محاضرات
11/03/2026

دروسٌ وعِبَرٌ من وحي الوصيَّة الأخيرة لعليّ (ع)

دروسٌ وعِبَرٌ من وحي الوصيَّة الأخيرة لعليّ (ع)

نلتقي في هذه الأيَّام، بذكرى استشهاد الإمام عليّ بن أبي طالب (ع)، وذلك عندما ضربه عبد الرَّحمن بن ملجم، وهو من الخوارج، على رأسه بالسَّيف وهو في صلاته، فبقي يومين بعد ذلك، وانتقل إلى رحاب ربّه، وعرجت روحه إلى الله في ليلة الواحد والعشرين من شهر رمضان.

معنى الموالاة

وعندما نريد أن ندرس أمير المؤمنين (ع)، فإنَّنا نحتاج إلى زمن طويل، وإلى مجلَّدات كثيرة من الكتب. ونحن الآن في مقام إثارة هذه الذّكرى، من أجل أن نستفيد منها بعض الدّروس وبعض العبر في حياتنا، لأنَّ قيمة تاريخ العظماء في حياة الأمم، تتحدَّد بمقدار ما يمكن للأمَّة أن تأخذ منه الدّروس الَّتي تنفعها في حياتها، والّتي ترتفع بها في حركتها من أجل الوصول إلى الدَّرجات العليا.

وإذا كنّا نصنّف أنفسنا من الموالين لأهل البيت (ع)، فإنَّ قيمة الموالاة لهم، هي بمقدار ما نتمثَّل صورتهم في صورتنا، وما نأخذ من شخصيَّاتهم في إغناء عناصر شخصيَّتنا.. فلا يكفي في موالاتنا لأئمَّة أهل البيت (ع)، وللنبيّ (ص) من قبلهم، أن تخفق قلوبنا في حبّهم، بل أن تتحرَّك خطواتنا في دروبهم، وأن تنطلق حياتنا في خطّهم. هذا هو الأساس، أن لا تكون العلاقة شخصيَّة، بحيث يكفينا من ذلك أن نتحدَّث عن كراماتهم ومعجزاتهم وفضائلهم.. إنّهم في الدّرجة العليا عند الله، ولا نزيدهم شرفاً إذا تحدَّثنا بشرفهم، ولكنَّنا نريد أن نغتني بهم، بتأريخهم وسيرتهم، أن نرتبط بهم ارتباطاً رساليّاً، لا أن نرتبط بهم ارتباطاً شخصيّاً، فارتباطنا الأساسيّ هو بالله، أمَّا ارتباطنا بغير الله فهو من طريق الله سبحانه، فنحن نرتبط برسول الله (ص) لأنَّه رسول الله، ونحن نرتبط بعليّ (ع) لأنَّه وليُّ الله، ولأنَّه إمام المسلمين. ومن هنا، لا بدَّ أن نشغل أنفسنا بقراءة تأريخهم وكلماتهم وسيرتهم، حتَّى نستطيع أن نهتدي بهداهم، وأن نكون السَّائرين على خطّهم في الحاضر والمستقبل.

لنقرأ أوَّلاً، كيف تحدَّث الإمام (ع) عن حالته بعد أن ضربه عبد الرَّحمن بن ملجم، حتَّى نعرف روحيَّة الإمام ووصاياه الأخيرة في هذا المجال.

الوصيّة للمسلمين

في "نهج البلاغة" نقرأ هذا النّصّ:

يقول (ع)، وذلك قبيل موته، على سبيل الوصيَّة، بعد أن ضربه ابن ملجم (لعنه الله):

  "وَصِيَّتِي لَكُمْ - والإمام لا يوصي جماعة خاصَّة، ولا يوصي الموجودين في زمانه فقط، وإنَّما يوصي النَّاس كافَّة، لأنَّه إمام المسلمين كافَّةً - أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً - ابقوا في خطّ التَّوحيد الَّذي يوحّد الله في العقيدة، فلا يعتقد بإله غيره، ويوحّده في العبادة، فلا يعبد غيره، ويوحّده في الطَّاعة، فلا يطيع غيره. هذه هي النّقطة الأساسيَّة، وهي رسالة الأنبياء، فما من نبيّ إلَّا وجاء ليقول للنَّاس: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ}[هود: 84].

- وَمُحَمَّدٌ (ص) فَلَا تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ – عليكم أن تتَّبعوا سنَّة رسول الله في كلّ ما تحدَّث به، وفي كلّ ما أمر به وشرَّعه. فتوحيد الله يفرض علينا أن نقرأ كتابه، والإيمان برسول الله (ص) يفرض علينا أن لا نضيّع سنَّته، يعني أن لا نضيّع كلّ كلماته الَّتي تكلَّم بها، وكلَّ أفعاله الَّتي تمثّل القدوة لنا، لأنَّ ذلك يمثّل حركة الرّسالة في القول والفعل {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}[الحشر: 7]، و{مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}[النّساء: 80]، {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}[النّساء: 59].

فوصيَّته (ع) هي الالتزام بتوحيد الله الَّذي يستتبع الالتزام بكتابه، والالتزام برسول الله الَّذي يستتبع الالتزام بسنّته في كلّ أحاديثه الثَّابتة.  

- أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ – يعبّر (ع) عن الكتاب والسنَّة بمثابة العمودين اللَّذين يقوم عليهما البناء - وَأَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ فكما أنّهما العمودان اللَّذان يرتكز البناء عليهما، فهما مصباحان يضيئان الطَّريق للسَّائرين.

عبرةُ الموت

هذه وصيَّته العامَّة. ثمَّ يقول (ع):

"أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ - كنت أعيش معكم، أحدّثكم وتحدّثونني، وأعايشكم وتعايشونني - وَالْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ – وأنتم ترون عليّ بن أبي طالب، ذاك الشّجاع البطل، وهو يعيش سكرات الموت، لتفهموا من خلال هذه العبرة، أنَّكم ستواجهون الحالة الَّتي أواجهها.

مَنْ أشدّ النَّاس بأساً في تلك المرحلة غير عليّ؟! ومع ذلك، كان يعاني سكرات الموت، وينتظر أن يفارق الدّنيا، وستكونون كذلك.. لا تغترّوا بصحَّتكم، ولا بمواقع الأمن عندكم، ولا باجتماع النَّاس حولكم، ولا بأموالكم وبامتيازاتكم في المجتمع، فسيأتي وقتٌ لا ينفعكم ذلك كلّه، عندما يأتي النّداء، ويحين وقت الفراق {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}[القيامة: 29 - 30]، {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم}[الغاشية: 25 - 26].

ونحن أيضاً، قد يكون هناك أشخاص من أقربائنا وأصحابنا في حالة الاحتضار، ويعانون سكرات الموت، فيما نحن نلهو وننشغل، وكأنَّ الأمر لا يعنينا. ولكن علينا عندما نشاهد شخصاً يحتضر، أن ندرك أنَّه سيأتي الوقت الَّذي يجتمع فيه النَّاس عندنا كما نجتمع عند هذا الشَّخص، فعلينا أن نستعدّ لذلك، وأن لا نغترّ بالحياة الدّنيا. هذه مسألة أساسيَّة، وعلى كلّ واحد منَّا أن يحضّر حساباته، لأنَّه سيدخل القبر وحده، وسيُحشَر وحده، ويقف بين يدي الله وحده، ويدخل الجنَّة أو النَّار وحده {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}[مريم: 95].

في الحياة الدّنيا، يمكن أن نستأنس بهذا أو ذاك، ولكن في الآخرة، لا يؤنسنا إلَّا عملنا. هناك كلمة للإمام عليّ (ع) يقولها لولد الحسن (ع): "فَلا يُؤنِسكَ إلّا الحَقُّ، ولا يوحِشكَ إلَّا الباطِلُ".

وليّ الدَّم

- وَغَداً مُفَارِقُكُمْ – فلن تجدوني غداً بينكم - إِنْ أَبْقَ – إن مدَّ الله بعمري وأخرجني من هذه المسألة - فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي - فإذا بقيت حيّاً، فأنا الَّذي أحاسب هذا القاتل – وَإِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي - {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}[الرّحمن: 26]، {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}[الزّمر: 30]، فكلّ إنسان له موعد مع الفناء {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}[آل عمران: 185].

- وَإِنْ أَعْفُ - عن هذا القاتل - فَالْعَفْوُ لِي قُرْبَةٌ - فالقضيَّة قضيَّتي، ويمكن أن أعفو عنه لأتقرَّب بذلك إلى الله، على الرّغم من فداحة الجريمة. والإمام في ذلك يعمل بهدى القرآن {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}[البقرة: 237]، فأن يعفو الإنسان عن غيره قربةً إلى الله، فإنَّ ذلك يقرّبه إليه سبحانه.

وعلينا أن نتعلَّم هذا في حياتنا، فنحن غالباً ما تحكمنا العقد النَّفسيَّة الّتي تأكل صفاءنا ونقاءنا وطهارة قلوبنا، وهي الّتي تمنعنا من أن يسامح بعضنا بعضاً، ويعفو بعضنا عن بعض، ليبقى الواحد منّا يعيش روحيّة شفاء الغيظ. فعلى الإنسان أن يفكّر أنّه إذا عفا، فهو الرَّابح عند الله.

وَهُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ؛ فَاعْفُوا، أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ؟! - فإنَّكم إذا عفوتم، تستطيعون أن تقولوا: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَنْزَلْتَ فِي كِتَابِكَ الْعَفْوَ، وَأَمَرْتَنَا أَنْ نَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنَا، فَاعْفُ عَنَّا، فَإنَّكَ أَوْلى بِذلِكَ مِنّا".

أعظمُ الفوز

- وَاللَّهِ مَا فَجَأَنِي مِنَ الْمَوْتِ وَارِدٌ كَرِهْتُهُ – يقول إنَّ الموت لم يكن عندي مفاجئاً، فقد كنت أقتحم غمرات الموت عندما أخرج من معركة إلى معركة، فالموت لم يكن مفاجأة بالنّسبة إليّ، ولم يكن مكروهاً إليَّ، وأنا كنت أستعدّ له، وكلّ ما كان يشغل بالي، هو أن أموت وأنا على سلامة من ديني.. وأنا الآن، عندما جاءني الموت وأنا في محراب ربّي، شعرت بالفوز، ولذلك صرخت: "بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ"، باعتبار أنَّ الإنسان يشعر بالفوز عندما يعرف أنَّه استطاع أن يكمل الدَّرب كما يحبّ الله، وهو الَّذي ولد في الكعبة، وسار في خطّ الكعبة، واستشهد في بيت الله، فأيُّ حياة أكثر فوزاً من هذه الحياة؟!

- وَلَا طَالِعٌ أَنْكَرْتُهُ، وَمَا كُنْتُ إِلَّا كَقَارِبٍ وَرَدَ – كما القارب الّذي يركبه الإنسان، وأمواج البحر تعلو به وتهبط، إلى أن يصل الشَّاطئ وتنتهي رحلته، وكذلك الإنسان كالقارب، والدّنيا أمواج، والبحر عميق، والقارب يصعد وينزل في هذه الأمواج؛ أمواج الفرح والحزن واللذَّات والشَّهوات؛ ترفعنا موجة، وتنزلنا موجة، إلى أن نصل إلى الشَّاطئ، والشَّاطئ هو عند الله سبحانه وتعالى. وذاك الشَّاعر يقول:

فيا جَانِبَ البَحْرِ الَّذي أنا غَارِقٌ                بِلُجَّتِهِ هَلْ ثَمَّ مِنْ جَانبٍ ثَانِي

- وَطَالِبٍ وَجَدَ - وجد بغيته - وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ" {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاق}[النّحل: 96]، {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}[الكهف: 46].

الإرثُ الحقيقيّ

هذه الكلمات الَّتي تكلَّم بها الإمام (ع) قبل أن ينتقل إلى رحاب الله سبحانه وتعالى، وهي تعطينا فكرة عمّا ينبغي أن يركّز عليه الإنسان عندما يواجه الموت، كيف يواجه القضايا، ما الأمور الَّتي يوصي بها. والله سبحانه يحدّثنا عن يعقوب: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}[البقرة: 133].

فيعقوب (ع) عندما جمع أولاده، لم يكن همّه كيف يقسّم الميراث، كما يفعل البعض منَّا، أن يأتي بكاتب العدل ويحرم البنات من الميراث، على طريقة ما صوَّره ذاك الشَّاعر:

بَنُونا بَنُو أَبْنَائِنا، وَبَنَاتُنا    بَنُوهنَّ أبْنَاءُ الرّجَالِ الأَبَاعِدِ 

فنحن كثيراً ما نسمح لأنفسنا بالتَّدخُّل بنظام الإرث الَّذي شرَّعه الله، بينما نهمل أعمالنا ومسؤوليَّاتنا، ثمّ نهوّن الأمر على أنفسنا بالقول: "ليوم الله يهوّن الله". وغالباً، لا يلتفت النَّاس إلى ما ينبغي أن تكون الوصيَّة الأساسيّة الَّتي يوصونها لأبنائهم؛ أن يكونوا مؤمنين صالحين طيّبين، يحسنون العيش مع النَّاس، بل يفكّرون فقط في الإرث المادّيّ وكيفيَّة توزيعه.

فالفكرة الّتي نأخذها من الإمام (ع)، هي كيف يفكّر الإنسان إذا واجه حالة الموت، وما الآفاق الَّتي يعيشها، سواء بالنسبة إلى من يأتي بعده من أولاده، أو ما يعيشه هو في نفسه.

الغايةُ منَ السُّلطة

وفي مسألة أخرى، نرى الإمام عاش صراعاً مع الَّذين تقدَّموه في الخلافة، لأنَّ الخلافة كانت حقّاً له، وقد أبعد عنها، ثمَّ بعد ذلك، عندما تسلَّم الخلافة، عاش أيضاً مشاكل مع النَّاس الَّذين أرادوا أن يعطّلوا خطَّته وحركته، ومنهم طلحة والزّبير وعائشة الَّذين أرادوا أن يقاسموه السّلطة، والسّلطة لا تكون تقاسماً، لأنَّها تتَّصل بنظام النَّاس، ولا تتَّصل بالقضايا الشَّخصيَّة في هذا المقام، فالإمام (ع) قال لهم أنتم بايعتم، والمفروض أن تطيعوا، ولكنَّهم تمرّدوا عليه وخرجوا إلى البصرة.

ثمَّ حاول معاوية أن يستفيد من هذه الفرصة، باعتبار أنَّه ابن عمّ عثمان، وقد قُتِل عثمان، وهو يطالب بدمه، ويتَّهم الإمام (ع) كأنَّه هو الَّذي قتل عثمان، أو هو الَّذي أبقى قتلته عنده. وبعدها كانت مشكلة النَّهروان.

فالإمام يتحدَّث عن هذا الصّراع، ولماذا خاضه؛ هل خاضه من أجل ملك، أو من أجل مال، أو ما إلى ذلك؟ وهذا أشبه بالبيان السياسي للإمام، ولكنَّه (ع) يتحدَّث فيه مع الله سبحانه وتعالى وليس مع النَّاس. يقول (ع):

"اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا – من هذا الصَّراع حول الخلافة وفرض النّظام - مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ – فلم نكن ندخل في عمليَّة تنافس فيمن يكون الحاكم لشهوةٍ في النَّفس، باعتبار أنَّ بعض النَّاس يحبّ أن يؤكّد ذاته من خلال الحكم، وبعض النَّاس يكون الحكم عندهم رسالة، وبعضهم يكون عندهم شهوة تأكيداً للذَّات، فالإمام لم يكن الأمر عنده كذلك.

- وَلَا الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَام - ولا لنتَّخذ هذه السّلطة وسيلةً من وسائل الحصول على مال أو على جاه، مما سوف يذهب بذهابنا من الدّنيا – وَلَكِنْ - إنّما نافسنا وواجهنا الموقف ودخلنا ساحة الصّراع - لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ - حتَّى نرد هذه المواقع الَّتي تمثّل معالم الدين ورموزه وخطوطه وعالمه - وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ - فالحكم بالنّسبة إلينا وسيلة من وسائل إصلاح الواقع الفاسد وإصلاح الإنسان الفاسد - فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ - حتَّى يأمن المظلومون بالحكم العادل والسّيرة العادلة والقانون العادل، لأنّنا نرى هناك ظلماً في السَّاحة، ونريد أن نرفع هذا الظّلم عن النَّاس - وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ – باعتبار أنَّ الحدود تمثّل القوانين الشَّرعيَّة الَّتي كانت معطَّلة في ذلك الوقت. فالأساس في الحكم عند الإمام (ع) هو هذا.

- اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ – فأنا أوَّل من رجع إليك - وَسَمِعَ وَأَجَابَ – سمعت رسول الله (ص) يدعو إليك، واستجبت له في دعوته - لَمْ يَسْبِقْنِي إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ (ص) بِالصَّلَاة"، كان رسول الله (ص) أوَّل من صلّى، وأنا كنت الثّاني بعده.

وقد عبَّر الإمام (ع) عن هذا الموضوع في أكثر من كلمة في فهمه للحكم، وأنَّ الحكم بالنّسبة إليه رسالة، وليس تأكيداً للذَّات، أو طمعاً في مجد أو مال أو جاه. ففي مرّة، انقطعت نعله، وكان خليفةً وأميراً للمؤمنين عند النّاس، فانكبَّ عليها ليصلحها، فرآه ابن عبَّاس، واستغرب أن يجلس الإمام (ع) وهو خليفة المسلمين، ليصلح نعله بنفسه، ولكنّ الإمام (ع) قال له: "مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ؟ - أنت تحتقرها، وترى أنَّه ليس من شأني أن أصلحها - وَاللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ - فالنَّعل تفيدني، فهي تحميني من البرد أو الحرّ، أمَّا الإمارة، فهي تحرمني من كثير من اللّذّات، ولو كنت خارج الإمارة، لكنت أفضل في أكلي ولبسي وغير ذلك، ولكن وأنا في داخل الإمارة، فإنَّ "اللهَ فَرَضَ على أئمّةِ العَدلِ أن يُقَدِّروا أنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النّاسِ، كَيْ لا يَتَبيَّغَ بالفقيرِ فَقْرُهُ". فهذه النّعل أعظم من إمرتكم - إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً، أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا"، فإنّما تكون هذه الإمرة عظيمة، إذا استطعت من خلالها أن أقيم حقّاً وأن أدفع باطلاً، هذه هي الرّسالة، لأنَّ من مهمّتي وطموحاتي في الحياة، أن أقيم الحقَّ وأزهق الباطل.

وفي الخطبة الشَّقشقيَّة، كان (ع) يقول: "لَولا حُضُورُ الحاضِرِ، وَقِيامُ الحُجَّةِ بِوُجودِ النَّاصِرِ، وَمَا أخَذَ اللّهُ عَلَى العُلَماءِ – العهد الَّذي أخذه الله على العلماء - أن لا يُقارُّوا على كِظَّةِ ظالِمٍ - عنف ظالم - وَلا سَغَبِ مَظلومٍ – جوع مظلوم. فالله حمَّل العلماء مسؤوليَّة أن يقفوا ضدّ عنف الظَّالم وظلمه، وأن يكونوا مع المظلوم في جوعه وعطشه ومظلوميَّته - لأَلقَيتُ حَبلَها على غاربِهِا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا، وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَهْوَنَ عِنْدِي مِنْ عفْطَةِ عَنْزٍ".

الأولويَّةُ لسلامةِ الدّين

كان يعيش هذا الجوّ، كان كلّ همّه سلامة الإسلام وسلامة أمور المسلمين، وهو الّذي قال: "لأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةًفأن أُظلَم أنا فلا مشكلة، المهمّ أن لا يُظلَم المسلمون والإسلام.

وفي كلمة أخرى، يقول (ع): "فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ – فهو يقول إنَّ مصيبتي بالثّلمة الَّتي تصيب الإسلام، وبالانهدام الَّذي يمكن أن يحصل لبعض مواقع الإسلام، أعظم من مصيبتي بفوت الولاية والسّلطة - الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ – فقد يستأنس الإنسان بالسّلطة، ولكن لفترة من الزَّمن، وستكون نهايته الموت - يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ".

ولهذا، رأيناه يصبر على إبعاده عن الخلافة، والخلافة حقّ له، ولم يكتف بالصّبر، بل إنَّه ساعد خصومه الَّذين أبعدوه، ساعدهم بالرأي والموقف، وبحلّ المشاكل الَّتي كانت تواجههم في أكثر من جانب يتطلَّب المعرفة والقوَّة وما إلى ذلك.

وهذا الَّذي نريد أن نتعلَّمه من عليّ (ع)؛ أن يكون إسلامنا هو الأساس في كلّ اهتماماتنا، وأن يكون الحقّ الَّذي ندعمه، والباطل الَّذي نرفضه، هو الهاجس الَّذي نعيشه في حياتنا.

الإنجازُ الحقيقيُّ في الحياة

والإمام (ع) في بعض كلماته في وصيَّته لابن عبَّاس، يركّز على هذه النّقطة، فنحن نفرح لبعض الأشياء، ونحزن لأشياء أخرى، فإذا حصَّل أحدنا شيئاً فرح به، وإذا خسر شيئاً حزن عليه، ولكنَّ الإمام (ع) يقول إنَّ كلّ ما نحصل عليه أو نفقده، إنّما هو نتيجة أسبابه وظروفه، فإذا كانت الأسباب مهيّأة لولادة مولود، مثلاً، فسيولد، وإذا كانت الظّروف مهيّأة لموت أحد فسيموت، فالمولود يولد بأسبابه إذا تهيَّأت أسباب الولادة، والميّت يموت في وقته إذا تهيّأت أسباب موته، وكذلك الرّبح والخسارة، فالرّبح له أسبابه، والخسارة لها أسبابها، فهذا من شؤون الحياة، وكلّ حركتنا في الحياة فيها ربح وخسارة، ونحن نربح إذا أخذنا بأسباب الرّبح، ونخسر إذا لم نأخذ بأسبابه، وهكذا. فالإمام (ع) يقول لا داعي لأن تربطوا أنفسكم بمسألة الرّبح والخسارة، فلا يطغيكم الرّبح إذا ربحتم شيئاً، ولا تسقطكم الخسارة. قال (ع):

"أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْمَرْءَ لَيَفْرَحُ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ، وَيَحْزَنُ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ - إذاً، علينا أن نتقبّل القضايا بهدوء. وأنا دائماً أعطيكم مثلاً، إذا جاء النَّهار، هل نقيم له حفلة ترحيبيَّة، وإذا جاء الربيع، هل نقيم له المهرجانات؟! فمن الطبيعيّ أن يأتي الرّبيع بعد الشّتاء، لأنَّ طبيعة الكون كذلك، وسيأتي الخريف بعد الصَّيف وتتساقط كلّ الأوراق.. وكما في الأرض ربيع وخريف، كذلك في الإنسان هناك ربيع وخريف، فالإنسان يكون في عمر الشَّباب والنَّضارة والحيويَّة، ثمّ تتساقط الأوراق، وتتساقط القوَّة {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا}[النّحل: 70]، فإذا أتى النَّهار لا نقيم له حفلة، لأنَّ النَّهار يشرق عندما تتوفَّر الظّروف الطبيعيَّة لإشراقه، وعندما يأتي اللَّيل لا نقيم حفلة تأبينيَّة للنَّهار، فعندما تنتهي ظروف إشراق الشَّمس سيأتي اللّيل.

- فَلَا يَكُنْ أَفْضَلَ مَا نِلْتَ في نَفْسِكَ مِنْ دُنْيَاكَ بُلُوغُ لَذَّةٍ أَوْ شِفَاءُ غَيْظٍ - فبعض النَّاس أقصى طموحه في الحياة أن يحقّق لذَّاته، فالسَّعادة كلُّ السَّعادة عنده، أن يحصل على ما يشتهيه ويستلذّ به، ولكن كم عمر الشَّهوة وعمر اللّذَّة؟ إنّما هي لحظة، فلو أكلنا أطيب الأكلات، فإحساسنا باللّذّة إحساس اللّحظة، وهكذا كلّ الأشياء الحسيَّة الّتي نمارسها من لذّاتنا وشهواتنا، كذلك شفاء الغيظ الَّذي يشعر الإنسان من خلاله أنّه يرتاح عندما يقوم به، ولكن كم إحساس شفاء الغيظ؟ إنّه إحساس اللَّحظة.

فالإنسان الَّذي يكون أقصى طموحه في الحياة أن يبلغ لذَّته ويشفي غيظه، معناه أنَّه يسخّر عمره كلَّه للحظة، ويجعل عمره خاضعاً لإحساس اللَّحظة.. ولكن لا إحساسنا باللّذَّة يبقى، ولا إحساسنا بشفاء الغيظ يبقى، فهل تستحقّ هذه اللَّحظة أن نسخّر كلَّ عمرنا ومشاريعنا في الحياة لها؟ ولذا، يقول الإمام عليّ (ع): "مَا لِعَلِيٍّ وَلِنَعِيمٍ يَفْنَى، وَلَذَّةٍ لَا تَبْقَى". فلماذا أجعل كلَّ ما عندي من طاقات وثقافة وعمر خاضعاً للذّة تفنى، ولنعيم لا يبقى؟ بل عليَّ أن أكرّس حياتي للشَّيء الَّذي يبقى. فما هو هذا الشَّيء؟

- وَلكِنْ إطْفَاءُ بَاطِلٍ أَوْ إِحْيَاءُ حَقٍّ - أن تكون لنا رسالة في الحياة؛ أن نطفئ باطل السياسة، باطل الاجتماع، باطل العقيدة، باطل الشَّريعة، باطل الأمن، وأيّ باطل آخر، أن نطرد من الحياة كلّ باطل، لأنَّ الباطل يرهق الحياة، وأن نحيي الحقّ، لأنَّ الحقّ يثبّت الحياة.

بمعنى أنَّ الإنسان أفضل ما يناله في دنياه، أن يكون صاحب قضيَّة في الحياة تتَّصل بحياته وحياة الآخرين، أن يكون صاحب رسالة يدعو إليها ويركّزها وتتَّصل بحياته وحياة الآخرين، فالإنسان الَّذي يكون صاحب رسالة وقضيَّة، ويسخّر حياته لهذه القضيَّة والرّسالة، هو إنسانٌ يحترم نفسه، لأنّه سيبقى ما بقيت رسالته وما بقي الحقّ.

فهناك فرق، كما قلنا، بين عمر اللَّحظة وبين عمر الحياة؛ أن نختار بين أن يكون عمرنا خاضعاً للحظة، أو أن يكون خاضعاً للزَّمن كلّه.

إنَّ علينا أن نفكّر في هذه الأمور، لأنَّها تمثّل قانون حياتنا وأصالة شخصيَّتنا، وعلينا أن نعمل على أن نحمي إنسانيَّتنا من العبث واللّغو، أن نركّزها على أساس أن تكون شخصيَّة أصيلة، وأن تكون إنسانيّتنا غنيّة.. والَّذي يغني إنسانيَّتنا ويؤصّلها، إنَّما هو السَّير في خطّ الحقّ، والابتعاد عن الباطل في كلّ جوانب الحياة.

فإذا كان الإمام (ع) يقول لنا لا تفرحوا بهذه، ولا تحزنوا على هذه، ولا تهتمّوا باللّذّة وبشفاء الغيظ، إذاً بماذا نهتمّ؟ يقول (ع):

رصيدُ الإنسانِ في الآخرة

- وَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا قَدَّمْتَ – إذا أردت أن تفرح، فانظر كم استطعت أن تقدّم من أعمال عند الله {وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا}[المزمّل: 20]، {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}[الكهف: 46]، فهو هذا الرَّصيد الَّذي يبقى للإنسان.

وأعطيكم مثالًا على ذلك: إذا كان لكم قريبٌ في المهجر - زوج أو أب أو ابن أو أخ - يرسل إليكم المال، ويطلب منكم أن تحفظوه له في البنك، أو أن تستثمروه له في شراء شقّة أو غير ذلك، فإنّه يكون مرتاح البال، لأنّه يتعب ويكدّ هناك، لكنَّه يعلم أنَّ له رصيداً محفوظاً يؤمّن حياته وحياة أولاده. وهكذا الأمر مع الله سبحانه؛ نحن نتعب في الحياة، لكنّ ما نقدّمه من عملٍ صالح هو الرَّصيد الحقيقيّ الَّذي ندّخره عنده، لنطمئنّ به لمستقبلنا الأبديّ {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}[التّوبة: 111]، {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[التّوبة: 111]، {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}[الحديد: 11].

- وَأَسَفُكَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ – أن يكون حزنك على ما تركته من فرص وقت الشَّباب والقوَّة والحيويّة والظّروف الملائمة، عندما كنت تستطيع أن تعمل الكثير مما يبقى لك، ولكنَّك ملأته باللَّهو واللَّعب والفراغ.

- وَهَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْموْتِ"، فأنت تهتمّ لأمور أولادك، وكيف تدخلهم إلى المدرسة، وتؤمّن احتياجاتهم، وهذا أمر مشروع، ولكنَّ هذا أمر رتّبه الله لعباده {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}[الذّاريات: 22]، {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}[الزّمر: 36]، فالله رتَّب لنا أمور الدّنيا، وجعل لها نظاماً، فللرّزق نظام، وللعمر نظام، ولكلّ شيء نظام، فلا نحمل همّاً كبيراً في الدّنيا، وإن كان لا بدَّ أن نعيش همَّ حاجاتنا، لكن أن لا يكون هو الهمّ الكبير، لأنَّ الهمَّ الكبير الَّذي يجب أن نستعدَّ له، وإذا لم نستعدَّ له الآن، فسوف لا نستطيع أن نحصل عليه غداً، هو ما بعد الموت {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}[القصص: 77]، {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}[الانشقاق: 6].

"َلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا قَدَّمْتَ، وَأَسَفُكَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ، وَهَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْموْتِ". هذه وصيَّة ألفاظها قليلة، ولكنّ معانيها كبيرة، وعلينا أن نفكّر فيها.

التّفكّرُ وفهمُ الذّات

وأنا دائماً أقول لنفسي، وأقول لكم، إنَّ على الإنسان أن لا يعطي عقله إجازة، فالله أعطانا فكراً، وعلينا أن نشغّله.. بعض النَّاس يقول لا وقت لديّ لأفكّر، ومعنى ذلك أنَّه لا وقت لديك لتقرّر مصيرك وتركّز حياتك، لأنَّ التَّفكير هو الخطوة الأولى في كلّ مشروع، والله جعل التَّفكير عبادة: "تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ"، لأنَّ هذه السَّاعة عندما تفكّر فيها تفكيراً واعياً وعميقاً، فيمكن أن تفتح لك الدّنيا كلّها.

إذاً المطلوب أن نفكّر، وخصوصاً أنَّ هذا الشَّهر هو شهر تأمّل وتدبّر وحساب مع النَّفس.

نحن نجلس مع النَّاس طويلًا، ونتسامر معهم في الحديث، لكنَّ هناك اثنين لا نطيق الجلوس معهما: أنفسنا، والله. فإذا وقفنا للصَّلاة، ترانا نطوف في الشَّرق والغرب، ونستعجل الفراغ منها، مع أنَّ الجلوس مع الله ومع أنفسنا هو ما ينفعنا حقّاً.

إنَّ النَّاس الّذين نتحدَّث معهم، قد يحكون لنا حكاية ويمضون، ولكن عندما نجلس مع أنفسنا، نفهم حقيقتها، ونعرف نقاط ضعفها وقوَّتها وما عندها من طاقات، لنستطيع أن نرتّبها ونصوغها صياغة جيّدة، وكما نفصّل ثيابنا بشكل جيّد، أن نفصّل حياتنا وعواطفنا وأفكارنا...

لذلك، فلنحاول أن نجلس مع أنفسنا ونفكّر: "مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ"، وعندما نجلس مع الله، فالله يعطينا الكثير {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة: 186].

الاستفادةُ مِنْ عليّ (ع)

وأخيراً، إنَّ علينا أن نجلس مع عليّ بن أبي طالب (ع) كثيراً، فنحن لا نجلس معه إلَّا عندما يضرب مرحباً وعمرو بن عبد ودّ، أمَّا عندما يفكّر ويعطينا التَّجربة، فلا نجلس معه.. وأنا أقول لو أنَّ عليّاً موجود في هذه الأيّام، فسوف يبتعد عنه الكثيرون، وسيقولون عنه الكثير من الكلمات السَّلبيَّة، وعمر يقول: "أَمَّا إِن وَلِيَ أَمْرِهِمْ حَمَلَهُمْ عَلَى الْمَحِجَّةِ الْبَيْضَاءِ"، لأنَّ عليّاً (ع) ليس عنده لون أسود ولا رماديّ، بل عنده اللَّون الأبيض فقط.

بعض المستشرقين يقول: لو كان عليّ بن أبي طالب موجوداً الآن في مسجد الكوفة، لرأيت مسجد الكوفة ممتلئاً بالقبَّعات الغربيَّة، ولن تجد فيه موطئ قدم لعربيّ واحد، لأنَّ عليّاً عاش معهم ولم يستفيدوا منه. وهذه الحقيقة نجدها اليوم، فكثير من الطَّليعيّين يعيشون بيننا، ولكنّنا لا ننتفع بهم، لأنّنا في الغالب نُعجب بالممثّلين الَّذين يُجيدون تمثيل دور البطولة، أكثر مما نقترب من الأبطال الحقيقيّين الَّذين يختزنون عناصر البطولة في فكرهم وروحهم وحياتهم، ونحن، غالباً، جماعة الممثَّلين ولسنا جماعة الأبطال.

لذلك نحتاج أن ننتفع بعليّ (ع)، بفكره وبتجربته.

معيارُ القيمةِ عندَ عليّ (ع)

الشَّيء الأخير الَّذي نحبّ أن نتعلَّمه من عليّ (ع) هو معنى القيمة. يقول (ع): "قيمةُ كلِّ امْرئٍ مَا يُحْسِنُهُ"، يعني قل لي ما مقدار علمك، وما مقدار معرفتك وخبرتك، أقل لك ما قيمتك.

والجهل ليس قيمة، بل إنَّ العلم هو القيمة، لا فرق في ذلك بين الرَّجل والمرأة، وليس كما يقول بعض النَّاس بأنَّ العلم للرّجال، أمَّا النّساء فهنَّ للمطبخ. إنَّ الله خلق العقل، وأراد لنا أن ننضّجه بالقراءة والسّماع والتجربة والحوار، إنَّ الله لا يريد إنساناً ضعيف العقل أو ناقص العقل، سواء كان رجلاً أو امرأة، لأنَّنا لا نستطيع أن نعرف الله إلَّا بالعلم، ولا نستطيع أن نقوم بمسؤوليَّاتنا إلَّا بالعلم. والعلم ليس محصوراً بالمدرسة والجامعة، فبعض الأخوات، بحسب ظروفهنّ الاقتصاديّة أو الاجتماعيّة، قد لا يستطعن دخول المدرسة أو الجامعة، ولكن يمكن لهنَّ أن يقرأن ويسمعن وأن يخضن الأحاديث المفيدة في جلساتهنَّ.

الرّجال، عادةً، ينكّتون على النّساء أن لا حديث لهنّ إلّا عن الموضة وآخر صرعات مساحيق التَّجميل وما إلى ذلك، فلماذا يكون هذا كلّ همّ النّساء؟ فليكن حديثكنّ في القضايا السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، وفي القضايا الفكريَّة والثَّقافيَّة، ومشاكل بلدنا وأمَّتنا... لماذا نضيّع وقتنا ونهدره فيما لا ينفع، بينما نستطيع أن يعلّم بعضنا بعضاً؟! إنَّ كلّ واحد منّا يستطيع أن ينفع الآخر بما عنده من معلومات، عندما يتحدَّث عن قضيَّة من القضايا، أو مشكلة من المشكلات، أو حلّ من الحلول... فلماذا نرضى بالجهل، والله يقول: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}[الزّمر: 9]؟ وهذه تشمل الرّجال والنّساء معاً.

إنَّ هناك حركة تجهيل في المجتمع، فالبعض يقول إنَّ المرأة لا ينبغي أن تُعلَّمَ إلَّا أشياء معيّنة، كما يقول الشَّاعر أبو العلاء المعري:

 عَلِّموهُنَّ الغَزلَ وَالنَّسجَ وَالرَّدْ  نَ وَخَلّوا كِتابَةً وَقِراءَه 
 فَصَلاةُ الفَتاةِ بِالحَمدِ وَالإِخـ  ـلاصِ تُجزي عَن يونُسَ وَبَراءَه
ولكنّ الله لم ينزل القرآن فقط للرّجال، حتَّى إنَّ بعض النَّاس يقولون لا تعلّموا نساءكم سورة يوسف، ولا تقرئوهنَّ إيَّاها، بالعكس، فلتقرأ المرأة سورة يوسف، لأنّها تُعلِّم معنى العفَّة والتمرّد على الشَّهوة والغريزة.

لذلك أنا أقول إنَّ هناك حركة تجهيل، لا تصدّقوا أحداً يقول إنَّ الجهل قيمة للمرأة، فالجهل قيمة سلبيَّة للرَّجل وللمرأة، والعلم قيمة إيجابيَّة للرَّجل وللمرأة. فعلينا أن نتعلَّم بما نستطيع، فإذا لم نستطع أن ندخل مدرسة، فيمكن أن نعوّض بالقراءة، أو بسماع أشرطة المحاضرات، أو الاستماع إلى الإذاعة، أن يكون عندنا وعي ثقافيّ واجتماعيّ وسياسيّ، فلماذا لا يكون عندنا هذا الأمر؟ ونحن قادرون على ذلك، فعندنا عقول كما النَّاس الآخرون عندهم عقول، ونحن لا نقول إنَّ المرأة عندها نصف عقل الرَّجل، بالعكس، فإنَّ عقلها مثل عقل الرَّجل، ولكن فرص العلم متاحة للرَّجل أكثر.

 فالإمام عليّ (ع) يقول: "قيمةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ"، أي أنَّ قيمة الإنسان تتحدَّد بمقدار ما يعلم، فإذا كنَّا نملك علماً وخبرة ومعرفة، فنحن في الدَّرجات العليا من القيمة، وإلَّا كنَّا في الدَّرجات السّفلى، مهما كان عندنا من مال وجمال، فالجمال يذهب، والمال يذهب، ويبقى العلم.

وعن عليّ (ع): " يَا كُمَيْلُ، الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ؛ الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ، وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْإِنْفَاقِ".

فعلينا أن نتعلَّم ونتعرّف، ليرتفع العلم بنا إلى الله، ولنعيش مع الله سبحانه وتعالى من مواقع معرفتنا به على أساس علمنا.

والحمد لله ربّ العالمين.

*من خطبة الجماعة للنساء في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 09/02/1996م.

نلتقي في هذه الأيَّام، بذكرى استشهاد الإمام عليّ بن أبي طالب (ع)، وذلك عندما ضربه عبد الرَّحمن بن ملجم، وهو من الخوارج، على رأسه بالسَّيف وهو في صلاته، فبقي يومين بعد ذلك، وانتقل إلى رحاب ربّه، وعرجت روحه إلى الله في ليلة الواحد والعشرين من شهر رمضان.

معنى الموالاة

وعندما نريد أن ندرس أمير المؤمنين (ع)، فإنَّنا نحتاج إلى زمن طويل، وإلى مجلَّدات كثيرة من الكتب. ونحن الآن في مقام إثارة هذه الذّكرى، من أجل أن نستفيد منها بعض الدّروس وبعض العبر في حياتنا، لأنَّ قيمة تاريخ العظماء في حياة الأمم، تتحدَّد بمقدار ما يمكن للأمَّة أن تأخذ منه الدّروس الَّتي تنفعها في حياتها، والّتي ترتفع بها في حركتها من أجل الوصول إلى الدَّرجات العليا.

وإذا كنّا نصنّف أنفسنا من الموالين لأهل البيت (ع)، فإنَّ قيمة الموالاة لهم، هي بمقدار ما نتمثَّل صورتهم في صورتنا، وما نأخذ من شخصيَّاتهم في إغناء عناصر شخصيَّتنا.. فلا يكفي في موالاتنا لأئمَّة أهل البيت (ع)، وللنبيّ (ص) من قبلهم، أن تخفق قلوبنا في حبّهم، بل أن تتحرَّك خطواتنا في دروبهم، وأن تنطلق حياتنا في خطّهم. هذا هو الأساس، أن لا تكون العلاقة شخصيَّة، بحيث يكفينا من ذلك أن نتحدَّث عن كراماتهم ومعجزاتهم وفضائلهم.. إنّهم في الدّرجة العليا عند الله، ولا نزيدهم شرفاً إذا تحدَّثنا بشرفهم، ولكنَّنا نريد أن نغتني بهم، بتأريخهم وسيرتهم، أن نرتبط بهم ارتباطاً رساليّاً، لا أن نرتبط بهم ارتباطاً شخصيّاً، فارتباطنا الأساسيّ هو بالله، أمَّا ارتباطنا بغير الله فهو من طريق الله سبحانه، فنحن نرتبط برسول الله (ص) لأنَّه رسول الله، ونحن نرتبط بعليّ (ع) لأنَّه وليُّ الله، ولأنَّه إمام المسلمين. ومن هنا، لا بدَّ أن نشغل أنفسنا بقراءة تأريخهم وكلماتهم وسيرتهم، حتَّى نستطيع أن نهتدي بهداهم، وأن نكون السَّائرين على خطّهم في الحاضر والمستقبل.

لنقرأ أوَّلاً، كيف تحدَّث الإمام (ع) عن حالته بعد أن ضربه عبد الرَّحمن بن ملجم، حتَّى نعرف روحيَّة الإمام ووصاياه الأخيرة في هذا المجال.

الوصيّة للمسلمين

في "نهج البلاغة" نقرأ هذا النّصّ:

يقول (ع)، وذلك قبيل موته، على سبيل الوصيَّة، بعد أن ضربه ابن ملجم (لعنه الله):

  "وَصِيَّتِي لَكُمْ - والإمام لا يوصي جماعة خاصَّة، ولا يوصي الموجودين في زمانه فقط، وإنَّما يوصي النَّاس كافَّة، لأنَّه إمام المسلمين كافَّةً - أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً - ابقوا في خطّ التَّوحيد الَّذي يوحّد الله في العقيدة، فلا يعتقد بإله غيره، ويوحّده في العبادة، فلا يعبد غيره، ويوحّده في الطَّاعة، فلا يطيع غيره. هذه هي النّقطة الأساسيَّة، وهي رسالة الأنبياء، فما من نبيّ إلَّا وجاء ليقول للنَّاس: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ}[هود: 84].

- وَمُحَمَّدٌ (ص) فَلَا تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ – عليكم أن تتَّبعوا سنَّة رسول الله في كلّ ما تحدَّث به، وفي كلّ ما أمر به وشرَّعه. فتوحيد الله يفرض علينا أن نقرأ كتابه، والإيمان برسول الله (ص) يفرض علينا أن لا نضيّع سنَّته، يعني أن لا نضيّع كلّ كلماته الَّتي تكلَّم بها، وكلَّ أفعاله الَّتي تمثّل القدوة لنا، لأنَّ ذلك يمثّل حركة الرّسالة في القول والفعل {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}[الحشر: 7]، و{مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}[النّساء: 80]، {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}[النّساء: 59].

فوصيَّته (ع) هي الالتزام بتوحيد الله الَّذي يستتبع الالتزام بكتابه، والالتزام برسول الله الَّذي يستتبع الالتزام بسنّته في كلّ أحاديثه الثَّابتة.  

- أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ – يعبّر (ع) عن الكتاب والسنَّة بمثابة العمودين اللَّذين يقوم عليهما البناء - وَأَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ فكما أنّهما العمودان اللَّذان يرتكز البناء عليهما، فهما مصباحان يضيئان الطَّريق للسَّائرين.

عبرةُ الموت

هذه وصيَّته العامَّة. ثمَّ يقول (ع):

"أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ - كنت أعيش معكم، أحدّثكم وتحدّثونني، وأعايشكم وتعايشونني - وَالْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ – وأنتم ترون عليّ بن أبي طالب، ذاك الشّجاع البطل، وهو يعيش سكرات الموت، لتفهموا من خلال هذه العبرة، أنَّكم ستواجهون الحالة الَّتي أواجهها.

مَنْ أشدّ النَّاس بأساً في تلك المرحلة غير عليّ؟! ومع ذلك، كان يعاني سكرات الموت، وينتظر أن يفارق الدّنيا، وستكونون كذلك.. لا تغترّوا بصحَّتكم، ولا بمواقع الأمن عندكم، ولا باجتماع النَّاس حولكم، ولا بأموالكم وبامتيازاتكم في المجتمع، فسيأتي وقتٌ لا ينفعكم ذلك كلّه، عندما يأتي النّداء، ويحين وقت الفراق {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}[القيامة: 29 - 30]، {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم}[الغاشية: 25 - 26].

ونحن أيضاً، قد يكون هناك أشخاص من أقربائنا وأصحابنا في حالة الاحتضار، ويعانون سكرات الموت، فيما نحن نلهو وننشغل، وكأنَّ الأمر لا يعنينا. ولكن علينا عندما نشاهد شخصاً يحتضر، أن ندرك أنَّه سيأتي الوقت الَّذي يجتمع فيه النَّاس عندنا كما نجتمع عند هذا الشَّخص، فعلينا أن نستعدّ لذلك، وأن لا نغترّ بالحياة الدّنيا. هذه مسألة أساسيَّة، وعلى كلّ واحد منَّا أن يحضّر حساباته، لأنَّه سيدخل القبر وحده، وسيُحشَر وحده، ويقف بين يدي الله وحده، ويدخل الجنَّة أو النَّار وحده {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}[مريم: 95].

في الحياة الدّنيا، يمكن أن نستأنس بهذا أو ذاك، ولكن في الآخرة، لا يؤنسنا إلَّا عملنا. هناك كلمة للإمام عليّ (ع) يقولها لولد الحسن (ع): "فَلا يُؤنِسكَ إلّا الحَقُّ، ولا يوحِشكَ إلَّا الباطِلُ".

وليّ الدَّم

- وَغَداً مُفَارِقُكُمْ – فلن تجدوني غداً بينكم - إِنْ أَبْقَ – إن مدَّ الله بعمري وأخرجني من هذه المسألة - فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي - فإذا بقيت حيّاً، فأنا الَّذي أحاسب هذا القاتل – وَإِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي - {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}[الرّحمن: 26]، {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}[الزّمر: 30]، فكلّ إنسان له موعد مع الفناء {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}[آل عمران: 185].

- وَإِنْ أَعْفُ - عن هذا القاتل - فَالْعَفْوُ لِي قُرْبَةٌ - فالقضيَّة قضيَّتي، ويمكن أن أعفو عنه لأتقرَّب بذلك إلى الله، على الرّغم من فداحة الجريمة. والإمام في ذلك يعمل بهدى القرآن {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}[البقرة: 237]، فأن يعفو الإنسان عن غيره قربةً إلى الله، فإنَّ ذلك يقرّبه إليه سبحانه.

وعلينا أن نتعلَّم هذا في حياتنا، فنحن غالباً ما تحكمنا العقد النَّفسيَّة الّتي تأكل صفاءنا ونقاءنا وطهارة قلوبنا، وهي الّتي تمنعنا من أن يسامح بعضنا بعضاً، ويعفو بعضنا عن بعض، ليبقى الواحد منّا يعيش روحيّة شفاء الغيظ. فعلى الإنسان أن يفكّر أنّه إذا عفا، فهو الرَّابح عند الله.

وَهُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ؛ فَاعْفُوا، أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ؟! - فإنَّكم إذا عفوتم، تستطيعون أن تقولوا: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَنْزَلْتَ فِي كِتَابِكَ الْعَفْوَ، وَأَمَرْتَنَا أَنْ نَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنَا، فَاعْفُ عَنَّا، فَإنَّكَ أَوْلى بِذلِكَ مِنّا".

أعظمُ الفوز

- وَاللَّهِ مَا فَجَأَنِي مِنَ الْمَوْتِ وَارِدٌ كَرِهْتُهُ – يقول إنَّ الموت لم يكن عندي مفاجئاً، فقد كنت أقتحم غمرات الموت عندما أخرج من معركة إلى معركة، فالموت لم يكن مفاجأة بالنّسبة إليّ، ولم يكن مكروهاً إليَّ، وأنا كنت أستعدّ له، وكلّ ما كان يشغل بالي، هو أن أموت وأنا على سلامة من ديني.. وأنا الآن، عندما جاءني الموت وأنا في محراب ربّي، شعرت بالفوز، ولذلك صرخت: "بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ"، باعتبار أنَّ الإنسان يشعر بالفوز عندما يعرف أنَّه استطاع أن يكمل الدَّرب كما يحبّ الله، وهو الَّذي ولد في الكعبة، وسار في خطّ الكعبة، واستشهد في بيت الله، فأيُّ حياة أكثر فوزاً من هذه الحياة؟!

- وَلَا طَالِعٌ أَنْكَرْتُهُ، وَمَا كُنْتُ إِلَّا كَقَارِبٍ وَرَدَ – كما القارب الّذي يركبه الإنسان، وأمواج البحر تعلو به وتهبط، إلى أن يصل الشَّاطئ وتنتهي رحلته، وكذلك الإنسان كالقارب، والدّنيا أمواج، والبحر عميق، والقارب يصعد وينزل في هذه الأمواج؛ أمواج الفرح والحزن واللذَّات والشَّهوات؛ ترفعنا موجة، وتنزلنا موجة، إلى أن نصل إلى الشَّاطئ، والشَّاطئ هو عند الله سبحانه وتعالى. وذاك الشَّاعر يقول:

فيا جَانِبَ البَحْرِ الَّذي أنا غَارِقٌ                بِلُجَّتِهِ هَلْ ثَمَّ مِنْ جَانبٍ ثَانِي

- وَطَالِبٍ وَجَدَ - وجد بغيته - وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ" {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاق}[النّحل: 96]، {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}[الكهف: 46].

الإرثُ الحقيقيّ

هذه الكلمات الَّتي تكلَّم بها الإمام (ع) قبل أن ينتقل إلى رحاب الله سبحانه وتعالى، وهي تعطينا فكرة عمّا ينبغي أن يركّز عليه الإنسان عندما يواجه الموت، كيف يواجه القضايا، ما الأمور الَّتي يوصي بها. والله سبحانه يحدّثنا عن يعقوب: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}[البقرة: 133].

فيعقوب (ع) عندما جمع أولاده، لم يكن همّه كيف يقسّم الميراث، كما يفعل البعض منَّا، أن يأتي بكاتب العدل ويحرم البنات من الميراث، على طريقة ما صوَّره ذاك الشَّاعر:

بَنُونا بَنُو أَبْنَائِنا، وَبَنَاتُنا    بَنُوهنَّ أبْنَاءُ الرّجَالِ الأَبَاعِدِ 

فنحن كثيراً ما نسمح لأنفسنا بالتَّدخُّل بنظام الإرث الَّذي شرَّعه الله، بينما نهمل أعمالنا ومسؤوليَّاتنا، ثمّ نهوّن الأمر على أنفسنا بالقول: "ليوم الله يهوّن الله". وغالباً، لا يلتفت النَّاس إلى ما ينبغي أن تكون الوصيَّة الأساسيّة الَّتي يوصونها لأبنائهم؛ أن يكونوا مؤمنين صالحين طيّبين، يحسنون العيش مع النَّاس، بل يفكّرون فقط في الإرث المادّيّ وكيفيَّة توزيعه.

فالفكرة الّتي نأخذها من الإمام (ع)، هي كيف يفكّر الإنسان إذا واجه حالة الموت، وما الآفاق الَّتي يعيشها، سواء بالنسبة إلى من يأتي بعده من أولاده، أو ما يعيشه هو في نفسه.

الغايةُ منَ السُّلطة

وفي مسألة أخرى، نرى الإمام عاش صراعاً مع الَّذين تقدَّموه في الخلافة، لأنَّ الخلافة كانت حقّاً له، وقد أبعد عنها، ثمَّ بعد ذلك، عندما تسلَّم الخلافة، عاش أيضاً مشاكل مع النَّاس الَّذين أرادوا أن يعطّلوا خطَّته وحركته، ومنهم طلحة والزّبير وعائشة الَّذين أرادوا أن يقاسموه السّلطة، والسّلطة لا تكون تقاسماً، لأنَّها تتَّصل بنظام النَّاس، ولا تتَّصل بالقضايا الشَّخصيَّة في هذا المقام، فالإمام (ع) قال لهم أنتم بايعتم، والمفروض أن تطيعوا، ولكنَّهم تمرّدوا عليه وخرجوا إلى البصرة.

ثمَّ حاول معاوية أن يستفيد من هذه الفرصة، باعتبار أنَّه ابن عمّ عثمان، وقد قُتِل عثمان، وهو يطالب بدمه، ويتَّهم الإمام (ع) كأنَّه هو الَّذي قتل عثمان، أو هو الَّذي أبقى قتلته عنده. وبعدها كانت مشكلة النَّهروان.

فالإمام يتحدَّث عن هذا الصّراع، ولماذا خاضه؛ هل خاضه من أجل ملك، أو من أجل مال، أو ما إلى ذلك؟ وهذا أشبه بالبيان السياسي للإمام، ولكنَّه (ع) يتحدَّث فيه مع الله سبحانه وتعالى وليس مع النَّاس. يقول (ع):

"اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا – من هذا الصَّراع حول الخلافة وفرض النّظام - مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ – فلم نكن ندخل في عمليَّة تنافس فيمن يكون الحاكم لشهوةٍ في النَّفس، باعتبار أنَّ بعض النَّاس يحبّ أن يؤكّد ذاته من خلال الحكم، وبعض النَّاس يكون الحكم عندهم رسالة، وبعضهم يكون عندهم شهوة تأكيداً للذَّات، فالإمام لم يكن الأمر عنده كذلك.

- وَلَا الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَام - ولا لنتَّخذ هذه السّلطة وسيلةً من وسائل الحصول على مال أو على جاه، مما سوف يذهب بذهابنا من الدّنيا – وَلَكِنْ - إنّما نافسنا وواجهنا الموقف ودخلنا ساحة الصّراع - لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ - حتَّى نرد هذه المواقع الَّتي تمثّل معالم الدين ورموزه وخطوطه وعالمه - وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ - فالحكم بالنّسبة إلينا وسيلة من وسائل إصلاح الواقع الفاسد وإصلاح الإنسان الفاسد - فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ - حتَّى يأمن المظلومون بالحكم العادل والسّيرة العادلة والقانون العادل، لأنّنا نرى هناك ظلماً في السَّاحة، ونريد أن نرفع هذا الظّلم عن النَّاس - وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ – باعتبار أنَّ الحدود تمثّل القوانين الشَّرعيَّة الَّتي كانت معطَّلة في ذلك الوقت. فالأساس في الحكم عند الإمام (ع) هو هذا.

- اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ – فأنا أوَّل من رجع إليك - وَسَمِعَ وَأَجَابَ – سمعت رسول الله (ص) يدعو إليك، واستجبت له في دعوته - لَمْ يَسْبِقْنِي إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ (ص) بِالصَّلَاة"، كان رسول الله (ص) أوَّل من صلّى، وأنا كنت الثّاني بعده.

وقد عبَّر الإمام (ع) عن هذا الموضوع في أكثر من كلمة في فهمه للحكم، وأنَّ الحكم بالنّسبة إليه رسالة، وليس تأكيداً للذَّات، أو طمعاً في مجد أو مال أو جاه. ففي مرّة، انقطعت نعله، وكان خليفةً وأميراً للمؤمنين عند النّاس، فانكبَّ عليها ليصلحها، فرآه ابن عبَّاس، واستغرب أن يجلس الإمام (ع) وهو خليفة المسلمين، ليصلح نعله بنفسه، ولكنّ الإمام (ع) قال له: "مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ؟ - أنت تحتقرها، وترى أنَّه ليس من شأني أن أصلحها - وَاللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ - فالنَّعل تفيدني، فهي تحميني من البرد أو الحرّ، أمَّا الإمارة، فهي تحرمني من كثير من اللّذّات، ولو كنت خارج الإمارة، لكنت أفضل في أكلي ولبسي وغير ذلك، ولكن وأنا في داخل الإمارة، فإنَّ "اللهَ فَرَضَ على أئمّةِ العَدلِ أن يُقَدِّروا أنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النّاسِ، كَيْ لا يَتَبيَّغَ بالفقيرِ فَقْرُهُ". فهذه النّعل أعظم من إمرتكم - إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً، أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا"، فإنّما تكون هذه الإمرة عظيمة، إذا استطعت من خلالها أن أقيم حقّاً وأن أدفع باطلاً، هذه هي الرّسالة، لأنَّ من مهمّتي وطموحاتي في الحياة، أن أقيم الحقَّ وأزهق الباطل.

وفي الخطبة الشَّقشقيَّة، كان (ع) يقول: "لَولا حُضُورُ الحاضِرِ، وَقِيامُ الحُجَّةِ بِوُجودِ النَّاصِرِ، وَمَا أخَذَ اللّهُ عَلَى العُلَماءِ – العهد الَّذي أخذه الله على العلماء - أن لا يُقارُّوا على كِظَّةِ ظالِمٍ - عنف ظالم - وَلا سَغَبِ مَظلومٍ – جوع مظلوم. فالله حمَّل العلماء مسؤوليَّة أن يقفوا ضدّ عنف الظَّالم وظلمه، وأن يكونوا مع المظلوم في جوعه وعطشه ومظلوميَّته - لأَلقَيتُ حَبلَها على غاربِهِا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا، وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَهْوَنَ عِنْدِي مِنْ عفْطَةِ عَنْزٍ".

الأولويَّةُ لسلامةِ الدّين

كان يعيش هذا الجوّ، كان كلّ همّه سلامة الإسلام وسلامة أمور المسلمين، وهو الّذي قال: "لأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةًفأن أُظلَم أنا فلا مشكلة، المهمّ أن لا يُظلَم المسلمون والإسلام.

وفي كلمة أخرى، يقول (ع): "فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ – فهو يقول إنَّ مصيبتي بالثّلمة الَّتي تصيب الإسلام، وبالانهدام الَّذي يمكن أن يحصل لبعض مواقع الإسلام، أعظم من مصيبتي بفوت الولاية والسّلطة - الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ – فقد يستأنس الإنسان بالسّلطة، ولكن لفترة من الزَّمن، وستكون نهايته الموت - يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ".

ولهذا، رأيناه يصبر على إبعاده عن الخلافة، والخلافة حقّ له، ولم يكتف بالصّبر، بل إنَّه ساعد خصومه الَّذين أبعدوه، ساعدهم بالرأي والموقف، وبحلّ المشاكل الَّتي كانت تواجههم في أكثر من جانب يتطلَّب المعرفة والقوَّة وما إلى ذلك.

وهذا الَّذي نريد أن نتعلَّمه من عليّ (ع)؛ أن يكون إسلامنا هو الأساس في كلّ اهتماماتنا، وأن يكون الحقّ الَّذي ندعمه، والباطل الَّذي نرفضه، هو الهاجس الَّذي نعيشه في حياتنا.

الإنجازُ الحقيقيُّ في الحياة

والإمام (ع) في بعض كلماته في وصيَّته لابن عبَّاس، يركّز على هذه النّقطة، فنحن نفرح لبعض الأشياء، ونحزن لأشياء أخرى، فإذا حصَّل أحدنا شيئاً فرح به، وإذا خسر شيئاً حزن عليه، ولكنَّ الإمام (ع) يقول إنَّ كلّ ما نحصل عليه أو نفقده، إنّما هو نتيجة أسبابه وظروفه، فإذا كانت الأسباب مهيّأة لولادة مولود، مثلاً، فسيولد، وإذا كانت الظّروف مهيّأة لموت أحد فسيموت، فالمولود يولد بأسبابه إذا تهيَّأت أسباب الولادة، والميّت يموت في وقته إذا تهيّأت أسباب موته، وكذلك الرّبح والخسارة، فالرّبح له أسبابه، والخسارة لها أسبابها، فهذا من شؤون الحياة، وكلّ حركتنا في الحياة فيها ربح وخسارة، ونحن نربح إذا أخذنا بأسباب الرّبح، ونخسر إذا لم نأخذ بأسبابه، وهكذا. فالإمام (ع) يقول لا داعي لأن تربطوا أنفسكم بمسألة الرّبح والخسارة، فلا يطغيكم الرّبح إذا ربحتم شيئاً، ولا تسقطكم الخسارة. قال (ع):

"أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْمَرْءَ لَيَفْرَحُ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ، وَيَحْزَنُ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ - إذاً، علينا أن نتقبّل القضايا بهدوء. وأنا دائماً أعطيكم مثلاً، إذا جاء النَّهار، هل نقيم له حفلة ترحيبيَّة، وإذا جاء الربيع، هل نقيم له المهرجانات؟! فمن الطبيعيّ أن يأتي الرّبيع بعد الشّتاء، لأنَّ طبيعة الكون كذلك، وسيأتي الخريف بعد الصَّيف وتتساقط كلّ الأوراق.. وكما في الأرض ربيع وخريف، كذلك في الإنسان هناك ربيع وخريف، فالإنسان يكون في عمر الشَّباب والنَّضارة والحيويَّة، ثمّ تتساقط الأوراق، وتتساقط القوَّة {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا}[النّحل: 70]، فإذا أتى النَّهار لا نقيم له حفلة، لأنَّ النَّهار يشرق عندما تتوفَّر الظّروف الطبيعيَّة لإشراقه، وعندما يأتي اللَّيل لا نقيم حفلة تأبينيَّة للنَّهار، فعندما تنتهي ظروف إشراق الشَّمس سيأتي اللّيل.

- فَلَا يَكُنْ أَفْضَلَ مَا نِلْتَ في نَفْسِكَ مِنْ دُنْيَاكَ بُلُوغُ لَذَّةٍ أَوْ شِفَاءُ غَيْظٍ - فبعض النَّاس أقصى طموحه في الحياة أن يحقّق لذَّاته، فالسَّعادة كلُّ السَّعادة عنده، أن يحصل على ما يشتهيه ويستلذّ به، ولكن كم عمر الشَّهوة وعمر اللّذَّة؟ إنّما هي لحظة، فلو أكلنا أطيب الأكلات، فإحساسنا باللّذّة إحساس اللّحظة، وهكذا كلّ الأشياء الحسيَّة الّتي نمارسها من لذّاتنا وشهواتنا، كذلك شفاء الغيظ الَّذي يشعر الإنسان من خلاله أنّه يرتاح عندما يقوم به، ولكن كم إحساس شفاء الغيظ؟ إنّه إحساس اللَّحظة.

فالإنسان الَّذي يكون أقصى طموحه في الحياة أن يبلغ لذَّته ويشفي غيظه، معناه أنَّه يسخّر عمره كلَّه للحظة، ويجعل عمره خاضعاً لإحساس اللَّحظة.. ولكن لا إحساسنا باللّذَّة يبقى، ولا إحساسنا بشفاء الغيظ يبقى، فهل تستحقّ هذه اللَّحظة أن نسخّر كلَّ عمرنا ومشاريعنا في الحياة لها؟ ولذا، يقول الإمام عليّ (ع): "مَا لِعَلِيٍّ وَلِنَعِيمٍ يَفْنَى، وَلَذَّةٍ لَا تَبْقَى". فلماذا أجعل كلَّ ما عندي من طاقات وثقافة وعمر خاضعاً للذّة تفنى، ولنعيم لا يبقى؟ بل عليَّ أن أكرّس حياتي للشَّيء الَّذي يبقى. فما هو هذا الشَّيء؟

- وَلكِنْ إطْفَاءُ بَاطِلٍ أَوْ إِحْيَاءُ حَقٍّ - أن تكون لنا رسالة في الحياة؛ أن نطفئ باطل السياسة، باطل الاجتماع، باطل العقيدة، باطل الشَّريعة، باطل الأمن، وأيّ باطل آخر، أن نطرد من الحياة كلّ باطل، لأنَّ الباطل يرهق الحياة، وأن نحيي الحقّ، لأنَّ الحقّ يثبّت الحياة.

بمعنى أنَّ الإنسان أفضل ما يناله في دنياه، أن يكون صاحب قضيَّة في الحياة تتَّصل بحياته وحياة الآخرين، أن يكون صاحب رسالة يدعو إليها ويركّزها وتتَّصل بحياته وحياة الآخرين، فالإنسان الَّذي يكون صاحب رسالة وقضيَّة، ويسخّر حياته لهذه القضيَّة والرّسالة، هو إنسانٌ يحترم نفسه، لأنّه سيبقى ما بقيت رسالته وما بقي الحقّ.

فهناك فرق، كما قلنا، بين عمر اللَّحظة وبين عمر الحياة؛ أن نختار بين أن يكون عمرنا خاضعاً للحظة، أو أن يكون خاضعاً للزَّمن كلّه.

إنَّ علينا أن نفكّر في هذه الأمور، لأنَّها تمثّل قانون حياتنا وأصالة شخصيَّتنا، وعلينا أن نعمل على أن نحمي إنسانيَّتنا من العبث واللّغو، أن نركّزها على أساس أن تكون شخصيَّة أصيلة، وأن تكون إنسانيّتنا غنيّة.. والَّذي يغني إنسانيَّتنا ويؤصّلها، إنَّما هو السَّير في خطّ الحقّ، والابتعاد عن الباطل في كلّ جوانب الحياة.

فإذا كان الإمام (ع) يقول لنا لا تفرحوا بهذه، ولا تحزنوا على هذه، ولا تهتمّوا باللّذّة وبشفاء الغيظ، إذاً بماذا نهتمّ؟ يقول (ع):

رصيدُ الإنسانِ في الآخرة

- وَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا قَدَّمْتَ – إذا أردت أن تفرح، فانظر كم استطعت أن تقدّم من أعمال عند الله {وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا}[المزمّل: 20]، {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}[الكهف: 46]، فهو هذا الرَّصيد الَّذي يبقى للإنسان.

وأعطيكم مثالًا على ذلك: إذا كان لكم قريبٌ في المهجر - زوج أو أب أو ابن أو أخ - يرسل إليكم المال، ويطلب منكم أن تحفظوه له في البنك، أو أن تستثمروه له في شراء شقّة أو غير ذلك، فإنّه يكون مرتاح البال، لأنّه يتعب ويكدّ هناك، لكنَّه يعلم أنَّ له رصيداً محفوظاً يؤمّن حياته وحياة أولاده. وهكذا الأمر مع الله سبحانه؛ نحن نتعب في الحياة، لكنّ ما نقدّمه من عملٍ صالح هو الرَّصيد الحقيقيّ الَّذي ندّخره عنده، لنطمئنّ به لمستقبلنا الأبديّ {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}[التّوبة: 111]، {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[التّوبة: 111]، {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}[الحديد: 11].

- وَأَسَفُكَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ – أن يكون حزنك على ما تركته من فرص وقت الشَّباب والقوَّة والحيويّة والظّروف الملائمة، عندما كنت تستطيع أن تعمل الكثير مما يبقى لك، ولكنَّك ملأته باللَّهو واللَّعب والفراغ.

- وَهَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْموْتِ"، فأنت تهتمّ لأمور أولادك، وكيف تدخلهم إلى المدرسة، وتؤمّن احتياجاتهم، وهذا أمر مشروع، ولكنَّ هذا أمر رتّبه الله لعباده {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}[الذّاريات: 22]، {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}[الزّمر: 36]، فالله رتَّب لنا أمور الدّنيا، وجعل لها نظاماً، فللرّزق نظام، وللعمر نظام، ولكلّ شيء نظام، فلا نحمل همّاً كبيراً في الدّنيا، وإن كان لا بدَّ أن نعيش همَّ حاجاتنا، لكن أن لا يكون هو الهمّ الكبير، لأنَّ الهمَّ الكبير الَّذي يجب أن نستعدَّ له، وإذا لم نستعدَّ له الآن، فسوف لا نستطيع أن نحصل عليه غداً، هو ما بعد الموت {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}[القصص: 77]، {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}[الانشقاق: 6].

"َلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا قَدَّمْتَ، وَأَسَفُكَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ، وَهَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْموْتِ". هذه وصيَّة ألفاظها قليلة، ولكنّ معانيها كبيرة، وعلينا أن نفكّر فيها.

التّفكّرُ وفهمُ الذّات

وأنا دائماً أقول لنفسي، وأقول لكم، إنَّ على الإنسان أن لا يعطي عقله إجازة، فالله أعطانا فكراً، وعلينا أن نشغّله.. بعض النَّاس يقول لا وقت لديّ لأفكّر، ومعنى ذلك أنَّه لا وقت لديك لتقرّر مصيرك وتركّز حياتك، لأنَّ التَّفكير هو الخطوة الأولى في كلّ مشروع، والله جعل التَّفكير عبادة: "تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ"، لأنَّ هذه السَّاعة عندما تفكّر فيها تفكيراً واعياً وعميقاً، فيمكن أن تفتح لك الدّنيا كلّها.

إذاً المطلوب أن نفكّر، وخصوصاً أنَّ هذا الشَّهر هو شهر تأمّل وتدبّر وحساب مع النَّفس.

نحن نجلس مع النَّاس طويلًا، ونتسامر معهم في الحديث، لكنَّ هناك اثنين لا نطيق الجلوس معهما: أنفسنا، والله. فإذا وقفنا للصَّلاة، ترانا نطوف في الشَّرق والغرب، ونستعجل الفراغ منها، مع أنَّ الجلوس مع الله ومع أنفسنا هو ما ينفعنا حقّاً.

إنَّ النَّاس الّذين نتحدَّث معهم، قد يحكون لنا حكاية ويمضون، ولكن عندما نجلس مع أنفسنا، نفهم حقيقتها، ونعرف نقاط ضعفها وقوَّتها وما عندها من طاقات، لنستطيع أن نرتّبها ونصوغها صياغة جيّدة، وكما نفصّل ثيابنا بشكل جيّد، أن نفصّل حياتنا وعواطفنا وأفكارنا...

لذلك، فلنحاول أن نجلس مع أنفسنا ونفكّر: "مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ"، وعندما نجلس مع الله، فالله يعطينا الكثير {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة: 186].

الاستفادةُ مِنْ عليّ (ع)

وأخيراً، إنَّ علينا أن نجلس مع عليّ بن أبي طالب (ع) كثيراً، فنحن لا نجلس معه إلَّا عندما يضرب مرحباً وعمرو بن عبد ودّ، أمَّا عندما يفكّر ويعطينا التَّجربة، فلا نجلس معه.. وأنا أقول لو أنَّ عليّاً موجود في هذه الأيّام، فسوف يبتعد عنه الكثيرون، وسيقولون عنه الكثير من الكلمات السَّلبيَّة، وعمر يقول: "أَمَّا إِن وَلِيَ أَمْرِهِمْ حَمَلَهُمْ عَلَى الْمَحِجَّةِ الْبَيْضَاءِ"، لأنَّ عليّاً (ع) ليس عنده لون أسود ولا رماديّ، بل عنده اللَّون الأبيض فقط.

بعض المستشرقين يقول: لو كان عليّ بن أبي طالب موجوداً الآن في مسجد الكوفة، لرأيت مسجد الكوفة ممتلئاً بالقبَّعات الغربيَّة، ولن تجد فيه موطئ قدم لعربيّ واحد، لأنَّ عليّاً عاش معهم ولم يستفيدوا منه. وهذه الحقيقة نجدها اليوم، فكثير من الطَّليعيّين يعيشون بيننا، ولكنّنا لا ننتفع بهم، لأنّنا في الغالب نُعجب بالممثّلين الَّذين يُجيدون تمثيل دور البطولة، أكثر مما نقترب من الأبطال الحقيقيّين الَّذين يختزنون عناصر البطولة في فكرهم وروحهم وحياتهم، ونحن، غالباً، جماعة الممثَّلين ولسنا جماعة الأبطال.

لذلك نحتاج أن ننتفع بعليّ (ع)، بفكره وبتجربته.

معيارُ القيمةِ عندَ عليّ (ع)

الشَّيء الأخير الَّذي نحبّ أن نتعلَّمه من عليّ (ع) هو معنى القيمة. يقول (ع): "قيمةُ كلِّ امْرئٍ مَا يُحْسِنُهُ"، يعني قل لي ما مقدار علمك، وما مقدار معرفتك وخبرتك، أقل لك ما قيمتك.

والجهل ليس قيمة، بل إنَّ العلم هو القيمة، لا فرق في ذلك بين الرَّجل والمرأة، وليس كما يقول بعض النَّاس بأنَّ العلم للرّجال، أمَّا النّساء فهنَّ للمطبخ. إنَّ الله خلق العقل، وأراد لنا أن ننضّجه بالقراءة والسّماع والتجربة والحوار، إنَّ الله لا يريد إنساناً ضعيف العقل أو ناقص العقل، سواء كان رجلاً أو امرأة، لأنَّنا لا نستطيع أن نعرف الله إلَّا بالعلم، ولا نستطيع أن نقوم بمسؤوليَّاتنا إلَّا بالعلم. والعلم ليس محصوراً بالمدرسة والجامعة، فبعض الأخوات، بحسب ظروفهنّ الاقتصاديّة أو الاجتماعيّة، قد لا يستطعن دخول المدرسة أو الجامعة، ولكن يمكن لهنَّ أن يقرأن ويسمعن وأن يخضن الأحاديث المفيدة في جلساتهنَّ.

الرّجال، عادةً، ينكّتون على النّساء أن لا حديث لهنّ إلّا عن الموضة وآخر صرعات مساحيق التَّجميل وما إلى ذلك، فلماذا يكون هذا كلّ همّ النّساء؟ فليكن حديثكنّ في القضايا السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، وفي القضايا الفكريَّة والثَّقافيَّة، ومشاكل بلدنا وأمَّتنا... لماذا نضيّع وقتنا ونهدره فيما لا ينفع، بينما نستطيع أن يعلّم بعضنا بعضاً؟! إنَّ كلّ واحد منّا يستطيع أن ينفع الآخر بما عنده من معلومات، عندما يتحدَّث عن قضيَّة من القضايا، أو مشكلة من المشكلات، أو حلّ من الحلول... فلماذا نرضى بالجهل، والله يقول: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}[الزّمر: 9]؟ وهذه تشمل الرّجال والنّساء معاً.

إنَّ هناك حركة تجهيل في المجتمع، فالبعض يقول إنَّ المرأة لا ينبغي أن تُعلَّمَ إلَّا أشياء معيّنة، كما يقول الشَّاعر أبو العلاء المعري:

 عَلِّموهُنَّ الغَزلَ وَالنَّسجَ وَالرَّدْ  نَ وَخَلّوا كِتابَةً وَقِراءَه 
 فَصَلاةُ الفَتاةِ بِالحَمدِ وَالإِخـ  ـلاصِ تُجزي عَن يونُسَ وَبَراءَه
ولكنّ الله لم ينزل القرآن فقط للرّجال، حتَّى إنَّ بعض النَّاس يقولون لا تعلّموا نساءكم سورة يوسف، ولا تقرئوهنَّ إيَّاها، بالعكس، فلتقرأ المرأة سورة يوسف، لأنّها تُعلِّم معنى العفَّة والتمرّد على الشَّهوة والغريزة.

لذلك أنا أقول إنَّ هناك حركة تجهيل، لا تصدّقوا أحداً يقول إنَّ الجهل قيمة للمرأة، فالجهل قيمة سلبيَّة للرَّجل وللمرأة، والعلم قيمة إيجابيَّة للرَّجل وللمرأة. فعلينا أن نتعلَّم بما نستطيع، فإذا لم نستطع أن ندخل مدرسة، فيمكن أن نعوّض بالقراءة، أو بسماع أشرطة المحاضرات، أو الاستماع إلى الإذاعة، أن يكون عندنا وعي ثقافيّ واجتماعيّ وسياسيّ، فلماذا لا يكون عندنا هذا الأمر؟ ونحن قادرون على ذلك، فعندنا عقول كما النَّاس الآخرون عندهم عقول، ونحن لا نقول إنَّ المرأة عندها نصف عقل الرَّجل، بالعكس، فإنَّ عقلها مثل عقل الرَّجل، ولكن فرص العلم متاحة للرَّجل أكثر.

 فالإمام عليّ (ع) يقول: "قيمةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ"، أي أنَّ قيمة الإنسان تتحدَّد بمقدار ما يعلم، فإذا كنَّا نملك علماً وخبرة ومعرفة، فنحن في الدَّرجات العليا من القيمة، وإلَّا كنَّا في الدَّرجات السّفلى، مهما كان عندنا من مال وجمال، فالجمال يذهب، والمال يذهب، ويبقى العلم.

وعن عليّ (ع): " يَا كُمَيْلُ، الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ؛ الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ، وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْإِنْفَاقِ".

فعلينا أن نتعلَّم ونتعرّف، ليرتفع العلم بنا إلى الله، ولنعيش مع الله سبحانه وتعالى من مواقع معرفتنا به على أساس علمنا.

والحمد لله ربّ العالمين.

*من خطبة الجماعة للنساء في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 09/02/1996م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية