محاضرات
24/03/2026

معركةُ الخندقِ: المعركةُ الحاسمةُ بينَ الإسلامِ والشّرك

معركةُ الخندقِ: المعركةُ الحاسمةُ بينَ الإسلامِ والشّرك

في هذه الأيَّام، نلتقي بذكرى معركة عظيمة من معارك الإسلام في المدينة في عهد النَّبيّ (ص)، وهي المعركة الَّتي كانت تمثِّل معركة حاسمة في مصير الإسلام، بحيثُ لو نجحَ المشركون فيها، لقضي على الإسلام بالكامل، ولكنَّ الله أراد لدينه أن ينتصر ويقوى ويثبت، وهي المعركة الَّتي تمثَّل فيها عليّ (ع) في الموقع الَّذي عبَّر عنه رسول الله (ص)، في الكلمةِ المرويَّةِ عنْه: "ضربةُ عليٍّ يومَ الخندقِ تعدلُ عبادةَ الثَّقلين".

المعركةُ في القرآنِ

معركة الخندق، وتسمَّى أيضاً معركة الأحزاب، وهي الِّتي سمِّيت سورة الأحزاب باسمها، لأنَّ الله حدَّثنا عنها، وخيرُ حديثٍ عن تاريخ هذه المعركة الَّتي تحدَّث عنها كتَّاب السِّيرة كثيراً، حديثُ الله سبحانَه وتعالى.

فتعالوا لنعرف ملامح هذه المعركة، والمشكلة الَّتي عاشها المسلمون في هذه المعركة، من كتاب الله، وحديثُ الله أصدقُ الحديث.

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}[الأحزاب: 9].

إنَّ الله يختصر المعركة في هذه الآية بدايةً ونهايةً، ثمَّ يدخل في التَّفاصيل. فقد عمل المشركون من قريش على أن يعبِّئوا كلَّ حلفائهم من القبائل العربيَّة، ثمَّ دخلوا في حلفٍ مع يهود غطفان، وعملوا على أن ينكث يهود بني قريظة العهد الَّذي عاهدوا عليه رسول الله (ص)، ليُحكموا الطَّوق على المدينة، بحيث يأتي المشركون وحلفاؤهم، ويهود غطفان معهم، ثمَّ يأتي يهودُ بني قريظة من أعلى المدينة، وبذلك يُحكَمُ الطَّوق على المسلمين في جنودٍ يبلغون على أقلّ التَّقادير عشرة آلاف شخص.

فالله سبحانه وتعالى عندما تحركت المعركة، بما يحدِّثنا عنه بعد ذلك، يقول: {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}. هذه الجنود لم تكن تقاتل، ولكنَّها كانت تشرف على المعركة، وهي جنود الله من خلال ملائكته، لأنَّ هذه المعركة تلتقي مع معركة بدر في الجانب الحاسم، ففي معركة بدر، لو سقط المسلمون فيها لسقط الإسلام، لأنَّ المسألة هي أنَّه لو انكسر المسلمون، فلن يتَّبعهم أحد، ولذلك قال الرَّسول (ص) في تلك المعركة: "يا ربّ، إنْ تهلكْ هذه العصابةَ لا تُعبَد، وإنْ شئْتَ أن لا تُعبَدَ لا تُعبَدُ".

وفي هذه المعركة أيضاً، قال النَّبيُّ (ص)، عندما برزَ عليٌّ (ع) إلى عمرو بن عبد ودّ: "برزَ الإيمانُ كلُّهُ إلى الشِّركِ كلِّهِ"، لأنَّ الإسلام كلَّه في معناه وفي مصيره تمثَّل في عليّ، والكفر والشِّرك كلُّه تمثَّل في عمرو بن عبد ودّ، فلو انتصر عمرو على عليّ (ع)، لكانَ يمثِّل انتصار الشِّرك بكلِّه على الإيمان بكلِّه، وعندما انتصر عليٌّ (ع)، انتصر الإيمان كلُّه على الشِّرك كلِّه.

لذلك، كما أنَّ معركة بدر كانت معركةً حاسمةً، فمعركة الأحزاب كانت معركةً حاسمةً أيضاً. وكما أرسل الله الملائكة، كما حدَّثنا القرآن، في معركة بدر، ليعيشوا في أجواء المعركة دون أن يمارسوا القتال، كذلك يحدِّثنا في سورة الأحزاب، أنَّه تعالى أرسلَ جنوداً، وهم الملائكة، ليشرفوا على المعركة، وليعطوا المسلمين قوَّة.

ثمَّ أرسل الله الرِّيح الَّتي لم تجعل لهم استقراراً في خيمهم وفي كلِّ أمورهم، بحيث لم يستطيعوا أن يثبتوا في مكانهم، فانكفأوا إلى بلادهم مهزومين... {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}، لأنَّ الله يراقب النَّاس الَّذين يتحركون في خطِّ الجهاد، وفي خطِّ الدَّعوة إليه.

خوفُ المسلمينَ وابتلاؤُهم

ثمَّ يحدِّثنا الله عن نقاط الضّعف في الواقع الإسلاميّ آنذاك، كما هي موجودة الآن في الواقع الإسلاميّ أمام كلِّ التحدَّيات الَّتي تواكب المسلمين، حيث يضعف المسلمون أمامَ ضغطٍ هنا وتحدٍّ هناك، وحيث يتحرَّك الخوف في نفوسهم، فيخوِّف بعضهم بعضاً، فكما هي الحالة الآن، كانت الحالة هناك.

يقول تعالى: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ - من خلال منطقة اليهود - وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ - من خلال منطقة المشركين - وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ - بحيث لم تعد قادرة على التّركيز من شدَّة الخوف، فالإنسان عندما يكون خائفاً وقلقاً، يصبح كأنَّه يرى الأشياء ولا يراها كليّةً - وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ - بحيث أصبح الإنسان من شدَّة الخوف يشعر كأنَّ قلبه قفز من مكانه ووصل إلى حنجرته - وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا}[الأحزاب: 10] كيف وعدنا الله بالنَّصر! حتى إنَّ بعض المنافقين كان يقول إنَّ النَّبيَّ كان يمنِّينا بأنَّنا سنفتح مدائن كسرى ومدائن قيصر، وها نحن لا يستطيع أحدنا أن يخرج من بيته ليقضي حاجته! فأين هذه الوعود الَّتي وعدنا بها النَّبيّ؟! لأنَّهم شعروا بأنَّ المشركين أطبقوا على المدينة كالكمَّاشة، بحيث لا يستطيع أحدٌ أن يثبت أمامه.

{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}[الأحزاب: 11]، لأنَّ المؤمن صحيحٌ أنَّه مؤمنٌ ويثق بالله، ولكنَّه ليس معصوماً، وعندما تهجم عليه المشاكل والضّغوط والتحدّيات، يعيش في حالة الاهتزاز، كما حدَّثنا الله سبحانه وتعالى عن المؤمنين مع الأنبياء السَّابقين: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}[البقرة: 214].

وهذا الزِّلزال لا ينافي الإيمان. إنَّ الفرقَ بينَ المؤمنِ وغيرِ المؤمن، أنَّ المؤمنَ قد تأتيه نقاط الضّعف، ولكنَّه عندما يفتح عقله وقلبه لله، يرجع ليأخذ من الله نقاط القوَّة {الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}[آل عمران: 173]، {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ – فأضعفهم أو انحرف بهم - تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}[الأعراف: 201].

{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ - يعني وقعوا في البلاء الَّذي يمكن أن يسقط فيه الإنسان، ويمكن أن يرتفع فيه. وسيحدِّثنا اللهُ سبحانَه وتعالى في آخرِ هذه الآيات، أنَّ المؤمنينَ ثبتوا - وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}، زلزلوا، لكنَّهم لم يسقطوا.

تآمرُ المنافقين

أمَّا المنافقون {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}[الأحزاب: 12]، خدعونا في وعدهم بالنَّصر لنا وبالقوَّة لنا؛ أينَ النَّصر، ونحن نجدُ أنَّ الكافرينَ قدْ أطبقوا على المدينة؟!

{وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ – هؤلاء الَّذين هم طابور خامس، كما عندنا في هذه الأيَّام طابور خامس - يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا}[الأحزاب: 13].

هذا البعض، عندما تصبح هناك حربٌ ومعارك، تراه يخذِّل، يخوِّف، يضعِّف، يفتن، يزلزل الأشياء... كما يحدث في هذه الأيَّام، في المسألة المتعلِّقة بالمنطقة وبالعراق، فبعض الصّحف تصبح طابوراً خامساً، والصّحافة تُستخدَم كطابور خامس؛ الإذاعات، والتّلفزيونات، وبعض وكالات الأنباء... كذلك النَّاس الَّذين يتحركون في السَّاحة حتَّى يمنعوا تماسكها.. هذه قضيَّة إنسانيَّة موجودة، فهناك الكثير من النَّاس يعتبرون هم جماعةَ الَّذين يحاربون ويضغطون.

{وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ - وهذا اسم المدينة - لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ - أي مكشوفة، كما نقول، بحسب تعبيرنا اليوم، إنَّ هذا المكان ساقطٌ عسكريَّاً، لأنَّه مكشوف ولا يمكن الدِّفاع عنه، ولذلك لا نستطيع أن نبقى في بيوتنا. فالله يعلِّق- وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا}[الأحزاب: 13]، أي أنّهم يتَّخذون من هذا الأمر عذراً كي ينسحبوا من المدينة. {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا يعني لكانوا مع هؤلاء الّذين هجموا - وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا}[الأحزاب: 14].

ثمَّ يطالبهم الله بعهدهم: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ – يعني لا ينهزمون ولا يهربون - وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا}[الأحزاب: 15]. فالله يسأل كلَّ إنسان عن عهده معه.

{قُل - لكلِّ هؤلاء المنهزمين، والَّذين يبحثون عن مبرِّر للفرار - لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا}[الأحزاب: 16]. هل تستطيعون أن تهربوا من الموت؟ لو لم يأتكم الموت في المعركة، فسوف يأتيكم أيضاً خارج المعركة.

{قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا - أنتم تستطيعون أن يحتمي بعضكم ببعض، ولكن من الَّذي يحمي الإنسان من ربِّه؟ - أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}[الأحزاب: 17].

خطَّةُ حفرِ الخندق

إلى أن يقول بعد ذلك، بعد أن يتحدَّث عن بعض الجوانب السلبيَّة الموجودة لدى هؤلاء المنافقين: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب: 21]. فاقتدوا به في ثباته، وفي مشاركته للمسلمين في كلِّ ما هم فيه؛ يجوع إذا جاعوا، ويشبع إذا شبعوا، ويتألم إذا تألموا، ويعمل معهم إذا عملوا.

ولعلَّ في هذا إشارة إلى ما حدث في هذه الواقعة مما لم يتحدَّث عنه القرآن، ولكنَّ السّيرة تحدَّثت عنه. وخلاصة المسألة، أنَّ النَّبيَّ (ص) عندما رأى أنَّ المشركين أطبقوا على المدينة مع اليهود، جمع أصحابه يستشيرهم، والنَّبيّ لا يحتاج إلى مشورة أحد، لأنَّ الله يوحي إليه بذلك، ولكنَّ الله قال له، ليبقى هذا خطّاً لكلِّ القيادات: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ – والعزيمة لك - فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}[آل عمران: 159]. شاورهم كيف نستطيع أن نخفِّف من اندفاع الجماعة، لأنَّه إذا لم يكن هناك حاجز، فالجماعة يمكن أن يهجموا على المسلمين بشكل عشوائيّ.

هنا، قدَّم سلمان الفارسيّ اقتراحه، وهو أن يحفر المسلمون خندقاً، بحيث يعطِّل حركة المشركين في الهجوم، فإذا أرادوا أن يهجموا، فسوف يحتاجون إلى جهد كبير، ما يجعل المسلمين قادرين على مواجهتهم، إمَّا برميهم بالنّبل، أو بالاستعداد الكامل، بحيث لا يُؤخذون على حين غرَّة، فقد قال لهم سلمان إنَّنا في فارس، عندما كانت تحدث لنا حالة من هذا القبيل، كنَّا نحفر خندقاً يعطِّل حركة الهجوم.

وفي هذه الحالة، ينقل كتَّاب السِّيرة، أنَّ المسلمين استحسنوا الاقتراح، واستحسنه رسول الله (ص)، فقالت قبيلة: "سلمان منَّا"، وقالت قبيلة ثانية: "سلمان منَّا"، وهنا أطلق النَّبيّ (ص)، كما ينقل كتَّاب السّيرة، الكلمة المعروفة: "سلمانُ منَّا أهلَ البيت".

وهكذا بدأ النَّبيُّ (ص) حفر الخندق، وكان يقوم بالحفر بنفسه تشجيعاً للمسلمين جميعاً، ويقال إنَّه كان يربط حجر المجاعة على بطنه، لأنَّ الواقع الاقتصاديَّ آنذاك كان صعباً، حتَّى استكملوا حفرَ الخندق. وجاء المشركون، وقالوا إنَّها مكيدة ما سمعنا عنها في العرب.. فهذا شيء جديد في حالات الحروب العربيَّة، إذ ليس هناك هذا النَّوع من التَّخطيط والهندسة. وتحيَّروا كيف يصنعون، حتّى جاء جماعة ورأوا هناك منطقة ضيِّقة بالخندق، فلكزوا خيولهم، وكانت خيولاً أصيلة، واستطاع عدَّة أشخاص منهم أن ينفذوا إلى الجانب الآخر. ويقال إنَّ بعضهم وقع في أثناء النَّفاذ.

انتصارُ الإسلامِ بعليٍّ (ع)

المهمّ أنَّ عمرو بن عبد ودّ وقف ليتحدَّى المسلمين، ونلاحظ أنَّه عندما وقف وحده، أو مع اثنين أو ثلاثة من جماعته، فهذا يدلُّ على أنَّه يملك شجاعة الموقف... فبدأ يقول: هل من مبارز؟! حتَّى نقل عنه أنَّه قال:

ولقد بُحِحْتُ من النِّداءِ  بجمعِكم هلْ مِنْ مبارز؟

والنَّبيُّ يقول: "أيُّكم يبرز إلى عمرٍو وأضمنُ له على الله الجنَّة". ولكن يبدو أنَّ عمرو كان يملكُ في نفوسِ العربِ آنذاك موقعَ خوفٍ منه بسبب شجاعته، ويقال - كما يذكر البعض – إنَّه كان يُعَدُّ بألفِ فارسٍ، ولذلك جبن الجميع، كما يقول كتَّاب السِّيرة، حتى إنَّه أخذته العزَّة بنفسه، فصار يقول: أنتم تقولون إنَّ كلَّ واحد منكم يُقتَل يذهبُ إلى الجنَّة، فمن منكم يريدُ الذَّهابَ إلى الجنَّة حتَّى أسير به إليها؟! والنّبيّ يقول، حسب ما تنقل كتب السِّيرة: "أيُّكم يبرزُ إلى عمرٍو وأضمنُ له على اللهِ الجنَّة؟"، فيقوم عليّ (ع)، ويقول له النَّبيّ اجلس، وفي المرَّة الثَّانية لا يقوم إلَّا عليّ (ع)، ويقول له الرَّسول اجلس، وفي المرّة الثَّالثة لا يقوم إلَّا عليّ، ويقول: "أنا له يا رسولَ الله".

وهنا في هذا المجال، يقال إنَّ النَّبيَّ (ص) رفع يديه إلى السَّماء وقال: {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ}[الأنبياء: 89]. هذا عليّ معي كما لو كان جيشٌ معي، فإذا قُتِلَ عليٌّ في المعركة، فليس معي أحد، مع كلِّ الاحترام لكلِّ النَّاس الَّذين كانوا هناك. وهنا أَذِنَ له، وقال كلمته المشهورة: "برزَ الإيمانُ كلُّه إلى الشِّركِ كلِّه"، لأنَّ موقفَ الإيمان في مسألة النَّصر والهزيمة، تجسَّد في عليٍّ (ع)، وموقف الشِّرك تجسَّدَ في عمرو.

ووقف (ع)، وقال له عمرو: انتسب، من أنت؟ قال: أنا عليّ بن أبي طالب، قال: لقد كان أبوك صديقاً لي، وأنا لا أحبُّ أن أقتلك، فقال له عليّ (ع): "لكنّي، والله، أحبُّ أن أقتلك"، لأنَّك تتحدَّث عن صداقة الآباء، وأنا أتحدَّث عن صداقتنا مع الله، والله سبحانه وتعالى هو أعزُّ علينا من آبائنا، فكيف بأصدقاء آبائنا؟! وقد كنَّا نقاتل الآباء على الإسلام.

ثمَّ قال له عليّ (ع): "يا عمرو، إنَّك كنْتَ تقولُ: لا يدعوني أحدٌ إلى ثلاثٍ إلَّا قبلْتُها أو واحدة منها". قال: "أجل". قال عليّ: "إنّي أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّداً رسول الله، وأن تسلم لربِّ العالمين". قال: "أخِّر هذا عنّي"، فقال: "أما إنَّها خيرٌ لك لو أخذْتَها"، ثمّ قال عليّ (ع): "ترجعُ من حيثُ جئْتَ"، قال: "لا تحدِّث نساء قريش بهذا أبدًا"، أنّي جئت بهذا الجيش ثمّ رجعت. فقال عليّ (ع): "تنزل تقاتلني"، فضحك عمرو وقال: "ما كنت أظنُّ أحداً من العرب يرومني عليها"...

فنزلا، فتصاولا وتجاولا، وضربه عمرو على رأسه مسَّ شيئاً منه، وضربه عليّ (ع) على ساقه، فصرعه، وجلس ليحتزَّ رأسه، كما تقول كتب السِّيرة، ولكنَّ عليّاً تمهَّل، والمسلمون يصيحون بعليّ: يا عليّ، عجِّل، لأنَّ الرَّجل بطلٌ مجرَّب، ونخشى أن يغدرَ بك، وعليٌّ يتمهَّل ويتمهَّل، حتَّى احتزَّ رأسه. وقيل له بعدَ ذلك، لماذا تأخَّرْتَ في احتزاز رأسِهِ بعدَ أن صرعْته؟ قال، حسب اختلاف الرّواية: شتمني، وفي رواية ثانية: بصق في وجهي، فثارت أعصابي، "فخشيْتُ أن أضربَهُ لحظِّ نفسي، فتركته حتَّى سكنَ ما بي، ثمَّ قتلْتُهُ في الله". وقالوا له: لمَ لم تسلبه ثيابه؟ فقد كان من عادة الفارس إذا قتل فارساً أن يسلبه ثيابه، ولكنّ الإمام بيَّن أنَّه لا يهتمّ بأن يحصل على ثيابه أو سلبه وما إلى ذلك...

وجاء عليٌّ (ع) منتصراً يحمل انتصار الإسلام وانتصار الإيمان، لأنَّ عليّاً (ع) في عظمته وفي سموّه وفي إيمانه وفي إخلاصه لربِّه، كان لا يفكِّر أن ينتصر شخصيّاً، بل يفكِّر أن ينتصر الإسلامُ من خلاله، لأنَّ عليّاً (ع) باعَ نفسَهُ لله، فليس لنفسِهِ عندَ نفسِهِ شيءٌ، ولكنَّه لله في جميعِ أمورِهِ.

{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}[البقرة: 207]، نزلت هذه الآية في عليّ (ع)، وقال النَّبيُّ (ص) كلمته: "ضربةُ عليٍّ يومَ الخندقِ تعادلُ عبادةَ الثّقلين"، يعني الجنّ والإنس، لأنَّ المسألة أنَّه لو لم ينتصر عليٌّ على عمرٍو بضربته، لما كانت هناك عبادة، ولما كان هناك إسلام، وبذلك أنقذ الله بعليٍّ الإسلامَ في يوم بدر، وفي يوم الأحزاب، وفي غيرهما.

درسٌ لكلِّ زمان

{وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ - منذ أن بعث الله نبيَّه، وفي كلِّ المسيرة من بعد نبيِّه، وحتّى الآن، هذه الآية تتوجَّه إلى المؤمنين في كلِّ زمان ومكان، ليفحص كلّ واحد منهم نفسه - صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}[الأحزاب: 22- 23].

وتبقى معركة الأحزاب في كلِّ ظروفها، وفي كلِّ زلزالها، وفي كلِّ قوَّتها، في قوَّة رموزها، تبقى درساً لنا في كلِّ زمان ومكان، أن نثق بالله، أنَّ الله لا يخذل عبادَهُ المؤمنين، قد يبتليهم بين وقتٍ آخر، ولكن {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ}[الحجّ: 40].

 

*خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع) في حارة حريك، بتاريخ: 27/ 2/ 1998م.

 

في هذه الأيَّام، نلتقي بذكرى معركة عظيمة من معارك الإسلام في المدينة في عهد النَّبيّ (ص)، وهي المعركة الَّتي كانت تمثِّل معركة حاسمة في مصير الإسلام، بحيثُ لو نجحَ المشركون فيها، لقضي على الإسلام بالكامل، ولكنَّ الله أراد لدينه أن ينتصر ويقوى ويثبت، وهي المعركة الَّتي تمثَّل فيها عليّ (ع) في الموقع الَّذي عبَّر عنه رسول الله (ص)، في الكلمةِ المرويَّةِ عنْه: "ضربةُ عليٍّ يومَ الخندقِ تعدلُ عبادةَ الثَّقلين".

المعركةُ في القرآنِ

معركة الخندق، وتسمَّى أيضاً معركة الأحزاب، وهي الِّتي سمِّيت سورة الأحزاب باسمها، لأنَّ الله حدَّثنا عنها، وخيرُ حديثٍ عن تاريخ هذه المعركة الَّتي تحدَّث عنها كتَّاب السِّيرة كثيراً، حديثُ الله سبحانَه وتعالى.

فتعالوا لنعرف ملامح هذه المعركة، والمشكلة الَّتي عاشها المسلمون في هذه المعركة، من كتاب الله، وحديثُ الله أصدقُ الحديث.

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}[الأحزاب: 9].

إنَّ الله يختصر المعركة في هذه الآية بدايةً ونهايةً، ثمَّ يدخل في التَّفاصيل. فقد عمل المشركون من قريش على أن يعبِّئوا كلَّ حلفائهم من القبائل العربيَّة، ثمَّ دخلوا في حلفٍ مع يهود غطفان، وعملوا على أن ينكث يهود بني قريظة العهد الَّذي عاهدوا عليه رسول الله (ص)، ليُحكموا الطَّوق على المدينة، بحيث يأتي المشركون وحلفاؤهم، ويهود غطفان معهم، ثمَّ يأتي يهودُ بني قريظة من أعلى المدينة، وبذلك يُحكَمُ الطَّوق على المسلمين في جنودٍ يبلغون على أقلّ التَّقادير عشرة آلاف شخص.

فالله سبحانه وتعالى عندما تحركت المعركة، بما يحدِّثنا عنه بعد ذلك، يقول: {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}. هذه الجنود لم تكن تقاتل، ولكنَّها كانت تشرف على المعركة، وهي جنود الله من خلال ملائكته، لأنَّ هذه المعركة تلتقي مع معركة بدر في الجانب الحاسم، ففي معركة بدر، لو سقط المسلمون فيها لسقط الإسلام، لأنَّ المسألة هي أنَّه لو انكسر المسلمون، فلن يتَّبعهم أحد، ولذلك قال الرَّسول (ص) في تلك المعركة: "يا ربّ، إنْ تهلكْ هذه العصابةَ لا تُعبَد، وإنْ شئْتَ أن لا تُعبَدَ لا تُعبَدُ".

وفي هذه المعركة أيضاً، قال النَّبيُّ (ص)، عندما برزَ عليٌّ (ع) إلى عمرو بن عبد ودّ: "برزَ الإيمانُ كلُّهُ إلى الشِّركِ كلِّهِ"، لأنَّ الإسلام كلَّه في معناه وفي مصيره تمثَّل في عليّ، والكفر والشِّرك كلُّه تمثَّل في عمرو بن عبد ودّ، فلو انتصر عمرو على عليّ (ع)، لكانَ يمثِّل انتصار الشِّرك بكلِّه على الإيمان بكلِّه، وعندما انتصر عليٌّ (ع)، انتصر الإيمان كلُّه على الشِّرك كلِّه.

لذلك، كما أنَّ معركة بدر كانت معركةً حاسمةً، فمعركة الأحزاب كانت معركةً حاسمةً أيضاً. وكما أرسل الله الملائكة، كما حدَّثنا القرآن، في معركة بدر، ليعيشوا في أجواء المعركة دون أن يمارسوا القتال، كذلك يحدِّثنا في سورة الأحزاب، أنَّه تعالى أرسلَ جنوداً، وهم الملائكة، ليشرفوا على المعركة، وليعطوا المسلمين قوَّة.

ثمَّ أرسل الله الرِّيح الَّتي لم تجعل لهم استقراراً في خيمهم وفي كلِّ أمورهم، بحيث لم يستطيعوا أن يثبتوا في مكانهم، فانكفأوا إلى بلادهم مهزومين... {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}، لأنَّ الله يراقب النَّاس الَّذين يتحركون في خطِّ الجهاد، وفي خطِّ الدَّعوة إليه.

خوفُ المسلمينَ وابتلاؤُهم

ثمَّ يحدِّثنا الله عن نقاط الضّعف في الواقع الإسلاميّ آنذاك، كما هي موجودة الآن في الواقع الإسلاميّ أمام كلِّ التحدَّيات الَّتي تواكب المسلمين، حيث يضعف المسلمون أمامَ ضغطٍ هنا وتحدٍّ هناك، وحيث يتحرَّك الخوف في نفوسهم، فيخوِّف بعضهم بعضاً، فكما هي الحالة الآن، كانت الحالة هناك.

يقول تعالى: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ - من خلال منطقة اليهود - وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ - من خلال منطقة المشركين - وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ - بحيث لم تعد قادرة على التّركيز من شدَّة الخوف، فالإنسان عندما يكون خائفاً وقلقاً، يصبح كأنَّه يرى الأشياء ولا يراها كليّةً - وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ - بحيث أصبح الإنسان من شدَّة الخوف يشعر كأنَّ قلبه قفز من مكانه ووصل إلى حنجرته - وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا}[الأحزاب: 10] كيف وعدنا الله بالنَّصر! حتى إنَّ بعض المنافقين كان يقول إنَّ النَّبيَّ كان يمنِّينا بأنَّنا سنفتح مدائن كسرى ومدائن قيصر، وها نحن لا يستطيع أحدنا أن يخرج من بيته ليقضي حاجته! فأين هذه الوعود الَّتي وعدنا بها النَّبيّ؟! لأنَّهم شعروا بأنَّ المشركين أطبقوا على المدينة كالكمَّاشة، بحيث لا يستطيع أحدٌ أن يثبت أمامه.

{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}[الأحزاب: 11]، لأنَّ المؤمن صحيحٌ أنَّه مؤمنٌ ويثق بالله، ولكنَّه ليس معصوماً، وعندما تهجم عليه المشاكل والضّغوط والتحدّيات، يعيش في حالة الاهتزاز، كما حدَّثنا الله سبحانه وتعالى عن المؤمنين مع الأنبياء السَّابقين: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}[البقرة: 214].

وهذا الزِّلزال لا ينافي الإيمان. إنَّ الفرقَ بينَ المؤمنِ وغيرِ المؤمن، أنَّ المؤمنَ قد تأتيه نقاط الضّعف، ولكنَّه عندما يفتح عقله وقلبه لله، يرجع ليأخذ من الله نقاط القوَّة {الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}[آل عمران: 173]، {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ – فأضعفهم أو انحرف بهم - تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}[الأعراف: 201].

{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ - يعني وقعوا في البلاء الَّذي يمكن أن يسقط فيه الإنسان، ويمكن أن يرتفع فيه. وسيحدِّثنا اللهُ سبحانَه وتعالى في آخرِ هذه الآيات، أنَّ المؤمنينَ ثبتوا - وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}، زلزلوا، لكنَّهم لم يسقطوا.

تآمرُ المنافقين

أمَّا المنافقون {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}[الأحزاب: 12]، خدعونا في وعدهم بالنَّصر لنا وبالقوَّة لنا؛ أينَ النَّصر، ونحن نجدُ أنَّ الكافرينَ قدْ أطبقوا على المدينة؟!

{وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ – هؤلاء الَّذين هم طابور خامس، كما عندنا في هذه الأيَّام طابور خامس - يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا}[الأحزاب: 13].

هذا البعض، عندما تصبح هناك حربٌ ومعارك، تراه يخذِّل، يخوِّف، يضعِّف، يفتن، يزلزل الأشياء... كما يحدث في هذه الأيَّام، في المسألة المتعلِّقة بالمنطقة وبالعراق، فبعض الصّحف تصبح طابوراً خامساً، والصّحافة تُستخدَم كطابور خامس؛ الإذاعات، والتّلفزيونات، وبعض وكالات الأنباء... كذلك النَّاس الَّذين يتحركون في السَّاحة حتَّى يمنعوا تماسكها.. هذه قضيَّة إنسانيَّة موجودة، فهناك الكثير من النَّاس يعتبرون هم جماعةَ الَّذين يحاربون ويضغطون.

{وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ - وهذا اسم المدينة - لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ - أي مكشوفة، كما نقول، بحسب تعبيرنا اليوم، إنَّ هذا المكان ساقطٌ عسكريَّاً، لأنَّه مكشوف ولا يمكن الدِّفاع عنه، ولذلك لا نستطيع أن نبقى في بيوتنا. فالله يعلِّق- وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا}[الأحزاب: 13]، أي أنّهم يتَّخذون من هذا الأمر عذراً كي ينسحبوا من المدينة. {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا يعني لكانوا مع هؤلاء الّذين هجموا - وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا}[الأحزاب: 14].

ثمَّ يطالبهم الله بعهدهم: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ – يعني لا ينهزمون ولا يهربون - وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا}[الأحزاب: 15]. فالله يسأل كلَّ إنسان عن عهده معه.

{قُل - لكلِّ هؤلاء المنهزمين، والَّذين يبحثون عن مبرِّر للفرار - لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا}[الأحزاب: 16]. هل تستطيعون أن تهربوا من الموت؟ لو لم يأتكم الموت في المعركة، فسوف يأتيكم أيضاً خارج المعركة.

{قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا - أنتم تستطيعون أن يحتمي بعضكم ببعض، ولكن من الَّذي يحمي الإنسان من ربِّه؟ - أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}[الأحزاب: 17].

خطَّةُ حفرِ الخندق

إلى أن يقول بعد ذلك، بعد أن يتحدَّث عن بعض الجوانب السلبيَّة الموجودة لدى هؤلاء المنافقين: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب: 21]. فاقتدوا به في ثباته، وفي مشاركته للمسلمين في كلِّ ما هم فيه؛ يجوع إذا جاعوا، ويشبع إذا شبعوا، ويتألم إذا تألموا، ويعمل معهم إذا عملوا.

ولعلَّ في هذا إشارة إلى ما حدث في هذه الواقعة مما لم يتحدَّث عنه القرآن، ولكنَّ السّيرة تحدَّثت عنه. وخلاصة المسألة، أنَّ النَّبيَّ (ص) عندما رأى أنَّ المشركين أطبقوا على المدينة مع اليهود، جمع أصحابه يستشيرهم، والنَّبيّ لا يحتاج إلى مشورة أحد، لأنَّ الله يوحي إليه بذلك، ولكنَّ الله قال له، ليبقى هذا خطّاً لكلِّ القيادات: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ – والعزيمة لك - فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}[آل عمران: 159]. شاورهم كيف نستطيع أن نخفِّف من اندفاع الجماعة، لأنَّه إذا لم يكن هناك حاجز، فالجماعة يمكن أن يهجموا على المسلمين بشكل عشوائيّ.

هنا، قدَّم سلمان الفارسيّ اقتراحه، وهو أن يحفر المسلمون خندقاً، بحيث يعطِّل حركة المشركين في الهجوم، فإذا أرادوا أن يهجموا، فسوف يحتاجون إلى جهد كبير، ما يجعل المسلمين قادرين على مواجهتهم، إمَّا برميهم بالنّبل، أو بالاستعداد الكامل، بحيث لا يُؤخذون على حين غرَّة، فقد قال لهم سلمان إنَّنا في فارس، عندما كانت تحدث لنا حالة من هذا القبيل، كنَّا نحفر خندقاً يعطِّل حركة الهجوم.

وفي هذه الحالة، ينقل كتَّاب السِّيرة، أنَّ المسلمين استحسنوا الاقتراح، واستحسنه رسول الله (ص)، فقالت قبيلة: "سلمان منَّا"، وقالت قبيلة ثانية: "سلمان منَّا"، وهنا أطلق النَّبيّ (ص)، كما ينقل كتَّاب السّيرة، الكلمة المعروفة: "سلمانُ منَّا أهلَ البيت".

وهكذا بدأ النَّبيُّ (ص) حفر الخندق، وكان يقوم بالحفر بنفسه تشجيعاً للمسلمين جميعاً، ويقال إنَّه كان يربط حجر المجاعة على بطنه، لأنَّ الواقع الاقتصاديَّ آنذاك كان صعباً، حتَّى استكملوا حفرَ الخندق. وجاء المشركون، وقالوا إنَّها مكيدة ما سمعنا عنها في العرب.. فهذا شيء جديد في حالات الحروب العربيَّة، إذ ليس هناك هذا النَّوع من التَّخطيط والهندسة. وتحيَّروا كيف يصنعون، حتّى جاء جماعة ورأوا هناك منطقة ضيِّقة بالخندق، فلكزوا خيولهم، وكانت خيولاً أصيلة، واستطاع عدَّة أشخاص منهم أن ينفذوا إلى الجانب الآخر. ويقال إنَّ بعضهم وقع في أثناء النَّفاذ.

انتصارُ الإسلامِ بعليٍّ (ع)

المهمّ أنَّ عمرو بن عبد ودّ وقف ليتحدَّى المسلمين، ونلاحظ أنَّه عندما وقف وحده، أو مع اثنين أو ثلاثة من جماعته، فهذا يدلُّ على أنَّه يملك شجاعة الموقف... فبدأ يقول: هل من مبارز؟! حتَّى نقل عنه أنَّه قال:

ولقد بُحِحْتُ من النِّداءِ  بجمعِكم هلْ مِنْ مبارز؟

والنَّبيُّ يقول: "أيُّكم يبرز إلى عمرٍو وأضمنُ له على الله الجنَّة". ولكن يبدو أنَّ عمرو كان يملكُ في نفوسِ العربِ آنذاك موقعَ خوفٍ منه بسبب شجاعته، ويقال - كما يذكر البعض – إنَّه كان يُعَدُّ بألفِ فارسٍ، ولذلك جبن الجميع، كما يقول كتَّاب السِّيرة، حتى إنَّه أخذته العزَّة بنفسه، فصار يقول: أنتم تقولون إنَّ كلَّ واحد منكم يُقتَل يذهبُ إلى الجنَّة، فمن منكم يريدُ الذَّهابَ إلى الجنَّة حتَّى أسير به إليها؟! والنّبيّ يقول، حسب ما تنقل كتب السِّيرة: "أيُّكم يبرزُ إلى عمرٍو وأضمنُ له على اللهِ الجنَّة؟"، فيقوم عليّ (ع)، ويقول له النَّبيّ اجلس، وفي المرَّة الثَّانية لا يقوم إلَّا عليّ (ع)، ويقول له الرَّسول اجلس، وفي المرّة الثَّالثة لا يقوم إلَّا عليّ، ويقول: "أنا له يا رسولَ الله".

وهنا في هذا المجال، يقال إنَّ النَّبيَّ (ص) رفع يديه إلى السَّماء وقال: {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ}[الأنبياء: 89]. هذا عليّ معي كما لو كان جيشٌ معي، فإذا قُتِلَ عليٌّ في المعركة، فليس معي أحد، مع كلِّ الاحترام لكلِّ النَّاس الَّذين كانوا هناك. وهنا أَذِنَ له، وقال كلمته المشهورة: "برزَ الإيمانُ كلُّه إلى الشِّركِ كلِّه"، لأنَّ موقفَ الإيمان في مسألة النَّصر والهزيمة، تجسَّد في عليٍّ (ع)، وموقف الشِّرك تجسَّدَ في عمرو.

ووقف (ع)، وقال له عمرو: انتسب، من أنت؟ قال: أنا عليّ بن أبي طالب، قال: لقد كان أبوك صديقاً لي، وأنا لا أحبُّ أن أقتلك، فقال له عليّ (ع): "لكنّي، والله، أحبُّ أن أقتلك"، لأنَّك تتحدَّث عن صداقة الآباء، وأنا أتحدَّث عن صداقتنا مع الله، والله سبحانه وتعالى هو أعزُّ علينا من آبائنا، فكيف بأصدقاء آبائنا؟! وقد كنَّا نقاتل الآباء على الإسلام.

ثمَّ قال له عليّ (ع): "يا عمرو، إنَّك كنْتَ تقولُ: لا يدعوني أحدٌ إلى ثلاثٍ إلَّا قبلْتُها أو واحدة منها". قال: "أجل". قال عليّ: "إنّي أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّداً رسول الله، وأن تسلم لربِّ العالمين". قال: "أخِّر هذا عنّي"، فقال: "أما إنَّها خيرٌ لك لو أخذْتَها"، ثمّ قال عليّ (ع): "ترجعُ من حيثُ جئْتَ"، قال: "لا تحدِّث نساء قريش بهذا أبدًا"، أنّي جئت بهذا الجيش ثمّ رجعت. فقال عليّ (ع): "تنزل تقاتلني"، فضحك عمرو وقال: "ما كنت أظنُّ أحداً من العرب يرومني عليها"...

فنزلا، فتصاولا وتجاولا، وضربه عمرو على رأسه مسَّ شيئاً منه، وضربه عليّ (ع) على ساقه، فصرعه، وجلس ليحتزَّ رأسه، كما تقول كتب السِّيرة، ولكنَّ عليّاً تمهَّل، والمسلمون يصيحون بعليّ: يا عليّ، عجِّل، لأنَّ الرَّجل بطلٌ مجرَّب، ونخشى أن يغدرَ بك، وعليٌّ يتمهَّل ويتمهَّل، حتَّى احتزَّ رأسه. وقيل له بعدَ ذلك، لماذا تأخَّرْتَ في احتزاز رأسِهِ بعدَ أن صرعْته؟ قال، حسب اختلاف الرّواية: شتمني، وفي رواية ثانية: بصق في وجهي، فثارت أعصابي، "فخشيْتُ أن أضربَهُ لحظِّ نفسي، فتركته حتَّى سكنَ ما بي، ثمَّ قتلْتُهُ في الله". وقالوا له: لمَ لم تسلبه ثيابه؟ فقد كان من عادة الفارس إذا قتل فارساً أن يسلبه ثيابه، ولكنّ الإمام بيَّن أنَّه لا يهتمّ بأن يحصل على ثيابه أو سلبه وما إلى ذلك...

وجاء عليٌّ (ع) منتصراً يحمل انتصار الإسلام وانتصار الإيمان، لأنَّ عليّاً (ع) في عظمته وفي سموّه وفي إيمانه وفي إخلاصه لربِّه، كان لا يفكِّر أن ينتصر شخصيّاً، بل يفكِّر أن ينتصر الإسلامُ من خلاله، لأنَّ عليّاً (ع) باعَ نفسَهُ لله، فليس لنفسِهِ عندَ نفسِهِ شيءٌ، ولكنَّه لله في جميعِ أمورِهِ.

{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}[البقرة: 207]، نزلت هذه الآية في عليّ (ع)، وقال النَّبيُّ (ص) كلمته: "ضربةُ عليٍّ يومَ الخندقِ تعادلُ عبادةَ الثّقلين"، يعني الجنّ والإنس، لأنَّ المسألة أنَّه لو لم ينتصر عليٌّ على عمرٍو بضربته، لما كانت هناك عبادة، ولما كان هناك إسلام، وبذلك أنقذ الله بعليٍّ الإسلامَ في يوم بدر، وفي يوم الأحزاب، وفي غيرهما.

درسٌ لكلِّ زمان

{وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ - منذ أن بعث الله نبيَّه، وفي كلِّ المسيرة من بعد نبيِّه، وحتّى الآن، هذه الآية تتوجَّه إلى المؤمنين في كلِّ زمان ومكان، ليفحص كلّ واحد منهم نفسه - صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}[الأحزاب: 22- 23].

وتبقى معركة الأحزاب في كلِّ ظروفها، وفي كلِّ زلزالها، وفي كلِّ قوَّتها، في قوَّة رموزها، تبقى درساً لنا في كلِّ زمان ومكان، أن نثق بالله، أنَّ الله لا يخذل عبادَهُ المؤمنين، قد يبتليهم بين وقتٍ آخر، ولكن {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ}[الحجّ: 40].

 

*خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع) في حارة حريك، بتاريخ: 27/ 2/ 1998م.

 
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية