محاضرات
13/03/2026

الجمعة الأخيرة من رمضان: بين التّعبئة الرّوحيّة وقضيّة القدس

الجمعة الأخيرة من رمضان: بين التّعبئة الرّوحيّة وقضيّة القدس

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[الإسراء: 1] صدق الله العلي العظيم.

آخر جمعة من رمضان

هذا اليوم، يوم الجمعة، يمثّل آخر جمعة من شهر رمضان، وبذلك فإنَّه يزداد شرفًا وقيمة وروحانيَّة، لأنَّ يوم الجمعة يوم من أيَّام الله الَّتي أراد للمسلمين أن يجتمعوا فيها لعبادته كأمَّة تلتقي عند كلّ قضاياها، من خلال انفتاحها على ربّها، ومن خلال تقواها والتزامها بإسلامها.

ولذلك، أراد الله سبحانه وتعالى في كلّ يوم جمعة، أن يترك النَّاس أشغالهم في البيع والشّراء وغير ذلك، وقتًا من الزَّمن، من أجل أن يذكروا الله كثيرًا، وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}[الجمعة: 9]، لأنَّهم كلَّما ذكروا الله أكثر، ذكروا أنفسهم أكثر، وانفتحوا على مصيرهم أكثر، وتوحَّد بعضهم مع بعض أكثر، لأنَّنا عندما نلتقي بين يدي الله في صلاة جمعة أو جماعة كمجتمع إسلاميّ، نشعر بقيمة الإسلام في اجتماعنا، وبقيمة الصَّلاة في وحدتنا، وبقيمة الروحانيَّة في تطلّعاتنا.

ولذلك، لم يرد الله لأحد أن يتأخَّر عن حضور الجمعة، حتَّى يكون يوم الجمعة في وقت الصَّلاة، يومًا أسبوعيًّا يلتقي فيه المسلمون على عبادة الله في إيمانهم وتقواهم، وعلى عبادته في كلّ قضاياهم.

ويوم الجمعة عندما يكون يومًا من شهر رمضان، فإنَّ قيمة هذا الشَّهر تعطيه قيمة جديدة، ولذلك فإنَّ يوم الجمعة في شهر رمضان يختلف عن بقيَّة أيَّام الجمعة في غير شهر رمضان، لأنَّه يحمل معنى الجمعة في معناه، ويحمل معنى شهر رمضان أيضًا.

ويوم الجمعة في آخر شهر رمضان يمثّل يومًا يكتسب بعدًا ثالثًا، لأنَّ هذا اليوم لن تلتقي فيه بجمعة أخرى في شهر رمضان، ولن تحصل بعده في هذه الدَّورة الزَّمنيَّة على بركة يوم الجمعة في هذا الشَّهر.

أفضل أيَّام الشَّهر

وهناك نقطة، وهي أنَّ هذا اليوم يقع في العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي تمثّل في معناها وفي درجتها وفي قيمتها، أفضل أيَّام شهر رمضان ولياليه، يغفر الله فيها ما لم يغفره في غيرها من الأيَّام، وينزل رحمته على عباده بدرجة أكبر، وبكميَّة أكثر من بقيَّة أيَّام شهر رمضان.

ولذلك، ورد عندنا في الحديث، أنَّ رسول الله (ص) كان إذا جاءت العشر الأواخر من شهر رمضان، أزال فراشه، وتفرَّغ للعبادة بين يدي الله، تدليلًا على أنَّ هذه الأيَّام هي الأيَّام الَّتي تمثّل فرصةً كبرى للإنسان، بما لا تمثّله أيَّام أخرى، في حصوله على رحمة الله ومغفرته، وعلى عفوه ورضوانه. وقد عرفنا من خلال أكثر من حديث، أنَّ علينا أن نتطلَّب ليلة القدر في اللَّيالي المفردة من العشر الأواخر في شهر رمضان، فكلُّ ليلة مفردة يحتمل فيها أن تكون ليلة القدر، ما يفرض على الإنسان أن يفرّغ نفسه في كلّ هذه اللّيالي.

شهر التَّعبئة الرّوحيَّة

أيُّها الأحبَّة، إنَّنا عندما نقف في مثل هذا اليوم، وقد شارف شهر رمضان على الانتهاء، فإنَّ علينا أن نستنفر كلَّ طاقاتنا وروحانيَّتنا، وكلّ محبَّتنا لربّنا وخوفنا منه، وكلَّ قلقنا على مصيرنا في الآخرة، حتَّى نستطيع أن نتموَّن تموينًا روحيًّا يجعل من كلّ إنسان منَّا إنسانًا يعيش الروحانيَّة بين يدي الله، حتَّى إذا أراد أن يسير في الحياة بين أهله وأقربائه وبين النَّاس من حوله، يسير معهم على أساس روحانيَّته، بحيث يحبّ النَّاس من موقع الرّوح، ويتعاون معهم من موقع التقرّب إلى الله، ويتحرَّك في كلّ مشاريع الحياة من خلال الخوف من الله والمحبَّة له.

إنَّ هذا الشَّهر المبارك هو شهر التَّعبئة الرّوحيَّة، وشهر الطَّهارة الرّوحيَّة. وقد جاء في أكثر من دعاء أنَّه شهر الطّهور، وشهر الإسلام، وشهر التَّوبة، وشهر المغفرة والرَّحمة. لذلك، فإنَّ المحروم هو من حُرم غفران الله في هذا الشَّهر العظيم، ومن حُرم التَّوبة والارتفاع بروحه فيه.

فلنفرّغ أنفسنا فيما بقي من هذا الشَّهر، ولنعش هذين الدّعاءين الصَّغيرين اللَّذين يُدعى بهما في أواخره: "اللَّهمَّ وهذه أيَّام شهر رمضان قد انقضت، ولياليه قد تصرَّمت، وقد صرت، يا إلهي، إلى ما أنت أعلم به منّي، وأحصى لعدده من الخلق أجمعين، فأسألك بما سألك به ملائكتك المقرَّبون، وأنبياؤك المرسلون، وعبادك الصَّالحون... إن كنت رضيت عنّي في هذا الشَّهر، فازدد عنّي رضا، وإن لم تكن رضيت عنّي، فمن الآن فارضَ عنّي".

أن تجلس بين يدي ربّك لتتعرَّف من خلال مشاعرك وأحاسيسك وتطلّعاتك ودراستك لحالتك عندما دخل شهر رمضان، كيف كان إقبالك على طاعة الله في أوَّل الشَّهر، وكيف هو إقبالك على طاعة الله الآن.. كيف هو ابتعادك عن معصية الله في أوَّل الشَّهر، وكيف هو ابتعادك عن معصية الله الآن؛ هل ازددت قربًا من الله؟ هل ازددت محبّة له؟ هل ازددت خوفًا منه؟ هل ازددت انضباطًا في خطّ الطَّاعة والبعد عن المعصية، أو أنَّك لا تزال على حالك، أو أنَّك تأخَّرت عمَّا كنت فيه؟ لأنَّ الإنسان يعرف رضا الله عليه من خلال ما يعرفه من قوَّة حوافز الطَّاعة في نفسه، ومن ضعف حوافز المعصية فيها. كلَّما رأينا أنفسنا نحبُّ الطَّاعة أكثر، فمعنى ذلك أنَّ الله قد فتح لنا باب رضاه أكثر، وعندما نجد أنفسنا لا نزال نستثقل الطَّاعة ونتركها ونستخفّ بها، فمعنى ذلك أنَّنا لم نستطع أن نرفع صلواتنا لله، ولا أن نرفع ابتهالاتنا له.

إنَّك عندما تريد أن تعرف موقعك من الله، فاعرف في نفسك ما موقع الله منك، وإذا أردت أن تعرف ما هو رضا الله عليك، فاعرف ما هو رضاك عن الله. إنَّ الله سبحانه وتعالى يريد أن تكون نفس كلّ واحد منَّا راضية مرضيَّة، إنَّ علينا دائمًا أن ننطلق في حياتنا لنسمع النَّداء الحبيب الأخير: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *‏ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً – بما أعطاك ربّك - مَّرْضِيَّةً – عند الله بما قدّمت من أعمال.. وعند ذلك، إذا كان الإنسان راضيًا عن الله، وكان الإنسان مرضيًّا عند الله، فإنَّ هذا الرّضا المتبادل والمحبّة المتبادلة بين الإنسان وبين ربّه، هي الَّتي تقول له: - فَادْخُلِي فِي عِبَادِي *‏ وَادْخُلِي جَنَّتِي}[الفجر: 27 - 30]. أن نعيش هذه الأجواء، أن نعيش هذه الرّوح، أن نقترب إلى الله سبحانه وتعالى.

حقّ شهر رمضان

ثمَّ بعد ذلك، نقف في الدّعاء الثَّاني لنقول: "اللَّهمَّ أدِّ عنَّا حقَّ ما مضى مِنْ شهرِ رمضان". لقد كان لشهر رمضان حقّ علينا؛ أن نقوم ليله، وأن نصوم نهاره، وأن نكفَّ جوارحنا عن معاصي الله، وأن نوجّه أنفسنا في طاعته، وأن نحبّ أولياءه ونعادي أعداءه، أن نتجنَّد للدَّعوة إليه وللعمل في سبيله. إنَّ شهر رمضان الَّذي هو شهر الطَّاعة، وشهر العبادة، وشهر قراءة القرآن، وشهر بدر، وشهر مكَّة، وشهر الجهاد في سبيل الله.. هذا الشَّهر المبارك له حقّ علينا، فهل أدَّينا حقَّه؟ هل استطعنا أن نقوم بحقّه فيما يريده الله منَّا، أو أنَّنا قصَّرنا في حقّه؟

أن نقف بين يدي ربّنا لنقول له: "اللَّهمَّ أدِّ عنَّا حقَّ ما مضَى منْ شهرِ رمضانَ، واغفرْ لنَا تقصيرَنا فيه"، فربَّما قصَّرنا في قيامه، أو في صيامه، أو في انفتاحنا عليك، ربما قصَّرنا فيما يجب أن نقوم به من الجديَّة أمامك، فاغفر لنا، يا ربّ، تقصيرنا فيه، فنحن لم نتعمَّد ذلك، ولكنَّ الشَّيطان طاف بنا وبعقولنا وقلوبنا وغرائزنا، فجعلنا نقصّر حيث لا يجوز التَّقصير، فاغفر لنا تقصيرنا فيه، وتسلّمه منّا مقبولًا.

نريدك، يا ربّ، حتَّى لو قصَّرنا فيه، أن تكمل ما نقص منه، وأن تعطينا ما لم نقدّم فيه. أعطنا، يا ربّ، مغفرة، وإن كنَّا لا نستحقّ المغفرة، أعطنا، يا ربّ، رضوانك، وإن كنَّا لا نستحقّه، أعطنا، يا ربّ، جنَّتك وإن كنَّا لا نستحقّ ذلك، "وتسلَّمْهُ منَّا مقبولًا، ولا تؤاخذْنا بإسرافِنا على أنفسِنَا" فيما عصينا وفيما قصَّرنا وفيما انحرفنا وفيما ابتعدنا عنك. "واجعلْنا منَ المرحومين" الَّذين شملتهم رحمتك، "ولا تجعلْنا منَ المحرومين" الَّذين حرمتهم من عفوك وغفرانك ورضوانك، لتحرمهم بعد ذلك جنَّتك.

روحيّة الدّعاء في حياتنا

هذان الدّعاءان وغيرهما من الأدعية الَّتي نقرأها في اللّيل والنَّهار، لا بدَّ لنا، أيُّها الأحبَّة، أن نعيشها في روحيَّتنا، أن نعيشها في إقبالنا على الله سبحانه وتعالى، أن يمثّل الدّعاء بالنّسبة إلينا هدفًا في كلّ الكلمات الَّتي نقرأها.

نحن عندما نقول في دعاء الافتتاح في كلّ ليلة: "اللَّهمَّ إنَّا نرغب إليك في دولة كريمة، تعزّ بها الإسلام وأهله، وتذلّ بها النّفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدّعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدّنيا والآخرة"، عندما نقرأ هذا الدّعاء، نتطلَّع إلى كلّ الواقع الموجود في الحياة الإسلاميَّة، لنجد أنَّ الواقع في أغلب حالاته، لا يحمل في ساحاته دولة يُعَزُّ بها الإسلامُ وأهله، ويُذَلُّ فيها النّفاقُ وأهله؛ إنَّ النّفاق منتشر في كلّ مكان، وإنَّ الإسلام محارَبٌ في كلّ مكان.

وهكذا نتطلَّع إلى الله في هذا الدّعاء أن يجعلنا من الدّعاة إلى طاعته، أن يشعر كلّ واحد منَّا بعد أن يقرأ هذا الدّعاء: لقد طلبت من الله أن يجعلني من الدّعاة إلى طاعته، فعليّ أن أستنفر كلّ علاقاتي، وكلَّ أوضاعي، من أجل أن تكون حياتي دعوة إلى طاعة الله سبحانه وتعالى، وأن أجعل من نفسي في تنمية قدراتي وإمكاناتي وظروفي، مشروع قائد في سبيل الله، وأن ننطلق من خلال هذه الدَّولة الإلهيَّة لنحصل على كرامة الدّنيا والآخرة.

ثمَّ عندما نقرأ في آخر دعاء الافتتاح هذه الفقرات الأخيرة: "اللَّهُمَّ ما عَرَّفْتَنا مِنَ الحَقِّ فَحَمِّلْناهُ، وَما قَصُرْنا عَنْهُ فَبَلِّغْناهُ، اللّهُمَّ الْمُمْ بِهِ شَعْثَنا، وَأَشْعَبْ بِهِ صَدْعَنا، وَأَرْتِقْ بِهِ فَتْقَنا، وَكَثِّرْ بِهِ قِلَّتَنا، وَأَعْزِزْ بِهِ ذِلَّتَنا، وَأَغْنِ بِهِ عائِلَنا، وَأَقْضِ بِهِ عَنْ مُغْرَمِنا، وَاجْبُرْ بِهِ فَقْرَنا، وَسُدَّ بِهِ خَلَّتَنا، وَيَسِّرْ بِهِ عُسْرَنا، وَبَيِّضْ بِهِ وُجُوهَنا، وَفُكَّ بِهِ أَسْرَنا، وَانْجِحْ بِهِ طَلَبَتِنَا، وَأَنْجِزْ بِهِ مَواعِيدَنا، وَاسْتَجِبْ بِهِ دَعْوَتَنا، وَأعْطِنا بِهِ سُؤْلَنا، وَبَلِّغْنا بِهِ مِنَ الدُّنْيا وَالآخرةِ آمالَنا، وَأعْطِنا بِهِ فَوْقَ رَغْبَتِنا، يا خَيْرَ المَسْؤُولِينَ وَأَوْسَعَ المـُعْطِينَ".

الالتزام بنهج الحقّ

ولاحظوا تكرّر كلمة "به" في كلّ الفقرات، ومعنى هذه الكلمة أنَّنا نطلب من الله أن يعيننا على أن يحلّ لنا كلَّ مشاكلنا الخاصَّة والعامَّة، بالحقّ، لأنَّ الكثيرين من النَّاس يتطلَّبون حلَّ مشكلتهم كيفما كان، بالحقّ أو بالباطل، ويتصوَّرون أنَّ عليهم أن يجدوا وحدتهم بالكفر أو بالإيمان، وأنَّ عليهم أن يواجهوا واقعهم بأيّ طريقة كانت. إنَّ هذه الفقرات من الدّعاء تضع إطارًا محدَّدًا لطلبات الإنسان من ربّه؛ فهي توضح أنَّ المؤمن لا يطلب تحقيق أهدافه بأيّ وسيلة كانت، بل أن يكون كلّ حلٍّ لمشاكله بالحقّ، وليس بأيّ وسيلة أخرى.

وعندما نقول: "اشْفِ بِهِ صُدُورَنا"، أي اشف بالحقّ صدورنا، "وَأَذْهِبْ بِهِ غَيْظَ قُلُوبِنا"، أي أذهب بالحقّ غيظ قلوبنا. وهذا يعطينا فكرة، أنَّه يجب أن يكون الحقّ هو الأساس في كلّ أوضاعنا في الحياة، وفي كلّ تطلّعاتنا في الحياة، وفي كلّ حركة لحلّ مشاكلنا في الحياة، أن لا نبتعد عن الحقّ في شيء أبدًا.

وإذا كنَّا نذكر عليًّا (ع) في هذه الأيَّام عندما نتذكَّر يوم شهادته، فعلينا أن نتذكَّر الكلمة الرَّائدة المرويَّة عن رسول الله (ص): "عليٌّ معَ الحقّ، والحقُّ معَ عليّ، يدورُ معَهُ حيثُما دارَ".

لذلك، من كان من شيعة عليّ، ومن كان تابعًا لعليّ، ومن كان مسلمًا في أجواء عليّ، فإنَّ عليه أن يكون مثل عليّ؛ أن يكون مع الحقّ، وأن يكون الحقّ معه، أن يكون مع الحقّ في القضايا الصَّغيرة، وأن يكون مع الحقّ في القضايا الكبيرة، لأنَّ عليًّا عندما لا يقترب من الباطل قيد شعرة، فكيف يمكن أن نكون معه ونحن نعيش في قلب الباطل أو في أحضانه؟! من يرد أن يكون مع عليّ، فليكن مع الحقّ، ومن يرد أن يكون مع الباطل، فعليه أن يفهم أنَّه لا لقاء بينه وبين عليّ في الشّؤون الخاصَّة أو العامَّة.

هذه الأجواء، أيُّها الأحبَّة، نحتاج أن نعيشها، نحتاج أن نتفهَّم ما نتلوه من أدعية، أن نتعبَّأ فكريًّا وروحيًّا من خلال كلّ هذه الأدعية الَّتي تمثّل ثروة فكريّة وروحيَّة واجتماعيَّة، يستطيع من خلالها الإنسان أن ينفتح على كلّ مواقع الخير والمسؤوليَّة في الحياة.

مسؤوليَّة الانفتاح على الله

شهر رمضان من خلال الانفتاح على الله، يجعل كلَّ واحد منَّا يتحسَّس مسؤوليَّته أمامه سبحانه، عندما تشعر بأنَّ الله أوجدك في هذا العالم، لتكون الإنسان المسؤول بحجم طاقتك، وبحجم فكرك وإمكاناتك، ولتكون الإنسان المسؤول عن بناء الحياة على حسب ما يريدها الله ويرضاها، لست في هذه الحياة إنسانًا عبثيًّا، لم يخلقك الله عبثًا، كما يقول تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}[المؤمنون: 115]، ولكنَّ الله خلقك لتعرفه، ولتطيعه، وسخَّر لك كلَّ ما في الكون في خدمتك {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ...}[الجاثية: 13]، من أجل أن تستفيد من ذلك كلّه، حتَّى تستطيع أن تحقّق الكثير الكثير مما يمكن أن يقرّبك إلى الله سبحانه وتعالى.

هذه نافذة في شهر رمضان في يوم الجمعة يجب أن نطلَّ عليها، حتَّى نستقبل العيد بروحيَّة الإنسان الَّذي يعيّد لأنَّه أطاع الله. وتذكَّروا في هذا المجال كلمة الإمام عليّ (ع) في حديثه عن عيد الفطر: "إنَّما هو عيدٌ لمنْ قبِلَ اللهُ صيامَهُ وشَكَرَ قيامَهُ، وكلُّ يومٍ لا يُعصَى اللهُ فيهِ فهو عيدٌ".

نحن لا ننتظر عيد الفطر لنعيّد، لأنَّ كلّ يوم يمرّ ولا نعصي الله فيه هو عيد لنا، وإذا لم نعصِ الله غدًا فهو عيدنا، لأنَّ عيد الفطر يمثّل عيد الاحتفال بطاعة الله، وبالانفتاح على مواقع رضاه سبحانه وتعالى.

يوم القدس العالميّ

هذه نافذة تطلّ على آخر جمعة من شهر رمضان. وهناك نافذة أخرى فتحها الإمام الخمينيّ (رض) من خلال وعيه، ومن خلال روحانيَّته الَّتي تتحرَّك في خطّ مسؤوليَّته الإسلاميَّة، وهو اعتبار آخر جمعة من شهر رمضان يومًا إسلاميًّا عالميًّا تحت اسم "يوم القدس"، حيث أراد من المسلمين في أنحاء العالم أن يتجمهروا ويتظاهروا، كلٌّ بحسب ظروفه، وكلٌّ بحسب إمكاناته، لتبقى القدس في الذَّاكرة الإسلاميَّة قضيَّةً لا بدَّ للمسلمين أن يتحمَّلوا مسؤوليَّتها، مهما ضغطت الظّروف، ومهما اختلفت الأوضاع، ومهما قست السّياسات في كلّ أنحاء العالم.

لماذا يوم القدس؟ وما هي مسألة القدس؟ هل القدس هنا في وعي الإمام (رض) تمثّل مدينة القدس، فهو يريد لنا أن نعمل على أن تبقى المدينة حرَّة؟ أو كما يقول بعض النَّاس ممن يتحدَّثون في المسألة الدّينيَّة على خطّ المسألة السياسيَّة، أنَّ القدس باعتبار أنَّها بلد الديانات، فلا بدَّ أن تكون حرَّة في مواقعها العباديَّة، بحيث يترك للنَّصارى أن يديروا كنائسهم، وللمسلمين أن يديروا مساجدهم، ولليهود أن يديروا كنسهم، وما إلى ذلك؟ أنَّ المسألة هي مسألة حريَّة الطقوس الدينيَّة في المواقع الدينيَّة في القدس؟! وربما يتحدَّث بعض النَّاس عن تدويل القدس، أن تكون مدوّلة، بحيث تشرف عليها هيئة الأمم المتَّحدة، أو تشرف عليها دول تختار من بين عدَّة دول!

القدس قضيّة ورسالة

إنَّ المسألة عند الإمام الخميني (رض) لم تكن مسألة القدس كمدينة، بل القدس كقضيَّة ورسالة ومشروع يتَّصل بأكثر من موقع من مواقع الوجود الإسلاميّ في العالم.

إنَّ المسألة الَّتي واجهت العالم الإسلاميّ، ولا تزال تواجهه منذ أن انطلق الإسلام في العالم، هي أنَّ اليهود عملوا منذ أن بعث الله رسوله، على أن يكيدوا للإسلام والمسلمين، فقد أثاروا المشاكل في المدينة من خلال تحالفهم مع المنافقين، وأثاروا المشاكل في المنطقة العربيَّة آنذاك من خلال تحالفهم مع المشركين، واستطاعوا أن يتعبوا الدَّعوة في بداياتها، وعملوا على أن يتعبوا الفكر الإسلاميّ والواقع الإسلاميّ بطرق خفيَّة في أكثر من موقع من مواقع المسلمين. ولا تزال المسألة تعيش في الواقع من خلال قمَّة الكيد للإسلام والمسلمين، في التَّآمر على فلسطين، والاحتلال اليهوديّ لها، وإخراج أكثر أهلها منها، ومحاولة إخراج الباقي منها.

وهذه مسألة لا تتَّصل بحالة عابرة في الحياة الإسلاميَّة، بل هي مسألة تتحرَّك في التَّاريخ لتصل إلى الحاضر، لتكون القضيَّة المطروحة، كما وعاها الإمام (رض)، أن تكون القدس عاصمة للدَّولة الَّتي يريد اليهود أن ينشئوها، وقد أنشأوها، ليكون هيكل سليمان بديلًا من المسجد الأقصى، لأنَّ القضيَّة هي أنَّهم لا يزالون يقومون بحفريَّات في أعماق المسجد، حتَّى يكتشفوا، كما يقولون، البناء الأصليّ لهيكل سليمان. وقد عمل الكثيرون من أثريائهم على أن يطلبوا من المسلمين في مختلف الأزمنة بأن يشتروا بيت المقدس، وأن يشتروا المسجد الأقصى، لأنَّهم يريدون أن يقيموا عليه هيكل سليمان الَّذي يقدّسه اليهود.

إنَّ القضيَّة هي أنَّ اليهود استطاعوا أن يجتذبوا كلَّ يهود العالم من خلال عنوان القدس. ماذا كانت الكلمة الَّتي يقابل بها اليهوديُّ اليهوديَّ الآخر في كلّ مكان في العالم، قبل أن تُنشأ إسرائيل كدولة للعدوّ؟ كان الكلام: "اللّقاء في أورشليم". وأورشليم هي الكلمة العبريَّة لكلمة القدس. لربّما لم يكونوا يتحدَّثون بهذه الطّريقة الَّتي نتحدَّث بها هذه الأيَّام، لكنَّهم كانوا يتحدَّثون بعمقها "زحفًا زحفًا نحو أورشليم". كانت الوكالة اليهوديَّة تعمل في العالم على أن تقنع كلّ يهود العالم بالمجيء إلى فلسطين، على أساس أنَّ ذلك يمثّل إعادة مملكة أورشليم، مملكة القدس.

القدس كانت هي العنوان الرّوحيّ الكبير الَّذي جعل كلَّ يهود العالم يتَّجهون إلى فلسطين على أساس أنَّها أرض الميعاد. لو قالوا لهم "فلسطين" لما جاؤوا، ولكنَّهم قالوا لهم "أورشليم"، ولذلك جاؤوا.

لقد انطلقت اليهوديَّة من موقع دينيّ، ومن موقع روحيّ، واستطاعت أن تجتذب الحركة السياسيَّة الصّهيونيَّة من خلال الحركة الدّينيَّة، لأنَّهم عرفوا أنَّهم عندما يتحركون سياسيًّا بعيدًا من العمق الدّينيّ الَّذي يربطهم بالتَّاريخ وبالتّديّن، فإنّ اليهود سوف لا يقبلون على ذلك، لكنَّهم أعطوا العمق الدّينيَّ عمقًا سياسيًّا، وأعطوا العمق السياسيّ معنىً روحيًّا، وبذلك تحركت إسرائيل في وعي كلّ يهوديّ في العالم، كعنوان تلتقي فيه السياسة بالدّين، وعنوان يحمل المعنى الرّوحيّ والمعنى المادّيّ، ولذلك وصلوا إلى أورشليم، وسيطروا على ما حولها، ويعملون على أن يسيطروا أكثر، ويبقى حديثهم عن القدس أساسيًّا في سياستهم.

أرض الميعاد!

لقد استطاعت الصّهيونيَّة أن تستولي على أكثر من موقع في فلسطين، وأن تأخذ قسمًا من القدس قبل سنة 67، ولكنَّها عندما احتلَّت القدس الشَّرقيَّة، بدأ الحديث في دائرة دولة الصَّهاينة، وفي كلّ الدَّوائر الموجودة في العالم، بدأ الحديث عن القدس؛ أن تكون القدس عاصمة موحَّدة لإسرائيل.. بدأوا يطالبون الدّول بأن يجعلوا سفاراتهم في القدس بدلًا من تل أبيب، لأنَّهم يريدون أن يركّزوا معنى القدس في استراتيجيَّتهم، ويريدون من جهة أخرى أيضًا، أن يثيروا الذَّاكرة المسيحيَّة نحو القدس، على أساس أنَّ القدس بلد يجتذب روحانيَّة المسيحيّين، كما يجتذب روحانيَّة المسلمين واليهود. لقد أرادوا أن يستفيدوا من بعض الأفكار الموجودة في التَّوراة، والَّتي ربَّما تتحدَّث عن أرض الميعاد، ليقولوا للمسيحيّين إنَّ عليكم أن تجسّدوا إرادة الله في أن تعاونونا على أن نستولي على هذه الأرض، أرض الميعاد.

إسرائيل حتَّى الآن لا تزال تتحدَّث عن القدس، ولا تزال ترفض بكلّ حسم أن يكون هناك حوار فلسطينيّ - إسرائيليّ حولها، لأنَّ قضيَّة القدس قضيَّة منتهية عندها. وقد استطاعت إسرائيل بنفوذها الصّهيونيّ في أمريكا، أن تجعل الكونغرس الأمريكيّ يصوّت على أن تكون القدس عاصمة أبديَّة لإسرائيل. وإذا كان الأمريكيّون يتحدَّثون أنَّ قرار الكونغرس لا يلزم الإدارة الأمريكيَّة، فإنَّنا نعرف أنَّ الإدارة الأمريكيَّة ربَّما تزايد على الكونغرس في إخلاصها لإسرائيل.

بين المسجد الحرام والأقصى

لذلك، عندما رأى الإمام الخمينيّ (رض) أنَّ القدس تمثّل المعنى الرّوحيّ الَّذي يرتبط بالماضي وبالحاضر والمستقبل، والَّذي يمكن أن يجتذب المسلمين الَّذين قد لا يعرفون شيئًا كبيرًا عن فلسطين، والَّذين لم يتح لهم أن يتابعوا القضيَّة الفلسطينيَّة من الوجهة السياسيَّة، أراد للقدس أن تكون عنوانًا إسلاميًّا في شهر الإسلام، وفي يوم الجمعة الَّتي هي يوم إسلاميّ خالد يجتمع فيه المسلمون، ليتذكَّر المسلمون القدس، فلا تخرج عن دائرة الضَّوء، ولا تخرج بفعل المؤامرات المتعدّدة عن ذاكرة المسلمين وعن تطلّعاتهم في تحريرها.

إنَّ الإمام الخميني (رض) انطلق من خلال هذا الارتباط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى في إسراء النَّبيّ (ص) (المذكور في سورة الإسراء، الآية 1)، باعتبار أنَّ المسجد الأقصى يمثّل عمق الرّسالات في التَّاريخ، والمسجد الحرام يمثّل خاتمة الرّسالات الَّتي بدأت من إبراهيم (ع) وانتهت بمحمَّد (ص)، ليكون هذا النَّوع من الارتباط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، هو الفكرة الَّتي أطلقها القرآن عندما قال: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ...}[البقرة: 285]، وعندما قال: {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ}[العنكبوت: 46]. إنَّ هذا النَّوع من التَّزاوج بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، يفرض التَّفاعل بين قضيَّة المسجد الحرام وبين قضيَّة المسجد الأقصى.

ونلاحظ أنَّ الإمام (رض) جعل يوم القدس في أجواء فتح مكَّة، لأنَّ فتح مكَّة كان في شهر رمضان، في آخر العشر الثَّانية من شهر رمضان، ويوم القدس في العشر الثَّالثة، حتَّى يتذكَّر النَّاس عندما يثيرون فتح مكَّة الَّذي حرَّر المسجد الحرام من كلّ الأصنام والأوثان، فتح القدس، كيف يفتحون القدس، ليحطّموا كلَّ الأصنام الَّتي تعيش في أجوائها وفيما حولها.

لقد أراد الإمام (رض) من خلال يوم القدس، أن تبقى القضيَّة الفلسطينيَّة من خلال هذا العنوان الرّوحيّ، قضيّةً لا تستغرق في الجانب السياسيّ، ولكنَّها تخاطب الوجدان الدّينيّ والوجدان الرّوحيّ، حتَّى يشعر المسلمون من خلال ذلك أنَّه ليست هناك أيَّة فواصل بين الوجدان الدّينيّ والوجدان السياسيّ في القضايا الإسلاميَّة الكبرى.

وعندما نريد أن ننطلق في الواقع، ونحن الآن في يوم الجمعة الأخيرة وفي يوم القدس، نحاول أن نستقرئ آفاق الواقع من خلال آفاق هذا اليوم.

إعادةُ إنتاجِ معنى الأمَّة

السّؤال الَّذي يفرض نفسه على المسلمين جميعًا في كلّ أنحاء العالم هو: أيُّها المسلمون، هل تريدون أن تكونوا أمَّة واحدة، كما أراد الله لكم أن تكونوا أمَّة واحدة؟ "مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالحمَّى والسَّهر"، "من لم يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم"، "من سمع رجلًا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه، فليس بمسلم".

هل تريدون أن تكونوا أمَّةً أمام الأمم الأخرى، أو أنَّكم لا تريدون أن تكونوا كذلك؟ هناك في الواقع العالميّ الآن أمَّة مسيحيَّة، وهناك أمَّة يهوديَّة، ونحن نواجه الآن عمليَّة المحافظة على العناصر الحقيقيَّة لكياننا كأمَّة، لأنَّ القضيَّة الآن ليست كيف تصارع أمَّةٌ أمَّةً، القضيّة هي أنَّنا نريد أن نعيد إنتاج معنى الأمَّة في عقولنا، بحيث إنَّك لا تشعر بنفسك عندما تعيش في أيّ منطقة من مناطق العالم الإسلاميّ بأنَّك تتمثَّل في شخصيَّة هذه المنطقة. هناك شخصيَّات موجودة: شخصيَّة لبنانيَّة، وشخصيَّة سوريَّة، وشخصيَّة عراقيَّة، وشخصيَّة إيرانيَّة، وما إلى ذلك من كلّ بلدان الإسلام.. أن نفهم أنَّ هذه خصوصيَّتنا وليست شخصيَّتنا. هناك فرقٌ بينَ الخصوصيَّة وبين الشَّخصيَّة، فشخصيَّتك هي ما يمثّل فكرك، ما يمثّل شعورك، ما يمثّل انفتاحك على النَّاس الآخرين.

نحن مسلمون نحاور الآخرين، وبعد ذلك {فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ...}[آل عمران: 64]، الله سبحانه وتعالى أمر نبيّه أن يقول: {وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ}[الزّمر: 12]، ونحن نقرأ في القرآن: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *‏ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}[الأنعام: 162 - 163].  أن تكون مسلمًا لله في خطّ الإسلام الَّذي هو خطّ الرّسالات {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}[يوسف: 101].

الشَّخصيَّة الإسلاميَّة هي الأساس

إنَّ شخصيَّتنا الحقيقيَّة هي الشَّخصيَّة الإسلاميَّة الَّتي لا تبتعد عن خصوصيَّاتنا العائليَّة والذَّاتيَّة والجغرافيَّة والقوميَّة وما إلى ذلك، لكنَّ الشَّخصيَّة الَّتي تحرّكنا، الشَّخصيَّة الحركيَّة، الشَّخصيَّة الَّتي نستطيع من خلالها أن نسالم أو نحارب، الشَّخصيَّة الَّتي نستطيع أن نخطّط بها لوجودنا في العالم، هي الشَّخصيَّة الإسلاميَّة.

لذلك، نحن بحاجة إلى إنتاج هذه الشَّخصيَّة الإسلاميَّة في أنفسنا، حتَّى نعيش مسلمين منفتحين على النَّاس الآخرين، وحتَّى نقف بين يدي الله مسلمين.

إنَّ الله لن يسألنا غدًا عن هويَّتنا اللّبنانيَّة أو هويَّتنا العراقيَّة أو الإيرانيَّة أو الأفغانيَّة، بل سيسألنا عن هويَّتنا الإسلاميَّة. أنتم تعرفون مسألة التَّلقين في القبر، ماذا يلقَّن الميت في قبره؟ هل يقال: لبنان وطني، والعروبة قوميَّتي، والضَّيعة الفلانيَّة بلدي؟ هل منكم من سمع أحدًا يلقّن الميت ذلك؟ ماذا يلقَّن الميت؟: "الله ربّي، ومحمَّد نبيّي، والقرآن كتابي، والإسلام ديني، والكعبة قبلتي..."، إلى آخر التَّلقين.

فأنت، أيُّها الإنسان، كنت في الدّنيا ضائعًا بين العديد من الصّفات: صفة حزبيَّة، وصفة جغرافيَّة، وصفة قوميَّة... أمَّا صفتك الأساسيَّة الَّتي تقف بها غدًا بين يدي الله، عندما يسألك الملكان: من ربّك، ومن نبيّك، وما دينك، وما قبلتك؟... فهي صفة الإسلام.

الشَّخصيَّة الإسلاميَّة لا بدَّ أن تعيش معنا في الدّنيا، ولا بدَّ أن تستمرَّ معنا في الآخرة. أنت مسلم في قبرك، ومسلم في حشرك، ومسلم عندما تدخل الجنَّة، بالمعنى المنفتح على الإسلام الّذي هو إسلام الوجه والقلب واليد واللّسان لله سبحانه وتعالى.

إذًا، نحن لا بدَّ لنا أن ننطلق في العالم كمسلمين، أن يكون همّنا همّ المسلمين، وقضايانا قضايا المسلمين. وعندما نفكّر أيضًا في قضايانا في خصوصيَّاتنا الجغرافيَّة، فإنّنا نعتقد أنَّ من مصلحة المسلمين أن تكون هناك في هذا البلد وحدة وطنيَّة، أن يكون هناك حكم عادل، فليس معنى أن نكون مسلمين، أن نكون عدوانيّين ضدّ الآخرين.

مسؤوليّة الثّبات والمواجهة

لذلك، عندما نريد أن نفكّر في المسألة الإسرائيليَّة، علينا أن لا نفكّر فيها كمسألة سياسيَّة، أنَّ هناك قومًا جاؤوا واحتلّوا بلدًا، وأنَّ هناك في دائرة الصّراع، قومًا تغلّبوا على قوم وانتهت القصَّة. لا، إنَّ هناك أمَّة يهوديَّة أخرجتنا من بلادنا، وسيطرت وتريد أن تسيطر على مقدّراتنا، تريد أن تجعلنا على هامش سياستها، كما جعلت الفلسطينيّين الباقين في فلسطين، واللّبنانيّين الموجودين في المنطقة الحدوديَّة، على هامش اقتصادها. الفلسطينيّون يخدمون الاقتصاد اليهوديّ في فلسطين، واللّبنانيّون الَّذين يذهبون إلى مزارع إسرائيل وإلى مصانعها، يعملون من أجل خدمة الاقتصاد اليهوديّ.

إنَّ هناك أمَّة يهوديَّة تريد أن تواجه أمَّة إسلاميَّة، فهل نسقط؟ هل نسقط بعد هذه القرون الأربعة عشر؟ إنَّ أجدادنا لم يسقطوا، وإن نبيَّنا لم يسقط، وإنَّ كلَّ عظمائنا لم يسقطوا، وقالوا لنا: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا...}[المائدة: 82]، ومعنى ذلك أنَّ عليك أن تحذر منهم كما تحذر من عدوّك، وأنَّ عليك أن تواجههم كما تواجه عدوَّك.

كيف تتحرَّك موازين القوى في العالم؟ "فيوم علينا ويوم لنا، ويوم نُساء ويوم نُسرّ"، وقول الله أصدق من قول الشَّاعر: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ...}[آل عمران: 140]، {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[آل عمران: 26].

لا بدَّ أن نبقى في السَّاحة.. إنَّ اليهود انتظروا، كما يقولون، آلاف السّنين أو مئات السّنين حتَّى سيطروا على فلسطين، وعلينا أن نعتبر أنَّ حركة الأمَّة لا بدَّ أن تنطلق في حجم الزَّمن: "اعمل لدنياك كأنَّك تعيش أبدًا"، وهذا كلام أمير المؤمنين (ع)، والعمل للحريَّة هو عمل للدّنيا، لتركيزها على أساس ثابت.

هذه هي المسألة. إنَّ علينا أن لا نفكّر كلبنانيّين، فلسطينيّين، سوريّين، ومصريّين... بل أن نفكّر كمسلمين. وعندما يريد المسيحيّون أن يفكّروا مسيحيًّا في المسألة الفلسطينيَّة، فنحن مستعدّون أن ننطلق كجبهة إسلاميَّة - مسيحيَّة في مواجهة الجبهة اليهوديَّة، إنَّنا لسنا منغلقين عن هذه المسألة في هذا المجال، لأنَّ الله سبحانه وتعالى أراد لنا أن نتعاون مع كلّ النَّاس الَّذين يمكن أن يلتقوا مع أهدافنا ونلتقي مع أهدافهم.

إنَّنا بحاجة، أيُّها الأحبَّة، إلى انفتاح على روحيَّة الأمَّة وعقليَّتها في هذا اليوم وفي هذه المرحلة أكثر من أيّ وقت مضى...

 

* من خطبة الجماعة لسماحته في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، للرّجال، بتاريخ: 19/03/1993م.

 

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[الإسراء: 1] صدق الله العلي العظيم.

آخر جمعة من رمضان

هذا اليوم، يوم الجمعة، يمثّل آخر جمعة من شهر رمضان، وبذلك فإنَّه يزداد شرفًا وقيمة وروحانيَّة، لأنَّ يوم الجمعة يوم من أيَّام الله الَّتي أراد للمسلمين أن يجتمعوا فيها لعبادته كأمَّة تلتقي عند كلّ قضاياها، من خلال انفتاحها على ربّها، ومن خلال تقواها والتزامها بإسلامها.

ولذلك، أراد الله سبحانه وتعالى في كلّ يوم جمعة، أن يترك النَّاس أشغالهم في البيع والشّراء وغير ذلك، وقتًا من الزَّمن، من أجل أن يذكروا الله كثيرًا، وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}[الجمعة: 9]، لأنَّهم كلَّما ذكروا الله أكثر، ذكروا أنفسهم أكثر، وانفتحوا على مصيرهم أكثر، وتوحَّد بعضهم مع بعض أكثر، لأنَّنا عندما نلتقي بين يدي الله في صلاة جمعة أو جماعة كمجتمع إسلاميّ، نشعر بقيمة الإسلام في اجتماعنا، وبقيمة الصَّلاة في وحدتنا، وبقيمة الروحانيَّة في تطلّعاتنا.

ولذلك، لم يرد الله لأحد أن يتأخَّر عن حضور الجمعة، حتَّى يكون يوم الجمعة في وقت الصَّلاة، يومًا أسبوعيًّا يلتقي فيه المسلمون على عبادة الله في إيمانهم وتقواهم، وعلى عبادته في كلّ قضاياهم.

ويوم الجمعة عندما يكون يومًا من شهر رمضان، فإنَّ قيمة هذا الشَّهر تعطيه قيمة جديدة، ولذلك فإنَّ يوم الجمعة في شهر رمضان يختلف عن بقيَّة أيَّام الجمعة في غير شهر رمضان، لأنَّه يحمل معنى الجمعة في معناه، ويحمل معنى شهر رمضان أيضًا.

ويوم الجمعة في آخر شهر رمضان يمثّل يومًا يكتسب بعدًا ثالثًا، لأنَّ هذا اليوم لن تلتقي فيه بجمعة أخرى في شهر رمضان، ولن تحصل بعده في هذه الدَّورة الزَّمنيَّة على بركة يوم الجمعة في هذا الشَّهر.

أفضل أيَّام الشَّهر

وهناك نقطة، وهي أنَّ هذا اليوم يقع في العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي تمثّل في معناها وفي درجتها وفي قيمتها، أفضل أيَّام شهر رمضان ولياليه، يغفر الله فيها ما لم يغفره في غيرها من الأيَّام، وينزل رحمته على عباده بدرجة أكبر، وبكميَّة أكثر من بقيَّة أيَّام شهر رمضان.

ولذلك، ورد عندنا في الحديث، أنَّ رسول الله (ص) كان إذا جاءت العشر الأواخر من شهر رمضان، أزال فراشه، وتفرَّغ للعبادة بين يدي الله، تدليلًا على أنَّ هذه الأيَّام هي الأيَّام الَّتي تمثّل فرصةً كبرى للإنسان، بما لا تمثّله أيَّام أخرى، في حصوله على رحمة الله ومغفرته، وعلى عفوه ورضوانه. وقد عرفنا من خلال أكثر من حديث، أنَّ علينا أن نتطلَّب ليلة القدر في اللَّيالي المفردة من العشر الأواخر في شهر رمضان، فكلُّ ليلة مفردة يحتمل فيها أن تكون ليلة القدر، ما يفرض على الإنسان أن يفرّغ نفسه في كلّ هذه اللّيالي.

شهر التَّعبئة الرّوحيَّة

أيُّها الأحبَّة، إنَّنا عندما نقف في مثل هذا اليوم، وقد شارف شهر رمضان على الانتهاء، فإنَّ علينا أن نستنفر كلَّ طاقاتنا وروحانيَّتنا، وكلّ محبَّتنا لربّنا وخوفنا منه، وكلَّ قلقنا على مصيرنا في الآخرة، حتَّى نستطيع أن نتموَّن تموينًا روحيًّا يجعل من كلّ إنسان منَّا إنسانًا يعيش الروحانيَّة بين يدي الله، حتَّى إذا أراد أن يسير في الحياة بين أهله وأقربائه وبين النَّاس من حوله، يسير معهم على أساس روحانيَّته، بحيث يحبّ النَّاس من موقع الرّوح، ويتعاون معهم من موقع التقرّب إلى الله، ويتحرَّك في كلّ مشاريع الحياة من خلال الخوف من الله والمحبَّة له.

إنَّ هذا الشَّهر المبارك هو شهر التَّعبئة الرّوحيَّة، وشهر الطَّهارة الرّوحيَّة. وقد جاء في أكثر من دعاء أنَّه شهر الطّهور، وشهر الإسلام، وشهر التَّوبة، وشهر المغفرة والرَّحمة. لذلك، فإنَّ المحروم هو من حُرم غفران الله في هذا الشَّهر العظيم، ومن حُرم التَّوبة والارتفاع بروحه فيه.

فلنفرّغ أنفسنا فيما بقي من هذا الشَّهر، ولنعش هذين الدّعاءين الصَّغيرين اللَّذين يُدعى بهما في أواخره: "اللَّهمَّ وهذه أيَّام شهر رمضان قد انقضت، ولياليه قد تصرَّمت، وقد صرت، يا إلهي، إلى ما أنت أعلم به منّي، وأحصى لعدده من الخلق أجمعين، فأسألك بما سألك به ملائكتك المقرَّبون، وأنبياؤك المرسلون، وعبادك الصَّالحون... إن كنت رضيت عنّي في هذا الشَّهر، فازدد عنّي رضا، وإن لم تكن رضيت عنّي، فمن الآن فارضَ عنّي".

أن تجلس بين يدي ربّك لتتعرَّف من خلال مشاعرك وأحاسيسك وتطلّعاتك ودراستك لحالتك عندما دخل شهر رمضان، كيف كان إقبالك على طاعة الله في أوَّل الشَّهر، وكيف هو إقبالك على طاعة الله الآن.. كيف هو ابتعادك عن معصية الله في أوَّل الشَّهر، وكيف هو ابتعادك عن معصية الله الآن؛ هل ازددت قربًا من الله؟ هل ازددت محبّة له؟ هل ازددت خوفًا منه؟ هل ازددت انضباطًا في خطّ الطَّاعة والبعد عن المعصية، أو أنَّك لا تزال على حالك، أو أنَّك تأخَّرت عمَّا كنت فيه؟ لأنَّ الإنسان يعرف رضا الله عليه من خلال ما يعرفه من قوَّة حوافز الطَّاعة في نفسه، ومن ضعف حوافز المعصية فيها. كلَّما رأينا أنفسنا نحبُّ الطَّاعة أكثر، فمعنى ذلك أنَّ الله قد فتح لنا باب رضاه أكثر، وعندما نجد أنفسنا لا نزال نستثقل الطَّاعة ونتركها ونستخفّ بها، فمعنى ذلك أنَّنا لم نستطع أن نرفع صلواتنا لله، ولا أن نرفع ابتهالاتنا له.

إنَّك عندما تريد أن تعرف موقعك من الله، فاعرف في نفسك ما موقع الله منك، وإذا أردت أن تعرف ما هو رضا الله عليك، فاعرف ما هو رضاك عن الله. إنَّ الله سبحانه وتعالى يريد أن تكون نفس كلّ واحد منَّا راضية مرضيَّة، إنَّ علينا دائمًا أن ننطلق في حياتنا لنسمع النَّداء الحبيب الأخير: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *‏ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً – بما أعطاك ربّك - مَّرْضِيَّةً – عند الله بما قدّمت من أعمال.. وعند ذلك، إذا كان الإنسان راضيًا عن الله، وكان الإنسان مرضيًّا عند الله، فإنَّ هذا الرّضا المتبادل والمحبّة المتبادلة بين الإنسان وبين ربّه، هي الَّتي تقول له: - فَادْخُلِي فِي عِبَادِي *‏ وَادْخُلِي جَنَّتِي}[الفجر: 27 - 30]. أن نعيش هذه الأجواء، أن نعيش هذه الرّوح، أن نقترب إلى الله سبحانه وتعالى.

حقّ شهر رمضان

ثمَّ بعد ذلك، نقف في الدّعاء الثَّاني لنقول: "اللَّهمَّ أدِّ عنَّا حقَّ ما مضى مِنْ شهرِ رمضان". لقد كان لشهر رمضان حقّ علينا؛ أن نقوم ليله، وأن نصوم نهاره، وأن نكفَّ جوارحنا عن معاصي الله، وأن نوجّه أنفسنا في طاعته، وأن نحبّ أولياءه ونعادي أعداءه، أن نتجنَّد للدَّعوة إليه وللعمل في سبيله. إنَّ شهر رمضان الَّذي هو شهر الطَّاعة، وشهر العبادة، وشهر قراءة القرآن، وشهر بدر، وشهر مكَّة، وشهر الجهاد في سبيل الله.. هذا الشَّهر المبارك له حقّ علينا، فهل أدَّينا حقَّه؟ هل استطعنا أن نقوم بحقّه فيما يريده الله منَّا، أو أنَّنا قصَّرنا في حقّه؟

أن نقف بين يدي ربّنا لنقول له: "اللَّهمَّ أدِّ عنَّا حقَّ ما مضَى منْ شهرِ رمضانَ، واغفرْ لنَا تقصيرَنا فيه"، فربَّما قصَّرنا في قيامه، أو في صيامه، أو في انفتاحنا عليك، ربما قصَّرنا فيما يجب أن نقوم به من الجديَّة أمامك، فاغفر لنا، يا ربّ، تقصيرنا فيه، فنحن لم نتعمَّد ذلك، ولكنَّ الشَّيطان طاف بنا وبعقولنا وقلوبنا وغرائزنا، فجعلنا نقصّر حيث لا يجوز التَّقصير، فاغفر لنا تقصيرنا فيه، وتسلّمه منّا مقبولًا.

نريدك، يا ربّ، حتَّى لو قصَّرنا فيه، أن تكمل ما نقص منه، وأن تعطينا ما لم نقدّم فيه. أعطنا، يا ربّ، مغفرة، وإن كنَّا لا نستحقّ المغفرة، أعطنا، يا ربّ، رضوانك، وإن كنَّا لا نستحقّه، أعطنا، يا ربّ، جنَّتك وإن كنَّا لا نستحقّ ذلك، "وتسلَّمْهُ منَّا مقبولًا، ولا تؤاخذْنا بإسرافِنا على أنفسِنَا" فيما عصينا وفيما قصَّرنا وفيما انحرفنا وفيما ابتعدنا عنك. "واجعلْنا منَ المرحومين" الَّذين شملتهم رحمتك، "ولا تجعلْنا منَ المحرومين" الَّذين حرمتهم من عفوك وغفرانك ورضوانك، لتحرمهم بعد ذلك جنَّتك.

روحيّة الدّعاء في حياتنا

هذان الدّعاءان وغيرهما من الأدعية الَّتي نقرأها في اللّيل والنَّهار، لا بدَّ لنا، أيُّها الأحبَّة، أن نعيشها في روحيَّتنا، أن نعيشها في إقبالنا على الله سبحانه وتعالى، أن يمثّل الدّعاء بالنّسبة إلينا هدفًا في كلّ الكلمات الَّتي نقرأها.

نحن عندما نقول في دعاء الافتتاح في كلّ ليلة: "اللَّهمَّ إنَّا نرغب إليك في دولة كريمة، تعزّ بها الإسلام وأهله، وتذلّ بها النّفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدّعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدّنيا والآخرة"، عندما نقرأ هذا الدّعاء، نتطلَّع إلى كلّ الواقع الموجود في الحياة الإسلاميَّة، لنجد أنَّ الواقع في أغلب حالاته، لا يحمل في ساحاته دولة يُعَزُّ بها الإسلامُ وأهله، ويُذَلُّ فيها النّفاقُ وأهله؛ إنَّ النّفاق منتشر في كلّ مكان، وإنَّ الإسلام محارَبٌ في كلّ مكان.

وهكذا نتطلَّع إلى الله في هذا الدّعاء أن يجعلنا من الدّعاة إلى طاعته، أن يشعر كلّ واحد منَّا بعد أن يقرأ هذا الدّعاء: لقد طلبت من الله أن يجعلني من الدّعاة إلى طاعته، فعليّ أن أستنفر كلّ علاقاتي، وكلَّ أوضاعي، من أجل أن تكون حياتي دعوة إلى طاعة الله سبحانه وتعالى، وأن أجعل من نفسي في تنمية قدراتي وإمكاناتي وظروفي، مشروع قائد في سبيل الله، وأن ننطلق من خلال هذه الدَّولة الإلهيَّة لنحصل على كرامة الدّنيا والآخرة.

ثمَّ عندما نقرأ في آخر دعاء الافتتاح هذه الفقرات الأخيرة: "اللَّهُمَّ ما عَرَّفْتَنا مِنَ الحَقِّ فَحَمِّلْناهُ، وَما قَصُرْنا عَنْهُ فَبَلِّغْناهُ، اللّهُمَّ الْمُمْ بِهِ شَعْثَنا، وَأَشْعَبْ بِهِ صَدْعَنا، وَأَرْتِقْ بِهِ فَتْقَنا، وَكَثِّرْ بِهِ قِلَّتَنا، وَأَعْزِزْ بِهِ ذِلَّتَنا، وَأَغْنِ بِهِ عائِلَنا، وَأَقْضِ بِهِ عَنْ مُغْرَمِنا، وَاجْبُرْ بِهِ فَقْرَنا، وَسُدَّ بِهِ خَلَّتَنا، وَيَسِّرْ بِهِ عُسْرَنا، وَبَيِّضْ بِهِ وُجُوهَنا، وَفُكَّ بِهِ أَسْرَنا، وَانْجِحْ بِهِ طَلَبَتِنَا، وَأَنْجِزْ بِهِ مَواعِيدَنا، وَاسْتَجِبْ بِهِ دَعْوَتَنا، وَأعْطِنا بِهِ سُؤْلَنا، وَبَلِّغْنا بِهِ مِنَ الدُّنْيا وَالآخرةِ آمالَنا، وَأعْطِنا بِهِ فَوْقَ رَغْبَتِنا، يا خَيْرَ المَسْؤُولِينَ وَأَوْسَعَ المـُعْطِينَ".

الالتزام بنهج الحقّ

ولاحظوا تكرّر كلمة "به" في كلّ الفقرات، ومعنى هذه الكلمة أنَّنا نطلب من الله أن يعيننا على أن يحلّ لنا كلَّ مشاكلنا الخاصَّة والعامَّة، بالحقّ، لأنَّ الكثيرين من النَّاس يتطلَّبون حلَّ مشكلتهم كيفما كان، بالحقّ أو بالباطل، ويتصوَّرون أنَّ عليهم أن يجدوا وحدتهم بالكفر أو بالإيمان، وأنَّ عليهم أن يواجهوا واقعهم بأيّ طريقة كانت. إنَّ هذه الفقرات من الدّعاء تضع إطارًا محدَّدًا لطلبات الإنسان من ربّه؛ فهي توضح أنَّ المؤمن لا يطلب تحقيق أهدافه بأيّ وسيلة كانت، بل أن يكون كلّ حلٍّ لمشاكله بالحقّ، وليس بأيّ وسيلة أخرى.

وعندما نقول: "اشْفِ بِهِ صُدُورَنا"، أي اشف بالحقّ صدورنا، "وَأَذْهِبْ بِهِ غَيْظَ قُلُوبِنا"، أي أذهب بالحقّ غيظ قلوبنا. وهذا يعطينا فكرة، أنَّه يجب أن يكون الحقّ هو الأساس في كلّ أوضاعنا في الحياة، وفي كلّ تطلّعاتنا في الحياة، وفي كلّ حركة لحلّ مشاكلنا في الحياة، أن لا نبتعد عن الحقّ في شيء أبدًا.

وإذا كنَّا نذكر عليًّا (ع) في هذه الأيَّام عندما نتذكَّر يوم شهادته، فعلينا أن نتذكَّر الكلمة الرَّائدة المرويَّة عن رسول الله (ص): "عليٌّ معَ الحقّ، والحقُّ معَ عليّ، يدورُ معَهُ حيثُما دارَ".

لذلك، من كان من شيعة عليّ، ومن كان تابعًا لعليّ، ومن كان مسلمًا في أجواء عليّ، فإنَّ عليه أن يكون مثل عليّ؛ أن يكون مع الحقّ، وأن يكون الحقّ معه، أن يكون مع الحقّ في القضايا الصَّغيرة، وأن يكون مع الحقّ في القضايا الكبيرة، لأنَّ عليًّا عندما لا يقترب من الباطل قيد شعرة، فكيف يمكن أن نكون معه ونحن نعيش في قلب الباطل أو في أحضانه؟! من يرد أن يكون مع عليّ، فليكن مع الحقّ، ومن يرد أن يكون مع الباطل، فعليه أن يفهم أنَّه لا لقاء بينه وبين عليّ في الشّؤون الخاصَّة أو العامَّة.

هذه الأجواء، أيُّها الأحبَّة، نحتاج أن نعيشها، نحتاج أن نتفهَّم ما نتلوه من أدعية، أن نتعبَّأ فكريًّا وروحيًّا من خلال كلّ هذه الأدعية الَّتي تمثّل ثروة فكريّة وروحيَّة واجتماعيَّة، يستطيع من خلالها الإنسان أن ينفتح على كلّ مواقع الخير والمسؤوليَّة في الحياة.

مسؤوليَّة الانفتاح على الله

شهر رمضان من خلال الانفتاح على الله، يجعل كلَّ واحد منَّا يتحسَّس مسؤوليَّته أمامه سبحانه، عندما تشعر بأنَّ الله أوجدك في هذا العالم، لتكون الإنسان المسؤول بحجم طاقتك، وبحجم فكرك وإمكاناتك، ولتكون الإنسان المسؤول عن بناء الحياة على حسب ما يريدها الله ويرضاها، لست في هذه الحياة إنسانًا عبثيًّا، لم يخلقك الله عبثًا، كما يقول تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}[المؤمنون: 115]، ولكنَّ الله خلقك لتعرفه، ولتطيعه، وسخَّر لك كلَّ ما في الكون في خدمتك {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ...}[الجاثية: 13]، من أجل أن تستفيد من ذلك كلّه، حتَّى تستطيع أن تحقّق الكثير الكثير مما يمكن أن يقرّبك إلى الله سبحانه وتعالى.

هذه نافذة في شهر رمضان في يوم الجمعة يجب أن نطلَّ عليها، حتَّى نستقبل العيد بروحيَّة الإنسان الَّذي يعيّد لأنَّه أطاع الله. وتذكَّروا في هذا المجال كلمة الإمام عليّ (ع) في حديثه عن عيد الفطر: "إنَّما هو عيدٌ لمنْ قبِلَ اللهُ صيامَهُ وشَكَرَ قيامَهُ، وكلُّ يومٍ لا يُعصَى اللهُ فيهِ فهو عيدٌ".

نحن لا ننتظر عيد الفطر لنعيّد، لأنَّ كلّ يوم يمرّ ولا نعصي الله فيه هو عيد لنا، وإذا لم نعصِ الله غدًا فهو عيدنا، لأنَّ عيد الفطر يمثّل عيد الاحتفال بطاعة الله، وبالانفتاح على مواقع رضاه سبحانه وتعالى.

يوم القدس العالميّ

هذه نافذة تطلّ على آخر جمعة من شهر رمضان. وهناك نافذة أخرى فتحها الإمام الخمينيّ (رض) من خلال وعيه، ومن خلال روحانيَّته الَّتي تتحرَّك في خطّ مسؤوليَّته الإسلاميَّة، وهو اعتبار آخر جمعة من شهر رمضان يومًا إسلاميًّا عالميًّا تحت اسم "يوم القدس"، حيث أراد من المسلمين في أنحاء العالم أن يتجمهروا ويتظاهروا، كلٌّ بحسب ظروفه، وكلٌّ بحسب إمكاناته، لتبقى القدس في الذَّاكرة الإسلاميَّة قضيَّةً لا بدَّ للمسلمين أن يتحمَّلوا مسؤوليَّتها، مهما ضغطت الظّروف، ومهما اختلفت الأوضاع، ومهما قست السّياسات في كلّ أنحاء العالم.

لماذا يوم القدس؟ وما هي مسألة القدس؟ هل القدس هنا في وعي الإمام (رض) تمثّل مدينة القدس، فهو يريد لنا أن نعمل على أن تبقى المدينة حرَّة؟ أو كما يقول بعض النَّاس ممن يتحدَّثون في المسألة الدّينيَّة على خطّ المسألة السياسيَّة، أنَّ القدس باعتبار أنَّها بلد الديانات، فلا بدَّ أن تكون حرَّة في مواقعها العباديَّة، بحيث يترك للنَّصارى أن يديروا كنائسهم، وللمسلمين أن يديروا مساجدهم، ولليهود أن يديروا كنسهم، وما إلى ذلك؟ أنَّ المسألة هي مسألة حريَّة الطقوس الدينيَّة في المواقع الدينيَّة في القدس؟! وربما يتحدَّث بعض النَّاس عن تدويل القدس، أن تكون مدوّلة، بحيث تشرف عليها هيئة الأمم المتَّحدة، أو تشرف عليها دول تختار من بين عدَّة دول!

القدس قضيّة ورسالة

إنَّ المسألة عند الإمام الخميني (رض) لم تكن مسألة القدس كمدينة، بل القدس كقضيَّة ورسالة ومشروع يتَّصل بأكثر من موقع من مواقع الوجود الإسلاميّ في العالم.

إنَّ المسألة الَّتي واجهت العالم الإسلاميّ، ولا تزال تواجهه منذ أن انطلق الإسلام في العالم، هي أنَّ اليهود عملوا منذ أن بعث الله رسوله، على أن يكيدوا للإسلام والمسلمين، فقد أثاروا المشاكل في المدينة من خلال تحالفهم مع المنافقين، وأثاروا المشاكل في المنطقة العربيَّة آنذاك من خلال تحالفهم مع المشركين، واستطاعوا أن يتعبوا الدَّعوة في بداياتها، وعملوا على أن يتعبوا الفكر الإسلاميّ والواقع الإسلاميّ بطرق خفيَّة في أكثر من موقع من مواقع المسلمين. ولا تزال المسألة تعيش في الواقع من خلال قمَّة الكيد للإسلام والمسلمين، في التَّآمر على فلسطين، والاحتلال اليهوديّ لها، وإخراج أكثر أهلها منها، ومحاولة إخراج الباقي منها.

وهذه مسألة لا تتَّصل بحالة عابرة في الحياة الإسلاميَّة، بل هي مسألة تتحرَّك في التَّاريخ لتصل إلى الحاضر، لتكون القضيَّة المطروحة، كما وعاها الإمام (رض)، أن تكون القدس عاصمة للدَّولة الَّتي يريد اليهود أن ينشئوها، وقد أنشأوها، ليكون هيكل سليمان بديلًا من المسجد الأقصى، لأنَّ القضيَّة هي أنَّهم لا يزالون يقومون بحفريَّات في أعماق المسجد، حتَّى يكتشفوا، كما يقولون، البناء الأصليّ لهيكل سليمان. وقد عمل الكثيرون من أثريائهم على أن يطلبوا من المسلمين في مختلف الأزمنة بأن يشتروا بيت المقدس، وأن يشتروا المسجد الأقصى، لأنَّهم يريدون أن يقيموا عليه هيكل سليمان الَّذي يقدّسه اليهود.

إنَّ القضيَّة هي أنَّ اليهود استطاعوا أن يجتذبوا كلَّ يهود العالم من خلال عنوان القدس. ماذا كانت الكلمة الَّتي يقابل بها اليهوديُّ اليهوديَّ الآخر في كلّ مكان في العالم، قبل أن تُنشأ إسرائيل كدولة للعدوّ؟ كان الكلام: "اللّقاء في أورشليم". وأورشليم هي الكلمة العبريَّة لكلمة القدس. لربّما لم يكونوا يتحدَّثون بهذه الطّريقة الَّتي نتحدَّث بها هذه الأيَّام، لكنَّهم كانوا يتحدَّثون بعمقها "زحفًا زحفًا نحو أورشليم". كانت الوكالة اليهوديَّة تعمل في العالم على أن تقنع كلّ يهود العالم بالمجيء إلى فلسطين، على أساس أنَّ ذلك يمثّل إعادة مملكة أورشليم، مملكة القدس.

القدس كانت هي العنوان الرّوحيّ الكبير الَّذي جعل كلَّ يهود العالم يتَّجهون إلى فلسطين على أساس أنَّها أرض الميعاد. لو قالوا لهم "فلسطين" لما جاؤوا، ولكنَّهم قالوا لهم "أورشليم"، ولذلك جاؤوا.

لقد انطلقت اليهوديَّة من موقع دينيّ، ومن موقع روحيّ، واستطاعت أن تجتذب الحركة السياسيَّة الصّهيونيَّة من خلال الحركة الدّينيَّة، لأنَّهم عرفوا أنَّهم عندما يتحركون سياسيًّا بعيدًا من العمق الدّينيّ الَّذي يربطهم بالتَّاريخ وبالتّديّن، فإنّ اليهود سوف لا يقبلون على ذلك، لكنَّهم أعطوا العمق الدّينيَّ عمقًا سياسيًّا، وأعطوا العمق السياسيّ معنىً روحيًّا، وبذلك تحركت إسرائيل في وعي كلّ يهوديّ في العالم، كعنوان تلتقي فيه السياسة بالدّين، وعنوان يحمل المعنى الرّوحيّ والمعنى المادّيّ، ولذلك وصلوا إلى أورشليم، وسيطروا على ما حولها، ويعملون على أن يسيطروا أكثر، ويبقى حديثهم عن القدس أساسيًّا في سياستهم.

أرض الميعاد!

لقد استطاعت الصّهيونيَّة أن تستولي على أكثر من موقع في فلسطين، وأن تأخذ قسمًا من القدس قبل سنة 67، ولكنَّها عندما احتلَّت القدس الشَّرقيَّة، بدأ الحديث في دائرة دولة الصَّهاينة، وفي كلّ الدَّوائر الموجودة في العالم، بدأ الحديث عن القدس؛ أن تكون القدس عاصمة موحَّدة لإسرائيل.. بدأوا يطالبون الدّول بأن يجعلوا سفاراتهم في القدس بدلًا من تل أبيب، لأنَّهم يريدون أن يركّزوا معنى القدس في استراتيجيَّتهم، ويريدون من جهة أخرى أيضًا، أن يثيروا الذَّاكرة المسيحيَّة نحو القدس، على أساس أنَّ القدس بلد يجتذب روحانيَّة المسيحيّين، كما يجتذب روحانيَّة المسلمين واليهود. لقد أرادوا أن يستفيدوا من بعض الأفكار الموجودة في التَّوراة، والَّتي ربَّما تتحدَّث عن أرض الميعاد، ليقولوا للمسيحيّين إنَّ عليكم أن تجسّدوا إرادة الله في أن تعاونونا على أن نستولي على هذه الأرض، أرض الميعاد.

إسرائيل حتَّى الآن لا تزال تتحدَّث عن القدس، ولا تزال ترفض بكلّ حسم أن يكون هناك حوار فلسطينيّ - إسرائيليّ حولها، لأنَّ قضيَّة القدس قضيَّة منتهية عندها. وقد استطاعت إسرائيل بنفوذها الصّهيونيّ في أمريكا، أن تجعل الكونغرس الأمريكيّ يصوّت على أن تكون القدس عاصمة أبديَّة لإسرائيل. وإذا كان الأمريكيّون يتحدَّثون أنَّ قرار الكونغرس لا يلزم الإدارة الأمريكيَّة، فإنَّنا نعرف أنَّ الإدارة الأمريكيَّة ربَّما تزايد على الكونغرس في إخلاصها لإسرائيل.

بين المسجد الحرام والأقصى

لذلك، عندما رأى الإمام الخمينيّ (رض) أنَّ القدس تمثّل المعنى الرّوحيّ الَّذي يرتبط بالماضي وبالحاضر والمستقبل، والَّذي يمكن أن يجتذب المسلمين الَّذين قد لا يعرفون شيئًا كبيرًا عن فلسطين، والَّذين لم يتح لهم أن يتابعوا القضيَّة الفلسطينيَّة من الوجهة السياسيَّة، أراد للقدس أن تكون عنوانًا إسلاميًّا في شهر الإسلام، وفي يوم الجمعة الَّتي هي يوم إسلاميّ خالد يجتمع فيه المسلمون، ليتذكَّر المسلمون القدس، فلا تخرج عن دائرة الضَّوء، ولا تخرج بفعل المؤامرات المتعدّدة عن ذاكرة المسلمين وعن تطلّعاتهم في تحريرها.

إنَّ الإمام الخميني (رض) انطلق من خلال هذا الارتباط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى في إسراء النَّبيّ (ص) (المذكور في سورة الإسراء، الآية 1)، باعتبار أنَّ المسجد الأقصى يمثّل عمق الرّسالات في التَّاريخ، والمسجد الحرام يمثّل خاتمة الرّسالات الَّتي بدأت من إبراهيم (ع) وانتهت بمحمَّد (ص)، ليكون هذا النَّوع من الارتباط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، هو الفكرة الَّتي أطلقها القرآن عندما قال: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ...}[البقرة: 285]، وعندما قال: {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ}[العنكبوت: 46]. إنَّ هذا النَّوع من التَّزاوج بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، يفرض التَّفاعل بين قضيَّة المسجد الحرام وبين قضيَّة المسجد الأقصى.

ونلاحظ أنَّ الإمام (رض) جعل يوم القدس في أجواء فتح مكَّة، لأنَّ فتح مكَّة كان في شهر رمضان، في آخر العشر الثَّانية من شهر رمضان، ويوم القدس في العشر الثَّالثة، حتَّى يتذكَّر النَّاس عندما يثيرون فتح مكَّة الَّذي حرَّر المسجد الحرام من كلّ الأصنام والأوثان، فتح القدس، كيف يفتحون القدس، ليحطّموا كلَّ الأصنام الَّتي تعيش في أجوائها وفيما حولها.

لقد أراد الإمام (رض) من خلال يوم القدس، أن تبقى القضيَّة الفلسطينيَّة من خلال هذا العنوان الرّوحيّ، قضيّةً لا تستغرق في الجانب السياسيّ، ولكنَّها تخاطب الوجدان الدّينيّ والوجدان الرّوحيّ، حتَّى يشعر المسلمون من خلال ذلك أنَّه ليست هناك أيَّة فواصل بين الوجدان الدّينيّ والوجدان السياسيّ في القضايا الإسلاميَّة الكبرى.

وعندما نريد أن ننطلق في الواقع، ونحن الآن في يوم الجمعة الأخيرة وفي يوم القدس، نحاول أن نستقرئ آفاق الواقع من خلال آفاق هذا اليوم.

إعادةُ إنتاجِ معنى الأمَّة

السّؤال الَّذي يفرض نفسه على المسلمين جميعًا في كلّ أنحاء العالم هو: أيُّها المسلمون، هل تريدون أن تكونوا أمَّة واحدة، كما أراد الله لكم أن تكونوا أمَّة واحدة؟ "مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالحمَّى والسَّهر"، "من لم يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم"، "من سمع رجلًا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه، فليس بمسلم".

هل تريدون أن تكونوا أمَّةً أمام الأمم الأخرى، أو أنَّكم لا تريدون أن تكونوا كذلك؟ هناك في الواقع العالميّ الآن أمَّة مسيحيَّة، وهناك أمَّة يهوديَّة، ونحن نواجه الآن عمليَّة المحافظة على العناصر الحقيقيَّة لكياننا كأمَّة، لأنَّ القضيَّة الآن ليست كيف تصارع أمَّةٌ أمَّةً، القضيّة هي أنَّنا نريد أن نعيد إنتاج معنى الأمَّة في عقولنا، بحيث إنَّك لا تشعر بنفسك عندما تعيش في أيّ منطقة من مناطق العالم الإسلاميّ بأنَّك تتمثَّل في شخصيَّة هذه المنطقة. هناك شخصيَّات موجودة: شخصيَّة لبنانيَّة، وشخصيَّة سوريَّة، وشخصيَّة عراقيَّة، وشخصيَّة إيرانيَّة، وما إلى ذلك من كلّ بلدان الإسلام.. أن نفهم أنَّ هذه خصوصيَّتنا وليست شخصيَّتنا. هناك فرقٌ بينَ الخصوصيَّة وبين الشَّخصيَّة، فشخصيَّتك هي ما يمثّل فكرك، ما يمثّل شعورك، ما يمثّل انفتاحك على النَّاس الآخرين.

نحن مسلمون نحاور الآخرين، وبعد ذلك {فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ...}[آل عمران: 64]، الله سبحانه وتعالى أمر نبيّه أن يقول: {وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ}[الزّمر: 12]، ونحن نقرأ في القرآن: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *‏ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}[الأنعام: 162 - 163].  أن تكون مسلمًا لله في خطّ الإسلام الَّذي هو خطّ الرّسالات {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}[يوسف: 101].

الشَّخصيَّة الإسلاميَّة هي الأساس

إنَّ شخصيَّتنا الحقيقيَّة هي الشَّخصيَّة الإسلاميَّة الَّتي لا تبتعد عن خصوصيَّاتنا العائليَّة والذَّاتيَّة والجغرافيَّة والقوميَّة وما إلى ذلك، لكنَّ الشَّخصيَّة الَّتي تحرّكنا، الشَّخصيَّة الحركيَّة، الشَّخصيَّة الَّتي نستطيع من خلالها أن نسالم أو نحارب، الشَّخصيَّة الَّتي نستطيع أن نخطّط بها لوجودنا في العالم، هي الشَّخصيَّة الإسلاميَّة.

لذلك، نحن بحاجة إلى إنتاج هذه الشَّخصيَّة الإسلاميَّة في أنفسنا، حتَّى نعيش مسلمين منفتحين على النَّاس الآخرين، وحتَّى نقف بين يدي الله مسلمين.

إنَّ الله لن يسألنا غدًا عن هويَّتنا اللّبنانيَّة أو هويَّتنا العراقيَّة أو الإيرانيَّة أو الأفغانيَّة، بل سيسألنا عن هويَّتنا الإسلاميَّة. أنتم تعرفون مسألة التَّلقين في القبر، ماذا يلقَّن الميت في قبره؟ هل يقال: لبنان وطني، والعروبة قوميَّتي، والضَّيعة الفلانيَّة بلدي؟ هل منكم من سمع أحدًا يلقّن الميت ذلك؟ ماذا يلقَّن الميت؟: "الله ربّي، ومحمَّد نبيّي، والقرآن كتابي، والإسلام ديني، والكعبة قبلتي..."، إلى آخر التَّلقين.

فأنت، أيُّها الإنسان، كنت في الدّنيا ضائعًا بين العديد من الصّفات: صفة حزبيَّة، وصفة جغرافيَّة، وصفة قوميَّة... أمَّا صفتك الأساسيَّة الَّتي تقف بها غدًا بين يدي الله، عندما يسألك الملكان: من ربّك، ومن نبيّك، وما دينك، وما قبلتك؟... فهي صفة الإسلام.

الشَّخصيَّة الإسلاميَّة لا بدَّ أن تعيش معنا في الدّنيا، ولا بدَّ أن تستمرَّ معنا في الآخرة. أنت مسلم في قبرك، ومسلم في حشرك، ومسلم عندما تدخل الجنَّة، بالمعنى المنفتح على الإسلام الّذي هو إسلام الوجه والقلب واليد واللّسان لله سبحانه وتعالى.

إذًا، نحن لا بدَّ لنا أن ننطلق في العالم كمسلمين، أن يكون همّنا همّ المسلمين، وقضايانا قضايا المسلمين. وعندما نفكّر أيضًا في قضايانا في خصوصيَّاتنا الجغرافيَّة، فإنّنا نعتقد أنَّ من مصلحة المسلمين أن تكون هناك في هذا البلد وحدة وطنيَّة، أن يكون هناك حكم عادل، فليس معنى أن نكون مسلمين، أن نكون عدوانيّين ضدّ الآخرين.

مسؤوليّة الثّبات والمواجهة

لذلك، عندما نريد أن نفكّر في المسألة الإسرائيليَّة، علينا أن لا نفكّر فيها كمسألة سياسيَّة، أنَّ هناك قومًا جاؤوا واحتلّوا بلدًا، وأنَّ هناك في دائرة الصّراع، قومًا تغلّبوا على قوم وانتهت القصَّة. لا، إنَّ هناك أمَّة يهوديَّة أخرجتنا من بلادنا، وسيطرت وتريد أن تسيطر على مقدّراتنا، تريد أن تجعلنا على هامش سياستها، كما جعلت الفلسطينيّين الباقين في فلسطين، واللّبنانيّين الموجودين في المنطقة الحدوديَّة، على هامش اقتصادها. الفلسطينيّون يخدمون الاقتصاد اليهوديّ في فلسطين، واللّبنانيّون الَّذين يذهبون إلى مزارع إسرائيل وإلى مصانعها، يعملون من أجل خدمة الاقتصاد اليهوديّ.

إنَّ هناك أمَّة يهوديَّة تريد أن تواجه أمَّة إسلاميَّة، فهل نسقط؟ هل نسقط بعد هذه القرون الأربعة عشر؟ إنَّ أجدادنا لم يسقطوا، وإن نبيَّنا لم يسقط، وإنَّ كلَّ عظمائنا لم يسقطوا، وقالوا لنا: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا...}[المائدة: 82]، ومعنى ذلك أنَّ عليك أن تحذر منهم كما تحذر من عدوّك، وأنَّ عليك أن تواجههم كما تواجه عدوَّك.

كيف تتحرَّك موازين القوى في العالم؟ "فيوم علينا ويوم لنا، ويوم نُساء ويوم نُسرّ"، وقول الله أصدق من قول الشَّاعر: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ...}[آل عمران: 140]، {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[آل عمران: 26].

لا بدَّ أن نبقى في السَّاحة.. إنَّ اليهود انتظروا، كما يقولون، آلاف السّنين أو مئات السّنين حتَّى سيطروا على فلسطين، وعلينا أن نعتبر أنَّ حركة الأمَّة لا بدَّ أن تنطلق في حجم الزَّمن: "اعمل لدنياك كأنَّك تعيش أبدًا"، وهذا كلام أمير المؤمنين (ع)، والعمل للحريَّة هو عمل للدّنيا، لتركيزها على أساس ثابت.

هذه هي المسألة. إنَّ علينا أن لا نفكّر كلبنانيّين، فلسطينيّين، سوريّين، ومصريّين... بل أن نفكّر كمسلمين. وعندما يريد المسيحيّون أن يفكّروا مسيحيًّا في المسألة الفلسطينيَّة، فنحن مستعدّون أن ننطلق كجبهة إسلاميَّة - مسيحيَّة في مواجهة الجبهة اليهوديَّة، إنَّنا لسنا منغلقين عن هذه المسألة في هذا المجال، لأنَّ الله سبحانه وتعالى أراد لنا أن نتعاون مع كلّ النَّاس الَّذين يمكن أن يلتقوا مع أهدافنا ونلتقي مع أهدافهم.

إنَّنا بحاجة، أيُّها الأحبَّة، إلى انفتاح على روحيَّة الأمَّة وعقليَّتها في هذا اليوم وفي هذه المرحلة أكثر من أيّ وقت مضى...

 

* من خطبة الجماعة لسماحته في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، للرّجال، بتاريخ: 19/03/1993م.

 
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية