محاضرات
12/03/2026

يومُ القدس: اليقظةُ والوعيُ لحمايةِ القضيَّةِ والهويَّةِ الإسلاميَّة

يومُ القدس: اليقظةُ والوعيُ لحمايةِ القضيَّةِ والهويَّةِ الإسلاميَّة

هذا اليوم، هو يوم آخر جمعة من شهر رمضان المبارك، هذا اليوم الَّذي يمثّل أفضل يوم في هذا الشَّهر، في العشر الأواخر الَّتي تمثّل أفضل عشر في هذا الشَّهر، في شهر رمضان الَّذي يمثّل أفضل الشّهور في السنة.

آخر جمعة من رمضان

في هذا اليوم الَّذي تجتمع فيه كلّ ألطاف الله، وكلّ فيوضات رحمته وحنانه وعطفه على عباده، لا بدَّ لنا، أيُّها الأحبَّة، أن نفتح قلوبنا لربّنا، لنفرّغها من كلّ ما لا يرضيه، من نيَّاتنا وأحاسيسنا ومشاعرنا، فإنَّ الله أراد لهذا القلب الَّذي يمثّل عمق وجودنا الإنسانيّ، وعمق الحياة فينا، والَّذي يمثّل العقل المنفتح على الشّعور، أن يكون قلباً سليماً من كلّ شرك وكفر وضلال وحقد وبغضاء..

أراد الله لهذا القلب أن يكون كقلب رسوله ونبيّه، سيّدنا أبي القاسم محمَّد بن عبد الله (ص)، فقد كان قلبه قلبَ الحقّ والخير والعدل والمحبَّة، كان يعيش في داخل قلبه المحبَّة للنَّاس كلّهم؛ كان يحبّ الَّذين اتَّبعوه من أجل أن يتعاون معهم على تبليغ رسالة الله، وعلى التَّعاون في دائرة البرّ والتقوى، وكان يحبّ الَّذين خالفوه، لتكون المحبَّة المنطلقة من عقله وقلبه سبيلَه إلى قلوبهم وعقولهم، لأنَّك إذا كنت لا تحبّ إنسانيَّة الإنسان، فلن تستطيع أن تهديه، وإذا كنت لا تحمل مسؤوليَّة الإنسان، فلن تستطيع أن تقنعه. ولذلك، كان رسول الله كلَّما اشتدَّ ضغط قومه عليه، واشتدَّ كفرهم وتآمرهم عليه، يطلب من الله أن يمهلهم، أن لا يعجّل في عقوبتهم، لأنَّهم لم يكتشفوا الحقيقة بعد، كانت كلمته: "اللَّهمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهم لَا يَعْلَمُونَ"، "اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ".

أن نعيش، أيُّها الأحبَّة، بهذا القلب السَّليم، القلب الَّذي يسع النَّاس كلَّهم، لأنَّ قلب المؤمن هو عرش الله، ففي الحديث القدسيّ: "ما وَسِعَني سَمائي ولا أرضي، ولكنْ وَسِعَني قَلبُ عبدي المُؤمِنِ"، فإذا كان قلبُكَ عرشَ الله، فهل يمكن أن تُدخِل إليه ما لا يرضي الله، أو أن تُدخل إليه أعداءه؟!

الاستعدادُ ليومِ الحساب

لذلك، علينا دائماً، أيُّها الأحبَّة، في جلساتنا الَّتي نفكّر فيها في كلّ حياتنا ومصيرنا، أن نتذكَّر هذه الآية {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ}[الشّعراء: 88]. أتعرفون من دعا بهذه الآية؟ إنَّه نبيّ الله إبراهيم (ع) الَّذي كان يقول لله سبحانه: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ}[الشّعراء: 87]، لا توقفني، يا ربّ، موقف الخزي في فنائك، من خلال السيّئات الّتي تثقل ظهري، والخطايا الَّتي ترهق مصيري، لا تخزني يوم تبعث النَّاس كلَّهم {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}[المطفّفين: 6]، {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشّعراء: 88 - 89]. فإذا عشنا وحي هذه الآية، شعرنا ونحن نتطلَّع إلى يوم القيامة، وإلى موقفنا بين يدي الله، إلى كلّ هذا الهول العظيم، حيث {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}[الحجّ: 2].

أن نستعدَّ لهذا اليوم، أن ننظّف قلوبنا.. إنّنا في كلّ فترة نقوم بتنظيف بيوتنا تنظيفاً كاملاً، ونغيّر فيها ما لا يتلاءم مع أذواقنا ومزاجنا والأوضاع العامَّة هنا وهناك، فلماذا لا نعمل على أن نغسل قلوبنا من كلّ حقد وضغينة؛ ماذا يفيدنا الحقد؟ وماذا تفيدنا هذه العداوات الَّتي تنطلق من خلاف في مال أو شهوة أو موقع؟ إنَّ المال يزول، والشَّهوات تتبخَّر، والموقع سنفارقه، لأنَّ مواقعنا هي هناك تحت الأرض الَّتي ولدنا منها ونعود إليها.

فكّروا في جديَّة القضايا الَّتي انطلقت فيها أحقادكم وأضغانكم، هذه الأحقاد الَّتي ترهق ديننا وحياتنا وتتعب مصيرنا، وتجعلنا نعيش الحياة في تعب دائم.

شركاء في الظّلم!

أيُّها الأحبَّة، لنفتح قلوبنا لله، فإنَّنا إذا فتحنا قلوبنا له، سينزل علينا كلَّ غيثه الَّذي يغسلها من كلّ ما لا يحبّ.. إنَّ الله ينزل علينا المطر ليحيي الأرض بعد موتها، فإذا فتحنا قلوبنا له، لنقول له: يا ربَّنا، أمطر علينا من سحائب رأفتك ورحمتك، فستغسلها سحائب الرّحمة والرّضوان.

فكّروا، أيُّها الأحبَّة، في هذه المسألة تفكيراً جدّياً، فلن ينفعكم كلّ هؤلاء الَّذين تفتحون قلوبكم لهم، الَّذين تتباغضون وتتقاتلون من أجلهم، ليبقى هذا في مركزه، وقد يكون مركزه مركز ظلم، وليرتفع ذاك إلى موقع، وقد يكون الموقع موقع ظلم وفساد، والمفسد حينها لن يكون هو، بل نحن الَّذين وضعناه في موضعه وقوَّينا موقعه.

أيُّها الأحبَّة، لا تلعنوا الظّالمين، ولكن فكّروا من هم الَّذين أعطوا الظَّالمين قوَّتهم، إنَّ الظَّالم فرد مثلكم مثله، لا فرق بينكم وبينه، ولكنَّكم أعطيتموه من تأييدكم ومن قوَّتكم ومواقعكم، تعصَّبتم له، وتعصَّبتم على من يقف ضدّ ظلمه، فكنتم قوّةً للظَّالم، فأنتم الظَّالمون، أمَّا هو، فهو أداتكم لظلم الآخرين، كما كنتم أداته لظلم الآخرين.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، عندما تؤيّدون، فكّروا في طبيعة من تؤيّدون، وفي نتائج تأييدكم له، وفي نتائج تقويتكم له.

توديعُ الشَّهرِ بالتَّوبة

في هذا اليوم الَّذي نودّع فيه آخر جمعة من شهر رمضان، نتطلَّع إلى الله لنقول له: "إِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فِي هذا الشَّهْرِ، فَازْدَدْ عَنِّي رِضا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَضِيتَ عَنِّي، فَمِنَ الآنِ فَارْضَ عَنِّي، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ".

ونتطلَّع إلى الله، وقد قصَّرنا في هذا الشَّهر كثيراً، وأسرفنا فيه كثيراً، وابتعدنا عنه في كثير مما عملناه ومما قصَّرنا فيه، نتطلَّع إلى الله لنقول له، وهو الرَّحيم واللَّطيف بنا: "اللَّهُمَّ أَدِّ عَنّا حَقَّ ما مَضى مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ، وَاغْفِرْ لَنا تَقْصِيرَنا فِيْهِ، وَتَسَلَّمْهُ مِنّا مَقْبُولاً، وَلا تُؤاخِذْنا بِإِسْرافِنا عَلى أَنْفُسِنا، واجعلْنا من المرحومين، ولا تجعلْنا من المحرومين". فإذا نظر الله إلى قلوبنا، ورأى فيها صدق النيَّة، وطهارة الشّعور، وصدق الإيمان، فسيغفر لنا ذنوبنا، وسننطلق إلى العيد، لنشعر بأنَّ الله قد قبلنا، لأنَّه "إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللَّهُ صِيَامَهُ وَشَكَرَ قِيَامَهُ، وَكُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ عِيدٌ"، وهذه كلمة عليّ (ع) فيما روي عنه.

فلنعش، أيُّها الأحبَّة، في هذه الأيَّام الباقية من هذا الشَّهر في حالة طوارئ روحيَّة، حالة طوارئ للتَّوبة، حالة طوارئ للرّجوع إلى الله، حالة طوارئ من خلال التّخفّف من الذّنوب، لأنَّنا لا ندري هل يأتي شهر رمضان القادم ونحن فوق التراب أو تحته، فالكثيرون ممن نحبّ ونعرف، كانوا معنا في شهر رمضان الماضي وأخذهم الموت، وقد يأخذنا أيضاً.

لذلك، فلنحاول أن نستفيد من موسم الرَّحمة ومن موسم المغفرة والعفو، حتَّى نقدم على الله ونحن في محلّ الرّضا، لينطلق النّداء منه في آخر لحظات حياتنا: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}[الفجر: 27 - 30]. وأيَّة سعادة هي هذه السَّعادة الَّتي يشعر الإنسان فيها في آخر لحظات حياته، بهذا النّداء الربَّاني الحبيب الرَّحيم العطوف؟!

سببُ إعلانِ يومِ القدس

هذه نقطة. والنقطة الثَّانية هي أنَّ هذا اليوم هو يوم القدس، وهو اليوم الَّذي أراده الإمام الخميني (رض)، وهو يحرّك ثورته الإسلاميَّة من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الشَّيطان هي السّفلى، ومن أجل أن ينطلق الإسلام في حياة المسلمين من جديد حيّاً قويّاً، يضع حياة المسلمين في نطاق شريعته، ويتحرَّك من أجل أن يقود العالم، لأنَّ الله أرسل رسوله {بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}[الصّفّ: 9]، ولأنَّ الله أرسل رسوله رحمةً للعالمين؛ رحمة في رسالته، ورحمة في شريعته {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}[سبأ: 28]. ولذلك، أراد الإمام الخميني (رض) أن يعيد إلى الإسلام حيويَّته في نفوس المسلمين، وأن يعيش المسلمون عزّتهم وكرامتهم وقوّتهم وحريّتهم وعدالتهم في حياتهم كلّها.

وهكذا كان يفكّر وهو يرصد كلَّ واقع المسلمين؛ يرصد قوى المستكبرين، كيف أنَّها أطبقت على كلّ مقدّرات المسلمين، لتسرق ثرواتهم، فلا تمنحهم منها إلَّا القليل القليل، وعندما تمنحهم شيئاً من ثرواتهم، فإنَّها تثير فيما بينهم الفتن والحروب والمنازعات، ليشتروا بها منها سلاحاً، لا ليقاتلوا به أعداءهم، بل ليقاتل به بعضهم بعضاً.

إنَّ الواقع الاستكباريَّ الشَّيطانيَّ يتمثَّل في قوى الغرب الَّذي رأى في الشَّرق بقرة حلوباً يحاول أن يشرب من لبنها، حتَّى لا يترك قطرة منها لأصحابها. لاحظوا أنَّهم أطبقوا على الشَّرق، ولا سيَّما العالم الإسلاميّ، أطبقوا عليه بكلّ سياستهم، حتَّى لا تكون لأيّ منطقة من مناطقه، ولأيّ بلد من بلدانه، أيَّة سياسة مستقلَّة يدير فيها النَّاس أمورهم، ويعيشون فيها حرّيتهم واستقلالهم.. إنّه لا يريد لهم إلَّا أن يكونوا جزءاً من محوره السياسيّ، أن لا تكون هناك سياسة عربيّة أو إسلاميَّة، إنَّه يريد لهذه المنطقة، كما أراد لها في السَّابق، أن تعادي من تعاديهم أوروبّا، وأن تصادق من تصادقهم.

تحالفٌ ضدّ المسلمين

وهكذا، عندما انطلق الاتحاد السوفياتي مع الغرب فيما يسمَّى بالقوَّتين العظميين، كانت المسألة أن نعيش في ساحة الصّراع بينهما، ليأخذ هذا منَّا قطعة وذاك قطعة، وليطلب منَّا هذا أن نقف ضدّ ذاك، وذاك ضدّ هذا، دون أن يسمحوا لنا بأن نقف مع أنفسنا ونعيش مع أنفسنا. إنَّهم يقفون بعضهم مع بعض عندما تكون مصالحهم عندنا مهدَّدة، وهذا ما لاحظناه عندما وقف الشَّرق والغرب (الاتّحاد السوفياتي والولايات المتّحدة الأمريكيّة) ضدّ الجمهوريَّة الإسلاميَّة الَّتي دعت العالم الإسلاميّ إلى أن يتحرَّر من ضغط الاستكبار العالميّ، سواء كان ضغطاً شرقيّاً أو غربيّاً، فوقفوا مع وكيلهم آنذاك، وهو النظام العراقيّ المتمثّل بصدَّام، ليعطوه كلَّ قوَّة ودعم، من أجل أن لا تحقّق الجمهوريّة الإسلاميّة أيّ انتصار، لأنَّ انتصارها عليه هو انتصار عليهم.

وهكذا رأيناهم وقد تحالف بعضهم مع بعض ضدَّ الإرادة الحرَّة للمسلمين. ونلاحظ الآن كيف أنَّ الاستكبار الأمريكيَّ الّذي وقف ليعتبر نفسه قيادة العالم بعد سقوط الاتحاد السّوفياتي، يريد أن يحوّل العالم كلّه إلى منطقة أمريكيَّة، وأن يحوّل المنطقة العربيَّة أوّلًا، والمنطقة الإسلاميَّة، وكلّ مناطق المستضعفين في العالم ثانياً، أن يحوّلها إلى منطقة أمريكيَّة تأخذ أمريكا كلَّ ثرواتها، من أجل أن تحقّق رخاءها على حساب الآخرين، وتضغط بكلّ سياستها واقتصادها وأمنها علينا جميعاً.

وكانت قمَّة هذا الاستكبار العالميّ هو زرع إسرائيل في المنطقة كقاعدة للاستكبار العالميّ الَّذي يتوافق مع الاستكبار الصّهيونيّ، من أجل أن تكون قاعدة له في قلب المنطقة العربيَّة والإسلاميَّة، لتمنع أيّ تطوّر للمنطقة وأيّ تحرّر لها، ولتستنزف المنطقةَ كلّها اقتصادياً وسياسياً وأمنياً. وما زالت المسألة تتحرَّك على أساس أن تبقى فلسطين لإسرائيل، تحت ضغط الولايات المتَّحدة على كلّ الشعوب العربيَّة، وعلى كلّ الواقع العربيّ والإسلاميّ.

يومُ القدس: حمايةٌ للقضيَّة

إنَّ الإمام الخميني (رض) نظر الى الأفق الواسع في الزَّمن، ورأى أنَّ الأمر الواقع الَّذي تفرضه أمريكا والدّول المتحالفة معها، سواء كانت دولاً كبرى خارج المنطقة، أو دولاً صغرى في المنطقة، رأى أنَّ هذا الأمر الواقع سوف يترك تأثيره على إرادة الشّعوب المستضعفة، وسيضغط عليها لتنسى قضاياها، ولتنسى فلسطين، وليتحدَّث الجميع أنَّ إسرائيل أمر واقع، وأنَّ فلسطين هي مسألة تاريخيَّة ذهبت مع التَّاريخ، ولهذا فإنَّ علينا، كما يقولون، أن لا نعيش مع الأحلام الخياليَّة في مسألة تحرير فلسطين، لأنَّها أصبحت مسألة من التَّاريخ، ونحن نريد أن نعيش في الواقع، ولا نريد أن نعيش مع التَّاريخ!

هكذا يفكّرون، ولذلك أرادوا أن ينسى النَّاس فلسطين تماماً. ومن هنا، كانت مسألة يوم القدس الَّتي أطلقها الإمام الخميني (رض)، عندما رأى كيف أنَّ السياسة الإعلاميَّة، والحركة السياسيَّة الاستكباريّة، تعمل على إضعاف المسلمين، وإضعاف الفلسطينيّين بشكل خاصّ، حتَّى لا يطالبوا بحقوقهم في المستقبل، وحتّى ينزعوا الفكرة من أفكارهم.

لذلك، أراد ليوم القدس أن يكون في كلّ سنة، في آخر جمعة من شهر رمضان، وهي الجمعة الَّتي يرجع فيها كلّ المسلمين إلى ربّهم، ليستمدّوا القوَّة والعزّة منه، وليقول بعضهم لبعض، كما قال رسول الله (ص) لصاحبه: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}[التّوبة: 40]، وليقول بعضهم لبعض: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}[آل عمران: 173]، حتَّى تتجدَّد حيويَّة القوَّة في نفوسنا، ويتجدَّد الأمل بالله سبحانه وتعالى وبالانتصار به في حياتنا وعقولنا، لأنَّ الإنسان الَّذي يعيش مع الله القادر على كلّ شيء، لن يزحف اليأس إلى قلبه، لأنَّ الَّذين ييأسون هم الَّذين لا يعيشون الإيمان بالله، وذلك هو قوله تعالى: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}[يوسف: 87]، وقول إبراهيم (ع): {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ}[الحجر: 56].

شهر رمضان تجديدٌ للأمل

لذلك، كلَّما جاء شهر رمضان، تجدَّد الأمل أكثر، وسقط اليأس أكثر، وانفتح الإنسان على المستقبل من خلال انفتاحه على الله، وقرأنا القرآن جيّداً قراءة حركيَّة وقراءة إسلاميَّة، لنقرأ: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 139 - 140]، ولنقرأ: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ}[النّساء: 104]، ولنقرأ {إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}[يونس: 65]، و{أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}[البقرة: 165]، ولنبتهل إلى الله

{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[آل عمران: 26]، لنقرأ القرآن قراءة تنفتح على كلّ حياتنا، وعلى كلّ مواقع ضعفنا وقوَّتنا، وكلّ ما يحمله المستقبل من فرص كبيرة جديدة، إذا لم نحصل في الحاضر على مثل هذه الفرص.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، إنَّ شهر رمضان هو الشَّهر الَّذي يمنحنا الوعي بالقرآن، والقوَّة بالله، والحركيَّة من خلال ما نعيشه من أيَّام بدر وفتح مكَّة، ومن خلال ما نعيشه من وعي عليّ (ع) في كلّ عنفوانه الرّساليّ وعظمته الرّساليّة.

العلاقةُ العقيديّةُ بالقدس

ولذلك، كانت آخر جمعة من شهر رمضان، هي الجمعة الَّتي لا بدَّ لنا من أن نتذكَّر فيها القدس. وفي القدس معنى روحيّ يتَّصل بعقيدتنا ومشاعرنا الدينيَّة، وفي القدس معنى يتّصل بواقعنا السياسيّ، وبالمستقبل الَّذي نطلّ عليه. ففي المسألة الدينيَّة والعقيديَّة، نجد أنَّ القدس هي أرض الأنبياء، فالله سبحانه وتعالى جعل بيته هو البيت الَّذي تعاقب الأنبياء عليه، وانطلقوا منه من أجل أن يؤدّوا رسالته.

ولذلك، فإنّ كلَّ تأريخ الرّسالات الَّذي نلتزم به ونعيشه، تحمله القدس ويحمله بيت المقدس، ولذلك، فهو يعيش في كلّ ذاكرتنا التَّاريخيَّة الرساليَّة.

وهكذا نجد أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل المسجد الأقصى قبلة للنَّاس في كلّ حركة الرّسالات، حتَّى في بداية عهد الدَّعوة، حتَّى إذا أراد الله أن ينقل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، أنزل على رسوله (ص): {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}[البقرة: 144].

ما بينَ المسجدين

وهكذا رأينا أنَّ الله بالرّغم من أنَّه نقل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، جعل هناك تآخياً وتواصلاً بين المسجدين، وهذا ما عبَّرت عنه قضيَّة الإسراء، فقد خلَّدها الله في كتابه في أوَّل سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[الإسراء: 1].

وهكذا انطلق رسول الله (ص) في هذه الرّحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومنه إلى السَّماء، من أجل أن يؤكّد بقاء هذه الرَّابطة بين المسجدين، لأنَّهما معاً مسجدا الرّسالات، فقد كان المسجد الحرام هو مسجد إبراهيم (ع)، وكان المسجد الأقصى مسجد أكثر الرّسل. لذلك {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}[البقرة: 285]، وإذا كنَّا لا نفرق بين الرّسل، فنحن لا نفرّق بين مساجد الرّسل ولا بين مواقع الرّسالة.

وكما الأقصى، كذلك المسجد الحرام الّذي يرتبط في تاريخنا بعقيدتنا الدينيَّة وبتاريخنا الرساليّ، وبكلّ رسل الله الّذين لا نفرّق بين أحد منهم.

وفي القدس، نجد مسجد الصَّخرة وكلَّ هذا التراث الَّذي أصبح جزءاً من شخصيَّتنا الإسلاميَّة، ومن القاعدة الَّتي نلتقي فيها مع كلّ الأديان والرسل.

ومن هنا، فقد أراد لنا الإمام الخميني (رض) أن نتذكَّر القدس، لنتذكَّر أن نخلّصها من أيدي هؤلاء الَّذين كانوا يقتلون النبّيين بغير حقّ، والَّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، والَّذين قال الله عنهم: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ}[المائدة: 82]، من أجل أن تعود القدس حرّة، ينطلق فيها أولياء الله، من أجل أن يعيشوا مع الله سبحانه وتعالى أحراراً أعزّةً، لا يضغط عليهم أحد، ولا يسيطر عليهم أحد.

سعيٌ لتهويدِ القدس!

وهكذا، أيُّها الأحبَّة، ننطلق إلى المعنى السياسيّ للقدس، والقدس تمثّل رمزاً لكلّ المنطقة.. ونحن نرى اليوم أنَّ هناك احتلالاً من قبل العدوّ للقدس، وسعياً لتهويدها استيطانيّاً، وذلك بما تقوم به إسرائيل من حشد عشرات الألوف من اليهود، ليقيموا في القدس على أنقاض الفلسطينيّين، ليصادروا بيوتهم وأراضيهم، وليحصّنوها بالمستوطنات الَّتي تجعل رجوع القدس إلى الفلسطينيّين أمراً غير واقعيّ، لأنّهم سوف يكونون أقلّيّة ضئيلة جدّاً.

وهم هوَّدوها سياسيّاً، عندما جعلوا القدس عاصمتهم الأبديَّة، وعندما حاولوا أن يتحركوا مع كلّ دول العالم، ولا سيَّما الولايات المتحدة الأمريكيّة، ليكون الاعتراف بها كعاصمة لهم.

مخطّطٌ لانتزاعِ الهويّة

إنَّ مسألة احتلال القدس وما حولها من هذه المنطقة المباركة، يعني أنَّ المسلمين اغتُصِبَتْ أرضهم، وشُرّد إنسانهم، وأنَّهم إذا استسلموا لهذا الواقع، على أساس سياسة القوَّة الّتي يفرضها الأمر الواقع، فسوف يأتي هناك من يمكن أن يحتلّ أرضاً أخرى، ويأتي هناك من يتحرَّك في الواقع أو في التَّأريخ، ليقول إنَّ هذه الأرض هي أرضنا هنا، وتلك الأرض أرضنا هناك، ويحتلّون ويحتلّون، ولا يبقى لنا مكان نلجأ إليه.

إنَّ الإنسان عندما يسلّم للفكرة، فمعنى ذلك أنَّه سوف يسقط في الحاضر والمستقبل، فإذا قبلنا أن يحتلّ الآخرون أرضنا، وأن يشرّد الآخرون أهلنا، وأن يسيطر الآخرون على اقتصادنا، فأيّ حياة تكون حياتنا، وأيّ مستقبل يكون مستقبلنا؟!

إنّهم يخطّطون لأن لا تكون لنا شخصيَّة، أن لا يكون هناك أيّ شخصيَّة، حتَّى هذه الشَّخصيَّة العربيَّة لا يريدون لها أن تبقى، لأنَّها يمكن أن تعيش هذه الشّموليَّة الَّتي تجعل الإنسان العربيّ يفكّر في معنى عزَّته وكرامته وحرّيته وقوَّته في الأرض الَّتي اغتصبها الآخرون. لذلك أرادوا إلغاء الهويَّة العربيَّة، لتأتي الهويَّة الشَّرق أوسطيّة، أمَّا الهويَّة الإسلاميَّة لدى المسلمين الَّذين يفكّرون في قضيَّة الحريَّة وقضيَّة العدالة، فإنَّهم لا يريدون لهذه الشَّخصيَّة أن تبقى وتعيش وتقوى وتتطوَّر، لأنَّ الإسلام يضع الجهاد في قمَّة شرائعه، ويضع الجهاد في سبيل الله في أعلى الدَّرجات عنده تعالى.

خطرُ الأصوليَّةِ على الاستكبار

لذلك، فإنهم يعيشون الآن الهمَّ الكبير لهذه اليقظة الإسلاميَّة، ويعيشون المشكلة الكبرى في الصَّحوة الإسلاميَّة الَّتي تجعل المسلمين يفكّرون في أن يمارسوا حرَّيتهم واستقلالهم، وأن يشرفوا على إدارة مقدّرات أمورهم. إنَّهم لا يريدون لنا أن نعيش هذه الصَّحوة، ولا أن نعيش هذا الشعور بالحريَّة والعدالة، ولذلك انطلقوا بقيادة أمريكا، ليتحدَّثوا عن كلّ هؤلاء المسلمين الَّذين يطالبون بالحريَّة والعدالة، أنّهم متطرفون إرهابيون ومتعصّبون.

وهكذا أصبحت مسألة الأصوليَّة الإسلاميَّة جريمة من الجرائم، وأصبح المسلمون يتحدَّثون عنها أيضاً، أصبح هناك حديث دائم عن هذه الأصوليَّة الَّتي تمثّل الخطر على النَّاس. والواقع أنَّها ليست خطراً على المستضعفين، وإنما هي خطر على مصالح المستكبرين، لأنها المصالح الَّتي تصادر مصالح المستضعفين.

إنَّ الإسلاميّين لا يريدون بالنَّاس شرّاً، فهم يعملون من أجل أن يعطوا الخير كلّه للنَّاس، وأن يعطوهم الحريّة والعدالة. لكنَّ الإعلام الاستكباريَّ المتضامن مع كلّ مواقع المستكبرين في العالم ومع كلّ حلفائهم، يريدون أن يشوّهوا صورة هؤلاء الباحثين عن الحريَّة فيما ينطلقون به في الإسلام، لذلك يعملون بكلّ ما عندهم من قوَّة في سبيل إسقاط هذه الرّوح.

يومُ اليقظةِ الإسلاميَّة

والإمام الخميني (رض) يريد من يوم القدس أن ينطلق المسلمون فيه ليعيشوا إسلامهم في قضاياهم السياسيّة، كما يعيشونه في قضاياهم العباديَّة والثقافيَّة، لأنَّ الإسلام وحدة لا تتجزَّأ، فلا تستطيع أن تكون مسلماً عبادياً، ولا تكون مسلماً اجتماعياً وسياسياً أو مسلماً ثقافيّاً. إنَّ الإسلام وحدة كاملة، ليس هناك فرق بين حكم شرعيّ وحكم شرعيّ آخر، وبين موقع إسلاميّ وموقع إسلاميّ آخر.

ولذلك، أيُّها الأحبَّة، كان يوم القدس يوم يقظة العزَّة الإسلاميَّة والوعي الإسلامي. ونحن عندما نتطلَّع إلى هذا الإنسان الكبير في فقهه وروحانيَّته، والكبير في شجاعته وثورته، والكبير في انفتاحه على ربّه والنَّاس من حوله، نجد أنَّه كان يريد للمسلمين أن يعيشوا كلّ عزَّتهم وحرّيتهم.

لذلك، نحن نريد لهذا اليوم أن يبقى في وعي المسلمين، وفي همّهم وتقاليدهم، حتَّى إذا لم نستطع أن نغيّر الواقع في مرحلة معيَّنة بأيدينا، نغيّره بألسنتنا الَّتي تنطلق من خلالها صرخات الحريَّة والعدالة، وإذا لم نستطع بفعل ضغط المستكبرين، أن نعبّر عن ذلك بألسنتنا، فإنَّ علينا أن نعيشه في قلوبنا، وذلك أضعف الإيمان، أن نبقى رافضين للمنكر بقلوبنا وألسنتنا ومواقفنا ومواقعنا، لأنَّ ذلك هو الَّذي يحقّق لنا القوَّة والأصالة والاستمرار.

 

*من خطبة الجمعة لسماحته للرّجال في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 16/02/1996م.

 

هذا اليوم، هو يوم آخر جمعة من شهر رمضان المبارك، هذا اليوم الَّذي يمثّل أفضل يوم في هذا الشَّهر، في العشر الأواخر الَّتي تمثّل أفضل عشر في هذا الشَّهر، في شهر رمضان الَّذي يمثّل أفضل الشّهور في السنة.

آخر جمعة من رمضان

في هذا اليوم الَّذي تجتمع فيه كلّ ألطاف الله، وكلّ فيوضات رحمته وحنانه وعطفه على عباده، لا بدَّ لنا، أيُّها الأحبَّة، أن نفتح قلوبنا لربّنا، لنفرّغها من كلّ ما لا يرضيه، من نيَّاتنا وأحاسيسنا ومشاعرنا، فإنَّ الله أراد لهذا القلب الَّذي يمثّل عمق وجودنا الإنسانيّ، وعمق الحياة فينا، والَّذي يمثّل العقل المنفتح على الشّعور، أن يكون قلباً سليماً من كلّ شرك وكفر وضلال وحقد وبغضاء..

أراد الله لهذا القلب أن يكون كقلب رسوله ونبيّه، سيّدنا أبي القاسم محمَّد بن عبد الله (ص)، فقد كان قلبه قلبَ الحقّ والخير والعدل والمحبَّة، كان يعيش في داخل قلبه المحبَّة للنَّاس كلّهم؛ كان يحبّ الَّذين اتَّبعوه من أجل أن يتعاون معهم على تبليغ رسالة الله، وعلى التَّعاون في دائرة البرّ والتقوى، وكان يحبّ الَّذين خالفوه، لتكون المحبَّة المنطلقة من عقله وقلبه سبيلَه إلى قلوبهم وعقولهم، لأنَّك إذا كنت لا تحبّ إنسانيَّة الإنسان، فلن تستطيع أن تهديه، وإذا كنت لا تحمل مسؤوليَّة الإنسان، فلن تستطيع أن تقنعه. ولذلك، كان رسول الله كلَّما اشتدَّ ضغط قومه عليه، واشتدَّ كفرهم وتآمرهم عليه، يطلب من الله أن يمهلهم، أن لا يعجّل في عقوبتهم، لأنَّهم لم يكتشفوا الحقيقة بعد، كانت كلمته: "اللَّهمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهم لَا يَعْلَمُونَ"، "اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ".

أن نعيش، أيُّها الأحبَّة، بهذا القلب السَّليم، القلب الَّذي يسع النَّاس كلَّهم، لأنَّ قلب المؤمن هو عرش الله، ففي الحديث القدسيّ: "ما وَسِعَني سَمائي ولا أرضي، ولكنْ وَسِعَني قَلبُ عبدي المُؤمِنِ"، فإذا كان قلبُكَ عرشَ الله، فهل يمكن أن تُدخِل إليه ما لا يرضي الله، أو أن تُدخل إليه أعداءه؟!

الاستعدادُ ليومِ الحساب

لذلك، علينا دائماً، أيُّها الأحبَّة، في جلساتنا الَّتي نفكّر فيها في كلّ حياتنا ومصيرنا، أن نتذكَّر هذه الآية {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ}[الشّعراء: 88]. أتعرفون من دعا بهذه الآية؟ إنَّه نبيّ الله إبراهيم (ع) الَّذي كان يقول لله سبحانه: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ}[الشّعراء: 87]، لا توقفني، يا ربّ، موقف الخزي في فنائك، من خلال السيّئات الّتي تثقل ظهري، والخطايا الَّتي ترهق مصيري، لا تخزني يوم تبعث النَّاس كلَّهم {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}[المطفّفين: 6]، {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشّعراء: 88 - 89]. فإذا عشنا وحي هذه الآية، شعرنا ونحن نتطلَّع إلى يوم القيامة، وإلى موقفنا بين يدي الله، إلى كلّ هذا الهول العظيم، حيث {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}[الحجّ: 2].

أن نستعدَّ لهذا اليوم، أن ننظّف قلوبنا.. إنّنا في كلّ فترة نقوم بتنظيف بيوتنا تنظيفاً كاملاً، ونغيّر فيها ما لا يتلاءم مع أذواقنا ومزاجنا والأوضاع العامَّة هنا وهناك، فلماذا لا نعمل على أن نغسل قلوبنا من كلّ حقد وضغينة؛ ماذا يفيدنا الحقد؟ وماذا تفيدنا هذه العداوات الَّتي تنطلق من خلاف في مال أو شهوة أو موقع؟ إنَّ المال يزول، والشَّهوات تتبخَّر، والموقع سنفارقه، لأنَّ مواقعنا هي هناك تحت الأرض الَّتي ولدنا منها ونعود إليها.

فكّروا في جديَّة القضايا الَّتي انطلقت فيها أحقادكم وأضغانكم، هذه الأحقاد الَّتي ترهق ديننا وحياتنا وتتعب مصيرنا، وتجعلنا نعيش الحياة في تعب دائم.

شركاء في الظّلم!

أيُّها الأحبَّة، لنفتح قلوبنا لله، فإنَّنا إذا فتحنا قلوبنا له، سينزل علينا كلَّ غيثه الَّذي يغسلها من كلّ ما لا يحبّ.. إنَّ الله ينزل علينا المطر ليحيي الأرض بعد موتها، فإذا فتحنا قلوبنا له، لنقول له: يا ربَّنا، أمطر علينا من سحائب رأفتك ورحمتك، فستغسلها سحائب الرّحمة والرّضوان.

فكّروا، أيُّها الأحبَّة، في هذه المسألة تفكيراً جدّياً، فلن ينفعكم كلّ هؤلاء الَّذين تفتحون قلوبكم لهم، الَّذين تتباغضون وتتقاتلون من أجلهم، ليبقى هذا في مركزه، وقد يكون مركزه مركز ظلم، وليرتفع ذاك إلى موقع، وقد يكون الموقع موقع ظلم وفساد، والمفسد حينها لن يكون هو، بل نحن الَّذين وضعناه في موضعه وقوَّينا موقعه.

أيُّها الأحبَّة، لا تلعنوا الظّالمين، ولكن فكّروا من هم الَّذين أعطوا الظَّالمين قوَّتهم، إنَّ الظَّالم فرد مثلكم مثله، لا فرق بينكم وبينه، ولكنَّكم أعطيتموه من تأييدكم ومن قوَّتكم ومواقعكم، تعصَّبتم له، وتعصَّبتم على من يقف ضدّ ظلمه، فكنتم قوّةً للظَّالم، فأنتم الظَّالمون، أمَّا هو، فهو أداتكم لظلم الآخرين، كما كنتم أداته لظلم الآخرين.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، عندما تؤيّدون، فكّروا في طبيعة من تؤيّدون، وفي نتائج تأييدكم له، وفي نتائج تقويتكم له.

توديعُ الشَّهرِ بالتَّوبة

في هذا اليوم الَّذي نودّع فيه آخر جمعة من شهر رمضان، نتطلَّع إلى الله لنقول له: "إِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فِي هذا الشَّهْرِ، فَازْدَدْ عَنِّي رِضا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَضِيتَ عَنِّي، فَمِنَ الآنِ فَارْضَ عَنِّي، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ".

ونتطلَّع إلى الله، وقد قصَّرنا في هذا الشَّهر كثيراً، وأسرفنا فيه كثيراً، وابتعدنا عنه في كثير مما عملناه ومما قصَّرنا فيه، نتطلَّع إلى الله لنقول له، وهو الرَّحيم واللَّطيف بنا: "اللَّهُمَّ أَدِّ عَنّا حَقَّ ما مَضى مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ، وَاغْفِرْ لَنا تَقْصِيرَنا فِيْهِ، وَتَسَلَّمْهُ مِنّا مَقْبُولاً، وَلا تُؤاخِذْنا بِإِسْرافِنا عَلى أَنْفُسِنا، واجعلْنا من المرحومين، ولا تجعلْنا من المحرومين". فإذا نظر الله إلى قلوبنا، ورأى فيها صدق النيَّة، وطهارة الشّعور، وصدق الإيمان، فسيغفر لنا ذنوبنا، وسننطلق إلى العيد، لنشعر بأنَّ الله قد قبلنا، لأنَّه "إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللَّهُ صِيَامَهُ وَشَكَرَ قِيَامَهُ، وَكُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ عِيدٌ"، وهذه كلمة عليّ (ع) فيما روي عنه.

فلنعش، أيُّها الأحبَّة، في هذه الأيَّام الباقية من هذا الشَّهر في حالة طوارئ روحيَّة، حالة طوارئ للتَّوبة، حالة طوارئ للرّجوع إلى الله، حالة طوارئ من خلال التّخفّف من الذّنوب، لأنَّنا لا ندري هل يأتي شهر رمضان القادم ونحن فوق التراب أو تحته، فالكثيرون ممن نحبّ ونعرف، كانوا معنا في شهر رمضان الماضي وأخذهم الموت، وقد يأخذنا أيضاً.

لذلك، فلنحاول أن نستفيد من موسم الرَّحمة ومن موسم المغفرة والعفو، حتَّى نقدم على الله ونحن في محلّ الرّضا، لينطلق النّداء منه في آخر لحظات حياتنا: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}[الفجر: 27 - 30]. وأيَّة سعادة هي هذه السَّعادة الَّتي يشعر الإنسان فيها في آخر لحظات حياته، بهذا النّداء الربَّاني الحبيب الرَّحيم العطوف؟!

سببُ إعلانِ يومِ القدس

هذه نقطة. والنقطة الثَّانية هي أنَّ هذا اليوم هو يوم القدس، وهو اليوم الَّذي أراده الإمام الخميني (رض)، وهو يحرّك ثورته الإسلاميَّة من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الشَّيطان هي السّفلى، ومن أجل أن ينطلق الإسلام في حياة المسلمين من جديد حيّاً قويّاً، يضع حياة المسلمين في نطاق شريعته، ويتحرَّك من أجل أن يقود العالم، لأنَّ الله أرسل رسوله {بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}[الصّفّ: 9]، ولأنَّ الله أرسل رسوله رحمةً للعالمين؛ رحمة في رسالته، ورحمة في شريعته {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}[سبأ: 28]. ولذلك، أراد الإمام الخميني (رض) أن يعيد إلى الإسلام حيويَّته في نفوس المسلمين، وأن يعيش المسلمون عزّتهم وكرامتهم وقوّتهم وحريّتهم وعدالتهم في حياتهم كلّها.

وهكذا كان يفكّر وهو يرصد كلَّ واقع المسلمين؛ يرصد قوى المستكبرين، كيف أنَّها أطبقت على كلّ مقدّرات المسلمين، لتسرق ثرواتهم، فلا تمنحهم منها إلَّا القليل القليل، وعندما تمنحهم شيئاً من ثرواتهم، فإنَّها تثير فيما بينهم الفتن والحروب والمنازعات، ليشتروا بها منها سلاحاً، لا ليقاتلوا به أعداءهم، بل ليقاتل به بعضهم بعضاً.

إنَّ الواقع الاستكباريَّ الشَّيطانيَّ يتمثَّل في قوى الغرب الَّذي رأى في الشَّرق بقرة حلوباً يحاول أن يشرب من لبنها، حتَّى لا يترك قطرة منها لأصحابها. لاحظوا أنَّهم أطبقوا على الشَّرق، ولا سيَّما العالم الإسلاميّ، أطبقوا عليه بكلّ سياستهم، حتَّى لا تكون لأيّ منطقة من مناطقه، ولأيّ بلد من بلدانه، أيَّة سياسة مستقلَّة يدير فيها النَّاس أمورهم، ويعيشون فيها حرّيتهم واستقلالهم.. إنّه لا يريد لهم إلَّا أن يكونوا جزءاً من محوره السياسيّ، أن لا تكون هناك سياسة عربيّة أو إسلاميَّة، إنَّه يريد لهذه المنطقة، كما أراد لها في السَّابق، أن تعادي من تعاديهم أوروبّا، وأن تصادق من تصادقهم.

تحالفٌ ضدّ المسلمين

وهكذا، عندما انطلق الاتحاد السوفياتي مع الغرب فيما يسمَّى بالقوَّتين العظميين، كانت المسألة أن نعيش في ساحة الصّراع بينهما، ليأخذ هذا منَّا قطعة وذاك قطعة، وليطلب منَّا هذا أن نقف ضدّ ذاك، وذاك ضدّ هذا، دون أن يسمحوا لنا بأن نقف مع أنفسنا ونعيش مع أنفسنا. إنَّهم يقفون بعضهم مع بعض عندما تكون مصالحهم عندنا مهدَّدة، وهذا ما لاحظناه عندما وقف الشَّرق والغرب (الاتّحاد السوفياتي والولايات المتّحدة الأمريكيّة) ضدّ الجمهوريَّة الإسلاميَّة الَّتي دعت العالم الإسلاميّ إلى أن يتحرَّر من ضغط الاستكبار العالميّ، سواء كان ضغطاً شرقيّاً أو غربيّاً، فوقفوا مع وكيلهم آنذاك، وهو النظام العراقيّ المتمثّل بصدَّام، ليعطوه كلَّ قوَّة ودعم، من أجل أن لا تحقّق الجمهوريّة الإسلاميّة أيّ انتصار، لأنَّ انتصارها عليه هو انتصار عليهم.

وهكذا رأيناهم وقد تحالف بعضهم مع بعض ضدَّ الإرادة الحرَّة للمسلمين. ونلاحظ الآن كيف أنَّ الاستكبار الأمريكيَّ الّذي وقف ليعتبر نفسه قيادة العالم بعد سقوط الاتحاد السّوفياتي، يريد أن يحوّل العالم كلّه إلى منطقة أمريكيَّة، وأن يحوّل المنطقة العربيَّة أوّلًا، والمنطقة الإسلاميَّة، وكلّ مناطق المستضعفين في العالم ثانياً، أن يحوّلها إلى منطقة أمريكيَّة تأخذ أمريكا كلَّ ثرواتها، من أجل أن تحقّق رخاءها على حساب الآخرين، وتضغط بكلّ سياستها واقتصادها وأمنها علينا جميعاً.

وكانت قمَّة هذا الاستكبار العالميّ هو زرع إسرائيل في المنطقة كقاعدة للاستكبار العالميّ الَّذي يتوافق مع الاستكبار الصّهيونيّ، من أجل أن تكون قاعدة له في قلب المنطقة العربيَّة والإسلاميَّة، لتمنع أيّ تطوّر للمنطقة وأيّ تحرّر لها، ولتستنزف المنطقةَ كلّها اقتصادياً وسياسياً وأمنياً. وما زالت المسألة تتحرَّك على أساس أن تبقى فلسطين لإسرائيل، تحت ضغط الولايات المتَّحدة على كلّ الشعوب العربيَّة، وعلى كلّ الواقع العربيّ والإسلاميّ.

يومُ القدس: حمايةٌ للقضيَّة

إنَّ الإمام الخميني (رض) نظر الى الأفق الواسع في الزَّمن، ورأى أنَّ الأمر الواقع الَّذي تفرضه أمريكا والدّول المتحالفة معها، سواء كانت دولاً كبرى خارج المنطقة، أو دولاً صغرى في المنطقة، رأى أنَّ هذا الأمر الواقع سوف يترك تأثيره على إرادة الشّعوب المستضعفة، وسيضغط عليها لتنسى قضاياها، ولتنسى فلسطين، وليتحدَّث الجميع أنَّ إسرائيل أمر واقع، وأنَّ فلسطين هي مسألة تاريخيَّة ذهبت مع التَّاريخ، ولهذا فإنَّ علينا، كما يقولون، أن لا نعيش مع الأحلام الخياليَّة في مسألة تحرير فلسطين، لأنَّها أصبحت مسألة من التَّاريخ، ونحن نريد أن نعيش في الواقع، ولا نريد أن نعيش مع التَّاريخ!

هكذا يفكّرون، ولذلك أرادوا أن ينسى النَّاس فلسطين تماماً. ومن هنا، كانت مسألة يوم القدس الَّتي أطلقها الإمام الخميني (رض)، عندما رأى كيف أنَّ السياسة الإعلاميَّة، والحركة السياسيَّة الاستكباريّة، تعمل على إضعاف المسلمين، وإضعاف الفلسطينيّين بشكل خاصّ، حتَّى لا يطالبوا بحقوقهم في المستقبل، وحتّى ينزعوا الفكرة من أفكارهم.

لذلك، أراد ليوم القدس أن يكون في كلّ سنة، في آخر جمعة من شهر رمضان، وهي الجمعة الَّتي يرجع فيها كلّ المسلمين إلى ربّهم، ليستمدّوا القوَّة والعزّة منه، وليقول بعضهم لبعض، كما قال رسول الله (ص) لصاحبه: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}[التّوبة: 40]، وليقول بعضهم لبعض: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}[آل عمران: 173]، حتَّى تتجدَّد حيويَّة القوَّة في نفوسنا، ويتجدَّد الأمل بالله سبحانه وتعالى وبالانتصار به في حياتنا وعقولنا، لأنَّ الإنسان الَّذي يعيش مع الله القادر على كلّ شيء، لن يزحف اليأس إلى قلبه، لأنَّ الَّذين ييأسون هم الَّذين لا يعيشون الإيمان بالله، وذلك هو قوله تعالى: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}[يوسف: 87]، وقول إبراهيم (ع): {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ}[الحجر: 56].

شهر رمضان تجديدٌ للأمل

لذلك، كلَّما جاء شهر رمضان، تجدَّد الأمل أكثر، وسقط اليأس أكثر، وانفتح الإنسان على المستقبل من خلال انفتاحه على الله، وقرأنا القرآن جيّداً قراءة حركيَّة وقراءة إسلاميَّة، لنقرأ: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 139 - 140]، ولنقرأ: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ}[النّساء: 104]، ولنقرأ {إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}[يونس: 65]، و{أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}[البقرة: 165]، ولنبتهل إلى الله

{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[آل عمران: 26]، لنقرأ القرآن قراءة تنفتح على كلّ حياتنا، وعلى كلّ مواقع ضعفنا وقوَّتنا، وكلّ ما يحمله المستقبل من فرص كبيرة جديدة، إذا لم نحصل في الحاضر على مثل هذه الفرص.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، إنَّ شهر رمضان هو الشَّهر الَّذي يمنحنا الوعي بالقرآن، والقوَّة بالله، والحركيَّة من خلال ما نعيشه من أيَّام بدر وفتح مكَّة، ومن خلال ما نعيشه من وعي عليّ (ع) في كلّ عنفوانه الرّساليّ وعظمته الرّساليّة.

العلاقةُ العقيديّةُ بالقدس

ولذلك، كانت آخر جمعة من شهر رمضان، هي الجمعة الَّتي لا بدَّ لنا من أن نتذكَّر فيها القدس. وفي القدس معنى روحيّ يتَّصل بعقيدتنا ومشاعرنا الدينيَّة، وفي القدس معنى يتّصل بواقعنا السياسيّ، وبالمستقبل الَّذي نطلّ عليه. ففي المسألة الدينيَّة والعقيديَّة، نجد أنَّ القدس هي أرض الأنبياء، فالله سبحانه وتعالى جعل بيته هو البيت الَّذي تعاقب الأنبياء عليه، وانطلقوا منه من أجل أن يؤدّوا رسالته.

ولذلك، فإنّ كلَّ تأريخ الرّسالات الَّذي نلتزم به ونعيشه، تحمله القدس ويحمله بيت المقدس، ولذلك، فهو يعيش في كلّ ذاكرتنا التَّاريخيَّة الرساليَّة.

وهكذا نجد أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل المسجد الأقصى قبلة للنَّاس في كلّ حركة الرّسالات، حتَّى في بداية عهد الدَّعوة، حتَّى إذا أراد الله أن ينقل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، أنزل على رسوله (ص): {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}[البقرة: 144].

ما بينَ المسجدين

وهكذا رأينا أنَّ الله بالرّغم من أنَّه نقل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، جعل هناك تآخياً وتواصلاً بين المسجدين، وهذا ما عبَّرت عنه قضيَّة الإسراء، فقد خلَّدها الله في كتابه في أوَّل سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[الإسراء: 1].

وهكذا انطلق رسول الله (ص) في هذه الرّحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومنه إلى السَّماء، من أجل أن يؤكّد بقاء هذه الرَّابطة بين المسجدين، لأنَّهما معاً مسجدا الرّسالات، فقد كان المسجد الحرام هو مسجد إبراهيم (ع)، وكان المسجد الأقصى مسجد أكثر الرّسل. لذلك {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}[البقرة: 285]، وإذا كنَّا لا نفرق بين الرّسل، فنحن لا نفرّق بين مساجد الرّسل ولا بين مواقع الرّسالة.

وكما الأقصى، كذلك المسجد الحرام الّذي يرتبط في تاريخنا بعقيدتنا الدينيَّة وبتاريخنا الرساليّ، وبكلّ رسل الله الّذين لا نفرّق بين أحد منهم.

وفي القدس، نجد مسجد الصَّخرة وكلَّ هذا التراث الَّذي أصبح جزءاً من شخصيَّتنا الإسلاميَّة، ومن القاعدة الَّتي نلتقي فيها مع كلّ الأديان والرسل.

ومن هنا، فقد أراد لنا الإمام الخميني (رض) أن نتذكَّر القدس، لنتذكَّر أن نخلّصها من أيدي هؤلاء الَّذين كانوا يقتلون النبّيين بغير حقّ، والَّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، والَّذين قال الله عنهم: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ}[المائدة: 82]، من أجل أن تعود القدس حرّة، ينطلق فيها أولياء الله، من أجل أن يعيشوا مع الله سبحانه وتعالى أحراراً أعزّةً، لا يضغط عليهم أحد، ولا يسيطر عليهم أحد.

سعيٌ لتهويدِ القدس!

وهكذا، أيُّها الأحبَّة، ننطلق إلى المعنى السياسيّ للقدس، والقدس تمثّل رمزاً لكلّ المنطقة.. ونحن نرى اليوم أنَّ هناك احتلالاً من قبل العدوّ للقدس، وسعياً لتهويدها استيطانيّاً، وذلك بما تقوم به إسرائيل من حشد عشرات الألوف من اليهود، ليقيموا في القدس على أنقاض الفلسطينيّين، ليصادروا بيوتهم وأراضيهم، وليحصّنوها بالمستوطنات الَّتي تجعل رجوع القدس إلى الفلسطينيّين أمراً غير واقعيّ، لأنّهم سوف يكونون أقلّيّة ضئيلة جدّاً.

وهم هوَّدوها سياسيّاً، عندما جعلوا القدس عاصمتهم الأبديَّة، وعندما حاولوا أن يتحركوا مع كلّ دول العالم، ولا سيَّما الولايات المتحدة الأمريكيّة، ليكون الاعتراف بها كعاصمة لهم.

مخطّطٌ لانتزاعِ الهويّة

إنَّ مسألة احتلال القدس وما حولها من هذه المنطقة المباركة، يعني أنَّ المسلمين اغتُصِبَتْ أرضهم، وشُرّد إنسانهم، وأنَّهم إذا استسلموا لهذا الواقع، على أساس سياسة القوَّة الّتي يفرضها الأمر الواقع، فسوف يأتي هناك من يمكن أن يحتلّ أرضاً أخرى، ويأتي هناك من يتحرَّك في الواقع أو في التَّأريخ، ليقول إنَّ هذه الأرض هي أرضنا هنا، وتلك الأرض أرضنا هناك، ويحتلّون ويحتلّون، ولا يبقى لنا مكان نلجأ إليه.

إنَّ الإنسان عندما يسلّم للفكرة، فمعنى ذلك أنَّه سوف يسقط في الحاضر والمستقبل، فإذا قبلنا أن يحتلّ الآخرون أرضنا، وأن يشرّد الآخرون أهلنا، وأن يسيطر الآخرون على اقتصادنا، فأيّ حياة تكون حياتنا، وأيّ مستقبل يكون مستقبلنا؟!

إنّهم يخطّطون لأن لا تكون لنا شخصيَّة، أن لا يكون هناك أيّ شخصيَّة، حتَّى هذه الشَّخصيَّة العربيَّة لا يريدون لها أن تبقى، لأنَّها يمكن أن تعيش هذه الشّموليَّة الَّتي تجعل الإنسان العربيّ يفكّر في معنى عزَّته وكرامته وحرّيته وقوَّته في الأرض الَّتي اغتصبها الآخرون. لذلك أرادوا إلغاء الهويَّة العربيَّة، لتأتي الهويَّة الشَّرق أوسطيّة، أمَّا الهويَّة الإسلاميَّة لدى المسلمين الَّذين يفكّرون في قضيَّة الحريَّة وقضيَّة العدالة، فإنَّهم لا يريدون لهذه الشَّخصيَّة أن تبقى وتعيش وتقوى وتتطوَّر، لأنَّ الإسلام يضع الجهاد في قمَّة شرائعه، ويضع الجهاد في سبيل الله في أعلى الدَّرجات عنده تعالى.

خطرُ الأصوليَّةِ على الاستكبار

لذلك، فإنهم يعيشون الآن الهمَّ الكبير لهذه اليقظة الإسلاميَّة، ويعيشون المشكلة الكبرى في الصَّحوة الإسلاميَّة الَّتي تجعل المسلمين يفكّرون في أن يمارسوا حرَّيتهم واستقلالهم، وأن يشرفوا على إدارة مقدّرات أمورهم. إنَّهم لا يريدون لنا أن نعيش هذه الصَّحوة، ولا أن نعيش هذا الشعور بالحريَّة والعدالة، ولذلك انطلقوا بقيادة أمريكا، ليتحدَّثوا عن كلّ هؤلاء المسلمين الَّذين يطالبون بالحريَّة والعدالة، أنّهم متطرفون إرهابيون ومتعصّبون.

وهكذا أصبحت مسألة الأصوليَّة الإسلاميَّة جريمة من الجرائم، وأصبح المسلمون يتحدَّثون عنها أيضاً، أصبح هناك حديث دائم عن هذه الأصوليَّة الَّتي تمثّل الخطر على النَّاس. والواقع أنَّها ليست خطراً على المستضعفين، وإنما هي خطر على مصالح المستكبرين، لأنها المصالح الَّتي تصادر مصالح المستضعفين.

إنَّ الإسلاميّين لا يريدون بالنَّاس شرّاً، فهم يعملون من أجل أن يعطوا الخير كلّه للنَّاس، وأن يعطوهم الحريّة والعدالة. لكنَّ الإعلام الاستكباريَّ المتضامن مع كلّ مواقع المستكبرين في العالم ومع كلّ حلفائهم، يريدون أن يشوّهوا صورة هؤلاء الباحثين عن الحريَّة فيما ينطلقون به في الإسلام، لذلك يعملون بكلّ ما عندهم من قوَّة في سبيل إسقاط هذه الرّوح.

يومُ اليقظةِ الإسلاميَّة

والإمام الخميني (رض) يريد من يوم القدس أن ينطلق المسلمون فيه ليعيشوا إسلامهم في قضاياهم السياسيّة، كما يعيشونه في قضاياهم العباديَّة والثقافيَّة، لأنَّ الإسلام وحدة لا تتجزَّأ، فلا تستطيع أن تكون مسلماً عبادياً، ولا تكون مسلماً اجتماعياً وسياسياً أو مسلماً ثقافيّاً. إنَّ الإسلام وحدة كاملة، ليس هناك فرق بين حكم شرعيّ وحكم شرعيّ آخر، وبين موقع إسلاميّ وموقع إسلاميّ آخر.

ولذلك، أيُّها الأحبَّة، كان يوم القدس يوم يقظة العزَّة الإسلاميَّة والوعي الإسلامي. ونحن عندما نتطلَّع إلى هذا الإنسان الكبير في فقهه وروحانيَّته، والكبير في شجاعته وثورته، والكبير في انفتاحه على ربّه والنَّاس من حوله، نجد أنَّه كان يريد للمسلمين أن يعيشوا كلّ عزَّتهم وحرّيتهم.

لذلك، نحن نريد لهذا اليوم أن يبقى في وعي المسلمين، وفي همّهم وتقاليدهم، حتَّى إذا لم نستطع أن نغيّر الواقع في مرحلة معيَّنة بأيدينا، نغيّره بألسنتنا الَّتي تنطلق من خلالها صرخات الحريَّة والعدالة، وإذا لم نستطع بفعل ضغط المستكبرين، أن نعبّر عن ذلك بألسنتنا، فإنَّ علينا أن نعيشه في قلوبنا، وذلك أضعف الإيمان، أن نبقى رافضين للمنكر بقلوبنا وألسنتنا ومواقفنا ومواقعنا، لأنَّ ذلك هو الَّذي يحقّق لنا القوَّة والأصالة والاستمرار.

 

*من خطبة الجمعة لسماحته للرّجال في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 16/02/1996م.

 
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية