يقول الله سبحانه وتعلى في كتابه المجيد: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا}[الأعراف: 56].
ويقول سبحانه: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[الرّوم: 41].
يتحدَّثُ اللهُ في هاتين الآيتين، وفي غيرهما، عن مسألة الفساد في الحياة ونتائجه؛ الفساد بين النَّاس، فيما يقوم به كلُّ إنسانٍ من عملٍ أو قولٍ، والفساد في الحياة، فيما يربك الحياة في نظامها وفي جميع أوضاعها، والفساد في البيئة، والفساد في كلِّ أوضاع الأرض مما يمكن أن يفسد الحرث والزَّرع، وما إلى ذلك. فالله لا يحبُّ المفسدين، لأنَّ الفساد يؤدِّي إلى نتائجَ سلبيَّة على مستوى حياة الأفراد والمجتمعات، وعلى مستوى واقع الحيوان والأرض، وما إلى ذلك.
وقد حدَّثنا الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم عن نماذج حيَّة للمفسدين في الأرض في مدى التَّأريخ، ليعرِّفنا كيف تحرَّك هؤلاء وأفسدوا حياة النَّاس بما كانوا يقومون به.
والقرآن الكريم عندما يحدِّثنا عن التَّأريخ، فإنَّه لا يريد لنا أن نتجمَّد في التَّأريخ، ولكن يريد لنا أن نأخذ العبرة منه، فإذا حدَّثنا عن مفسد في الأرض في تاريخ البشريَّة، فإنَّ علينا أن نلاحق مثل هذا النَّموذج في حياتنا، من أجل أن لا نتمثَّله في الحياة، ومن أجل أن نقف ضدَّ الَّذين يتحركون في اتّجاهه.
فسادُ فرعونَ واستكبارُهُ
وقد بدأ القرآن حديثَهُ عن فرعون، باعتبار أنَّه من المفسدينَ في الأرضِ، فاللهُ يقولُ: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: 4].
كيف قدَّم الله إلينا هذا النَّموذج؟
{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ}. والمقصود من هذه الكلمة، أنّه استكبر واستعلى على النَّاس، وادَّعى الربوبيَّة، واعتبر نفسه فوق النَّاس، وأنَّه السيِّد الَّذي لا بدَّ للنَّاس أن يتحوَّلوا إلى عبيدٍ له، يستعبدهم، فيخضعون له في كلِّ ما يريد، لمجرَّد أنَّه يريد منهم ذلك.
{وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}، عمل على تمزيق المجتمع، بحيث فصل كلَّ عائلة عن العائلات الأخرى، وفصل كلَّ جماعة عن الجماعات الأخرى، حتَّى يتنازع النَّاس فيما بينهم، ليقتل بعضهم بعضاً، وليدمِّر بعضهم مصالح بعض، ليكون هو في موقف السيادة الَّذي يرجع النَّاس إليه ليحلَّ لهم مشاكلهم وخلافاتهم.
والصّفة الثَّالثة له {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ}، لأنَّ المجتمع على طائفتين؛ طائفة الأغنياء والمترفين والمتنعّمين، وهم فريق كلّ متكبّر، لأنهم هم الَّذين يقوّون مركزه، وهم الّذين يحقّقون مصالحهم من خلاله، هؤلاء هم الطَّبقة المستكبرة الَّتي تخضع للمستكبر الأكبر، لتستضعف النَّاس من خلاله. وهناك طائفة المستضعفين البسطاء من العمَّال والأجراء والفلَّاحين وغيرهم من الفقراء. كيف كان يتعامل معهم؟ {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ}، فقد نصب فرعون جواسيس على كلِّ امرأة حامل، فإذا كان الولد ذكراً، ذُبِحَ في الحال، وإذا كان أنثى أبقيت، لأنَّه كان رأى في منامه، أنَّ ولداً من بني إسرائيل سوف يولَد وتكون نهايته على يده. {وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} يبقيهنَّ للخدمة وما إلى ذلك. {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}.
ونحن عندما ندرس نموذج فرعون في هذه الصّفات الثَّلاثة، نجد أنَّ هناك أكثر من فرعون في واقعنا الَّذي نعيشه، فهناك الكثيرون من المستكبرين على مستوى الدّول، أو على مستوى الحكَّام الَّذين يعملون على تفرقة المجتمع، لتكون لهم السيادة عليه، حتَّى لا يتوحَّد المجتمع في مواجهتهم. وهكذا يعملون على استضعاف الفئات الصَّغيرة والمحرومة.. قد لا يذبِّحون أبناءهم بالطريقة الفرعونيَّة، ولكنَّهم يذبّحونهم بألف طريقة وطريقة، من خلال سجونهم، ومن خلال ما يثيرونه ضدَّهم.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، عندما تقرأون هذه الآية من القرآن الكريم، وغيرها من الآيات المماثلة، فلا تحدِّقوا بفرعون موسى، ولكن حدِّقوا بكلِّ فرعونٍ في الشَّرق والغرب، في مواقعكم الَّتي تعيشون فيها، وفي كلِّ مواقع الإفساد في الأرض.
نموذجُ قارونَ: طغيانُ المالِ
ويحدِّثنا الله بعد ذلك عن المفسدين من خلال الثَّروة، هؤلاء الَّذين يفسدون حياة النَّاس، فيعيشون الاستكبار من خلال ضخامة ثرواتهم، ويعملون على تكثيرها وتضخيمها، بقطع النَّظر عمَّا إذا كانت وسائلهم لتضخيم ثرواتهم في مصلحة النَّاس أو في غير مصلحتهم.
يقول تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ - اعتدى عليهم، آذاهم وأضرَّهم وحطَّم الكثير من مصالحهم - وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ - بحيث كانت مفاتيح خزائنه، لو حملها جماعة من النَّاس الأقوياء لأثقلتهم، من جهة كثرتها ومن جهة ضخامتها - إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ - اعمل بما آتاك الله من المال، من أجل أن تحصل على رضوانه وعلى نعيمه في الدَّار الآخرة - وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا - من حاجاتك الدنيويَّة - وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: 76 – 77].
فنحن نلاحظ أنَّ هذه الآيات تعطينا الفكرة في مسألة الثَّروة، فالله سبحانه وتعالى لا يبغض للإنسان أن يكون ثريّاً، لأنَّ الله أراد للنَّاس أن يمشوا في مناكبها، ويأكلوا من رزقه، حتَّى إنَّ الله يقول في صلاة الجمعة: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[الجمعة: 10]. فالله أراد لنا أن نطلب الرّزق، فليست المشكلة أن يكون الإنسان غنيّاً، ولكنَّ القضيَّة كيف يحرِّك غناه في طاعة الله، وفي إصلاح حياة النَّاس، وكيف يمنع غناه من أن يكون مفسداً لحياة النَّاس. فالنَّاس الَّذين يرزقهم الله مالاً، ويستثمرونه في تأسيس نوادي القمار، مثلاً، أو تأسيس مواقع الخمور والمخدّرات، أو في مواقع الخلاعة والفجور والإفساد الأخلاقي... هؤلاء الَّذين يستعملون أموالهم وثرواتهم في سبيل الإفساد الاقتصادي والإفساد السياسي، عندما يعطون أموالهم للظَّالمين وللمفسدين، أو في سبيلِ الإفساد الأخلاقي، فهؤلاء كقارون، لا فرق بينهم وبينه، لأنَّ ثروتهم تكون مشكلةً على مجتمعهم، بدلاً من أن تكون خيراً له.
لذلك، إذا قرأتم قصَّة قارون في القرآن الكريم، فعليكم أن تلتفتوا إلى القوارين المنتشرين في شرقِ الأرض وغربها، ممَّن يفسدون في الأرض، ويبغون على النَّاس بغير الحقّ، وممن يستعملون ثرواتهم في إفساد حياة النَّاس من كلِّ جانب.
فسادُ أقوامِ الأنبياء
وهكذا، نجد أنَّ الله حدَّثنا عن قوم عاد؛ هؤلاء الَّذين كانوا يملكون القوَّة الجسديَّة، كما يملكون أكثر من موقع من مواقع القوَّة، وقد حدَّثنا الله عنهم بطريقة سلبيَّة: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}[الفجر: 6- 12].
حدَّثنا الله عن هؤلاء الَّذين يملكون قوَّة الجسد وقوَّة السلطة، كيف أنَّ ذلك حوَّلهم إلى طغاة على النَّاس، يحركون الطّغيان في حياتهم، فيظلمون المستضعفين، ما يؤدِّي إلى المزيد من الإفساد في حياة النَّاس.
وهكذا، حدَّثنا الله سبحانه وتعالى عن قوم صالح: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}[الأعراف: 74]...
كان نبيّهم صالح (ع) يحدِّثهم بهذه الطَّريقة، وأنَّ عليكم أن تشكروا الله وتحمدوه فيما أعطاكم، وأنَّ عليكم أن لا تعملوا على أن تحركوا الفساد في الأرض
وهكذا يحدِّثنا الله عن قوم شعيب، الَّذين كانوا يتحركون لإفساد حياة النَّاس في المسألة التجاريَّة: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}[هود: 85].
كانت طريقتهم أنَّهم يأخذون أكثر مما لهم، ويعطون النّاس أقلَّ مما يستحقّون: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ}[المطفّفين: 1- 4].
لذلك، عبَّر الله عنهم بأنَّهم من المفسدين، وهذا لا يختصّ بإنقاص الكيل والميزان، وإنما يمتدّ إلى كلِّ غشّ في المعاملة، وإلى أخذ كلِّ ما ليس لك به حقّ من النَّاس، وإلى غمط حقّ النّاس فيما يستحقّونه عليك.
المفسدون بالشّذوذِ الجنسيّ
ويحدّثنا الله سبحانه وتعالى عن المفسدين من خلال الشّذوذ الجنسي: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ}[العنكبوت: 29 - 30].
هكذا كان قوم لوط، هؤلاء الَّذين كانوا يأتون الرّجال شهوة من دون النّساء، فيما يعبَّر عنه بالشّذوذ الجنسي المذكَّر، حيث كانوا يقطعون طريق النَّاس لاختيار الأشخاص الَّذين يملكون الجمال، ليقضوا شهوتهم منهم، وكانوا يأتون المنكر، فعبَّر الله عنهم بالمفسدين.
أيُّها الأحبَّة، لا بدَّ لنا عندما نقرأ هذه الآية في القرآن، أن نواجه هذا السلوك المنحرف الشّاذّ الَّذي بدأ ينتشر في كثيرٍ من أوساطنا، وهو الشّذوذ الجنسيّ. علينا أن نواجه كلَّ الذين يدعون إلى هذا، وعلينا أن نواجه كلَّ الواقع الَّذي يتعامل مع هذا، ولا سيَّما أن نقف ضدّ الَّذين يغتصبون الأطفال، أو الَّذين يغرونهم بالمال، أو يستغلّون نقاط ضعفهم ممن كان سلوكهم سلوك قوم لوط، أن نواجه المسألة في هذا الاتجاه.
الإفسادُ في الأرض
ويحدِّثنا الله سبحانه وتعالى عن كثير من النَّاس الَّذين يعيشون الفساد: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا – هؤلاء الَّذين يقطعون الطَّريق، ويقتلون النَّاس، ويسلبونهم، وما إلى ذلك - أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ}[المائدة: 33].
وحدَّثنا الله أيضاً عن المبذِّرين الَّذين يصرفون أموالهم ويبذِّرونها بغير الحقّ، حيث قال الله سبحانه وتعالى عنهم: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}[الشّعراء: 151 - 152].
مسؤوليَّةُ الإصلاح
وهكذا، أيُّها الأحبَّة، تتوالى الآيات في التَّنديد بالمفسدين في الأرض في كلِّ زمان ومكان، وعلينا أن نعرف الصَّلاح حتَّى نعرف الفساد، وأن نعرف المصلحين حتَّى نعرف المفسدين، وعلينا أن نعمل جميعاً على أساس أن نصلح واقعنا، وأن نعمل جميعاً من أجل أن يسير النَّاس كلّهم على أساس الحقّ، أن نعمل على إصلاح أنفسنا في البداية، وعلى إصلاح أهلنا، وعلى إصلاح مجتمعاتنا؛ كلٌّ بحسب طاقته وقدرته، لأنَّ المجتمع الَّذي يتعاون كلّ أفراده على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي والسياسي، هو مجتمع يرضى الله عنه، ويتحرَّك في خطِّ الاستقامة، وينفتح على الحقّ ولا ينفتح على الباطل، وهو المجتمع الّذي يعيش في خطّ العدالة وفي خطّ الاستقامة، لأنَّ الله يقول لنا إنَّنا إذا تركنا الفساد يمتدّ في الأرض، وتركنا المفسدين يحكمون النَّاس، كلّ في موقعه، فإنَّ ذلك سوف يؤدّي إلى نتائج في الدّنيا قبل الآخرة، وهذا ما عبَّر الله عنه في قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[الرّوم: 41].
فالفساد الّذي تلاحظونه من كلِّ هذه المشاكل الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة، لم تكن بلاءً يسقط علينا من السَّماء، ولكنَّه كان بلاءً صنعته أيدينا، لأنَّ الله سبحانه وتعالى جعل لكلِّ سلوك يسلكه النَّاس نتائج إيجابيَّة إن كان السلوك صلاحاً، وسلبيّة إن كان السلوك فساداً.
لذلك، علينا أن نعرف أنَّ الله يذيقنا بعض ما عملنا، حتَّى إذا أحسسنا بالألم من خلال نتائج الفساد الفردي، أو نتائج الفساد الاجتماعي، عملنا على أن نبتعد عنه ونتخفَّف منه.
أيُّها الأحبّة، إنَّ الله خلق لنا هذه الحياة، وخلقَنَا في هذه الحياة من أجل أن نصلح أنفسنا، وأن نصلح أهلنا، وأن نصلح النَّاس من حولنا، وأن نصلح الحياة الَّتي نتحرَّك فيها، وأن لا نفسدها.. تلك أمانة الله في أعناقنا، والله يأمرنا أن نؤدِّي الأمانات إلى أهلها.
* خطبة الجمعة الأولى لسماحته، بتاريخ: 13/03/ 1998م.
يقول الله سبحانه وتعلى في كتابه المجيد: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا}[الأعراف: 56].
ويقول سبحانه: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[الرّوم: 41].
يتحدَّثُ اللهُ في هاتين الآيتين، وفي غيرهما، عن مسألة الفساد في الحياة ونتائجه؛ الفساد بين النَّاس، فيما يقوم به كلُّ إنسانٍ من عملٍ أو قولٍ، والفساد في الحياة، فيما يربك الحياة في نظامها وفي جميع أوضاعها، والفساد في البيئة، والفساد في كلِّ أوضاع الأرض مما يمكن أن يفسد الحرث والزَّرع، وما إلى ذلك. فالله لا يحبُّ المفسدين، لأنَّ الفساد يؤدِّي إلى نتائجَ سلبيَّة على مستوى حياة الأفراد والمجتمعات، وعلى مستوى واقع الحيوان والأرض، وما إلى ذلك.
وقد حدَّثنا الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم عن نماذج حيَّة للمفسدين في الأرض في مدى التَّأريخ، ليعرِّفنا كيف تحرَّك هؤلاء وأفسدوا حياة النَّاس بما كانوا يقومون به.
والقرآن الكريم عندما يحدِّثنا عن التَّأريخ، فإنَّه لا يريد لنا أن نتجمَّد في التَّأريخ، ولكن يريد لنا أن نأخذ العبرة منه، فإذا حدَّثنا عن مفسد في الأرض في تاريخ البشريَّة، فإنَّ علينا أن نلاحق مثل هذا النَّموذج في حياتنا، من أجل أن لا نتمثَّله في الحياة، ومن أجل أن نقف ضدَّ الَّذين يتحركون في اتّجاهه.
فسادُ فرعونَ واستكبارُهُ
وقد بدأ القرآن حديثَهُ عن فرعون، باعتبار أنَّه من المفسدينَ في الأرضِ، فاللهُ يقولُ: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: 4].
كيف قدَّم الله إلينا هذا النَّموذج؟
{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ}. والمقصود من هذه الكلمة، أنّه استكبر واستعلى على النَّاس، وادَّعى الربوبيَّة، واعتبر نفسه فوق النَّاس، وأنَّه السيِّد الَّذي لا بدَّ للنَّاس أن يتحوَّلوا إلى عبيدٍ له، يستعبدهم، فيخضعون له في كلِّ ما يريد، لمجرَّد أنَّه يريد منهم ذلك.
{وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}، عمل على تمزيق المجتمع، بحيث فصل كلَّ عائلة عن العائلات الأخرى، وفصل كلَّ جماعة عن الجماعات الأخرى، حتَّى يتنازع النَّاس فيما بينهم، ليقتل بعضهم بعضاً، وليدمِّر بعضهم مصالح بعض، ليكون هو في موقف السيادة الَّذي يرجع النَّاس إليه ليحلَّ لهم مشاكلهم وخلافاتهم.
والصّفة الثَّالثة له {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ}، لأنَّ المجتمع على طائفتين؛ طائفة الأغنياء والمترفين والمتنعّمين، وهم فريق كلّ متكبّر، لأنهم هم الَّذين يقوّون مركزه، وهم الّذين يحقّقون مصالحهم من خلاله، هؤلاء هم الطَّبقة المستكبرة الَّتي تخضع للمستكبر الأكبر، لتستضعف النَّاس من خلاله. وهناك طائفة المستضعفين البسطاء من العمَّال والأجراء والفلَّاحين وغيرهم من الفقراء. كيف كان يتعامل معهم؟ {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ}، فقد نصب فرعون جواسيس على كلِّ امرأة حامل، فإذا كان الولد ذكراً، ذُبِحَ في الحال، وإذا كان أنثى أبقيت، لأنَّه كان رأى في منامه، أنَّ ولداً من بني إسرائيل سوف يولَد وتكون نهايته على يده. {وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} يبقيهنَّ للخدمة وما إلى ذلك. {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}.
ونحن عندما ندرس نموذج فرعون في هذه الصّفات الثَّلاثة، نجد أنَّ هناك أكثر من فرعون في واقعنا الَّذي نعيشه، فهناك الكثيرون من المستكبرين على مستوى الدّول، أو على مستوى الحكَّام الَّذين يعملون على تفرقة المجتمع، لتكون لهم السيادة عليه، حتَّى لا يتوحَّد المجتمع في مواجهتهم. وهكذا يعملون على استضعاف الفئات الصَّغيرة والمحرومة.. قد لا يذبِّحون أبناءهم بالطريقة الفرعونيَّة، ولكنَّهم يذبّحونهم بألف طريقة وطريقة، من خلال سجونهم، ومن خلال ما يثيرونه ضدَّهم.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، عندما تقرأون هذه الآية من القرآن الكريم، وغيرها من الآيات المماثلة، فلا تحدِّقوا بفرعون موسى، ولكن حدِّقوا بكلِّ فرعونٍ في الشَّرق والغرب، في مواقعكم الَّتي تعيشون فيها، وفي كلِّ مواقع الإفساد في الأرض.
نموذجُ قارونَ: طغيانُ المالِ
ويحدِّثنا الله بعد ذلك عن المفسدين من خلال الثَّروة، هؤلاء الَّذين يفسدون حياة النَّاس، فيعيشون الاستكبار من خلال ضخامة ثرواتهم، ويعملون على تكثيرها وتضخيمها، بقطع النَّظر عمَّا إذا كانت وسائلهم لتضخيم ثرواتهم في مصلحة النَّاس أو في غير مصلحتهم.
يقول تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ - اعتدى عليهم، آذاهم وأضرَّهم وحطَّم الكثير من مصالحهم - وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ - بحيث كانت مفاتيح خزائنه، لو حملها جماعة من النَّاس الأقوياء لأثقلتهم، من جهة كثرتها ومن جهة ضخامتها - إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ - اعمل بما آتاك الله من المال، من أجل أن تحصل على رضوانه وعلى نعيمه في الدَّار الآخرة - وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا - من حاجاتك الدنيويَّة - وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: 76 – 77].
فنحن نلاحظ أنَّ هذه الآيات تعطينا الفكرة في مسألة الثَّروة، فالله سبحانه وتعالى لا يبغض للإنسان أن يكون ثريّاً، لأنَّ الله أراد للنَّاس أن يمشوا في مناكبها، ويأكلوا من رزقه، حتَّى إنَّ الله يقول في صلاة الجمعة: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[الجمعة: 10]. فالله أراد لنا أن نطلب الرّزق، فليست المشكلة أن يكون الإنسان غنيّاً، ولكنَّ القضيَّة كيف يحرِّك غناه في طاعة الله، وفي إصلاح حياة النَّاس، وكيف يمنع غناه من أن يكون مفسداً لحياة النَّاس. فالنَّاس الَّذين يرزقهم الله مالاً، ويستثمرونه في تأسيس نوادي القمار، مثلاً، أو تأسيس مواقع الخمور والمخدّرات، أو في مواقع الخلاعة والفجور والإفساد الأخلاقي... هؤلاء الَّذين يستعملون أموالهم وثرواتهم في سبيل الإفساد الاقتصادي والإفساد السياسي، عندما يعطون أموالهم للظَّالمين وللمفسدين، أو في سبيلِ الإفساد الأخلاقي، فهؤلاء كقارون، لا فرق بينهم وبينه، لأنَّ ثروتهم تكون مشكلةً على مجتمعهم، بدلاً من أن تكون خيراً له.
لذلك، إذا قرأتم قصَّة قارون في القرآن الكريم، فعليكم أن تلتفتوا إلى القوارين المنتشرين في شرقِ الأرض وغربها، ممَّن يفسدون في الأرض، ويبغون على النَّاس بغير الحقّ، وممن يستعملون ثرواتهم في إفساد حياة النَّاس من كلِّ جانب.
فسادُ أقوامِ الأنبياء
وهكذا، نجد أنَّ الله حدَّثنا عن قوم عاد؛ هؤلاء الَّذين كانوا يملكون القوَّة الجسديَّة، كما يملكون أكثر من موقع من مواقع القوَّة، وقد حدَّثنا الله عنهم بطريقة سلبيَّة: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}[الفجر: 6- 12].
حدَّثنا الله عن هؤلاء الَّذين يملكون قوَّة الجسد وقوَّة السلطة، كيف أنَّ ذلك حوَّلهم إلى طغاة على النَّاس، يحركون الطّغيان في حياتهم، فيظلمون المستضعفين، ما يؤدِّي إلى المزيد من الإفساد في حياة النَّاس.
وهكذا، حدَّثنا الله سبحانه وتعالى عن قوم صالح: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}[الأعراف: 74]...
كان نبيّهم صالح (ع) يحدِّثهم بهذه الطَّريقة، وأنَّ عليكم أن تشكروا الله وتحمدوه فيما أعطاكم، وأنَّ عليكم أن لا تعملوا على أن تحركوا الفساد في الأرض
وهكذا يحدِّثنا الله عن قوم شعيب، الَّذين كانوا يتحركون لإفساد حياة النَّاس في المسألة التجاريَّة: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}[هود: 85].
كانت طريقتهم أنَّهم يأخذون أكثر مما لهم، ويعطون النّاس أقلَّ مما يستحقّون: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ}[المطفّفين: 1- 4].
لذلك، عبَّر الله عنهم بأنَّهم من المفسدين، وهذا لا يختصّ بإنقاص الكيل والميزان، وإنما يمتدّ إلى كلِّ غشّ في المعاملة، وإلى أخذ كلِّ ما ليس لك به حقّ من النَّاس، وإلى غمط حقّ النّاس فيما يستحقّونه عليك.
المفسدون بالشّذوذِ الجنسيّ
ويحدّثنا الله سبحانه وتعالى عن المفسدين من خلال الشّذوذ الجنسي: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ}[العنكبوت: 29 - 30].
هكذا كان قوم لوط، هؤلاء الَّذين كانوا يأتون الرّجال شهوة من دون النّساء، فيما يعبَّر عنه بالشّذوذ الجنسي المذكَّر، حيث كانوا يقطعون طريق النَّاس لاختيار الأشخاص الَّذين يملكون الجمال، ليقضوا شهوتهم منهم، وكانوا يأتون المنكر، فعبَّر الله عنهم بالمفسدين.
أيُّها الأحبَّة، لا بدَّ لنا عندما نقرأ هذه الآية في القرآن، أن نواجه هذا السلوك المنحرف الشّاذّ الَّذي بدأ ينتشر في كثيرٍ من أوساطنا، وهو الشّذوذ الجنسيّ. علينا أن نواجه كلَّ الذين يدعون إلى هذا، وعلينا أن نواجه كلَّ الواقع الَّذي يتعامل مع هذا، ولا سيَّما أن نقف ضدّ الَّذين يغتصبون الأطفال، أو الَّذين يغرونهم بالمال، أو يستغلّون نقاط ضعفهم ممن كان سلوكهم سلوك قوم لوط، أن نواجه المسألة في هذا الاتجاه.
الإفسادُ في الأرض
ويحدِّثنا الله سبحانه وتعالى عن كثير من النَّاس الَّذين يعيشون الفساد: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا – هؤلاء الَّذين يقطعون الطَّريق، ويقتلون النَّاس، ويسلبونهم، وما إلى ذلك - أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ}[المائدة: 33].
وحدَّثنا الله أيضاً عن المبذِّرين الَّذين يصرفون أموالهم ويبذِّرونها بغير الحقّ، حيث قال الله سبحانه وتعالى عنهم: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}[الشّعراء: 151 - 152].
مسؤوليَّةُ الإصلاح
وهكذا، أيُّها الأحبَّة، تتوالى الآيات في التَّنديد بالمفسدين في الأرض في كلِّ زمان ومكان، وعلينا أن نعرف الصَّلاح حتَّى نعرف الفساد، وأن نعرف المصلحين حتَّى نعرف المفسدين، وعلينا أن نعمل جميعاً على أساس أن نصلح واقعنا، وأن نعمل جميعاً من أجل أن يسير النَّاس كلّهم على أساس الحقّ، أن نعمل على إصلاح أنفسنا في البداية، وعلى إصلاح أهلنا، وعلى إصلاح مجتمعاتنا؛ كلٌّ بحسب طاقته وقدرته، لأنَّ المجتمع الَّذي يتعاون كلّ أفراده على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي والسياسي، هو مجتمع يرضى الله عنه، ويتحرَّك في خطِّ الاستقامة، وينفتح على الحقّ ولا ينفتح على الباطل، وهو المجتمع الّذي يعيش في خطّ العدالة وفي خطّ الاستقامة، لأنَّ الله يقول لنا إنَّنا إذا تركنا الفساد يمتدّ في الأرض، وتركنا المفسدين يحكمون النَّاس، كلّ في موقعه، فإنَّ ذلك سوف يؤدّي إلى نتائج في الدّنيا قبل الآخرة، وهذا ما عبَّر الله عنه في قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[الرّوم: 41].
فالفساد الّذي تلاحظونه من كلِّ هذه المشاكل الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة، لم تكن بلاءً يسقط علينا من السَّماء، ولكنَّه كان بلاءً صنعته أيدينا، لأنَّ الله سبحانه وتعالى جعل لكلِّ سلوك يسلكه النَّاس نتائج إيجابيَّة إن كان السلوك صلاحاً، وسلبيّة إن كان السلوك فساداً.
لذلك، علينا أن نعرف أنَّ الله يذيقنا بعض ما عملنا، حتَّى إذا أحسسنا بالألم من خلال نتائج الفساد الفردي، أو نتائج الفساد الاجتماعي، عملنا على أن نبتعد عنه ونتخفَّف منه.
أيُّها الأحبّة، إنَّ الله خلق لنا هذه الحياة، وخلقَنَا في هذه الحياة من أجل أن نصلح أنفسنا، وأن نصلح أهلنا، وأن نصلح النَّاس من حولنا، وأن نصلح الحياة الَّتي نتحرَّك فيها، وأن لا نفسدها.. تلك أمانة الله في أعناقنا، والله يأمرنا أن نؤدِّي الأمانات إلى أهلها.
* خطبة الجمعة الأولى لسماحته، بتاريخ: 13/03/ 1998م.