام الاستكباريّ والضّغوط الاقتصاديَّة والسياسيَّة في كلّ زمان ومكان.
إنَّنا نمثّل كمسلمين قوَّة كبرى في العالم، ولكنَّ المشكلة أنَّها قوَّة موزَّعة بين أكثر من قوّة، فإذا استطعنا أن نتوحَّد بالإسلام، وأن ننفتح على الله وعلى أنفسنا، فإنَّ بإمكاننا أن نقود العالم إلى الخير والحريَّة والعدالة.
ولذلك، أيُّها الأحبَّة، علينا أن نظلّ يقظين أمام حركة هذا الأخطبوط الاستكباريّ الأمريكيّ اليهوديّ وكلّ حلفائه في العالم.
مزايداتٌ انتخابيَّةٌ صهيونيَّة
وقد كنت تحدَّثت إليكم، أنَّ علينا أن نكون يقظين واعين لهذه المرحلة القلقة الصَّعبة، وهي مرحلة معركة الانتخابات اليهوديَّة في فلسطين المحتلَّة، والَّتي تعقبها معركة الانتخابات الأمريكيَّة، فإنَّ الانتخابات الإسرائيليَّة تجعل مناطقنا اللّبنانيَّة المحتلَّة، في سوق المزايدات السياسيَّة الانتخابيَّة، ليزايد كلّ واحد منهم على الآخر في مواجهة قوى المجاهدين في بلدنا، وهذا ما يفسّر هذه الحملة اليهوديَّة الاستكباريَّة الَّتي لاحظناها هذه الأيَّام، في اعتدائها على مختلف مواقع الجنوب، وعلى مختلف القرى الآمنة، ولا سيَّما أنَّ النَّاس ينطلقون من أجل أن يحتفلوا بعيد الفطر المبارك، حتَّى يزعجوهم في عيدهم، وحتَّى يسقطوا كلَّ أوضاعهم.
إنَّ هذه القذائف الَّتي كانت تنهمر كالمطر، وإنَّ هذا الاستعراض الطَّيراني في مناطق الجنوب والبقاع الغربيّ، والَّذي وصل إلى بيروت، إنَّما ينطلق من خلال طبيعية المزايدات الانتخابيَّة، ليثبت حزب العمل أنَّه مخلص للأمن اليهوديّ، وأنَّه مستعدّ لأن يدمّر وأن يقتل وأن يهزم بكلّ ما عنده من طاقة عسكريَّة، لأنَّ المظلَّة السياسيَّة الأمريكيَّة لا تزال تحميه من كلّ احتجاج، ولأنَّه أصبح متحالفاً مع الكثيرين من العرب الَّذين يشعرون بضرورة التَّحالف مع إسرائيل، من أجل أن يواجهوا هؤلاء المجاهدين الَّذين ينطلقون في خطّ الحريَّة، لأنَّ الكثيرين من هؤلاء المسؤولين في البلاد العربيَّة، يخافون من كلّ من ينادي بالحريَّة والعدالة، لأنَّهم حرَّاس استعباد الواقع العربيّ، وحرَّاس الظّلم الَّذي يمارسه الاستكبار العالميّ على الواقع.
مسؤوليَّة دعم المجاهدين
إنَّنا لا بدَّ أن نواجه هذه المسألة بالكثير من الحذر واليقظة والتَّخطيط، لأنَّ المجاهدين، ولا سيَّما مجاهدي المقاومة الإسلاميَّة في لبنان، في جنوبه وبقاعه، أصبحوا يمثّلون مأزقاً للعدوّ الصّهيونيّ، وأصبحوا يمثّلون الرّعب الَّذي يعيشه الجنديّ الصّهيونيّ، لأنَّهم بدأوا يفكّرون أنَّ هؤلاء المجاهدين أصبحوا يتمتَّعون بخبرات عسكريَّة متطوّرة ومتقدّمة، وأنَّهم قادرون على أن يطوّروا كلّ إمكاناتهم وخبراتهم، وهذا ما تشعر إسرائيل بأنَّه يمثّل مأزقاً كبيراً لها، وحرب استنزاف حقيقيَّة للصّهاينة في هذا الموقع من العالم.
ومن هنا، نحن في هذا الموقف، نشعر بأنَّ المجاهدين الإسلاميَّين، وأنَّ المقاومين، أصبحوا يمثّلون وحدهم في كلّ هذا العالم العربيّ، التَّحدّي الأمنيّ والعسكريّ والسياسيّ للحركة الصهيونيَّة في المنطقة، الأمر الَّذي يجعلنا نشعر بأنَّ على الأمَّة كلّها أن تقف وراءهم، لأنَّهم يمثّلون عنفوان الأمَّة، والجهة الَّتي تستطيع أن تزرع في كلّ موقعٍ نقطةً من الخصب والرّخاء السياسيّ والعنفوان في خطّ إنسانيَّتنا. إنَّهم وحدهم الَّذين يعرفون طريقهم جيّداً، لأنَّ المشكلة الَّتي نعيشها في هذا العالم العربيّ، أنّنا عندما نواجه حركة هذا العالم، ماذا نرى؟ نرى صراعاً شخصيّاً بين عائلة تحكم هذا البلد وعائلةً تحكم ذاك البلد، ونرى أنَّ هناك انقلاباً أو محاولة انقلاب من أب على ابنه، في مقابل ابن ينقلب على أبيه، كما نلاحظ بلداناً تعمل على قمع شعوبها، وتمنعها من أن تُحكَم بقوانين تتيح محاسبة الحاكم، أو أن يحكمها مجلس يضع السياسات وينظّر ويخطّط للمستقبل في هذا المجال.
ومن هنا، نجد أنَّ هؤلاء الحاكمين أصبحوا يتعاطون مع أيّ حركة شعبيَّة داخليَّة على أنّها مرتبطة بالخارج، لأنَّهم لا يشعرون بأنَّ هناك شعباً يمكن أن يحتجّ وأن يصرخ، إنَّهم يتصوَّرون أنَّ الخارج هو الَّذي يمكن أن يثير المشاكل في وجه حكمهم الاستبداديّ، ولكنَّ الحقيقة أنَّ الشّعوب الَّتي تعيش في داخل هذا النَّوع من الأنظمة، هي الَّتي تؤكّد نفسها.
في ظلّ هذا الواقع الممزَّق والمهلهل، والَّذي لا يوحي إلَّا بالغثيان، هذا الواقع العربيّ الَّذي لا يحمل أيّ قيمة من قيم العروبة ولا من قيم الإسلام، نجد أنَّ القيمة، كلّ القيمة، هي الَّتي يحملها هؤلاء المجاهدون الَّذين يعملون على مواجهة كلّ التحدّيات الَّتي توجَّه إلى الأمَّة.
بين الدَّولة والشَّعب
ثمَّ بعد ذلك، نريد أن نأتي في نهاية المطاف إلى هذا البلد الَّذي نعيش فيه، فماذا نرى؟
في هذا البلد، نجد أنَّه لم يحقّق هناك أيَّ نتيجة، فالقضيَّة العمَّاليَّة الشَّعبيَّة لم تحقّق أيّ نتيجة، لأنَّ المطلوب في حركة الحكم أمام القضايا الشَّعبيَّة وأمام القضايا العمَّاليَّة، هو تضييع الوقت، وتمييع المطالب، لا حلّ المشكلة.
إنَّ هناك لغةً مفقودة بين الحكومة والشَّعب، فالحكومة تتكلَّم بلغة وكأنَّها تعيش في عالم الأحلام، والشَّعب يتكلَّم بلغة آلامه ومشاكله والجراحات الاقتصاديَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة الَّتي تفتك بجسده.
إنَّ الدَّعوة إلى الإضراب أو التَّظاهر ليست هي الهدف وليست هي القضيَّة، كما أنَّ التَّهديد الحكوميّ بالإلغاء والقمع ليس هو الحلّ، لأنَّ القضيَّة هي في الوسائل الواقعيَّة العمليَّة لإعادة الثّقة الشَّعبيَّة بين الدَّولة والشَّعب، لأنَّ هناك اختناقاً في الحاضر، وقلقاً على المستقبل.
إنّ الحكومة الَّتي تقول لماذا يتظاهر الشَّعب ولماذا يضرب، والّتي تقول إنَّ هناك أكثر من وسيلة لحلّ المشكلة، لم تستطع حتَّى الآن أن تقنع الشَّعب بأنَّ هناك حلولاً عمليَّة واقعيَّة. إنَّنا لا نريد أن نتحدَّث فقط عن السلبيَّات، ولكنّنا نرى أنَّ ما تتحدَّث عنه الحكومة من الإيجابيَّات، لم يستطع أن يلامس المشكلة الشَّعبيَّة؛ مشكلة الجوع والتَّعقيدات الَّتي تواجه الشَّعب في قوته وفي الكثير من خدماته.
من الممكن جدّاً أنَّ الحكومة سهَّلت للكثير من الرَّساميل الكبيرة أن تستثمر في لبنان، ولكنَّها لم تسهّل الكثير من فرص العمل للنَّاس الكادحين الَّذين بدأوا يهاجرون ويفكّرون في الهجرة لأنَّهم لا يجدون فرصاً للعمل، كما أنَّ هناك آخرين من غير البلد، بدأوا يفدون إلى البلد، لأنَّهم يجدون فرصاً للعمل ليست متاحة لأبناء هذا البلد.
إنَّ لبنان بحاجة إلى إعادة التَّوازن بين حركة القضايا الاجتماعيَّة والحقوق السياسيَّة، فلا تأكل إحداهما الأخرى، لأنَّه لا مجال لحلّ المشكلة الاجتماعيَّة بدون حياة سياسيَّة حرَّة متوازنة، ولا مجال لتحريك السَّاحة السياسيَّة بعيداً من المواجهة الجديَّة للمشكلة الاجتماعيَّة، لتكون المسألة هي إيجاد حالة من التَّكامل بين المعارضة المسؤولة وبين الدَّولة المسؤولة.
الاستفتاء وقانون الانتخاب
والنَّاس يتحدَّثون في هذا البلد في جدل عقيم حول قانون الانتخابات بين الدَّائرة الصَّغيرة، والدَّائرة المتوسّطة المحافظة، والدَّائرة الكبرى لبنان الواحد. لقد قرأنا قبل مدَّة أمام هذا الجدل الَّذي يدور في النَّوادي السياسيَّة بطريقة عقيمة، قرأنا أن تُعرض كلّ المشاريع الانتخابيَّة على الشَّعب من خلال استفتاء شعبيّ، ما دامت مسألة الانتخاب هي مسألة تخصّ الشَّعب كلَّه، لأنَّه هو الَّذي يريد أن ينتخب وكلاءه، والَّذين يعبّرون عنه وينطقون باسمه، فلا بدَّ لنا أن نستفتي الشَّعب كلَّه في عمليَّة تجربة للانتخاب على أساس الدَّائرة اللّبنانيَّة الواحدة، لنبدأ بأن ينتخب الشَّعب قانون الانتخاب، لنطرح على الشَّعب كلّه هذا القانون، في عمليَّة استفتاء شامل، لا فرق فيه بين قضاء وقضاء، وبين محافظة ومحافظة، ليختار الشَّعب قانونه، حتَّى لا يكون الجدل، عندما يصوّت المجلس النّيابيّ على أيّ قانون، أنَّ هذا المجلس هل يمثّل الشَّعب كلّه، أو أنَّه لا يمثّل إلَّا فريقاً قليلاً من الشَّعب.
لذلك لماذا تخافون من الاستفتاء الشَّعبيّ؟ هل تعتقدون أنَّ الشَّعب لا يملك سنّ الرّشد، وأنَّه بحاجة إلى أولياء يلون أمره؟!
إنَّ الشَّعب قد بلغ سنّ الرّشد، ويستطيع أن يعطي رأيه في هذا المجال. ولكنَّني أتصوَّر أنَّ الكثيرين في هذا البلد، كما هم الكثيرون في المنطقة، يخافون من الاستفتاء الشَّعبيّ، لأنَّه لن يكون في مصلحة الكثيرين الَّذين يريدون أن يعتبروا أنفسهم ناطقين باسم الشّعب، وليسوا من الشّعب في قليل أو كثير.
إنَّنا نرى أنَّ قيمة أيّ حكم، إنّما هي بمقدار ما يخاف من صوت شعبه، وبمقدار ما يستمع جيّداً إلى صوت شعبه، وإنَّ قيمة أيّ شعب إنّما هي بمقدار ما يكون رقيباً على دولته، ومحاسباً لها في مواجهة السياسات الخاطئة والمشاريع الظَّالمة.
الدّولة في خدمة الشّعب
إنَّ على الدّولة أن تعتبر الشَّعب صاحبَ الحقّ والبلد والنّظام، لا مجرَّد جماعة من النَّاس تطلب الإحسان من أصحاب الفضل أو من أصحاب المقامات العالية، وعلى الشَّعب أن يعتبر الدَّولة في موقع الوكيل الَّذي يراعي مصلحة موكّله لا مصلحته الخاصَّة. إنَّ الحاكم العادل هو خادم شعبه، وليس الَّذي يرى نفسه سيّد شعبه في الأبراج العاجيَّة الَّتي يحاول أن يقف فيها من فوق.
إنَّنا نرفض الفوضى في الأمن والسّيادة والإعلام، لأنَّ الفوضى تقتل الواقع كلَّه، ولكنَّنا نرفض شخصانيَّة المواقع الرسميَّة، لتُختصَر الدّولة في أشخاص معيّنين، في تحريكهم لقضايا الشَّعب الَّتي ينطلقون فيها من خلال قضاياهم الخاصَّة.
إنَّنا نطمح إلى حكم يقترب بنا إلى بعض أجواء الجنَّة على الأرض، في الواقع الَّذي يعيش فيه النَّاس المحبَّة لا البغضاء، والمواطنيَّة لا الطَّائفيَّة، والرّساليّة لا الحزبيّة، لا نريد حكماً يحدّثنا عن أحلام الجنَّة، ثمَّ نواجه الواقع المرير الَّذي يقترب بنا من النَّار، إنَّنا لا نريد بلداً يهاجر منه النَّاس لأنّهم لا يجدون العيش الكريم، وبلداً لا يعود المهاجرون إليه لأنّهم لا يجدون الفرصة الّتي تمكّنهم من العيش فيه بعدالة وكرامة.
إنَّنا نريد للنَّاس الَّذين يعيشون في هذا البلد، أن يكونوا الواعين لكلّ الواقع، والواعين لحركة الحريَّة فيه، لأنَّ قيمة هذا البلد إنَّما هي في حريَّاته، فإذا قُيّدت تلك الحريَّات، أصبح بلداً لا معنى له، وإنَّ قيمة هذا البلد في حركة العدالة فيه، فإذا فقد البلد فرص العدالة، فإنَّه لن يستطيع أن يحترم إنسانيَّته.
إنَّنا نريد لكلّ هؤلاء النَّاس الَّذين يعيشون في هذا البلد، أن يواجهوا الواقع على أساس أنَّ الحديث عن الحساسيَّات الطَّائفيَّة، والحديث عن المشاكل الحزبيَّة الفئويَّة، لن يستطيع أن يعطي أحداً خبزاً ولا مدرسة، ولا أيَّ حقّ من حقوقه.
التَّعالي على الأحقاد
إنَّنا نريد في هذه الأيَّام الَّتي يعيش فيها المسيحيّون صوم الفصح استعداداً للعيد، كما عشنا صوم رمضان وعيده في خطّ المسؤوليَّة، أن تكون الأجواء أجواء التأمّل الرّوحيّ الَّتي نستطيع من خلالها أن نتغلَّب على كلّ نقاط الضّعف في داخلنا، وكلّ العقد المستعصية في واقعنا، وأن نتغلَّب على كلّ هذه الحساسيَّات الطَّائفيَّة والمذهبيَّة.
إنَّنا نخاطب كلَّ مواطنينا الَّذين يكتوون بنار الجوع والحرمان، بأن لا يستمعوا إلى أيّ نداء يريد أن يثير الحقد فيهم من جديد، ويريد أن يثير العداوة فيهم من جديد، إنَّ الحقد لا يبني بلداً، ولكنَّ المحبَّة هي الَّتي تبنيه، إنَّ العداوة لا يمكن أن تعمّر أرضاً، ولكنَّ الصَّداقة هي الَّتي تبني وتعمّر.
لذلك، إذا أردتم أن تنطلقوا في خطّ سياسيّ حرّ وعادل، فارجعوا إلى عقولكم وقلوبكم، وحقّقوا فيها سياسة الحريَّة واقتنعوا بها، وسياسة العدالة وعيشوا لها، وعندما نكون أحراراً وعادلين في داخل مجتمعنا الاجتماعيّ، فسنفرض الحريَّة والعدالة في كلّ الواقع السّياسيّ.
أيُّها اللّبنانيّون، لا تستغرقوا في عقدكم النَّفسيَّة، ولا في حساباتكم الطَّائفيَّة، إنَّ لكم أرضاً تستطيعون من خلالها أن تغنوا تجربة العالم، حاولوا أن تحافظوا على أرضكم حتّى تطردوا المحتلّ منها، وأن تقفوا مع المقاومة من أجل تأكيد هذه الحريَّة، حاولوا أن تحافظوا على إنسانكم، حتَّى لا يسيطر عليه الآخرون، وأن تحافظوا على قوَّة إرادتكم وصلابتها.
إنَّنا لا نريد أن ننعزل عن العالم، بل نريد أن ننفتح على كلّ واقعنا، الواقع القريب والواقع البعيد، ونعتقد أنَّ اللّبنانيّين مشدودون إلى العلاقة مع سوريا على أساس التَّأريخ والجغرافيا والحاضر والمستقبل، أن ينطلق اللّبنانيّون على أساس علاقة أخويَّة ينطلق فيها الأخ من موقع سيادته، إلى الأخ من موقع سيادته، لتكون العلاقة علاقة الأخوّة بين أخ سيّد وأخ سيّد، لأنَّ قضيَّة المساواة بين العدوّ والصَّديق، هي قضيَّة لا تخدم الموالاة ولا المعارضة، ولا تخدم لبنان.
والحمد لله ربّ العالمين.
* خطبة الجماعة للرّجال لسماحته في مسجد بئر العبد، بتاريخ: 23/02/1996م.