محاضرات
27/01/2026

المسؤوليَّة الإيمانيَّة في مواجهة صنّاع الفتن

المسؤوليَّة الإيمانيَّة في مواجهة صنّاع الفتن

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ...}[آل عمران: 100 - 106].

قصَّةُ الفتنةِ بينَ المسلمين

في هذه الآيات، حديثٌ عن واقع المجتمع الإسلاميّ في كلِّ زمان ومكان. ولهذا الآيات قصَّة حدثت في زمن النَّبيِّ (ص) ينقلها المفسِّرون.

وخلاصة هذه القصَّة، كما يروونها، أنّه كان هناك في المدينة عشيرتان؛ الأوس والخزرج، وكانت بينهما حروب طاحنة في مدى عشرات السنين أكلت الأخضر واليابس منهم، حتى جاء الإسلام، وبعث الله رسوله به، والتقى رسول الله بفريقٍ من الأوس والخزرج الَّذين جاؤوا إليه إلى مكَّة وبايعوه، فتوحَّدوا بالإسلام، وتوقَّفت الحرب بينهم.

وكان لليهود موقع اجتماعيّ في المدينة، لأنَّهم كانوا يعيشون في المدينة آنذاك. يقول الحديث إنَّ شخصاً من اليهود "مرَّ على نفرٍ من أصحاب رسول الله (ص) من الأوس والخزرج في مجلسٍ جمعَهم يتحدَّثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم - لأنَّ اليهود كانوا يلعبون لعبة الفرقة بين الأوس والخزرج، وبذلك كانوا سادة المدينة من خلال هذه اللّعبة الَّتي يحاولون دائماً فيها أن يثيروا المشاكل بين هاتين العشيرتين.

- فقال: قد اجتمع مَلأ بني قَيْلة بهذه البلاد! (وهم أهل المدينة)، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملأهم بها من قرار. فأمر فَتى شابًّا من اليهود، وكان معه، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، وذَكِّرهم يَوْم بعاث وما كان قبله - موقعة قتل فيها من الطَّرفين كثيرون - وأنشدْهم بعض ما كانوا تقاوَلوا فيه من الأشعار. وكان يومُ بُعَاث يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظَّفرُ فيه للأوس على الخزرج، ففعل.

فتكلَّم القوم عندَ ذلك، فتنازعوا وتفاخروا، حتَّى تواثبَ رجُلان من الحيَّين على الرُّكَب: أوسُ بن قَيْظي، أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس، وجبّار بن صخر، أحد بني سَلمة من الخزرج. فتقاولا، ثمَّ قال أحدهما لصاحبه: إن شئْتم، والله، رَدَدْناها الآن جَذَعَةً! وغضب الفريقان، وقالوا: قد فعلنا، السِّلاحَ السِّلاحَ!! – أي أنَّ الأحقاد القديمة ثارت من جديد- موعدُكم الظَّاهرة - والظَّاهرةُ: الحَرَّة، وهي مكان - فخرجوا إليها، وتحاور النَّاس. فانضمَّت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض، على دعواهم الَّتي كانوا عليها في الجاهليَّة – وكادت الحرب أن تقع -.

فبلغَ ذلك رسولَ الله (ص) ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتَّى جاءهم، فقال: "يا معشرَ المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهليَّة وأنا بين أظهُرِكم، بعد إذْ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمرَ الجاهليَّة، واستنقذكم به من الكفر، وألَّف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفَّاراً؟"، فعرف القوم أنَّها نزغة من الشَّيطان، وكيدٌ من عدوِّهم، فألقوا السِّلاح من أيديهم، وبكَوْا، وعانقَ الرّجال من الأوس والخزرج بعضُهم بعضاً، ثمَّ انصرفوا مع رَسول الله (ص) سامعين مطيعين... فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}".

هذه قصَّة عاشها المسلمون آنذاك، وكادت أن تُرجعَ الحربَ الطَّاحنةَ بينهم، بفعل كلمات أثارها هذا الشَّابُّ اليهوديُّ ليذكِّرهم فيها بما كانوا عليه.

المؤامرةُ المستمرَّةُ

إنَّ هذه ليست الحادثة الوحيدة، فقد عاش المسلمون بعدها أحداثاً قتلَ فيها بعضُهم بعضاً، وكفَّر فيها بعضُهم بعضاً، ولعنَ فيها بعضُهم بعضاً، ولا تزال المؤامرة اليهوديَّة والاستكباريَّة تعمل بكلِّ أجهزة المخابرات الدوليَّة والإقليميَّة والمحليَّة في كلِّ بلد من بلدان المسلمين، بإثارة نقاط الضّعف الموجودة في داخل الواقع الإسلامي الَّذي تكثر فيه الأخطار، فيما يقوم به فريق في خطأ في حقّ فريق آخر، وتكثر فيه حالات سوء التَّفاهم، وتكثر فيه الإشاعات، ويتحرَّك الناس بفعل الإشاعات الَّتي لا يتَّقون الله فيما يسمعونه منها ليتثبَّتوا، بل إنَّهم إذا سمعوا الفاحشة أخذوا بها ونشروها، حتَّى يخيَّل إلى النَّاس بعدها أنَّها الحقيقة، وهم يسمعون كلام الله ولكنَّهم لا يعونه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ - والفاحشة ليست هي الأفعال المتَّصلة بالقضايا الجنسيَّة فقط، بل إنَّها تشمل كلَّ عمل يتجاوز الحدَّ الَّذي أمر الله به - فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، سواء مَنْ أطلق الإشاعة، أو الَّذي نشرَ الإشاعة، فهما سواء، لأنَّ النتائج يتحمَّلها الجميع في ذلك كلِّه، وقد قال الله سبحانه وتعالى - وافهموا دائماً قول الله تعالى، لأنَّ الله يقول: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}[محمَّد: 24] قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[النّور: 21].

ويحدِّثنا الله عن بعض المنافقين في المدينة، لنعرف صورة كثيرٍ من المنافقين فينا: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم – ودخلوا في مجتمعاتكم -  مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ أي أسرعوا فيما بينكم بالنَّميمة والفتنة - يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ - يبتغون لكم الفتنة بالخلاف واختلاف الآراء - وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ - كم منَّا، أيُّها الأحبَّة، ونحن نصلِّي ونصوم ونحجّ، سمّاعٌ للكذب؟! كلَّما أراد أحدٌ أن يثير فتنة سياسيَّة أو أمنيَّة أو اجتماعيَّة أو دينيَّة فيما بيننا، يكون هناك الكثيرون من السمَّاعين لهم. أليس كذلك؟ نحن نعيش ذلك - وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ - كلُّ هؤلاء المنافقين ومَنْ خلفَهم - وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ}[التَّوبة: 47 – 48].

ويحدِّث الله المسلمين آنذاك، لنعي الموقف الآن، أنَّنا إذا جاءنا أمر من الخوف أو الأمن، فعلينا أن لا نستعجل في الحكم، فنعطي الأمن للناس فيما ليس هناك أمن في الواقع، أو نعطي الخوف فيما ليس هناك خوف في الواقع، بل أن نردَّ الأمر إلى أهل الخبرة: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}[النّساء: 83].

إذاً، من خلال كلِّ هذه الآيات الَّتي إذا كانت تتحدَّث عن بعض التَّأريخ الَّذي مضى، فإنَّها لا تتجمَّد في تلك المرحلة منه، ولكنَّها تعطي الإشارة للمؤمنين والمسلمين في كلِّ زمان ومكان، أن يكونوا الواعين.

التَّحرُّكُ من منطلقِ التَّقوى

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، يعني تعمَّقوا في التَّقوى، كما يجب أن يُتَّقى الله في عظمته، وفي ربوبيَّته وألوهيَّته. اتَّقوا الله، فلا تتكلَّموا بكلمةٍ إلَّا إذا عرفتم أنَّ الله يرضاها، ولا تتحركوا بحركةٍ إلَّا إذا عرفتم بمثل اليقين أنَّ الله يسمح بها، ولا تقطعوا العلاقات بينكم إلَّا إذا عرفتم أنَّ الشَّرع يفرضُ عليكم ذلك.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}، حاقدين، ظالمين، متقاتلين، متنابذين... ألسنا نعيش ذلك؟

كان اليهود، وكانوا عشائر، واليهود الآن دولة مربوطة بالاستكبار الأمريكيّ الَّذي يقود الاستكبار العالمي، والَّذي يفتِّش عن كلِّ نقاط الضّعف فينا، والَّذي يعمل على أساس ما نعيشه من حالات التوتّر النَّفسيّ الَّذي لا يعذرُ فيه بعضُنا بعضاً، ولا يحاور فيه بعضُنا بعضاً، ولا نتَّقي فيه اللهَ.

الانفعال هو ما نتحرَّك فيه، انفعال في هذا المجال وذاك المجال، والمخابرات تتحرَّك هنا وهناك، وهي لا تنقل المعلومات فقط، ولكنَّها تصنع المعلومات، وتصنع الفتن، وتصنع المشاكل.

مسؤوليَّةُ مواجهةِ الفتنة

لذلك، أيُّها الأحبَّة، نحن نعيش هذا الواقع الَّذي يراد لنا فيه أن نكون ممزَّقين على مستوى الأمَّة، وعلى مستوى الوطن، وعلى مستوى المسلمين، وعلى مستوى المؤمنين، لأنَّ المطلوب أن يشغل بعضنا ببعض عن الأعداء الكبار، وأن ننتج في كلِّ يوم قضيَّة صغيرة هنا وصغيرة هناك، حتّى نشغل أنفسنا بمفردات هذه الصَّغائر وننسى القضايا الكبيرة.

المطلوب، أيُّها الأحبَّة، أن تُحتلَّ أرضنا ولا نقاتلَ المحتلّ، وأن يجوع شعبنا ولا يصرخ في وجه الَّذين يجيعونه، وأن تصادر أوضاعنا ولا تنطلق كلمات الحقّ... كلٌّ يغنّي على ليلاه، كما يقول المثل، كلّ يقول "أنا لا الآخرون"، وعلينا أن نفهم القصَّة المعروفة، عندما كان هناك ثلاثة ثيران؛ أبيض وأحمر وأسود، وأريد للثَّور الأبيض، أوَّلاً، أن يكون الضَّحيَّة لحساب الثَّور الأسود، ثمَّ جاء دور الثَّور الأحمر، ليأتي أخيراً دور الثَّور الأسود، وليصيح الثَّور الأسود حينها: لقد أُكِلْتُ يومَ أُكِلَ الثَّورُ الأبيضُ.

المسألة أنَّ القوم أعداء كلّ الخطّ، وليسوا أعداء خطّ دون خطّ. لذلك، لا تستغرقوا في ذاتياكم، لا تستغرقوا في حزبياتكم، وفي مناطقيَّاتكم ومذهبيَّاتكم وطائفيَّاتكم، لأنَّ المطلوبَ أن لا يعتصم الجميع بحبل الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}.

بعض النَّاس يسأل: إذا شككت بين الركعتين الثَّانية والثَّالثة، فما الحكم؟ إذا سهوت ما الحكم؟ إذا سقطت منِّي شعرة في الحجّ حال الإحرام، فما الحكم؟ ويعيش حالة طوارئ نفسيَّة حتَّى يعرف الجواب، أليسَ كذلك؟ وهناك موسوسون بالطَّهارة والنَّجاسة.

أيُّها الأحبَّة، هذا وسواسٌ لا يريدُ الله لكم أن تأخذوا به، لقد حلَّ الله لنا مشكلةَ السَّهوِ في الصَّلاة، والشّكّ في الصّلاة، والشّكّ في الطهارة والنجاسة، ولكن أدعوكم إلى الوسوسة في الكلمات الَّتي تتكلَّمون بها، أدعوكم إلى الوسوسة في الحركات الَّتي تتحركونها، أدعوكم إلى الوسوسة في كلِّ قتالٍ تريدون أن تخوضوا فيه، وفي كلِّ فتنة تريدون أن تخوضوا فيها... هذه وسوسة يحبُّها الله، لأنَّ الله يريد للإنسان أن يكون حذراً أمام ما حرَّم الله من دمٍ ومن عرضٍ، ومما يمثِّل قضيَّةَ الإسلام كلِّه.

{وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}، ومعنى ذلك أنَّ عليك أن تعمل على أن تكون حياتك حياة المسلمين، والمسلم من سلمَ المسلمُ من يدِهِ ولسانِهِ، وأن تكون مماتك ممات المسلمين؛ أن تموت على القبلة الإسلاميَّة، وأنت متوجِّهٌ إلى الله، وأنت سائرٌ في طريق الله، وأنت مستقيمٌ في دربِ الله... لا يفيدك قولك فقط: أشهد أن لا إله إلا الله، بلسانك، وأنت تعتبر الشَّيطان وأولياء الشَّيطان شركاء لله في عملك. لا يكفي أن تقول: أشهد أنَّ محمّداً رسول الله بلسانك، وأنت تطعن محمَّداً في كلّ حكم من أحكامه فلا تلتزم به، وفي كلِّ شريعة من شرائعه فلا تُخضِع حياتك له.

أيُّها الأحبَّة، المسألة ليست مجرَّد مسألة محصورة، هي مسألة دنيا وآخرة.

الاعتصامُ بحبلِ الله

إنَّنا في هذا الجوّ الَّذي نتحرَّك فيه، في الخضوع للإشاعات، وفي الاستغراق في الخلافات، وفي الابتعاد عن الموضوعيَّة والإيمانيَّة والعقلانيَّة في حياتنا، إنَّنا بذلك ندمِّر دنيانا وآخرتنا... إنَّ الله حدَّثنا عن اليهود، أنّهم آنذاك يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، ونحن نخرِّب بيوتنا الاجتماعيَّة والسياسيَّة والعمرانيَّة بأيدينا وأيدي المنافقين والكافرين، أليس كذلك؟ لقد سقط اليهود آنذاك، لأنَّ الله حدَّثنا عنهم {بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ َتَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}[الحشر: 14]، وانتصر المسلمون آنذاك، لأنَّ الله حدَّثنا عنهم {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}[الفتح: 29]، فأصبحنا أشدَّاء بعضنا على بعض، ورحماء بيننا وبين الكفَّاء، أليس ذلك؟! عندما تكون المشكلة مع الكافرين، فإنَّنا نتحدَّث عن التوازنات الإقليميَّة والاجتماعيَّة والأمنيَّة، لكن إذا حدثت مشكلة بيننا وبين المؤمنين، فلا يقبل أحد أن يصالح أحداً أو أن ينفتح عليه.

إنّني أتكلَّم في الخطوط العامَّة، ولا أتكلَّم في التَّفاصيل لأوجِّه التّهمة إلى فريق دون فريق، ولكني أتحدَّث عن الروح الإيمانيَّة: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا}، وحبل الله هو الإسلام، حبل الله هو القرآن الَّذي يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}[الحجرات: 10]، ونحن نقول إنَّ المؤمنين أعداء! لقد حدَّثتكم أكثر من مرَّة عمَّا جاء عن أئمَّة أهل البيت (ع): "إذا قالَ المؤمنُ لأخيه أنتَ عدوّي، كفرَ أحدُهما". وكم نردِّدها في حياتنا؛ العائلة الفلانيّة عدوّتنا، الحزب الفلاني عدوّنا، الجماعة الفلانيّة عدوّتنا، الحركة الفلانيّة عدوّتنا... ألا نقول ذلك؟! فأنت تقول هو عدوّي، والله يقول هو أخوك، فأنت تكفر لأنَّك تعارض كلام الله.

{وَاعْتَصِمُوا – والاعتصام ليس فقط اتّباعاً، بل أن تتمسَّك بحبل الله كي لا تسقط - بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا - إخواناً في خطِّ الإسلام، إخواناً في خطِّ الجهاد، إخواناً في خطِّ مواجهة الاستكبار والظّلم - وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ - من خلال اختلافاتكم - فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا}، فهل تريدون أن تعودوا إليها؟!

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ - وهم اليهود وأولياء اليهود وخلفيَّات اليهود - يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ - فإذا لم يكن الكفر اللِّساني، يكون الكفر العملي الواقعي - وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ}، وإذا لم يكن الرَّسول فينا، فسنَّته فينا، وآيات الله فينا.

الحذرُ من مخطَّطاتِ الفتنة

أيُّها الأحبَّة، قلت لكم في الأسبوع الماضي، إنِّي أتحدَّث إليكم وقلبي يبكي، وكأني كنت أحسُّ بالكارثة، وكنت أريد أن أحذِّر منها. وأقول لكم في هذا الموقف، إنَّني أتحدَّث إليكم وقلبي يدمع،
لأنَّني أخشى من الَّذين يثيرون الفتنة، وأخشى من الَّذين استغلّوا الفتنة، ومن الَّذين يتحركون على أساس سياسة التَّوازن في البلد، كما حدث بالأمس في قرارات مجلس الوزراء. إنَّني أخشى من كلَّ ذلك.

أنا لا أتكلَّم طائفيّاً ولا مذهبيّاً، ولكنّي أجد أنَّ المستكبرين الَّذين يحكمون البلد والمنطقة، لا يريدون للمستضعفين أن يتَّحدوا، ولا يريدون للمحرومين أن يتكاملوا، ولا يريدون للمؤمنين المؤمنين أن يتَّفقوا ويتعاونوا على البرِّ والتَّقوى: " كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".

{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ - كلُّ من عمل للفرقة، كلُّ من وسَّع الفرقة، كلُّ من يحاول أن يثير الحقد والبغضاء، كلُّ من يحاول أن يثير الشَّماتة بهذا المؤمن أو ذاك المؤمن، كلّ من يتكلَّم الكلمات اللَّا المسؤولة - وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}. فهل تريدون أن تكون وجوهكم بيضاء يوم القيامة، عندما تعملون للمحبَّة والوحدة والألفة بين المسلمين، وجمع الشَّمل، وتضميد الجراح، ولملمة ما تناثر من قطع، أم تريدون أن تكونوا ممن اسودَّت وجوههم؟!

اعملوا، أيُّها الأحبَّة: {فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[التّوبة: 105]، لينطلق صوت المحبَّة ولا صوتَ للبغض، ولينطلق صوت الوحدة ولا صوتَ للتمزّق والتفرّق {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء: 92]، {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ قاتَّقون}[المؤمنون: 52].

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته، بتاريخ: 06/02/1998.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ...}[آل عمران: 100 - 106].

قصَّةُ الفتنةِ بينَ المسلمين

في هذه الآيات، حديثٌ عن واقع المجتمع الإسلاميّ في كلِّ زمان ومكان. ولهذا الآيات قصَّة حدثت في زمن النَّبيِّ (ص) ينقلها المفسِّرون.

وخلاصة هذه القصَّة، كما يروونها، أنّه كان هناك في المدينة عشيرتان؛ الأوس والخزرج، وكانت بينهما حروب طاحنة في مدى عشرات السنين أكلت الأخضر واليابس منهم، حتى جاء الإسلام، وبعث الله رسوله به، والتقى رسول الله بفريقٍ من الأوس والخزرج الَّذين جاؤوا إليه إلى مكَّة وبايعوه، فتوحَّدوا بالإسلام، وتوقَّفت الحرب بينهم.

وكان لليهود موقع اجتماعيّ في المدينة، لأنَّهم كانوا يعيشون في المدينة آنذاك. يقول الحديث إنَّ شخصاً من اليهود "مرَّ على نفرٍ من أصحاب رسول الله (ص) من الأوس والخزرج في مجلسٍ جمعَهم يتحدَّثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم - لأنَّ اليهود كانوا يلعبون لعبة الفرقة بين الأوس والخزرج، وبذلك كانوا سادة المدينة من خلال هذه اللّعبة الَّتي يحاولون دائماً فيها أن يثيروا المشاكل بين هاتين العشيرتين.

- فقال: قد اجتمع مَلأ بني قَيْلة بهذه البلاد! (وهم أهل المدينة)، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملأهم بها من قرار. فأمر فَتى شابًّا من اليهود، وكان معه، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، وذَكِّرهم يَوْم بعاث وما كان قبله - موقعة قتل فيها من الطَّرفين كثيرون - وأنشدْهم بعض ما كانوا تقاوَلوا فيه من الأشعار. وكان يومُ بُعَاث يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظَّفرُ فيه للأوس على الخزرج، ففعل.

فتكلَّم القوم عندَ ذلك، فتنازعوا وتفاخروا، حتَّى تواثبَ رجُلان من الحيَّين على الرُّكَب: أوسُ بن قَيْظي، أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس، وجبّار بن صخر، أحد بني سَلمة من الخزرج. فتقاولا، ثمَّ قال أحدهما لصاحبه: إن شئْتم، والله، رَدَدْناها الآن جَذَعَةً! وغضب الفريقان، وقالوا: قد فعلنا، السِّلاحَ السِّلاحَ!! – أي أنَّ الأحقاد القديمة ثارت من جديد- موعدُكم الظَّاهرة - والظَّاهرةُ: الحَرَّة، وهي مكان - فخرجوا إليها، وتحاور النَّاس. فانضمَّت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض، على دعواهم الَّتي كانوا عليها في الجاهليَّة – وكادت الحرب أن تقع -.

فبلغَ ذلك رسولَ الله (ص) ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتَّى جاءهم، فقال: "يا معشرَ المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهليَّة وأنا بين أظهُرِكم، بعد إذْ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمرَ الجاهليَّة، واستنقذكم به من الكفر، وألَّف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفَّاراً؟"، فعرف القوم أنَّها نزغة من الشَّيطان، وكيدٌ من عدوِّهم، فألقوا السِّلاح من أيديهم، وبكَوْا، وعانقَ الرّجال من الأوس والخزرج بعضُهم بعضاً، ثمَّ انصرفوا مع رَسول الله (ص) سامعين مطيعين... فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}".

هذه قصَّة عاشها المسلمون آنذاك، وكادت أن تُرجعَ الحربَ الطَّاحنةَ بينهم، بفعل كلمات أثارها هذا الشَّابُّ اليهوديُّ ليذكِّرهم فيها بما كانوا عليه.

المؤامرةُ المستمرَّةُ

إنَّ هذه ليست الحادثة الوحيدة، فقد عاش المسلمون بعدها أحداثاً قتلَ فيها بعضُهم بعضاً، وكفَّر فيها بعضُهم بعضاً، ولعنَ فيها بعضُهم بعضاً، ولا تزال المؤامرة اليهوديَّة والاستكباريَّة تعمل بكلِّ أجهزة المخابرات الدوليَّة والإقليميَّة والمحليَّة في كلِّ بلد من بلدان المسلمين، بإثارة نقاط الضّعف الموجودة في داخل الواقع الإسلامي الَّذي تكثر فيه الأخطار، فيما يقوم به فريق في خطأ في حقّ فريق آخر، وتكثر فيه حالات سوء التَّفاهم، وتكثر فيه الإشاعات، ويتحرَّك الناس بفعل الإشاعات الَّتي لا يتَّقون الله فيما يسمعونه منها ليتثبَّتوا، بل إنَّهم إذا سمعوا الفاحشة أخذوا بها ونشروها، حتَّى يخيَّل إلى النَّاس بعدها أنَّها الحقيقة، وهم يسمعون كلام الله ولكنَّهم لا يعونه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ - والفاحشة ليست هي الأفعال المتَّصلة بالقضايا الجنسيَّة فقط، بل إنَّها تشمل كلَّ عمل يتجاوز الحدَّ الَّذي أمر الله به - فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، سواء مَنْ أطلق الإشاعة، أو الَّذي نشرَ الإشاعة، فهما سواء، لأنَّ النتائج يتحمَّلها الجميع في ذلك كلِّه، وقد قال الله سبحانه وتعالى - وافهموا دائماً قول الله تعالى، لأنَّ الله يقول: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}[محمَّد: 24] قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[النّور: 21].

ويحدِّثنا الله عن بعض المنافقين في المدينة، لنعرف صورة كثيرٍ من المنافقين فينا: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم – ودخلوا في مجتمعاتكم -  مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ أي أسرعوا فيما بينكم بالنَّميمة والفتنة - يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ - يبتغون لكم الفتنة بالخلاف واختلاف الآراء - وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ - كم منَّا، أيُّها الأحبَّة، ونحن نصلِّي ونصوم ونحجّ، سمّاعٌ للكذب؟! كلَّما أراد أحدٌ أن يثير فتنة سياسيَّة أو أمنيَّة أو اجتماعيَّة أو دينيَّة فيما بيننا، يكون هناك الكثيرون من السمَّاعين لهم. أليس كذلك؟ نحن نعيش ذلك - وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ - كلُّ هؤلاء المنافقين ومَنْ خلفَهم - وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ}[التَّوبة: 47 – 48].

ويحدِّث الله المسلمين آنذاك، لنعي الموقف الآن، أنَّنا إذا جاءنا أمر من الخوف أو الأمن، فعلينا أن لا نستعجل في الحكم، فنعطي الأمن للناس فيما ليس هناك أمن في الواقع، أو نعطي الخوف فيما ليس هناك خوف في الواقع، بل أن نردَّ الأمر إلى أهل الخبرة: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}[النّساء: 83].

إذاً، من خلال كلِّ هذه الآيات الَّتي إذا كانت تتحدَّث عن بعض التَّأريخ الَّذي مضى، فإنَّها لا تتجمَّد في تلك المرحلة منه، ولكنَّها تعطي الإشارة للمؤمنين والمسلمين في كلِّ زمان ومكان، أن يكونوا الواعين.

التَّحرُّكُ من منطلقِ التَّقوى

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، يعني تعمَّقوا في التَّقوى، كما يجب أن يُتَّقى الله في عظمته، وفي ربوبيَّته وألوهيَّته. اتَّقوا الله، فلا تتكلَّموا بكلمةٍ إلَّا إذا عرفتم أنَّ الله يرضاها، ولا تتحركوا بحركةٍ إلَّا إذا عرفتم بمثل اليقين أنَّ الله يسمح بها، ولا تقطعوا العلاقات بينكم إلَّا إذا عرفتم أنَّ الشَّرع يفرضُ عليكم ذلك.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}، حاقدين، ظالمين، متقاتلين، متنابذين... ألسنا نعيش ذلك؟

كان اليهود، وكانوا عشائر، واليهود الآن دولة مربوطة بالاستكبار الأمريكيّ الَّذي يقود الاستكبار العالمي، والَّذي يفتِّش عن كلِّ نقاط الضّعف فينا، والَّذي يعمل على أساس ما نعيشه من حالات التوتّر النَّفسيّ الَّذي لا يعذرُ فيه بعضُنا بعضاً، ولا يحاور فيه بعضُنا بعضاً، ولا نتَّقي فيه اللهَ.

الانفعال هو ما نتحرَّك فيه، انفعال في هذا المجال وذاك المجال، والمخابرات تتحرَّك هنا وهناك، وهي لا تنقل المعلومات فقط، ولكنَّها تصنع المعلومات، وتصنع الفتن، وتصنع المشاكل.

مسؤوليَّةُ مواجهةِ الفتنة

لذلك، أيُّها الأحبَّة، نحن نعيش هذا الواقع الَّذي يراد لنا فيه أن نكون ممزَّقين على مستوى الأمَّة، وعلى مستوى الوطن، وعلى مستوى المسلمين، وعلى مستوى المؤمنين، لأنَّ المطلوب أن يشغل بعضنا ببعض عن الأعداء الكبار، وأن ننتج في كلِّ يوم قضيَّة صغيرة هنا وصغيرة هناك، حتّى نشغل أنفسنا بمفردات هذه الصَّغائر وننسى القضايا الكبيرة.

المطلوب، أيُّها الأحبَّة، أن تُحتلَّ أرضنا ولا نقاتلَ المحتلّ، وأن يجوع شعبنا ولا يصرخ في وجه الَّذين يجيعونه، وأن تصادر أوضاعنا ولا تنطلق كلمات الحقّ... كلٌّ يغنّي على ليلاه، كما يقول المثل، كلّ يقول "أنا لا الآخرون"، وعلينا أن نفهم القصَّة المعروفة، عندما كان هناك ثلاثة ثيران؛ أبيض وأحمر وأسود، وأريد للثَّور الأبيض، أوَّلاً، أن يكون الضَّحيَّة لحساب الثَّور الأسود، ثمَّ جاء دور الثَّور الأحمر، ليأتي أخيراً دور الثَّور الأسود، وليصيح الثَّور الأسود حينها: لقد أُكِلْتُ يومَ أُكِلَ الثَّورُ الأبيضُ.

المسألة أنَّ القوم أعداء كلّ الخطّ، وليسوا أعداء خطّ دون خطّ. لذلك، لا تستغرقوا في ذاتياكم، لا تستغرقوا في حزبياتكم، وفي مناطقيَّاتكم ومذهبيَّاتكم وطائفيَّاتكم، لأنَّ المطلوبَ أن لا يعتصم الجميع بحبل الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}.

بعض النَّاس يسأل: إذا شككت بين الركعتين الثَّانية والثَّالثة، فما الحكم؟ إذا سهوت ما الحكم؟ إذا سقطت منِّي شعرة في الحجّ حال الإحرام، فما الحكم؟ ويعيش حالة طوارئ نفسيَّة حتَّى يعرف الجواب، أليسَ كذلك؟ وهناك موسوسون بالطَّهارة والنَّجاسة.

أيُّها الأحبَّة، هذا وسواسٌ لا يريدُ الله لكم أن تأخذوا به، لقد حلَّ الله لنا مشكلةَ السَّهوِ في الصَّلاة، والشّكّ في الصّلاة، والشّكّ في الطهارة والنجاسة، ولكن أدعوكم إلى الوسوسة في الكلمات الَّتي تتكلَّمون بها، أدعوكم إلى الوسوسة في الحركات الَّتي تتحركونها، أدعوكم إلى الوسوسة في كلِّ قتالٍ تريدون أن تخوضوا فيه، وفي كلِّ فتنة تريدون أن تخوضوا فيها... هذه وسوسة يحبُّها الله، لأنَّ الله يريد للإنسان أن يكون حذراً أمام ما حرَّم الله من دمٍ ومن عرضٍ، ومما يمثِّل قضيَّةَ الإسلام كلِّه.

{وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}، ومعنى ذلك أنَّ عليك أن تعمل على أن تكون حياتك حياة المسلمين، والمسلم من سلمَ المسلمُ من يدِهِ ولسانِهِ، وأن تكون مماتك ممات المسلمين؛ أن تموت على القبلة الإسلاميَّة، وأنت متوجِّهٌ إلى الله، وأنت سائرٌ في طريق الله، وأنت مستقيمٌ في دربِ الله... لا يفيدك قولك فقط: أشهد أن لا إله إلا الله، بلسانك، وأنت تعتبر الشَّيطان وأولياء الشَّيطان شركاء لله في عملك. لا يكفي أن تقول: أشهد أنَّ محمّداً رسول الله بلسانك، وأنت تطعن محمَّداً في كلّ حكم من أحكامه فلا تلتزم به، وفي كلِّ شريعة من شرائعه فلا تُخضِع حياتك له.

أيُّها الأحبَّة، المسألة ليست مجرَّد مسألة محصورة، هي مسألة دنيا وآخرة.

الاعتصامُ بحبلِ الله

إنَّنا في هذا الجوّ الَّذي نتحرَّك فيه، في الخضوع للإشاعات، وفي الاستغراق في الخلافات، وفي الابتعاد عن الموضوعيَّة والإيمانيَّة والعقلانيَّة في حياتنا، إنَّنا بذلك ندمِّر دنيانا وآخرتنا... إنَّ الله حدَّثنا عن اليهود، أنّهم آنذاك يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، ونحن نخرِّب بيوتنا الاجتماعيَّة والسياسيَّة والعمرانيَّة بأيدينا وأيدي المنافقين والكافرين، أليس كذلك؟ لقد سقط اليهود آنذاك، لأنَّ الله حدَّثنا عنهم {بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ َتَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}[الحشر: 14]، وانتصر المسلمون آنذاك، لأنَّ الله حدَّثنا عنهم {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}[الفتح: 29]، فأصبحنا أشدَّاء بعضنا على بعض، ورحماء بيننا وبين الكفَّاء، أليس ذلك؟! عندما تكون المشكلة مع الكافرين، فإنَّنا نتحدَّث عن التوازنات الإقليميَّة والاجتماعيَّة والأمنيَّة، لكن إذا حدثت مشكلة بيننا وبين المؤمنين، فلا يقبل أحد أن يصالح أحداً أو أن ينفتح عليه.

إنّني أتكلَّم في الخطوط العامَّة، ولا أتكلَّم في التَّفاصيل لأوجِّه التّهمة إلى فريق دون فريق، ولكني أتحدَّث عن الروح الإيمانيَّة: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا}، وحبل الله هو الإسلام، حبل الله هو القرآن الَّذي يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}[الحجرات: 10]، ونحن نقول إنَّ المؤمنين أعداء! لقد حدَّثتكم أكثر من مرَّة عمَّا جاء عن أئمَّة أهل البيت (ع): "إذا قالَ المؤمنُ لأخيه أنتَ عدوّي، كفرَ أحدُهما". وكم نردِّدها في حياتنا؛ العائلة الفلانيّة عدوّتنا، الحزب الفلاني عدوّنا، الجماعة الفلانيّة عدوّتنا، الحركة الفلانيّة عدوّتنا... ألا نقول ذلك؟! فأنت تقول هو عدوّي، والله يقول هو أخوك، فأنت تكفر لأنَّك تعارض كلام الله.

{وَاعْتَصِمُوا – والاعتصام ليس فقط اتّباعاً، بل أن تتمسَّك بحبل الله كي لا تسقط - بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا - إخواناً في خطِّ الإسلام، إخواناً في خطِّ الجهاد، إخواناً في خطِّ مواجهة الاستكبار والظّلم - وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ - من خلال اختلافاتكم - فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا}، فهل تريدون أن تعودوا إليها؟!

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ - وهم اليهود وأولياء اليهود وخلفيَّات اليهود - يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ - فإذا لم يكن الكفر اللِّساني، يكون الكفر العملي الواقعي - وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ}، وإذا لم يكن الرَّسول فينا، فسنَّته فينا، وآيات الله فينا.

الحذرُ من مخطَّطاتِ الفتنة

أيُّها الأحبَّة، قلت لكم في الأسبوع الماضي، إنِّي أتحدَّث إليكم وقلبي يبكي، وكأني كنت أحسُّ بالكارثة، وكنت أريد أن أحذِّر منها. وأقول لكم في هذا الموقف، إنَّني أتحدَّث إليكم وقلبي يدمع،
لأنَّني أخشى من الَّذين يثيرون الفتنة، وأخشى من الَّذين استغلّوا الفتنة، ومن الَّذين يتحركون على أساس سياسة التَّوازن في البلد، كما حدث بالأمس في قرارات مجلس الوزراء. إنَّني أخشى من كلَّ ذلك.

أنا لا أتكلَّم طائفيّاً ولا مذهبيّاً، ولكنّي أجد أنَّ المستكبرين الَّذين يحكمون البلد والمنطقة، لا يريدون للمستضعفين أن يتَّحدوا، ولا يريدون للمحرومين أن يتكاملوا، ولا يريدون للمؤمنين المؤمنين أن يتَّفقوا ويتعاونوا على البرِّ والتَّقوى: " كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".

{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ - كلُّ من عمل للفرقة، كلُّ من وسَّع الفرقة، كلُّ من يحاول أن يثير الحقد والبغضاء، كلُّ من يحاول أن يثير الشَّماتة بهذا المؤمن أو ذاك المؤمن، كلّ من يتكلَّم الكلمات اللَّا المسؤولة - وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}. فهل تريدون أن تكون وجوهكم بيضاء يوم القيامة، عندما تعملون للمحبَّة والوحدة والألفة بين المسلمين، وجمع الشَّمل، وتضميد الجراح، ولملمة ما تناثر من قطع، أم تريدون أن تكونوا ممن اسودَّت وجوههم؟!

اعملوا، أيُّها الأحبَّة: {فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[التّوبة: 105]، لينطلق صوت المحبَّة ولا صوتَ للبغض، ولينطلق صوت الوحدة ولا صوتَ للتمزّق والتفرّق {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء: 92]، {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ قاتَّقون}[المؤمنون: 52].

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته، بتاريخ: 06/02/1998.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية