محاضرات
18/02/2026

شهرُ رمضانَ: موسمُ الوعيِ والانفتاحِ على المسؤوليَّة

شهرُ رمضانَ: موسمُ الوعيِ والانفتاحِ على المسؤوليَّة

جعل الله شهر رمضان شهر القرآن، من أجل أن يعيش المسلمون في كلّ أيَّامه ولياليه، كلَّ معاني القرآن ووصاياه وتعاليمه ونصائحه وتشريعاته، وكلّ حركته في كلّ واقع النَّاس، على الصَّعيدين الفرديّ والاجتماعيّ.

والمسلمون عندما يلتزمون بالقرآن نهجاً ودستوراً وحركةً وروحيَّة والتزاماً، فإنَّهم يستطيعون أن يؤكّدوا إنسانيَّتهم في كلّ وجودهم، وأن يتعرَّفوا ربَّهم من خلال آياته، وما يجب عليهم تجاهه وتجاه النَّاس من حولهم، وتجاه الحياة الَّتي يتحركون فيها.

موسمُ الرّوح

شهر رمضان هو موسم الرّوح الَّذي يطلّ فيه الإنسان على كلّ آفاق الرّوح في آفاق الله، حيث ينفتح العقل على خالقه، فيناجيه بكلّ الفكر الَّذي يتعبَّد له بإنتاج الفكر الحقّ، وحيث يناجي القلبُ صانعَه لينفتح عليه بكلّ نبضاته وخفقاته، في كلّ ما يريده الله للنَّاس من الخير، وتنفتح فيه حياة الإنسان على مبدعها، من أجل أن تكونَ في خدمة الله، بدلاً أن تكونَ في خدمة الشَّيطان.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، لا بدَّ أن ندخلَ هذا الشَّهر دخول الإنسان الواعي الَّذي يريد أن يعيشَ فيه التَّعبئة الروحيَّة والفكريَّة والعمليَّة.

وقد أراد رسول الله (ص) في آخر جمعة من شهر شعبان، كما في مثل هذه الجمعة الَّتي تنفتح على بداية شهر رمضان، أن يحدّث النَّاس كيف يدخلون هذا الشَّهر، وأن يحدّثهم عن كلّ ما أعدَّه الله لهم من ألطافه وفيوضات رحمته، وعن كلّ ما ينبغي للإنسان أن يتطلَّع إليه، وأن يتحرَّك فيه، وأن يحقّقه في حياته، وأراد (ص) أن يبيّن للنَّاس أنَّ هذا الشَّهر هو الفرصة الَّتي قد لا تتكرَّر في حياة الإنسان، لأنَّه لا يعرف هل يبلغ الشَّهر القادم إذا فاته هذا الرَّمضان، فالكثيرون من إخواننا وأحبَّائنا وأقربائنا كانوا معنا في شهر رمضان الماضي، وهم الآن في رحاب الله، ألا يمكن أن نكون مثلهم؟ مَنْ يعطينا ضماناً أن نعيش، حتَّى لو كنَّا في قمَّة الصحّة؟

شهرُ الرَّحمةِ والمغفرة

وشهر رمضان هو شهر الموسم؛ موسم الرَّحمة والمغفرة والبركة، وموسم القرب من الله والعيش معه والمحبَّة له والحصول على محبَّته، ومَنْ يحصل على محبَّة الله ورضوانه، فقد حصل على الخير الَّذي لا خير أعلى منه، وعلى الفوز الَّذي لا فوز مثله.

ففي الرّواية، أنَّ رسول الله (ص) قال: " أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ - البركة الَّتي تنمّي أعماركم وأرزاقكم وعافيتكم، وتنمّي فرص الحياة لكم في كلّ نجاحاتكم - وَالرَّحْمَةِ - الَّتي إذا عاش الإنسان فيها، عاشَ في السَّعادة كلّها، لأنَّ الله عندما يرحمنا، فإنَّه يجعلنا في أحضان لطفه ومحبَّته، وتلك السَّعادة كلّ السَّعادة – وَالْمَغْفِرَةِ - حيث نتخفَّف من كلّ ذنوبنا الَّتي أثقلتنا، والَّتي قد تثقل مصيرنا عندما يقوم النّاس لربّ العالمين، بالاستغفار والتَّوبة والعودة إلى الله.

- شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ - {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}[التّوبة: 36]، وشهر رمضان أفضل هذه الشّهور - وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ – ولذلك، فإنَّ الزَّمن هنا يرتفع ويسمو، ويمثّل الدَّرجة العليا في معنى الزَّمن.. إنَّ الأزمان كلّها واحدة، ولكنَّ الله يختصّ بالقيمة بعض الأزمنة، كما يختصُّ بالقيمة بعض الأماكن وبعض الأشخاص، فالله يصطفي من عباده الأنبياء، ويصطفي من شهوره شهراً معيَّناً، كما اصطفى من أرضه أرضاً معيَّنة هي الكعبة الحرام.

في ضيافةِ الله

- هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ - نحن ضيوف الله في هذا الكون، هو الَّذي خلقنا، وهو الَّذي رزقنا، وهو الَّذي هيّأ لنا كلَّ وسائل الرّزق. ولكنَّ لله ضيافةً خاصّةً يختصّ بها الَّذين يعيشون هذا الشَّهر، ليقول لهم تعالوا إليّ؛ الموائد مبسوطة، موائد الرّزق الحلال، وموائد الرَّحمة والمغفرة والبركة، تعالوا أيُّها الضَّائعون لتجدوا على مائدتي هداكم، تعالوا أيُّها المتعبون لتجدوا على مائدتي راحتكم، تعالوا أيُّها الخائفون لتجدوا عندي أمنكم، تعالوا أيُّها المرضى لتجدوا عندي عافيتكم، تعالوا أيُّها المحرومون لتجدوا عندي ما يخفّف من حرمانكم، تعالوا إليّ، أنتم ضيوفي... ألا نقول في بعض أدعية شهر رمضان: "وقد أوجبْتَ لكلّ ضَيْفٍ قِرًى، وأَنَا ضَيْفُكَ، فَاجْعَلْ قِرَايَ اللَّيلَةَ الجنَّةَ، يَا وَهَّابَ الجنَّةِ، يَا وَهَّابَ المغفرة"؟!.

- وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ. أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ، وَتِلاوَةِ كِتَابِهِ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ- تماماً كمن يُحرَم الرّبح في الموسم، فماذا يربح بعد الموسم؟!

لذلك، أن نطهّر قلوبنا، أيُّها الأحبَّة، من كلّ حقد وبغضاء وشرّ، أن نصفّي نيَّاتنا لتكون صادقة، فإذا اطَّلع الله على ما في داخلنا، فرأى أنَّنا صادقون في نيَّاتنا، وطاهرون في قلوبنا، فسينزل رحمته ليغسل تلك القلوب، وليعطي تلك النيَّات كلَّ حيويَّة وانفتاح.

معنى الجوعِ والعَطَش

ثمَّ يتابع رسول الله (ص)، على حسب الرّواية، فيقول إنَّكم تجوعون وتعطشون في شهر رمضان، ولو في لحظة من الزَّمن، ولو في آخر النَّهار، فلا تفكّروا إذا جعتم أو عطشتم متى يأتي الغروب لتشبعوا بطونكم، ولترووا ظمأكم، ولكن فكّروا أنَّ هناك يوماً طويلاً يجوع فيه النَّاس ويعطشون، يوماً هو كألف سنة مما تعدّون، والَّذين يشبعون في ذلك اليوم ويرتوون، هم الَّذين يعملون الصَّالحات عن إيمانٍ في الدّنيا، والَّذين يطيعون الله ويتَّقونه.

يقول (ص): - وَاذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَعَطَشِكُمْ فِيهِ، جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَعَطَشَهُ - حتَّى لا يطول وقوفكم بين يدي الله غداً، لأنَّ الإنسان كلَّما كثرت سيّئاته، طال وقوفه بين يدي الله، وكلَّما قلَّت سيّئاته، قلَّ وقوفه بين يدي الله.

لذلك، اختصروا السيّئات في الدّنيا، وتوبوا إلى الله منها، اختصروها حتَّى لا يطول وقوفكم هناك، لا تجعلوا حركة عمركم - هكذا يوحي إلينا رسولنا وإمامنا وهادينا ومرشدنا رسول الله (ص) - حركةً في زيادة سيّئاتكم.

إنَّ الإمام زين العابدين (ع) يتحدَّث في بعض أدعيته عن ذلك اليوم: "فوا سَوأتاهُ غَداً مِن الوُقوفِ بَينَ يَدَيكَ، إذا قِيلَ لِلمُخِفِّينَ جُوزوا، ولِلمُثقَلينَ حُطّوا – الَّذين أثقلت أوزارهم ظهورهم - أمَعَ المُخِفِّينَ أجوزُ، أم مَعَ المُثقَلينَ أحُطُّ؟! وَيلي! كُلَّما طالَ عُمري كَثُرَت خَطاياي ولَم أتُبْ، أما آنَ لي أن أستَحيِيَ مِن ربِّي؟"، ويقول (ع): "تَتَحَبَّبُ إلَينا بِالنِّعَمِ، ونُعارِضُكَ بِالذُّنوبِ، خَيرُكَ إلَينا نازِلٌ، وشَرُّنا إلَيكَ صاعِدٌ، ولَم يَزَل ولا يَزالُ مَلَكٌ كَريمٌ يَأتيكَ عَنَّا بِعَمَلٍ قَبيحٍ – ففي آخر اليوم، تصل التَّقارير إلى الله سبحانه وتعالى: كم غيبة اغتبنا، كم كذبة كذبنا، كم سباب سببنا، كم عرض حرام انتهكنا، كم ضربة بغير حقّ ضربنا، كم مال حرام أكلنا، كم أكلة حرام أكلنا، كم شربة حرام شربنا، كم موقف حرام وقفنا... - فَلا يَمنَعُكَ ذلِكَ أن تَحوطَنا بِنِعَمِكَ – يبقى مطر النّعم يغدق علينا - وتَتَفَضَّلَ عَلَينا بِآلائِكَ. فَسُبحانَكَ ما أحلَمَكَ وأعظَمَك وأكرَمَكَ مُبدِئاً ومُعيداً!".

من وصايا الرَّسول (ص)

- وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ – فهم أمانة الله عندكم {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}[النّور: 33]، {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}[الحديد: 7]، أي وكلاء فيه {وَالَّذينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}[المعارج: 24 - 25].

- وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ – لا تهينوا كباركم، فقد سبقوكم بالإيمان والإسلام، وقد سبقوكم إلى طاعة الله، وهم يحملون من التَّجربة في عمرهم ما تستفيدون به منهم.

وأيُّها الكبار، لا تسقطوا الصّغار - وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ – ارحموا عقولهم الَّتي لم تصلّبها التّجربة، وارحموا أخطاءهم، لا تسقطوهم إذا أخطأوا، بل وجّهوهم برفق وحنان. إذا كنت أباً، فلا تعتبر نفسك جبّاراً يستبدّ بأولاده، ولكن كن إنساناً يعيش إنسانيَّة أولاده في إنسانيَّته، حاول أن ترفعهم برفق، أن تنصحهم برفق، أن تحتضنهم برفق، وتوجّههم برفق، أن تتذكّر أنت الكبير عندما يريد ولدك شيئاً؛ أن يتزوَّج، مثلاً، أو أن يعمل، أن تتذكَّر نفسك عندما كنت مع أبيك كيف كان يثقلك موقفه، فلا تجعل موقفك يثقل ولدك.

لذلك، لا تعتبر أنَّ ولدك قطعة أثاث أو جزءاً من أملاكك، هو أمانة الله عندك، أن ترعاه؛ ترعى عقله وروحه وأحلامه وآماله، أن تخفّف عنه مشاكله لتتركه إلى الحياة ليمارس حياته، لا تفرض نفسك على ولدك، فقد يكون لولدك أحلام تختلف عن أحلامك، ورغبات تختلف عن رغباتك، إذا أراد ولدك أن يتزوَّج، فلا تفرض عليه مزاجك، بل ناقشه في مزاجه، وحاوره فيه وأقنعه به، لأنَّك لست أنت زوج المستقبل، بل هو الزَّوج، وهو الَّذي يريد أن يعيش هذه الحياة، وكذلك ابنتك، فعلى أيّ أساس تفرض عليها مصالحك الذَّاتيّة؟ أن تكون مصلحتك أن تزوّجها ابن فلان، أو أن تزوّجها من قريبك أو صديقك... ما دور ابنتك وولدك في ذلك؟ هل هي صفقة بينك وبين أخيك أو ابن عمّك أو أيّ أحد آخر؟!.. للولد شأن في نفسه، وللبنت شأن في نفسها. لذلك لا تفرضوا على أولادكم ما لا يريدون، بل حاولوا أن تنصحوهم وتقنعوهم بما تريدون.

- وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَغُضُّوا عَمَّا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ، وَعَمَّا لَا يَحِلُّ الِاسْتِمَاعُ إِلَيْهِ أَسْمَاعَكُمْ - {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...}[النّور: 30- 31].

- وَتَحَنَّنُوا عَلَى أَيْتَامِ النَّاسِ يُتَحَنَّنْ عَلَى أَيْتَامِكُمْ – فكما مات غيركم وترك أطفالاً، فقد تموتون وتتركون أطفالاً، فإذا كان المجتمع يتحمَّل مسؤوليَّة أيتام الآخرين، فسوف يتحمَّل مسؤوليَّة أيتامنا، وسوف يحنّن الله قلوبَ هؤلاء النَّاس على أيتامنا.

التَّوبةُ.. والدُّعاء

- وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ ذُنُوبِكُمْ[U1]  – إنّها فرصة لك، ففرّغ قلبك، ووجّه إرادتك، واندم على ما فات، وقرّرْ أن لا تفعل الذَّنب فيما هو آت، قل يا ربّ إنّي تائب {وَهُوَ الَّذي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}[الشّورى: 25]، {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}[الزّمر: 53 - 55].

وبعد ذلك - وَارْفَعُوا إِلَيْهِ أَيْدِيَكُمْ بِالدُّعَاءِ فِي أَوْقَاتِ صَلَاتِكُمْ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ السَّاعَاتِ، يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا بِالرَّحْمَةِ إِلَى عِبَادِهِ؛ يُجِيبُهُمْ إِذَا نَاجَوْهُ، وَيُلَبِّيهِمْ إِذَا نَادَوْهُ، وَيُعْطِيهِمْ إِذَا سَأَلُوهُ، وَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعَوْهُ".

الوعيُ في الصّوم

وهكذا، أيُّها الأحبَّة، يريدنا رسول الله (ص) أن ندخل في شهر رمضان دخول وعيٍ وإيمانٍ، وتقوى وانفتاح على النَّاس من حولنا، وانفتاح على مسؤوليَّاتنا في كلّ ما أمرنا الله به ونهانا عنه، حتَّى نسعد بهذا الشَّهر، لنكون إنسانيّاً في أعلى درجات الإنسانيَّة، ولنكون عباد الله المخلصين الَّذين يختصّنا الله برحمته، لأنَّ المسألة، أيُّها الأحبَّة، هي أنَّ الصَّوم وحده لا قيمة له، إذا لم تتعمَّق في روحك إرادة الصَّائم وإرادة الخير، "رُبَّ صائِم لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيامِهِ إِلَّا الجُوعُ والعَطَشُ".

ونحن نعرف أنّه في نهاية شهر رمضان، عندما يكون العيد، يقول عليّ (ع): "إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللَّه صِيَامَه وشَكَرَ قِيَامَهُ، وكُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّه فِيه فَهُوَ عِيدٌ".

هذا هو مفهوم عليّ (ع) للعيد، أن تكون الإنسان الَّذي يحتفل في كلّ يوم بالسَّعادة الرّوحيَّة، لأنَّه استطاع أن يكون سعيداً بطاعة الله، ففي حديث عن الإمام زين العابدين (ع): "فَإِنَّ الشَّرِيفَ مَنْ شَرَّفَتْه طَاعَتُكَ، والْعَزِيزَ مَنْ أَعَزَّتْه عِبَادَتُكَ".

المسؤوليَّةُ عن الأمَّة

وهكذا، أيُّها الأحبَّة، لا بدَّ لنا أن نتحسَّس هذا الشَّهر، أن لا يكون مجرّد شهر الأكل الأكثر، واللّهو الأكثر، وشهر اللَّا مسؤوليَّة الأكثر، بل أن يكون شهر المسؤوليَّة وشهر الإسلام، وأن يكون، كما يقول الإمام زين العابدين (ع)، شهر الطّهور، والشَّهر الَّذي نتقرَّب فيه إلى الله.

وفي ضوء هذا، إذا كان شهرنا شهر المسؤوليَّة، وكان شهرنا شهر الإسلام، فعلينا أن نعمل بكلّ ما عندنا من طاقة، في أن نتحمَّل مسؤوليَّتنا عن الإسلام كلّه؛ إنَّ المسلم لا يمكن أن يعيش الفرديَّة في قضاياه، بل لا بدَّ أن يعيش كجزء من أمَّة؛ أن تكون هموم الأمَّة همومه، وأن تكون اهتماماتها اهتماماته، "مَنْ لم يَهْتَمَّ بِأُمُورِ المسْلمينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ".

