جعل الله شهر رمضان شهر القرآن، من أجل أن يعيش المسلمون في كلّ أيَّامه ولياليه، كلَّ معاني القرآن ووصاياه وتعاليمه ونصائحه وتشريعاته، وكلّ حركته في كلّ واقع النَّاس، على الصَّعيدين الفرديّ والاجتماعيّ.
والمسلمون عندما يلتزمون بالقرآن نهجاً ودستوراً وحركةً وروحيَّة والتزاماً، فإنَّهم يستطيعون أن يؤكّدوا إنسانيَّتهم في كلّ وجودهم، وأن يتعرَّفوا ربَّهم من خلال آياته، وما يجب عليهم تجاهه وتجاه النَّاس من حولهم، وتجاه الحياة الَّتي يتحركون فيها.
موسمُ الرّوح
شهر رمضان هو موسم الرّوح الَّذي يطلّ فيه الإنسان على كلّ آفاق الرّوح في آفاق الله، حيث ينفتح العقل على خالقه، فيناجيه بكلّ الفكر الَّذي يتعبَّد له بإنتاج الفكر الحقّ، وحيث يناجي القلبُ صانعَه لينفتح عليه بكلّ نبضاته وخفقاته، في كلّ ما يريده الله للنَّاس من الخير، وتنفتح فيه حياة الإنسان على مبدعها، من أجل أن تكونَ في خدمة الله، بدلاً أن تكونَ في خدمة الشَّيطان.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، لا بدَّ أن ندخلَ هذا الشَّهر دخول الإنسان الواعي الَّذي يريد أن يعيشَ فيه التَّعبئة الروحيَّة والفكريَّة والعمليَّة.
وقد أراد رسول الله (ص) في آخر جمعة من شهر شعبان، كما في مثل هذه الجمعة الَّتي تنفتح على بداية شهر رمضان، أن يحدّث النَّاس كيف يدخلون هذا الشَّهر، وأن يحدّثهم عن كلّ ما أعدَّه الله لهم من ألطافه وفيوضات رحمته، وعن كلّ ما ينبغي للإنسان أن يتطلَّع إليه، وأن يتحرَّك فيه، وأن يحقّقه في حياته، وأراد (ص) أن يبيّن للنَّاس أنَّ هذا الشَّهر هو الفرصة الَّتي قد لا تتكرَّر في حياة الإنسان، لأنَّه لا يعرف هل يبلغ الشَّهر القادم إذا فاته هذا الرَّمضان، فالكثيرون من إخواننا وأحبَّائنا وأقربائنا كانوا معنا في شهر رمضان الماضي، وهم الآن في رحاب الله، ألا يمكن أن نكون مثلهم؟ مَنْ يعطينا ضماناً أن نعيش، حتَّى لو كنَّا في قمَّة الصحّة؟
شهرُ الرَّحمةِ والمغفرة
وشهر رمضان هو شهر الموسم؛ موسم الرَّحمة والمغفرة والبركة، وموسم القرب من الله والعيش معه والمحبَّة له والحصول على محبَّته، ومَنْ يحصل على محبَّة الله ورضوانه، فقد حصل على الخير الَّذي لا خير أعلى منه، وعلى الفوز الَّذي لا فوز مثله.
ففي الرّواية، أنَّ رسول الله (ص) قال: " أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ - البركة الَّتي تنمّي أعماركم وأرزاقكم وعافيتكم، وتنمّي فرص الحياة لكم في كلّ نجاحاتكم - وَالرَّحْمَةِ - الَّتي إذا عاش الإنسان فيها، عاشَ في السَّعادة كلّها، لأنَّ الله عندما يرحمنا، فإنَّه يجعلنا في أحضان لطفه ومحبَّته، وتلك السَّعادة كلّ السَّعادة – وَالْمَغْفِرَةِ - حيث نتخفَّف من كلّ ذنوبنا الَّتي أثقلتنا، والَّتي قد تثقل مصيرنا عندما يقوم النّاس لربّ العالمين، بالاستغفار والتَّوبة والعودة إلى الله.
- شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ - {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}[التّوبة: 36]، وشهر رمضان أفضل هذه الشّهور - وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ – ولذلك، فإنَّ الزَّمن هنا يرتفع ويسمو، ويمثّل الدَّرجة العليا في معنى الزَّمن.. إنَّ الأزمان كلّها واحدة، ولكنَّ الله يختصّ بالقيمة بعض الأزمنة، كما يختصُّ بالقيمة بعض الأماكن وبعض الأشخاص، فالله يصطفي من عباده الأنبياء، ويصطفي من شهوره شهراً معيَّناً، كما اصطفى من أرضه أرضاً معيَّنة هي الكعبة الحرام.
في ضيافةِ الله
- هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ - نحن ضيوف الله في هذا الكون، هو الَّذي خلقنا، وهو الَّذي رزقنا، وهو الَّذي هيّأ لنا كلَّ وسائل الرّزق. ولكنَّ لله ضيافةً خاصّةً يختصّ بها الَّذين يعيشون هذا الشَّهر، ليقول لهم تعالوا إليّ؛ الموائد مبسوطة، موائد الرّزق الحلال، وموائد الرَّحمة والمغفرة والبركة، تعالوا أيُّها الضَّائعون لتجدوا على مائدتي هداكم، تعالوا أيُّها المتعبون لتجدوا على مائدتي راحتكم، تعالوا أيُّها الخائفون لتجدوا عندي أمنكم، تعالوا أيُّها المرضى لتجدوا عندي عافيتكم، تعالوا أيُّها المحرومون لتجدوا عندي ما يخفّف من حرمانكم، تعالوا إليّ، أنتم ضيوفي... ألا نقول في بعض أدعية شهر رمضان: "وقد أوجبْتَ لكلّ ضَيْفٍ قِرًى، وأَنَا ضَيْفُكَ، فَاجْعَلْ قِرَايَ اللَّيلَةَ الجنَّةَ، يَا وَهَّابَ الجنَّةِ، يَا وَهَّابَ المغفرة"؟!.
- وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ. أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ، وَتِلاوَةِ كِتَابِهِ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ- تماماً كمن يُحرَم الرّبح في الموسم، فماذا يربح بعد الموسم؟!
لذلك، أن نطهّر قلوبنا، أيُّها الأحبَّة، من كلّ حقد وبغضاء وشرّ، أن نصفّي نيَّاتنا لتكون صادقة، فإذا اطَّلع الله على ما في داخلنا، فرأى أنَّنا صادقون في نيَّاتنا، وطاهرون في قلوبنا، فسينزل رحمته ليغسل تلك القلوب، وليعطي تلك النيَّات كلَّ حيويَّة وانفتاح.
معنى الجوعِ والعَطَش
ثمَّ يتابع رسول الله (ص)، على حسب الرّواية، فيقول إنَّكم تجوعون وتعطشون في شهر رمضان، ولو في لحظة من الزَّمن، ولو في آخر النَّهار، فلا تفكّروا إذا جعتم أو عطشتم متى يأتي الغروب لتشبعوا بطونكم، ولترووا ظمأكم، ولكن فكّروا أنَّ هناك يوماً طويلاً يجوع فيه النَّاس ويعطشون، يوماً هو كألف سنة مما تعدّون، والَّذين يشبعون في ذلك اليوم ويرتوون، هم الَّذين يعملون الصَّالحات عن إيمانٍ في الدّنيا، والَّذين يطيعون الله ويتَّقونه.
يقول (ص): - وَاذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَعَطَشِكُمْ فِيهِ، جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَعَطَشَهُ - حتَّى لا يطول وقوفكم بين يدي الله غداً، لأنَّ الإنسان كلَّما كثرت سيّئاته، طال وقوفه بين يدي الله، وكلَّما قلَّت سيّئاته، قلَّ وقوفه بين يدي الله.
لذلك، اختصروا السيّئات في الدّنيا، وتوبوا إلى الله منها، اختصروها حتَّى لا يطول وقوفكم هناك، لا تجعلوا حركة عمركم - هكذا يوحي إلينا رسولنا وإمامنا وهادينا ومرشدنا رسول الله (ص) - حركةً في زيادة سيّئاتكم.
إنَّ الإمام زين العابدين (ع) يتحدَّث في بعض أدعيته عن ذلك اليوم: "فوا سَوأتاهُ غَداً مِن الوُقوفِ بَينَ يَدَيكَ، إذا قِيلَ لِلمُخِفِّينَ جُوزوا، ولِلمُثقَلينَ حُطّوا – الَّذين أثقلت أوزارهم ظهورهم - أمَعَ المُخِفِّينَ أجوزُ، أم مَعَ المُثقَلينَ أحُطُّ؟! وَيلي! كُلَّما طالَ عُمري كَثُرَت خَطاياي ولَم أتُبْ، أما آنَ لي أن أستَحيِيَ مِن ربِّي؟"، ويقول (ع): "تَتَحَبَّبُ إلَينا بِالنِّعَمِ، ونُعارِضُكَ بِالذُّنوبِ، خَيرُكَ إلَينا نازِلٌ، وشَرُّنا إلَيكَ صاعِدٌ، ولَم يَزَل ولا يَزالُ مَلَكٌ كَريمٌ يَأتيكَ عَنَّا بِعَمَلٍ قَبيحٍ – ففي آخر اليوم، تصل التَّقارير إلى الله سبحانه وتعالى: كم غيبة اغتبنا، كم كذبة كذبنا، كم سباب سببنا، كم عرض حرام انتهكنا، كم ضربة بغير حقّ ضربنا، كم مال حرام أكلنا، كم أكلة حرام أكلنا، كم شربة حرام شربنا، كم موقف حرام وقفنا... - فَلا يَمنَعُكَ ذلِكَ أن تَحوطَنا بِنِعَمِكَ – يبقى مطر النّعم يغدق علينا - وتَتَفَضَّلَ عَلَينا بِآلائِكَ. فَسُبحانَكَ ما أحلَمَكَ وأعظَمَك وأكرَمَكَ مُبدِئاً ومُعيداً!".
من وصايا الرَّسول (ص)
- وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ – فهم أمانة الله عندكم {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}[النّور: 33]، {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}[الحديد: 7]، أي وكلاء فيه {وَالَّذينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}[المعارج: 24 - 25].
- وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ – لا تهينوا كباركم، فقد سبقوكم بالإيمان والإسلام، وقد سبقوكم إلى طاعة الله، وهم يحملون من التَّجربة في عمرهم ما تستفيدون به منهم.
وأيُّها الكبار، لا تسقطوا الصّغار - وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ – ارحموا عقولهم الَّتي لم تصلّبها التّجربة، وارحموا أخطاءهم، لا تسقطوهم إذا أخطأوا، بل وجّهوهم برفق وحنان. إذا كنت أباً، فلا تعتبر نفسك جبّاراً يستبدّ بأولاده، ولكن كن إنساناً يعيش إنسانيَّة أولاده في إنسانيَّته، حاول أن ترفعهم برفق، أن تنصحهم برفق، أن تحتضنهم برفق، وتوجّههم برفق، أن تتذكّر أنت الكبير عندما يريد ولدك شيئاً؛ أن يتزوَّج، مثلاً، أو أن يعمل، أن تتذكَّر نفسك عندما كنت مع أبيك كيف كان يثقلك موقفه، فلا تجعل موقفك يثقل ولدك.
لذلك، لا تعتبر أنَّ ولدك قطعة أثاث أو جزءاً من أملاكك، هو أمانة الله عندك، أن ترعاه؛ ترعى عقله وروحه وأحلامه وآماله، أن تخفّف عنه مشاكله لتتركه إلى الحياة ليمارس حياته، لا تفرض نفسك على ولدك، فقد يكون لولدك أحلام تختلف عن أحلامك، ورغبات تختلف عن رغباتك، إذا أراد ولدك أن يتزوَّج، فلا تفرض عليه مزاجك، بل ناقشه في مزاجه، وحاوره فيه وأقنعه به، لأنَّك لست أنت زوج المستقبل، بل هو الزَّوج، وهو الَّذي يريد أن يعيش هذه الحياة، وكذلك ابنتك، فعلى أيّ أساس تفرض عليها مصالحك الذَّاتيّة؟ أن تكون مصلحتك أن تزوّجها ابن فلان، أو أن تزوّجها من قريبك أو صديقك... ما دور ابنتك وولدك في ذلك؟ هل هي صفقة بينك وبين أخيك أو ابن عمّك أو أيّ أحد آخر؟!.. للولد شأن في نفسه، وللبنت شأن في نفسها. لذلك لا تفرضوا على أولادكم ما لا يريدون، بل حاولوا أن تنصحوهم وتقنعوهم بما تريدون.
- وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَغُضُّوا عَمَّا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ، وَعَمَّا لَا يَحِلُّ الِاسْتِمَاعُ إِلَيْهِ أَسْمَاعَكُمْ - {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...}[النّور: 30- 31].
- وَتَحَنَّنُوا عَلَى أَيْتَامِ النَّاسِ يُتَحَنَّنْ عَلَى أَيْتَامِكُمْ – فكما مات غيركم وترك أطفالاً، فقد تموتون وتتركون أطفالاً، فإذا كان المجتمع يتحمَّل مسؤوليَّة أيتام الآخرين، فسوف يتحمَّل مسؤوليَّة أيتامنا، وسوف يحنّن الله قلوبَ هؤلاء النَّاس على أيتامنا.
التَّوبةُ.. والدُّعاء
-وتوبوا إلى الله من ذنوبكم – إنّها فرصة لك، ففرّغ قلبك، ووجّه إرادتك، واندم على ما فات، وقرّرْ أن لا تفعل الذَّنب فيما هو آت، قل يا ربّ إنّي تائب {وَهُوَ الَّذي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}[الشّورى: 25]، {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}[الزّمر: 53 - 55].
وبعد ذلك - وَارْفَعُوا إِلَيْهِ أَيْدِيَكُمْ بِالدُّعَاءِ فِي أَوْقَاتِ صَلَاتِكُمْ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ السَّاعَاتِ، يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا بِالرَّحْمَةِ إِلَى عِبَادِهِ؛ يُجِيبُهُمْ إِذَا نَاجَوْهُ، وَيُلَبِّيهِمْ إِذَا نَادَوْهُ، وَيُعْطِيهِمْ إِذَا سَأَلُوهُ، وَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعَوْهُ".
الوعيُ في الصّوم
وهكذا، أيُّها الأحبَّة، يريدنا رسول الله (ص) أن ندخل في شهر رمضان دخول وعيٍ وإيمانٍ، وتقوى وانفتاح على النَّاس من حولنا، وانفتاح على مسؤوليَّاتنا في كلّ ما أمرنا الله به ونهانا عنه، حتَّى نسعد بهذا الشَّهر، لنكون إنسانيّاً في أعلى درجات الإنسانيَّة، ولنكون عباد الله المخلصين الَّذين يختصّنا الله برحمته، لأنَّ المسألة، أيُّها الأحبَّة، هي أنَّ الصَّوم وحده لا قيمة له، إذا لم تتعمَّق في روحك إرادة الصَّائم وإرادة الخير، "رُبَّ صائِم لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيامِهِ إِلَّا الجُوعُ والعَطَشُ".
ونحن نعرف أنّه في نهاية شهر رمضان، عندما يكون العيد، يقول عليّ (ع): "إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللَّه صِيَامَه وشَكَرَ قِيَامَهُ، وكُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّه فِيه فَهُوَ عِيدٌ".
هذا هو مفهوم عليّ (ع) للعيد، أن تكون الإنسان الَّذي يحتفل في كلّ يوم بالسَّعادة الرّوحيَّة، لأنَّه استطاع أن يكون سعيداً بطاعة الله، ففي حديث عن الإمام زين العابدين (ع): "فَإِنَّ الشَّرِيفَ مَنْ شَرَّفَتْه طَاعَتُكَ، والْعَزِيزَ مَنْ أَعَزَّتْه عِبَادَتُكَ".
المسؤوليَّةُ عن الأمَّة
وهكذا، أيُّها الأحبَّة، لا بدَّ لنا أن نتحسَّس هذا الشَّهر، أن لا يكون مجرّد شهر الأكل الأكثر، واللّهو الأكثر، وشهر اللَّا مسؤوليَّة الأكثر، بل أن يكون شهر المسؤوليَّة وشهر الإسلام، وأن يكون، كما يقول الإمام زين العابدين (ع)، شهر الطّهور، والشَّهر الَّذي نتقرَّب فيه إلى الله.
وفي ضوء هذا، إذا كان شهرنا شهر المسؤوليَّة، وكان شهرنا شهر الإسلام، فعلينا أن نعمل بكلّ ما عندنا من طاقة، في أن نتحمَّل مسؤوليَّتنا عن الإسلام كلّه؛ إنَّ المسلم لا يمكن أن يعيش الفرديَّة في قضاياه، بل لا بدَّ أن يعيش كجزء من أمَّة؛ أن تكون هموم الأمَّة همومه، وأن تكون اهتماماتها اهتماماته، "مَنْ لم يَهْتَمَّ بِأُمُورِ المسْلمينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ".
ولذلك، إنَّنا عندما نصلّي ونصوم ونتعبَّد ونبتهل إلى الله، فإنَّنا نريد من خلال ذلك، أن يجعل كلّ واحد من نفسه إنساناً يحمل المسؤوليَّة في كلّ مواقع الحياة، ويعيش الصَّبر أمام كلّ مواقع المسؤوليَّة، فنصبر على الحرمان والآلام والتَّحدّيات، ونصبر على الجهاد، وعلى كلّ ما يريدنا الله أن نثبت فيه، وما يريدنا أن نركّز مواقعنا فيه على الحقّ.
ثقافةٌ مرفوضة
لذلك، ليست العبادة، أيُّها الأحبَّة، هروباً من المسؤوليَّة، لقد ثقَّفتنا عهود التخلّف ثقافة غير إسلاميَّة، فقالت إنَّ الإنسان الَّذي ينعزل عن حركة الحياة، هو الإنسان الَّذي يسلم يوم القيامة، أمَّا الإنسان الَّذي يدخل في مشاكل النَّاس، وفي قضاياهم وسياستهم وأمنهم، فإنَّه مشغول بالدّنيا. وأذكّركم بمثلٍ يحكيه كلّ واحد منكم، ألا يقال فلان "ألَّاوي" – نسبة إلى الله - لا يهمّه إن خربت الدّنيا أو عمرت، ولا إن مات النَّاس أو عاشوا، فهو ليس لديه إلَّا سجادة الصّلاة وسبَّحته وقرآنه، هذا هو "الألَّاوي" عند النّاس. ولكنّ هذا ليس صحيحاً، لأنَّ "الألَّاوي" الحقيقيّ هو الَّذي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران: 104]، {لُعِنَ الَّذينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ}[المائدة: 78 - 79]، والظّلم منكر، والاستكبار منكر، واحتلال بلاد المسلمين منكر، وحكم المسلمين بغير الإسلام منكر، والمعاصي الفرديَّة، كالقمار والخمر، منكر...
فإذاً، الإنسان السَّاكت عن الحقّ شيطان أخرس، وفي الحديث النّبويّ الشّريف: "لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ ليُسلِّطُنَّ اللهُ عَلَيْكم شِرارَكم، ثمَّ يَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ". والله سبحانه يقول: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}[الحجّ: 78]، {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ}[التّوبة: 111].
فهذه الثَّقافة غير صحيحة، فإذ اعتبر كلّ واحد من المسلمين أن لا دخل له بما يجري، عندما يحتلّ المحتلّ، أو يظلِم الحاكمون، وعندما يسرق المستكبرون ثرواتنا، وعندما يظلمون قادتنا والنّاس، فإذا لم نتدخّل، ولم نعتبر أنفسنا مسؤولين، فمن الَّذي يكون معنيّاً بذلك إذاً؟
نحن دائماً نذكر في عاشوراء قصَّة مسلم بن عقيل الَّذي بايعه ثمانية عشر ألف شخص، ولما اشتدَّت المسألة، وهدَّدهم رسول ابن زياد بجيشٍ سيأتي من الشَّام، وأغراهم من ناحية أخرى بزيادة العطايا، وصارت كلّ امرأة تأتي وتأخذ ابنها أو زوجها خوفاً عليه، وإذا بمسلم وراءه عشرة أشخاص فقط، وما إن أنهى صلاته حتّى كان وحده. هذا هو واقع التَّخاذل. الإمام عليّ (ع) كان يتحدَّث عن بعض الناس الَّذين تخاذلوا عن المعركة، قال عنهم: "خَذَلُوا الحَقَّ، وَلَمْ يَنْصُرُوا البّاطِلَ"، والعدوّ يستفيد من خذلان الخاذلين أكثر مما يستفيد من قتال جماعته، لأنَّك كلّما خذلت الحقّ أضعفته، لأنَّك أفقدته قوَّة.
هجمةٌ على الإسلام
إنَّ علينا، أيُّها الأحبَّة، أن نفكّر كأمَّة وليس كأفراد، لأنَّ هناك هجمةً على الإسلام، وهناك محاولة لتشويهه، وهناك حرب عالميّة ثقافيَّة سياسيَّة إعلاميَّة أمنيَّة على كلّ حركة إسلاميَّة تعمل من أجل أن يكون المسلمون أحراراً في بلادهم، وأن يملكوا قرارهم ومصيرهم وثرواتهم.. فعندما نقول: يا جماعة، إنَّ البترول ينبع في بلادنا، فلماذا تسرقونه، يقال إنَّك متطرّف وإرهابيّ، وتريد أن تثير الفوضى، ولكن كلّ ما أقوله إنَّ هذه ثروتي، فعلى أيّ أساس تسرقها؟!
إنَّ هناك أسلوباً إعلاميّاً يحاول أن يشوّه صورة الإسلام والمسلمين، وهناك نوع من أنواع التحالف الأمريكي الإسرائيلي في كلّ القضايا الَّتي تمثّلها المصالح المشتركة فيما بينهم، ومشكلة هذا العهد الأمريكيّ الحاليّ، أنَّ أغلب الإدارة فيه هم من اليهود المتعصّبين لإسرائيل.. ولذلك، فإنَّ سياسة أمريكا أصبحت تنطلق من المصالح اليهوديَّة في فلسطين والعالم.
وهذا هو سرّ الهجوم الضّاري على الجمهوريَّة الإسلاميَّة، ومحاولة محاصرتها اقتصاديّاً، لأنَّها تريد أن تعيش حرَّيتها في قراراتها وسياستها واقتصادها. وهكذا نجد الحصار الَّذي يوجَّه إلى السّودان، سواء حصار الدّول المحيطة به، أو الحصار الاقتصاديّ والسياسيّ المفروض في العالم.
ويمكن أن نضع في هذا الاتّجاه، ما قرأناه وسمعناه قبل أيَّام، من الحكم بالسّجن المؤبَّد على العالم الشَّيخ عمر عبد الرَّحمن في أمريكا.. وباعتراف المحامية الأمريكيَّة الَّتي تتولى الدّفاع عنه، فإنَّ الحكم عليه، كما تقول، إنما كان من أجل عقيدته، وليس من أجل أنَّه قام بالأعمال الإرهابيَّة، أو أنّه كان وراء المتفجّرة الَّتي زرعت في مركز التّجارة العالميّ في نيويورك. فالمسألة مركَّبة على أساس أن يقدَّم رجل دين على أنّه يقف وراء عمليَّة تفجير مركز تجاريّ عالميّ تتواجد فيه مختلف الجنسيَّات، حتّى يأخذ الرأي العام العالميّ صورة مشوَّهة عن الإسلام.
ونحن واقعاً لم نطَّلع على مجريات المحاكمة، ولكن هناك نقطة يجب أن نلاحظها، وهي أنَّ الرَّجل هرب من بلاده ليجد المأمن في أمريكا، وليس من مصلحته الشَّخصيَّة أن يقوم بأيّ عمل من الأعمال الَّتي تهدّد وجوده في ذلك البلد، وغاية ما هناك، أنَّ الرَّجل يتحدَّث عن الإسلام، وعن قضايا الحريّة، وعن المستكبرين والمستضعفين، كأيّ عالم من العلماء الَّذين يتحدَّثون عن المفاهيم الإسلاميَّة، وهم اعتبروا ذلك عنصراً جرميّاً، لأنَّ هؤلاء الأشخاص الَّذين قاموا بالتَّفجير، كان يصلّون في مسجده، وكانوا يستمعون إلى مواعظه.
والمشكلة أنَّ النّظام القضائيّ الموجود في أمريكا هو نظام المحلَّفين، وهؤلاء عبارة عن خليط من النّاس لا يكونون بالضَّرورة اختصاصيّين في القضاء أو القانون، وإنما هم مواطنون يختارونهم من المجتمع ليحكموا في قضيَّة معيَّنة، وقد لا يكون لديهم دراية من النَّاحية القانونيّة، إضافةً إلى أنّهم بشر وليسوا من الملائكة، فقد يتعرَّص البعض منهم لإغراءات المال، أو الجاه، أو التَّهديد...، وعندما يجمع هؤلاء على حكم معيّن، يعطون القرار للقاضي الَّذي يحكم على أساس قرارهم.
فالمطلوب تشويه الصّورة. ولا نزال نتذكَّر عندما حدث انفجار أوكلاهوما، صارت هناك حالات طوارئ في أمريكا ضدّ المسلمين، وبدأ اليهود وغير اليهود يعتدون على المسلمين والجمعيّات الإسلاميّة، وكان المسلمون يعيشون حالة طوارئ في أمريكا. وبعد ذلك، اكتشفوا أنَّ الَّذين قاموا بهذه العمليَّة هم أمريكيّون، فأغلقوا الملفَّ تماماً، ولم يعودوا يتكلّمون عن انفجار أوكلاهوما، وصار الجميع يتكلَّم عن تفجير مركز التجارة في نيويورك، فهم لا يريدون أن يسجّلوا أمام العالم أنَّ الأمريكيّين فيهم إرهابيّون، بل يريدون أن يقولوا إنَّ الإسلاميّين هم الإرهابيّون.
الآن تحدث عمليَّات إرهاب في سائر أنحاء العالم.. في ألمانيا الآن، مثلاً، قرأنا أنّهم أحرقوا بنايةً فيها جماعة من الأطفال والشّيوخ والنّساء من طالبي اللّجوء، وبينهم لبنانيّون، كما ذكرت الأخبار، أحرقوهم إحراقاً، مات عشرة منهم من خلال الحريق، وهناك أشخاص منهم تحت الخطر، فأيّ وحشيَّة أكبر من هذه؟! مع ذلك، يتحدَّث عنها الإعلام كحادثة عاديَّة. فلو فرضنا أنَّ المسلمين قاموا بهذا العمل، كيف كان تصرَّفَ الإعلام العالميّ؟
الآن، هناك أعمال إرهابيَّة وأعمال وحشيَّة من الدَّرجة الأولى، ولكن يقوم بها غير المسلمين، فيتعامل معها الإعلام كما لو كانت أموراً عاديَّة جداً، ولكن عندما يصدر خطأ بسيط عن مسلم، ترى العالم يتحدَّث عن الإرهاب الإسلاميّ. وهذا أمر يجب أن نواجهه، أيُّها الأحبَّة، هذه حرب إعلاميَّة وسياسيَّة، وربما كثير من المسلمين، نتيجة عدم تعمّقهم باللّعبة الإعلاميّة والسياسيَّة الَّتي تقودها أمريكا في العالم، قد يصدّقون هذا الكلام، ولكن أثبتوا أوّلاً هذا الكلام ثمّ قولوا لماذا يتصرّفون هكذا.
لا حيادَ أمامَ السياسة
لذلك، لا بدَّ أن نواجه الواقع مواجهة دقيقة. أنا أقول إنَّ المفروض منَّا كأمَّة، أن يكون عندنا وعي إسلاميّ وسياسيّ، ليس بمعنى أن ننافق ونكذب، بل أن نفهم ماذا هناك، لأنَّ السياسة تتدخَّل في طعامنا وشرابنا وتعليمنا وفي كلّ حركتنا. الآن، عندما يأتيك حكم يفرض عليك ضرائب، أو يحاول أن يغتني من خلال مواقعه ومراكزه، أو أنَّه لا يتحمَّل مسؤوليَّة الشَّعب، فهل تبقى حياديّاً؟ إنَّ السياسة تدخل في قضايانا السياسيَّة الحيويَّة، ولا يستطيع الإنسان أن يكون حيادياًّ أمامها.
نعم، نحن نرفض سياسة الدَّجل والكذب والنّفاق، أمّا السياسة الَّتي تمثّل الخطَّ الَّذي يقف فيه النَّاس من أجل أن يحافظوا على حياتهم وضروراتهم وحاجاتهم، وعلى كرامتهم وعزَّتهم، فهي جزء من حياتنا وديننا، لأنَّ الدّين يرتكز على العدل، والسياسة حركة عدل وظلم. فالأمَّة إذا كانت واعية سياسياً، فلا يمكن أن تؤيّد من يسقط عنفوانها وكرامتها، ومن يستغلّ خيراتها لشخصه، ومن يبيع مقدّرات الأمَّة لأعدائها، ويتحالف مع أعدائها ضدّها.
والأمَّة الَّتي تكون واعية سياسيّاً، هي الَّتي تستطيع أن تضبط قيادتها، لأنَّ القيادات إذا لم يجدوا قاعدة شعبيَّة واعية، فإنَّهم قد يمارسون الطّغيان من دون أن يجدوا معارضة. الآن، لماذا لا تتحمَّل القيادات غالباً النَّقد؟! لأنَّهم تعوَّدوا من النَّاس على المدح والإطراء، لم يتعوَّدوا منهم أن ينقدوهم، وأن يقولوا لهم قفوا عند حدّكم أنتم أخطأتم، ولذلك أصبحوا يعتبرون أنَّ كلَّ إنسان ينقدهم هو عدوّ لهم. والمفروض من الأمَّة أن تنقد الحكم، وطبعاً، المقصود بالنَّقد هو النَّقد الموضوعيّ الَّذي ينطلق على أساس إصلاح الواقع، ولا نتكلَّم عن الفوضى وعن النَّقد الَّذي يكون شفاء غيظ.
وهذا ما نحاوله في كلّ المجالات، ونحن لا نريد أن نسجّل نقاطاً على أحد، ولكنَّنا نريد أن نجمع النقاط كلّها لمصلحة النّاس، ولمصلحة قضاياهم في كلّ الأمور الَّتي تمسّ حياتهم. وعلى هذا الأساس، هناك نقاط أحبّ أن نثيرها ولو بسرعة.
المطامعُ الإسرائيليَّةُ في لبنان
من النقاط الَّتي ينبغي لنا أن نثيرها، أنَّنا قرأنا في بعض الصّحف، أنَّ سفير إسرائيل في واشنطن، كان يتحدَّث عن تجربة إسرائيل وأمريكا في لبنان في الثَّمانينات، يعني الاحتلال الإسرائيليّ للبنان في العام 82، وأيضاً التدخّل الأمريكيّ من جهة المارينز وغيرهم، فيبيّن أنّهم دخلوا إلى لبنان، سواء من الإسرائيليّين أو الأمريكيّين، من أجل أن يخضعوا السياسة اللّبنانيَّة والشَّعب اللّبناني لإدارتهم، فماذا كانت النَّتيجة؟ يقول بالحرف الواحد: "إنَّ إسرائيل تدخَّلت في السياسة اللّبنانيَّة في بداية الثَّمانينات، وحاولنا هندسة السياسة اللّبنانيَّة، لكنَّنا كالأمريكيّين، أحرقنا أصابعنا، وتعلَّمنا درساً".
مَن الَّذي أحرق لهم أصابعهم؟ ومَن الَّذي علّمهم درساً؟ إنّهم المجاهدون الَّذين وقفوا في مواجهتهم ولاحقوهم، والمجاهدات النّساء اللّاتي كنَّ يحاربن بالزَّيت المغلي، والأطفال الَّذين كانوا يطلقون الطائرات الورقيّة وشكّلت خوفاً للمحتلّ، كلّ الشَّعب كان مجاهداً، ففي ذلك الوقت، لم يكن هناك مقاومة خاصّة، فالشَّعب كلّه قاوم، وكان هناك مجاهدون قاموا بعمل أجبر أمريكا على أن تنسحب، وأجبر إسرائيل على الانسحاب أيضاً.
إذاً، نحن نفهم من تصريح سفير إسرائيل في أمريكا الَّذي يتولّى المفاوضات الآن، أنّه عندما يكون الشَّعب واعياً ويتحرَّك، يستطيع أن يحرق أصابع المحتلّين، وأن يعلّمهم درساً ويهزمهم بحجم قدراته الموجودة.
وهذا ما لم يحصل في أيّ بلد عربيّ، فاللّبنانيّون وحدهم هم الَّذين أحرقوا أصابع الأمريكيّين والإسرائيليّين، لأنَّ هناك شعباً واعياً. لم تقتصر المسألة على النّظام، وإنما مارس الشَّعب حركة حرَّيته بنفسه وبوسائله البدائيَّة، ولا يزال يمارس ذلك.
ولذلك، لماذا نجد أنَّ الاستكبار الأمريكيّ والصهيونيّ والكثير من الدول العربيّة في المنطقة وغيرها، لا حديث لها إلَّا عن المقاومة الإسلاميَّة، وأنَّها هي الَّتي تعطّل الحلّ، ولا بدَّ من تصفيتها وضبطها؟ فلو لم تكن المقاومة الإسلاميَّة قد ركَّزت في حركتها الجهاديَّة أسلوباً جهاديّاً جعل العدوّ في هذه المنطقة المحتلَّة من جبل عامل والبقاع الغربيّ، يعيش الخسائر الدَّائمة والقلق الدائم والمشاكل الدَّائمة، فلماذا يهتمّون هذا الاهتمام العالميّ بحركة المقاومة الإسلاميَّة؟!
الدَّورُ الكبيرُ للمقاومة
إنَّ كثيراً من النَّاس يقولون ما فائدة المقاومة، ماذا فعلت المقاومة؟ المقاومة استطاعت أن تربك الواقع السياسيّ اليهوديّ في الدَّاخل الفلسطيني، استطاعت أن تحوّل جنود اليهود في داخل فلسطين إلى جنودٍ يعيشون الرّعب، ويتركون مراكزهم هرباً، وهذه مسألة تحدث لأوَّل مرّة في الجيش الصّهيوني، واستطاعوا أن يعطوا للأمَّة عنفوانها وكرامتها. صحيح أنَّ هناك خسائر، ولكنّ الله سبحانه يقول: {إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ}[النّساء: 104]، {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 140].
لذلك، نحن نجد أنَّ على الأمَّة أن تحترم هذه المقاومة الجهاديَّة، لأنَّها هي الَّتي تحتفظ لها بشيء من العنفوان، وشيء من الوزن السياسيّ والجهاديّ، في وقتٍ عاش هذا العالم العربيّ انعدام الوزن على المستوى السياسيّ والاقتصاديّ وما إلى ذلك.
انتخاباتٌ برعايةِ الاحتلال!
غداً، ستحدث أوَّل انتخابات فلسطينيَّة على أساس اتّفاق أوسلو، ولكن عندما ندرس ما الَّذي تمثّله هذه الانتخابات، نرى أنّها لا تمثّل حركة الشَّعب الَّذي يريد أن يعبّر عن إرادته الحرّة، لأنَّنا كما قرأنا وسمعنا اليوم، أنَّ إسرائيل تحاول أن تطوّق منطقة الحكم الذَّاتيّ حتَّى تحمي الانتخابات، معنى ذلك أنَّ الَّذي يحمي اللّعبة الانتخابيَّة هو الجيش الإسرائيلي.
وعلى هذا الأساس، يمكننا أن نقول إنَّ النَّاخب الأكبر في هذه الانتخابات هو إسرائيل، لأنها تريد أن تأتي، بالتَّوافق مع الأمريكيّين، ومع أكثر من دولة عربيَّة، بمجلس نيابيّ شرطها الأوَّل عليه أن يلغي ميثاق منظّمة التَّحرير في رفض الاعتراف بإسرائيل والعمل على تدميرها. هذا أوَّل شرط، وقد هدَّد رئيس وزراء العدوّ ووزير خارجيَّته، أنّكم إذا لم تلغوا هذا الميثاق، فسوف نخرّب كلّ اتّفاق السَّلام فيما بيننا. فالدَّور المطلوب من هذا المجلس النيابيّ هو أن يعطي باسم الفلسطينيّين شرعيّةً لهذا الاتّفاق الَّذي سجّل اعترافاً بإسرائيل كدولة شرعيَّة، من دون أن يحصل الفلسطينيّون إلّا على حكم ذاتيّ ذليل يتحرَّك في نطاق الاحتلال الإسرائيليّ، حتَّى إنَّ الفلسطينيّين الَّذين رشَّحوا أنفسهم عن فلسطينيّي القدس، لم يتمكَّنوا من دخول القدس.
ونحن نقول إنَّ هذا نوع من أنواع الانتخابات الَّتي تحصل في البلاد العربيَّة الَّتي يراد من خلالها إيجاد شرعيَّة للحكَّام الَّذين يرتبطون بأمريكا بروابط سياسيّة، وإثبات سلطتهم على الشَّعب، وتحويل الشّعوب العربيَّة إلى ممتلكات أمريكيَّة بوكالة عربيَّة.
هذا هو الواقع الَّذي نشعر بأنَّه يتحرَّك في الانتخابات الفلسطينيَّة، وحالهم كحال السّجناء الَّذين ينتخبون إدارةً لهم، إلّا أنَّ المسألة تبقى تحت رقابة إدارة السّجن، وهكذا الفلسطينيّون الّذين يعيشون في سجن كبير.
خطفٌ.. ومطالب
هناك نقطة أيضاً أثارت الكثير من الجدل، وهي قضيَّة خطف شيشانيّين لبعض الرّهائن في روسيا، والَّتي أدّت إلى النتيجة المأساويَّة الَّتي قام بها الجيش الروسيّ، باستخدام أسلحته الثَّقيلة ضدَّ هؤلاء وضدّ الرّهائن وضدّ أهل القرية الَّتي اعتصموا بها. ولا تزال أيضاً مشكلة السَّفينة الَّتي خطفها قسم من الأبخازيّين، وهدَّدوا بنسفها إذا لم تستجب بعض مطالبهم.
والواقع، نحن لا نوافق من وجهة نظر إسلاميَّة، على استخدام أساليب خطف السّفن والطائرات والسيارات، من أجل الحصول على بعض النتائج السياسيَّة الإعلاميَّة، أو من خلال بعض القضايا الخاصَّة هنا وهناك، لأنَّه لا يجوز أن تكون وسائل النقل الَّتي هي ملك النَّاس في العالم، والَّتي هي الوسيلة الَّتي يستخدمها النَّاس ليصلوا إلى بلدانهم، لا يجوز أن تكون هذه الوسائل في أيّ حالة من الحالات، موقعاً من مواقع تصفية الحسابات السياسيَّة والإعلاميَّة. ولذلك، نحن نرفض هذا الأسلوب، ونرفض أسلوب خطف السفينة وخطف الرّهائن أيضاً، في الوقت الَّذي نرفض أيضاً هذه السياسة المستبدَّة الَّتي تقوم بها روسيا في منع المسلمين الشّيشان من تقرير مصيرهم. ونلاحظ أنَّ أمريكا وغيرها من الدّول باركت عمل الرّوس وأيَّدته، وهو ما أشار إليه الله عندما قال: {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[الجاثية: 19].
نحن في الوقت الَّذي نرفض أسلوب خطف الرَّهائن، وفيهم الأطفال والنّساء والشيوخ، حتّى لو لم يُقتلوا بعد ذلك، لكن نفس أن نحجز حرّيّة أشخاص لنقايض بهم، هو أسلوب غير إنسانيّ وغير إسلاميّ، ولكنَّنا في الوقت نفسه، نريد أن نقول لكلّ الدول الَّتي تتحدَّث بهذا، إنّه لا يكفي أن نستنكر هذا اللَّون من الأسلوب في العمل السياسيّ، ولكن علينا أن ندرس لماذا يفعل هؤلاء ذلك، ونحن نعرف أنَّ هؤلاء يعرّضون أنفسهم للخطر، فعلينا أن ندرس خلفيَّاتهم، فهم ليسوا أناساً يفكّرون في الإرهاب للإرهاب، ولكن لأنَّ لهم قضيَّة، ولأنَّ العالم يحاصرهم، والإنسان عندما يحاصَر، فإنَّه قد يلجأ للتخفّف من حصاره إلى كلّ الوسائل، حتَّى لو كانت غير شرعيَّة. وهذه هي مشكلة المستكبرين، أنَّهم يحاولون أن يقوموا بوعظ المستضعفين إذا قاموا بعملٍ منافٍ للقوانين الإنسانيَّة، ليطبّقوا عليهم كلّ القيم، وليرجموهم إذا ابتعدوا عن القيم، ولكنَّهم لا يدرسون مشاكلهم وقضاياهم في هذا المجال.
استنكارُ اعتقالِ العلماء
وأخيراً، هناك نقطة أحببنا أن نثيرها، وهي أنَّه جرت هناك بعض الاعتقالات لبعض العلماء المسلمين، وحُدّثنا عن وسائل تمارَس ضدّ المعتقلين. إنَّنا في الوقت الَّذي نرفض أيّ عمل يتعلَّق بأيّ اغتيال أو تفجير، نرفض أيضاً الإساءة إلى علماء المسلمين، ونرفض أيضاً في كلّ مواقع التّحقيق، سواء كانت رسميَّة أو غير رسميّة، اللّجوء إلى أساليب التعذيب من أجل استخراج الاعترافات، لأنَّ هذا الأسلوب ليست له أيّة قانونيَّة وأيَّة شرعيَّة، كما أنّه ليس أسلوباً إنسانيّاً.
التَّوحُّدُ بالله
وختاماً، نريد أن نقول للنَّاس جميعاً، ولا سيَّما في هذا البلد، إنَّنا عندما نعيش هذا الجوّ الروحيّ، فعلينا أن نتعلَّم من كلّ الأجواء الروحيَّة، كيف نتوحَّد بالله ولا نختلف باسمه، وكيف يجب أن نتحرَّك جميعاً من أجل طاعته وعبادته، حتَّى نستطيع أن نحقّق كلّ أهدافنا وقضايانا، لأنَّنا إذا أحببنا الله أكثر، أحبَّ بعضُنا بعضاً أكثر، وإذا أطعنا الله أكثر، تحمَّلنا مسؤوليَّاتنا أكثر.
وهذا ما نريد أن نستفيده في هذا الشَّهر، أن يكون شهراً للوحدة بين المسلمين جميعاً، وأن يكون شهراً للتوحّد على القضايا الكبرى بين اللّبنانيّين جميعاً والعرب جميعاً، حتَّى نستطيع أن نواجه القضايا الكبرى بصدق وإخلاص وقوَّة وتخطيط، لأنَّ العالم يعمل على أن يهزَّ المنطقة سياسياً واقتصادياً، لتكون منطقةً تابعة للأملاك الأمريكيّة أو الاستكباريّة بشكل عامّ.
إنَّ علينا عندما نعيش وحدة الموقف أمام الله، وأن نعرف أنَّ الله يريد لنا العزَّة كما يريدها لنفسه ولرسوله، ويريد لنا أن نكون أحراراً، لأنَّه خلقنا أحراراً، فلا نستعبد أنفسنا.
أوّلُ شهرِ رمضان
وفي نهاية المطاف، أحبُّ أن أتحدَّث حول مسألة شهر رمضان. إنّنا نستقبل بعد يوم أو يومين شهر رمضان المبارك، وهناك رأيان اجتهاديَّان في تحديد بداية شهر رمضان، فهناك الرأي المشهور الغالب الَّذي عليه أكثر العلماء، وربما كلّهم من المتقدّمين والمتأخّرين، السنَّة والشّيعة، وهو أنَّ الاعتبار بالرؤية، أي أنَّ شهر رمضان يثبت بالرؤية، وكذلك العيد أيضاً، على أساس الحديث الشَّريف: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ".
وعلى هذا الأساس، ينطلق المسلمون في كلّ سنة ليختلفوا فيما بينهم، لأنَّ هذا البلد رأى الهلال، وذاك البلد لم يره، أو لأنَّ هذا الحاكم الشّرعيّ، أو هذا العالم السنّي، أو ذاك العالم الشيعيّ، كلّ منهم له رأي، وهكذا نبقى في المشكلة، وربّما يكون هناك في بعض السنين ثلاثة أيَّام أعياد نتيجة الاختلاف.
في إيران الآن، حدَّدَتْ أوَّل شهر شعبان يوم الأحد، يعني أنَّ أوَّل شهر رمضان قد يكون الإثنين وقد يكون الثّلاثاء.
فإذاً، هي مشكلة، ولم يستطع المسلمون حتَّى الآن أن يتوحَّدوا على رؤية واحدة.
وعلى أساس الرؤية، فيوم السَّبت هو 29 شعبان، كما ثبت عندنا وعند كثير من النّاس، فإذا كان شهر شعبان ناقصاً، فيكون الأحد أوَّل شهر رمضان، وإذا كان تامّاً، فيكون الإثنين، فالَّذي يصوم على حسب هذا المنهج يوم الأحد، يصومه على أساس أنَّه يوم شكّ، استحباباً أو قضاءً، وإذا كان من شهر رمضان يُحسَب له.
الحساباتُ الفلكيَّة
وهناك رأيٌ ربما كنت من المتفرّدين فيه، وهو أنَّ الاعتبار في شهر رمضان وكلّ الشّهور هو بالولادة الفلكيَّة وليس بالرّؤية، لأنَّ الشَّهر هو ظاهرة طبيعيَّة، تماماً كما يبدأ اليومُ بشروق الشَّمس أو بطلوع الفجر وينتهي بالغروب، سواء رأيناه أو لم نره، فهو ظاهرة طبيعيَّة لا دخل للإنسان أن يراها أو لا يراها.
وأمَّا قضيَّة قول النَّبيّ (ص): "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ"، فلأنّه لم يكن هناك طريقة يقينيَّة في ذاك الوقت لمعرفة ولادة الهلال، "اليَقِينُ لَا يَدْخُلُهُ الشَّكُّ"، يعني أنَّه ينبغي أن تتيقَّنوا من دخول شهر رمضان، وفي ذاك الوقت، لم يكن هناك يقين بدخول شهر رمضان إلَّا بالرؤية. أمَّا الآن، فقد تطوّرت الأجهزة كثيراً، وأصبح كلّ العالم يتَّفق على أنَّ الهلال يُولَد في وقت معيَّن. وولادة الهلال كشروق الشَّمس، فكما إذا انكسفت الشَّمس ولم نرها، فهل نبقى نصلّي أداءً أم قضاءً؟! كذلك شهر رمضان هو ظاهرة طبيعيَّة تخضع للعناصر الطَّبيعيَّة.
المهمّ، رأينا على الأكثر، أنَّ الرّؤية ليست هي الأساس، وإنَّما الأساس هو في ولادة الهلال، وحيث إنَّ ولادة الهلال هي في يوم السَّبت بعد الظّهر، السَّاعة الثّانية، فعلى حسب هذا الرّأي، يكون يوم الأحد أوَّل شهر رمضان. وهذا الرّأي لا يقول به أكثر العلماء، ولكن نحن مقتنعون به بنسبة 90%، وعلى هذا الأساس، قلنا بالاحتياط الوجوبيّ، يعني الأحوط وجوباً للإنسان أن يصوم يوم الأحد، لا بعنوان كونه يوم شكّ، بل برجاء الأمر المتوجَّه إليه، أو برجاء المطلوبيَّة.
ويمكن للشَّخص الَّذي يرجع إلينا في التَّقليد أن يحتاط هذا الاحتياط، ويمكن أن يرجع إلى غيرنا في اعتبار الرّؤية، فلا مشكلة من هذه النَّاحية، ولكن يمكن للإنسان أن يصوم يوم الأحد على أنَّه برجاء المطلوبيَّة أو برجاء الأمر المتوجَّه إليه، ويكون، إن شاء الله، مقبولاً. أمَّا على حسب الرأي العام الَّذي عليه أكثر الفقهاء - ونحن نحترم رأيهم، ولكن لنا قناعتنا واجتهادنا - فإذا رؤي الهلال ليلة الأحد، ومن الصَّعب رؤيته تلك اللَّيلة، حتّى لو كان الجوّ صحواً، فالأحد أوَّل شهر رمضان، وإذا لم يُرَ ليلة الأحد، فيكون أوَّله يوم الإثنين. وكلّ عام وأنتم بخير.
*خطبة الجماعة للرّجال في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 19/01/1996م.