ولذلك، إنَّنا عندما نصلّي ونصوم ونتعبَّد ونبتهل إلى الله، فإنَّنا نريد من خلال ذلك، أن يجعل كلّ واحد من نفسه إنساناً يحمل المسؤوليَّة في كلّ مواقع الحياة، ويعيش الصَّبر أمام كلّ مواقع المسؤوليَّة، فنصبر على الحرمان والآلام والتَّحدّيات، ونصبر على الجهاد، وعلى كلّ ما يريدنا الله أن نثبت فيه، وما يريدنا أن نركّز مواقعنا فيه على الحقّ.

ثقافةٌ مرفوضة

لذلك، ليست العبادة، أيُّها الأحبَّة، هروباً من المسؤوليَّة، لقد ثقَّفتنا عهود التخلّف ثقافة غير إسلاميَّة، فقالت إنَّ الإنسان الَّذي ينعزل عن حركة الحياة، هو الإنسان الَّذي يسلم يوم القيامة، أمَّا الإنسان الَّذي يدخل في مشاكل النَّاس، وفي قضاياهم وسياستهم وأمنهم، فإنَّه مشغول بالدّنيا. وأذكّركم بمثلٍ يحكيه كلّ واحد منكم، ألا يقال فلان "ألَّاوي" – نسبة إلى الله - لا يهمّه إن خربت الدّنيا أو عمرت، ولا إن مات النَّاس أو عاشوا، فهو ليس لديه إلَّا سجادة الصّلاة وسبَّحته وقرآنه، هذا هو "الألَّاوي" عند النّاس. ولكنّ هذا ليس صحيحاً، لأنَّ "الألَّاوي" الحقيقيّ هو الَّذي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران: 104]، {لُعِنَ الَّذينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ}[المائدة: 78 - 79]، والظّلم منكر، والاستكبار منكر، واحتلال بلاد المسلمين منكر، وحكم المسلمين بغير الإسلام منكر، والمعاصي الفرديَّة، كالقمار والخمر، منكر...

فإذاً، الإنسان السَّاكت عن الحقّ شيطان أخرس، وفي الحديث النّبويّ الشّريف: "لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ ليُسلِّطُنَّ اللهُ عَلَيْكم شِرارَكم، ثمَّ يَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ". والله سبحانه يقول: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}[الحجّ: 78]، {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ}[التّوبة: 111].

فهذه الثَّقافة غير صحيحة، فإذ اعتبر كلّ واحد من المسلمين أن لا دخل له بما يجري، عندما يحتلّ المحتلّ، أو يظلِم الحاكمون، وعندما يسرق المستكبرون ثرواتنا، وعندما يظلمون قادتنا والنّاس، فإذا لم نتدخّل، ولم نعتبر أنفسنا مسؤولين، فمن الَّذي يكون معنيّاً بذلك إذاً؟

نحن دائماً نذكر في عاشوراء قصَّة مسلم بن عقيل الَّذي بايعه ثمانية عشر ألف شخص، ولما اشتدَّت المسألة، وهدَّدهم رسول ابن زياد بجيشٍ سيأتي من الشَّام، وأغراهم من ناحية أخرى بزيادة العطايا، وصارت كلّ امرأة تأتي وتأخذ ابنها أو زوجها خوفاً عليه، وإذا بمسلم وراءه عشرة أشخاص فقط، وما إن أنهى صلاته حتّى كان وحده. هذا هو واقع التَّخاذل. الإمام عليّ (ع) كان يتحدَّث عن بعض الناس الَّذين تخاذلوا عن المعركة، قال عنهم: "خَذَلُوا الحَقَّ، وَلَمْ يَنْصُرُوا البّاطِلَ"، والعدوّ يستفيد من خذلان الخاذلين أكثر مما يستفيد من قتال جماعته، لأنَّك كلّما خذلت الحقّ أضعفته، لأنَّك أفقدته قوَّة...

التَّوحُّدُ بالله

وختاماً، نريد أن نقول للنَّاس جميعاً، ولا سيَّما في هذا البلد، إنَّنا عندما نعيش هذا الجوّ الروحيّ، فعلينا أن نتعلَّم من كلّ الأجواء الروحيَّة، كيف نتوحَّد بالله ولا نختلف باسمه، وكيف يجب أن نتحرَّك جميعاً من أجل طاعته وعبادته، حتَّى نستطيع أن نحقّق كلّ أهدافنا وقضايانا، لأنَّنا إذا أحببنا الله أكثر، أحبَّ بعضُنا بعضاً أكثر، وإذا أطعنا الله أكثر، تحمَّلنا مسؤوليَّاتنا أكثر.

وهذا ما نريد أن نستفيده في هذا الشَّهر، أن يكون شهراً للوحدة بين المسلمين جميعاً، وأن يكون شهراً للتوحّد على القضايا الكبرى بين اللّبنانيّين جميعاً والعرب جميعاً، حتَّى نستطيع أن نواجه القضايا الكبرى بصدق وإخلاص وقوَّة وتخطيط، لأنَّ العالم يعمل على أن يهزَّ المنطقة سياسياً واقتصادياً، لتكون منطقةً تابعة للأملاك الأمريكيّة أو الاستكباريّة بشكل عامّ.

إنَّ علينا عندما نعيش وحدة الموقف أمام الله، وأن نعرف أنَّ الله يريد لنا العزَّة كما يريدها لنفسه ولرسوله، ويريد لنا أن نكون أحراراً، لأنَّه خلقنا أحراراً، فلا نستعبد أنفسنا.

* من خطبة الجماعة لسماحته في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 19/01/1996م.

 

 

 


 [U1]

جعل الله شهر رمضان شهر القرآن، من أجل أن يعيش المسلمون في كلّ أيَّامه ولياليه، كلَّ معاني القرآن ووصاياه وتعاليمه ونصائحه وتشريعاته، وكلّ حركته في كلّ واقع النَّاس، على الصَّعيدين الفرديّ والاجتماعيّ.

والمسلمون عندما يلتزمون بالقرآن نهجاً ودستوراً وحركةً وروحيَّة والتزاماً، فإنَّهم يستطيعون أن يؤكّدوا إنسانيَّتهم في كلّ وجودهم، وأن يتعرَّفوا ربَّهم من خلال آياته، وما يجب عليهم تجاهه وتجاه النَّاس من حولهم، وتجاه الحياة الَّتي يتحركون فيها.

موسمُ الرّوح

شهر رمضان هو موسم الرّوح الَّذي يطلّ فيه الإنسان على كلّ آفاق الرّوح في آفاق الله، حيث ينفتح العقل على خالقه، فيناجيه بكلّ الفكر الَّذي يتعبَّد له بإنتاج الفكر الحقّ، وحيث يناجي القلبُ صانعَه لينفتح عليه بكلّ نبضاته وخفقاته، في كلّ ما يريده الله للنَّاس من الخير، وتنفتح فيه حياة الإنسان على مبدعها، من أجل أن تكونَ في خدمة الله، بدلاً أن تكونَ في خدمة الشَّيطان.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، لا بدَّ أن ندخلَ هذا الشَّهر دخول الإنسان الواعي الَّذي يريد أن يعيشَ فيه التَّعبئة الروحيَّة والفكريَّة والعمليَّة.

وقد أراد رسول الله (ص) في آخر جمعة من شهر شعبان، كما في مثل هذه الجمعة الَّتي تنفتح على بداية شهر رمضان، أن يحدّث النَّاس كيف يدخلون هذا الشَّهر، وأن يحدّثهم عن كلّ ما أعدَّه الله لهم من ألطافه وفيوضات رحمته، وعن كلّ ما ينبغي للإنسان أن يتطلَّع إليه، وأن يتحرَّك فيه، وأن يحقّقه في حياته، وأراد (ص) أن يبيّن للنَّاس أنَّ هذا الشَّهر هو الفرصة الَّتي قد لا تتكرَّر في حياة الإنسان، لأنَّه لا يعرف هل يبلغ الشَّهر القادم إذا فاته هذا الرَّمضان، فالكثيرون من إخواننا وأحبَّائنا وأقربائنا كانوا معنا في شهر رمضان الماضي، وهم الآن في رحاب الله، ألا يمكن أن نكون مثلهم؟ مَنْ يعطينا ضماناً أن نعيش، حتَّى لو كنَّا في قمَّة الصحّة؟

شهرُ الرَّحمةِ والمغفرة

وشهر رمضان هو شهر الموسم؛ موسم الرَّحمة والمغفرة والبركة، وموسم القرب من الله والعيش معه والمحبَّة له والحصول على محبَّته، ومَنْ يحصل على محبَّة الله ورضوانه، فقد حصل على الخير الَّذي لا خير أعلى منه، وعلى الفوز الَّذي لا فوز مثله.

ففي الرّواية، أنَّ رسول الله (ص) قال: " أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ - البركة الَّتي تنمّي أعماركم وأرزاقكم وعافيتكم، وتنمّي فرص الحياة لكم في كلّ نجاحاتكم - وَالرَّحْمَةِ - الَّتي إذا عاش الإنسان فيها، عاشَ في السَّعادة كلّها، لأنَّ الله عندما يرحمنا، فإنَّه يجعلنا في أحضان لطفه ومحبَّته، وتلك السَّعادة كلّ السَّعادة – وَالْمَغْفِرَةِ - حيث نتخفَّف من كلّ ذنوبنا الَّتي أثقلتنا، والَّتي قد تثقل مصيرنا عندما يقوم النّاس لربّ العالمين، بالاستغفار والتَّوبة والعودة إلى الله.

- شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ - {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}[التّوبة: 36]، وشهر رمضان أفضل هذه الشّهور - وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ – ولذلك، فإنَّ الزَّمن هنا يرتفع ويسمو، ويمثّل الدَّرجة العليا في معنى الزَّمن.. إنَّ الأزمان كلّها واحدة، ولكنَّ الله يختصّ بالقيمة بعض الأزمنة، كما يختصُّ بالقيمة بعض الأماكن وبعض الأشخاص، فالله يصطفي من عباده الأنبياء، ويصطفي من شهوره شهراً معيَّناً، كما اصطفى من أرضه أرضاً معيَّنة هي الكعبة الحرام.

في ضيافةِ الله

- هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ - نحن ضيوف الله في هذا الكون، هو الَّذي خلقنا، وهو الَّذي رزقنا، وهو الَّذي هيّأ لنا كلَّ وسائل الرّزق. ولكنَّ لله ضيافةً خاصّةً يختصّ بها الَّذين يعيشون هذا الشَّهر، ليقول لهم تعالوا إليّ؛ الموائد مبسوطة، موائد الرّزق الحلال، وموائد الرَّحمة والمغفرة والبركة، تعالوا أيُّها الضَّائعون لتجدوا على مائدتي هداكم، تعالوا أيُّها المتعبون لتجدوا على مائدتي راحتكم، تعالوا أيُّها الخائفون لتجدوا عندي أمنكم، تعالوا أيُّها المرضى لتجدوا عندي عافيتكم، تعالوا أيُّها المحرومون لتجدوا عندي ما يخفّف من حرمانكم، تعالوا إليّ، أنتم ضيوفي... ألا نقول في بعض أدعية شهر رمضان: "وقد أوجبْتَ لكلّ ضَيْفٍ قِرًى، وأَنَا ضَيْفُكَ، فَاجْعَلْ قِرَايَ اللَّيلَةَ الجنَّةَ، يَا وَهَّابَ الجنَّةِ، يَا وَهَّابَ المغفرة"؟!.

- وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ. أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ، وَتِلاوَةِ كِتَابِهِ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ- تماماً كمن يُحرَم الرّبح في الموسم، فماذا يربح بعد الموسم؟!

لذلك، أن نطهّر قلوبنا، أيُّها الأحبَّة، من كلّ حقد وبغضاء وشرّ، أن نصفّي نيَّاتنا لتكون صادقة، فإذا اطَّلع الله على ما في داخلنا، فرأى أنَّنا صادقون في نيَّاتنا، وطاهرون في قلوبنا، فسينزل رحمته ليغسل تلك القلوب، وليعطي تلك النيَّات كلَّ حيويَّة وانفتاح.

معنى الجوعِ والعَطَش

ثمَّ يتابع رسول الله (ص)، على حسب الرّواية، فيقول إنَّكم تجوعون وتعطشون في شهر رمضان، ولو في لحظة من الزَّمن، ولو في آخر النَّهار، فلا تفكّروا إذا جعتم أو عطشتم متى يأتي الغروب لتشبعوا بطونكم، ولترووا ظمأكم، ولكن فكّروا أنَّ هناك يوماً طويلاً يجوع فيه النَّاس ويعطشون، يوماً هو كألف سنة مما تعدّون، والَّذين يشبعون في ذلك اليوم ويرتوون، هم الَّذين يعملون الصَّالحات عن إيمانٍ في الدّنيا، والَّذين يطيعون الله ويتَّقونه.

يقول (ص): - وَاذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَعَطَشِكُمْ فِيهِ، جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَعَطَشَهُ - حتَّى لا يطول وقوفكم بين يدي الله غداً، لأنَّ الإنسان كلَّما كثرت سيّئاته، طال وقوفه بين يدي الله، وكلَّما قلَّت سيّئاته، قلَّ وقوفه بين يدي الله.

لذلك، اختصروا السيّئات في الدّنيا، وتوبوا إلى الله منها، اختصروها حتَّى لا يطول وقوفكم هناك، لا تجعلوا حركة عمركم - هكذا يوحي إلينا رسولنا وإمامنا وهادينا ومرشدنا رسول الله (ص) - حركةً في زيادة سيّئاتكم.

إنَّ الإمام زين العابدين (ع) يتحدَّث في بعض أدعيته عن ذلك اليوم: "فوا سَوأتاهُ غَداً مِن الوُقوفِ بَينَ يَدَيكَ، إذا قِيلَ لِلمُخِفِّينَ جُوزوا، ولِلمُثقَلينَ حُطّوا – الَّذين أثقلت أوزارهم ظهورهم - أمَعَ المُخِفِّينَ أجوزُ، أم مَعَ المُثقَلينَ أحُطُّ؟! وَيلي! كُلَّما طالَ عُمري كَثُرَت خَطاياي ولَم أتُبْ، أما آنَ لي أن أستَحيِيَ مِن ربِّي؟"، ويقول (ع): "تَتَحَبَّبُ إلَينا بِالنِّعَمِ، ونُعارِضُكَ بِالذُّنوبِ، خَيرُكَ إلَينا نازِلٌ، وشَرُّنا إلَيكَ صاعِدٌ، ولَم يَزَل ولا يَزالُ مَلَكٌ كَريمٌ يَأتيكَ عَنَّا بِعَمَلٍ قَبيحٍ – ففي آخر اليوم، تصل التَّقارير إلى الله سبحانه وتعالى: كم غيبة اغتبنا، كم كذبة كذبنا، كم سباب سببنا، كم عرض حرام انتهكنا، كم ضربة بغير حقّ ضربنا، كم مال حرام أكلنا، كم أكلة حرام أكلنا، كم شربة حرام شربنا، كم موقف حرام وقفنا... - فَلا يَمنَعُكَ ذلِكَ أن تَحوطَنا بِنِعَمِكَ – يبقى مطر النّعم يغدق علينا - وتَتَفَضَّلَ عَلَينا بِآلائِكَ. فَسُبحانَكَ ما أحلَمَكَ وأعظَمَك وأكرَمَكَ مُبدِئاً ومُعيداً!".

من وصايا الرَّسول (ص)

- وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ – فهم أمانة الله عندكم {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}[النّور: 33]، {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}[الحديد: 7]، أي وكلاء فيه {وَالَّذينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}[المعارج: 24 - 25].

- وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ – لا تهينوا كباركم، فقد سبقوكم بالإيمان والإسلام، وقد سبقوكم إلى طاعة الله، وهم يحملون من التَّجربة في عمرهم ما تستفيدون به منهم.

وأيُّها الكبار، لا تسقطوا الصّغار - وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ – ارحموا عقولهم الَّتي لم تصلّبها التّجربة، وارحموا أخطاءهم، لا تسقطوهم إذا أخطأوا، بل وجّهوهم برفق وحنان. إذا كنت أباً، فلا تعتبر نفسك جبّاراً يستبدّ بأولاده، ولكن كن إنساناً يعيش إنسانيَّة أولاده في إنسانيَّته، حاول أن ترفعهم برفق، أن تنصحهم برفق، أن تحتضنهم برفق، وتوجّههم برفق، أن تتذكّر أنت الكبير عندما يريد ولدك شيئاً؛ أن يتزوَّج، مثلاً، أو أن يعمل، أن تتذكَّر نفسك عندما كنت مع أبيك كيف كان يثقلك موقفه، فلا تجعل موقفك يثقل ولدك.

لذلك، لا تعتبر أنَّ ولدك قطعة أثاث أو جزءاً من أملاكك، هو أمانة الله عندك، أن ترعاه؛ ترعى عقله وروحه وأحلامه وآماله، أن تخفّف عنه مشاكله لتتركه إلى الحياة ليمارس حياته، لا تفرض نفسك على ولدك، فقد يكون لولدك أحلام تختلف عن أحلامك، ورغبات تختلف عن رغباتك، إذا أراد ولدك أن يتزوَّج، فلا تفرض عليه مزاجك، بل ناقشه في مزاجه، وحاوره فيه وأقنعه به، لأنَّك لست أنت زوج المستقبل، بل هو الزَّوج، وهو الَّذي يريد أن يعيش هذه الحياة، وكذلك ابنتك، فعلى أيّ أساس تفرض عليها مصالحك الذَّاتيّة؟ أن تكون مصلحتك أن تزوّجها ابن فلان، أو أن تزوّجها من قريبك أو صديقك... ما دور ابنتك وولدك في ذلك؟ هل هي صفقة بينك وبين أخيك أو ابن عمّك أو أيّ أحد آخر؟!.. للولد شأن في نفسه، وللبنت شأن في نفسها. لذلك لا تفرضوا على أولادكم ما لا يريدون، بل حاولوا أن تنصحوهم وتقنعوهم بما تريدون.

- وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَغُضُّوا عَمَّا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ، وَعَمَّا لَا يَحِلُّ الِاسْتِمَاعُ إِلَيْهِ أَسْمَاعَكُمْ - {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...}[النّور: 30- 31].

- وَتَحَنَّنُوا عَلَى أَيْتَامِ النَّاسِ يُتَحَنَّنْ عَلَى أَيْتَامِكُمْ – فكما مات غيركم وترك أطفالاً، فقد تموتون وتتركون أطفالاً، فإذا كان المجتمع يتحمَّل مسؤوليَّة أيتام الآخرين، فسوف يتحمَّل مسؤوليَّة أيتامنا، وسوف يحنّن الله قلوبَ هؤلاء النَّاس على أيتامنا.

التَّوبةُ.. والدُّعاء

- وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ ذُنُوبِكُمْ[U1]  – إنّها فرصة لك، ففرّغ قلبك، ووجّه إرادتك، واندم على ما فات، وقرّرْ أن لا تفعل الذَّنب فيما هو آت، قل يا ربّ إنّي تائب {وَهُوَ الَّذي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}[الشّورى: 25]، {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}[الزّمر: 53 - 55].

وبعد ذلك - وَارْفَعُوا إِلَيْهِ أَيْدِيَكُمْ بِالدُّعَاءِ فِي أَوْقَاتِ صَلَاتِكُمْ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ السَّاعَاتِ، يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا بِالرَّحْمَةِ إِلَى عِبَادِهِ؛ يُجِيبُهُمْ إِذَا نَاجَوْهُ، وَيُلَبِّيهِمْ إِذَا نَادَوْهُ، وَيُعْطِيهِمْ إِذَا سَأَلُوهُ، وَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعَوْهُ".

الوعيُ في الصّوم

وهكذا، أيُّها الأحبَّة، يريدنا رسول الله (ص) أن ندخل في شهر رمضان دخول وعيٍ وإيمانٍ، وتقوى وانفتاح على النَّاس من حولنا، وانفتاح على مسؤوليَّاتنا في كلّ ما أمرنا الله به ونهانا عنه، حتَّى نسعد بهذا الشَّهر، لنكون إنسانيّاً في أعلى درجات الإنسانيَّة، ولنكون عباد الله المخلصين الَّذين يختصّنا الله برحمته، لأنَّ المسألة، أيُّها الأحبَّة، هي أنَّ الصَّوم وحده لا قيمة له، إذا لم تتعمَّق في روحك إرادة الصَّائم وإرادة الخير، "رُبَّ صائِم لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيامِهِ إِلَّا الجُوعُ والعَطَشُ".

ونحن نعرف أنّه في نهاية شهر رمضان، عندما يكون العيد، يقول عليّ (ع): "إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللَّه صِيَامَه وشَكَرَ قِيَامَهُ، وكُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّه فِيه فَهُوَ عِيدٌ".

هذا هو مفهوم عليّ (ع) للعيد، أن تكون الإنسان الَّذي يحتفل في كلّ يوم بالسَّعادة الرّوحيَّة، لأنَّه استطاع أن يكون سعيداً بطاعة الله، ففي حديث عن الإمام زين العابدين (ع): "فَإِنَّ الشَّرِيفَ مَنْ شَرَّفَتْه طَاعَتُكَ، والْعَزِيزَ مَنْ أَعَزَّتْه عِبَادَتُكَ".

المسؤوليَّةُ عن الأمَّة

وهكذا، أيُّها الأحبَّة، لا بدَّ لنا أن نتحسَّس هذا الشَّهر، أن لا يكون مجرّد شهر الأكل الأكثر، واللّهو الأكثر، وشهر اللَّا مسؤوليَّة الأكثر، بل أن يكون شهر المسؤوليَّة وشهر الإسلام، وأن يكون، كما يقول الإمام زين العابدين (ع)، شهر الطّهور، والشَّهر الَّذي نتقرَّب فيه إلى الله.

وفي ضوء هذا، إذا كان شهرنا شهر المسؤوليَّة، وكان شهرنا شهر الإسلام، فعلينا أن نعمل بكلّ ما عندنا من طاقة، في أن نتحمَّل مسؤوليَّتنا عن الإسلام كلّه؛ إنَّ المسلم لا يمكن أن يعيش الفرديَّة في قضاياه، بل لا بدَّ أن يعيش كجزء من أمَّة؛ أن تكون هموم الأمَّة همومه، وأن تكون اهتماماتها اهتماماته، "مَنْ لم يَهْتَمَّ بِأُمُورِ المسْلمينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ".

ولذلك، إنَّنا عندما نصلّي ونصوم ونتعبَّد ونبتهل إلى الله، فإنَّنا نريد من خلال ذلك، أن يجعل كلّ واحد من نفسه إنساناً يحمل المسؤوليَّة في كلّ مواقع الحياة، ويعيش الصَّبر أمام كلّ مواقع المسؤوليَّة، فنصبر على الحرمان والآلام والتَّحدّيات، ونصبر على الجهاد، وعلى كلّ ما يريدنا الله أن نثبت فيه، وما يريدنا أن نركّز مواقعنا فيه على الحقّ.

ثقافةٌ مرفوضة

لذلك، ليست العبادة، أيُّها الأحبَّة، هروباً من المسؤوليَّة، لقد ثقَّفتنا عهود التخلّف ثقافة غير إسلاميَّة، فقالت إنَّ الإنسان الَّذي ينعزل عن حركة الحياة، هو الإنسان الَّذي يسلم يوم القيامة، أمَّا الإنسان الَّذي يدخل في مشاكل النَّاس، وفي قضاياهم وسياستهم وأمنهم، فإنَّه مشغول بالدّنيا. وأذكّركم بمثلٍ يحكيه كلّ واحد منكم، ألا يقال فلان "ألَّاوي" – نسبة إلى الله - لا يهمّه إن خربت الدّنيا أو عمرت، ولا إن مات النَّاس أو عاشوا، فهو ليس لديه إلَّا سجادة الصّلاة وسبَّحته وقرآنه، هذا هو "الألَّاوي" عند النّاس. ولكنّ هذا ليس صحيحاً، لأنَّ "الألَّاوي" الحقيقيّ هو الَّذي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران: 104]، {لُعِنَ الَّذينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ}[المائدة: 78 - 79]، والظّلم منكر، والاستكبار منكر، واحتلال بلاد المسلمين منكر، وحكم المسلمين بغير الإسلام منكر، والمعاصي الفرديَّة، كالقمار والخمر، منكر...

فإذاً، الإنسان السَّاكت عن الحقّ شيطان أخرس، وفي الحديث النّبويّ الشّريف: "لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ ليُسلِّطُنَّ اللهُ عَلَيْكم شِرارَكم، ثمَّ يَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ". والله سبحانه يقول: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}[الحجّ: 78]، {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ}[التّوبة: 111].

فهذه الثَّقافة غير صحيحة، فإذ اعتبر كلّ واحد من المسلمين أن لا دخل له بما يجري، عندما يحتلّ المحتلّ، أو يظلِم الحاكمون، وعندما يسرق المستكبرون ثرواتنا، وعندما يظلمون قادتنا والنّاس، فإذا لم نتدخّل، ولم نعتبر أنفسنا مسؤولين، فمن الَّذي يكون معنيّاً بذلك إذاً؟

نحن دائماً نذكر في عاشوراء قصَّة مسلم بن عقيل الَّذي بايعه ثمانية عشر ألف شخص، ولما اشتدَّت المسألة، وهدَّدهم رسول ابن زياد بجيشٍ سيأتي من الشَّام، وأغراهم من ناحية أخرى بزيادة العطايا، وصارت كلّ امرأة تأتي وتأخذ ابنها أو زوجها خوفاً عليه، وإذا بمسلم وراءه عشرة أشخاص فقط، وما إن أنهى صلاته حتّى كان وحده. هذا هو واقع التَّخاذل. الإمام عليّ (ع) كان يتحدَّث عن بعض الناس الَّذين تخاذلوا عن المعركة، قال عنهم: "خَذَلُوا الحَقَّ، وَلَمْ يَنْصُرُوا البّاطِلَ"، والعدوّ يستفيد من خذلان الخاذلين أكثر مما يستفيد من قتال جماعته، لأنَّك كلّما خذلت الحقّ أضعفته، لأنَّك أفقدته قوَّة...

التَّوحُّدُ بالله

وختاماً، نريد أن نقول للنَّاس جميعاً، ولا سيَّما في هذا البلد، إنَّنا عندما نعيش هذا الجوّ الروحيّ، فعلينا أن نتعلَّم من كلّ الأجواء الروحيَّة، كيف نتوحَّد بالله ولا نختلف باسمه، وكيف يجب أن نتحرَّك جميعاً من أجل طاعته وعبادته، حتَّى نستطيع أن نحقّق كلّ أهدافنا وقضايانا، لأنَّنا إذا أحببنا الله أكثر، أحبَّ بعضُنا بعضاً أكثر، وإذا أطعنا الله أكثر، تحمَّلنا مسؤوليَّاتنا أكثر.

وهذا ما نريد أن نستفيده في هذا الشَّهر، أن يكون شهراً للوحدة بين المسلمين جميعاً، وأن يكون شهراً للتوحّد على القضايا الكبرى بين اللّبنانيّين جميعاً والعرب جميعاً، حتَّى نستطيع أن نواجه القضايا الكبرى بصدق وإخلاص وقوَّة وتخطيط، لأنَّ العالم يعمل على أن يهزَّ المنطقة سياسياً واقتصادياً، لتكون منطقةً تابعة للأملاك الأمريكيّة أو الاستكباريّة بشكل عامّ.

إنَّ علينا عندما نعيش وحدة الموقف أمام الله، وأن نعرف أنَّ الله يريد لنا العزَّة كما يريدها لنفسه ولرسوله، ويريد لنا أن نكون أحراراً، لأنَّه خلقنا أحراراً، فلا نستعبد أنفسنا.

* من خطبة الجماعة لسماحته في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 19/01/1996م.

 

 

 


 [U1]

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية