المنهج القرآنيّ في التَّعامل مع الآخرين: بين الحذر والانفتاح الواعي

المنهج القرآنيّ في التَّعامل مع الآخرين: بين الحذر والانفتاح الواعي

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}[آل عمران: 28].

ويقول سبحانه وتعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}[النّساء: 139].

ويقول الله سبحانه في آيات أخرى: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإذا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}[آل عمران: 118 - 120].

تريد هذه الآيات وغيرها من الآيات في القرآن الكريم، وهي كثيرة، أن تركّز في نفوس المسلمين الوعي لكلّ الواقع الّذي يحيط بهم في كلّ زمان ومكان، حتَّى لا يكونوا ساذجين في اتّخاذ مواقفهم، ولا مخدوعين في تنظيم علاقاتهم بالآخرين.

 

خطرُ اليهودِ على المسلمين

إنَّ المشكلة الَّتي كانت تواجه المسلمين في بداية عهد الدَّعوة في المدينة، هي مشكلة علاقاتهم مع اليهود، لأنَّ اليهود كانوا يمثّلون وجودًا مكثّفًا في المدينة، وقد دخل النَّبيّ (ص) معهم بعد الهجرة في معاهدات، حتَّى يتفادى ضررهم، في الوقت الَّذي كان الإسلام لا يمثّل قوَّة كبيرة.

واستغلّ اليهود هذا الانفتاح من قبل المسلمين عليهم، وبدأوا يكيدون لهم في أعمالهم التّجاريَّة، أو في أوضاعهم الاجتماعيَّة وغيرها، أو فيما كانوا يثيرونه من بعض المفاهيم الدّينيَّة الَّتي قد ينحرفون من خلالها بالمسلمين عن الخطّ الصَّحيح، وكانوا يعملون على إيجاد فئة من المسلمين من هؤلاء الَّذين سمَّاهم القرآن بالمنافقين، من أجل أن ينفذوا إلى داخل المجتمع الإسلاميّ، ليخلقوا الفتن فيه، ويثيروا فيه الإرباك، ويعطّلوا حركة المسلمين عندما ينطلقون للدّفاع عن الإسلام والمسلمين في حرب هنا أو حرب هناك. وهكذا أصبح هناك حلف بين المنافقين في داخل المدينة وبين اليهود، وتحرَّك هذا الحلف من أجل أن يصنع الكثير من المشاكل الصَّغيرة والكبيرة في الواقع الإسلاميّ.

وكان هناك فريق كبير من المسلمين يعيشون الطّيبة والطَّهارة والنَّقاء في نيَّاتهم، فكانوا يُخدعون ببعض أساليب اليهود، وكانوا يتَّخذون من اليهود بطانة لهم، بمعنى أنّهم يتّخذون منهم مستشارين ومعاونين ومساعدين وما إلى ذلك، باعتبار أنَّ هؤلاء أهل كتاب، وأنَّهم يختلفون عن المشركين في إيمانهم بالله وبالرّسالات، وإن لم يؤمنوا بالنَّبيّ محمَّد (ص) كنبيّ وما إلى ذلك. فانطلق القرآن لينبّه المسلمين بأن يكونوا حذرين عندما ينشئون علاقات مع الآخرين.

 

الانفتاح الواعي.. وحفظ الأمن

إنَّ الله لا يريد أن يعزل المسلمين عن الانفتاح على الآخرين، ولا أن يعيشوا معزولين عن العالم، بحيث يكون لهم اقتصادهم الخاصّ، فلا يشاركون غير مسلم في اقتصادهم، ولا يريد لهم أن يكونوا معزولين عن الأوضاع الأمنيَّة والسياسيَّة في المناطق الَّتي يعيشون فيها عندما تكون تلك المناطق مختلطة، ولكنَّ الله يريد لهم أن يدرسوا المجتمعات الأخرى الَّتي يعيشون فيها أو الَّتي يُنشِئون علاقات معها، أن يدرسوا طبيعة هذه المجتمعات، هل إنَّ هذه المجتمعات مخلصة في علاقاتها وصادقة في مواقفها، أو أنّها ليست صادقة، تُظهِر شيئًا وتُبطِن شيئًا آخر، تتحرَّك في شيء ولكنَّها تخطّط لشيء آخر؟!

إنَّ الله سبحانه وتعالى يريد من المسلمين أن يحافظوا على الأمن الإسلاميّ في داخلهم، بمعنى أنّه يريد لهم في أمنهم، سواء كان أمنًا اقتصاديًّا أو أمنًا سياسيًّا أو أمنًا اجتماعيًّا، أن لا يفسحوا المجال لكلّ طامع وكافر ومنافق ومستكبر أن ينفذ إلى داخلهم من خلال علاقة يقيمها مع هذا الفريق أو ذاك الفريق، أو مع هذا الشَّخص أو ذاك الشَّخص، سواء كان هؤلاء الَّذين يقيمون العلاقات مع أعداء الإسلام، من الأشخاص الَّذين يتحركون في علاقاتهم من موقع السَّذاجة والبساطة، أو يتحرّكون من موقع الخيانة.

 

تهديدٌ إلهيّ

إنَّ الله يريد أن يحذّر المسلمين من ذلك، ولا سيَّما هؤلاء الَّذين يفضّلون غير المسلمين على المسلمين في علاقاتهم، هؤلاء الَّذين يتَّخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، إنَّ الله يهدّد هؤلاء: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ - فالله يقطع علاقاته تمامًا بمن يفعل ذلك، وإذا رفع الله لطفه ورعايته عن أيّ إنسان، فأين يكون؟!

- إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً - إلَّا إذا فرضت عليكم الظّروف نوعًا من العلاقات الشَّكليَّة، فإنَّ ذلك مبرَّر، ولكن في حدود ظرفه، ومع كلّ الاحتياطات اللَّازمة - وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ بمعنى أن لا تعتبروا المسألة مسألة بسيطة، ومسألة تدخل في نطاق اللّعبة السياسيَّة أو اللّعبة الأمنيَّة أو المصالح الشَّخصيَّة، إنَّ المسألة تتَّصل بالأمن الإسلاميّ؛ بأمن المجتمعات الإسلاميَّة في داخلها، وبأمن الخطّ الإسلاميّ في مواجهة الخطوط الأخرى - وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}.

يريد الله من المسلمين أن يحافظوا على الأمن الإسلاميّ في داخلهم، سواء كان اقتصاديًّا أو سياسيًّا أو اجتماعيًّا
 

ضوابطُ العلاقةِ بالآخرين

وفي الآيات الأخرى، نلاحظ أنَّ هناك شرحًا كاملًا للواقع: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}.

 طبعًا، هذه الآيات كانت مناسبتها في اليهود، ولكنَّها تمتدّ إلى كلّ من يكيد لنا في كلّ موقع وفي كلّ مجتمع، لأنَّ القرآن إذا نزل في جماعة، كما ورد في الحديث، فإنَّه لا يقتصر على هؤلاء الجماعة، ولكنَّه "يجري مجرى اللَّيل والنَّهار، ومجرى الشَّمس والقمر"، ويسير مع كلّ الأوضاع المماثلة.

{لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ - والبطانة هي الَّتي تكون تحت الثَّوب، وقد استعيرت كلمة البطانة للأشخاص الَّذين ندخلهم في حياتنا وداخلنا، فكما البطانة الَّتي تكون داخلة في الثَّوب، فبطانة الإنسان أيضًا هي حاشيته، هؤلاء الَّذين ينسّق معهم، ويخطّط معهم، ويستشيرهم، ويشيرون عليه. وأصبح معروفًا في اللّغة العربيَّة أنّه يقال فلان من بطانة فلان، يعني من حاشيته وجماعته... وهكذا.

فالله يقول للمسلمين، عندما تريدون أن تتَّخذوا بطانة لكم، إذا كنتم في أيّ موقع من مواقع المسؤوليَّة، فلا تتَّخذوا بطانة من جماعات أخرى تكيد لكم، ولا تفتح قلوبها عليكم بالخير والمحبَّة والرَّحمة.

- لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا - والخبال كناية عن كلّ الأعمال والإرباكات الَّتي تثير الفتنة وتثير المشاكل وتثير التَّعب - وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ - يعني يتمنّون أن تظلّوا في تعب وفي جهد، والعنت هو التَّعب والمشقَّة.

- قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ - فبين وقت وآخر، تسمعون أنَّ هذا الشَّيء الَّذي في صدورهم يظهر - وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ - فيما نشرحه لكم مما يجنّبكم الوقوع في أمثال هذه المشاكل - إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}، يعني شغّلوا عقولكم في هذا المجال، وحاولوا أن تدرسوا المسألة على أساس أنَّ هؤلاء لهم خطّ يختلف عن خطّنا، وبالتَّالي لهم طموحات تختلف عن طموحاتنا، ولهم مصالح تختلف عن مصالحنا. ولذلك، فإنَّنا لا نستطيع أن نستسلم لهم، لأنَّ الاستسلام لهم يعني إضعاف مواقفنا لتقوية مواقفهم، وكلَّما ازدادوا قوَّة، ازدادوا سيطرةً علينا، وازدادوا إضعافًا لنا وعدوانًا علينا.

 

كيدُ الآخرين وحذرُ المسلمين

ثمَّ تتابع هذه الآيات المسألة: {هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ - فأنتم طيّبون، وعندما تعيشون في مجتمع مع أناسٍ آخرين، فإنَّكم لا تعيشون التَّعقيد، لأنَّكم منفتحون عليهم، فإذا كانوا أهل كتاب، فإنَّنا نلتقي معهم في الكتاب كلّه، ولكن عندما تدرسون واقعهم ومخطَّطاتهم، تعرفون أنَّهم لا يبادلونكم هذا الحبّ الَّذي تقدّمونه إليهم، لا يبادلونكم حبًّا بحبّ، بل بالعكس، يبادلونكم هذا الحبّ ببغض.

- وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ – إنَّ الفرق بينكم وبين غيركم من أهل الكتاب، أنَّكم تؤمنون بالكتاب كلّه، فأنتم تؤمنون بالتَّوراة وبالإنجيل وبالقرآن، لا تفرّقون بين كتاب وكتاب، ولكنَّهم لا يؤمنون بالقرآن.

- وَإذا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا - يعني أعلنوا الإيمان أمامكم - وَإذا خَلَوْا – خلا بعضهم إلى بعض - عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ – كما عندما يكون الشَّخص مضطرًّا إلى مجاملة أحد، ويكون ممتلئًا حقدًا عليه، فيجامله، ولكنَّه ينتظر الفرصة السَّانحة ليعبّر عن حقده وما في نفسه، وهذا موجود في الواقع - قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}.

ثمّ يطلب منَّا الله أن نراقبهم في كلّ المواقع الَّتي نتحرَّك فيها: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ - فإذا انتصرتم على المشركين، أو إذا صار عندكم قوَّة اقتصاديَّة، أو قوَّة سياسيَّة، أو قوّة اجتماعيَّة، أو إذا توحَّدتم، يتأذّون - وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا}، لأنَّهم يخطّطون للقضاء عليكم.

 

المواجهة بالصَّبر والتّقوى

هنا، كيف يواجه المسلمون مثل هذا الواقع؟ الله سبحانه وتعالى يقول إنَّ المسألة تحتاج صبرًا من أجل التَّخطيط، وتحتاج تقوى من أجل الانضباط. إذا واجه المسلمون أشخاصًا يعيشون في داخل مجتمعاتهم، أو إذا واجهوهم في مجتمعات أخرى، مع اشتباك المصالح وارتباك الأوضاع، ففي هذا المجال، المسلمون يحتاجون إلى صبر، أن لا يستعجلوا القضايا قبل أن تنضج، ويحتاجون إلى تقوى، بأن يثبتوا حيث يريد الله لهم الثَّبات، وأن يتحركوا حيث يريد لهم الحركة، وأن يعرفوا كيف يتوازنون وكيف ينضبطون عندما يخطّطون لسلامة واقعهم.

{وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا - لأنَّ الَّذين يتضرَّرون بكيد الكائدين، إنَّما هم النَّاس الَّذين لا يصبرون ليخطّطوا، ولا يتَّقون لينضبطوا. أمَّا الَّذي يصبر أمام الأزمات، ويتَّقي أمام الانحرافات، فإنَّه يستطيع أن يبلغ هدفه جيّدًا، ولا يمكّن عدوّه منه في أيَّة حالة من الحالات - إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}.

هذه التَّوعية القرآنيَّة الَّتي تُظهر أهميَّة أن يدرس المسلمون كلَّ مفاهيم القرآن جيّدًا، حتَّى يستطيعوا أن ينفتحوا على الوعي السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ، لأنَّ الله عندما يحدّثنا بهذه الطَّريقة عمَّا يفكّر فيه الآخرون تجاهنا، وعمَّا يخطّطون لنا، وعمَّا يحملونه في داخل أنفسهم من مشاعر وأحاسيس مضادَّة، فإنَّه يريد لنا في هذا المجال أن ندرس هذا في كلّ المواقع المماثلة، بحيث نعيش مع كلّ مجتمع من المجتمعات في حالة من الحذر، وفي حالة من الاستنفار الفكريّ والعمليّ، حتَّى لا يأخذنا الآخرون بشكل مفاجئ لم نكن مستعدّين له.

 

الولاية للمؤمنين

إنَّ المسألة الَّتي يواجهها المسلمون في كلّ زمان ومكان، هي أنَّ هناك كثيرًا من النَّاس يعملون للكيد للإسلام وأهله، ويعملون على إضعاف قوَّة المسلمين وتفتيت مجتمعاتهم، وإدخال الفتنة في داخلهم، على مختلف الأساليب والأصعدة.

لذلك، إنَّ المسلم لا بدَّ أن يكون واعيًا، فيقسّم العالم إلى مؤمنين وكافرين، فالمؤمن الَّذي يعيش إيمانه بصدق ووعي وقوَّة وإخلاص، علينا أن نتعاون معه وأن نواليه؛ أن نكون أولياءه، وأن يكون وليّنا، الولاية بمعنى النّصرة والرعاية والمعونة. أن تجعل المؤمنين أولياء لك، يعني أن تدخل في عمليَّة تناصر وتعاون ورعاية مشتركة، بحيث ترعاهم ويرعونك، باعتبار أنَّ فكركم واحد، ومصيركم وهدفكم واحد، ورسالتكم واحدة.

إنَّ علينا عندما نعيش بعض السلبيَّات في داخل المجتمع الإيماني الإسلامي، أن لا نتعقَّد من هذه السلبيَّات، كما يفعل بعض النَّاس الَّذي قد يرى من بعض المؤمنين مشكلة تمسّ ذاته أو عائلته، عند ذلك، يعمل لينسّق مع الكافرين ضدّ المؤمنين، باعتبار أنَّ الكافرين يمكن أن يعطوه ما يريد من مصلحته بما لا يعطيه إيَّاه المؤمنون.

إنَّ علينا أن نفهم أنَّ الله سبحانه وتعالى يرفض لنا ذلك، لأنَّ أيّ تغليب لموقع كافر على أيّ موقع مؤمن، سواء كان ذلك من خلال المصلحة الخاصَّة، أو من خلال حالة نفسيَّة معقَّدة، يمثّل إضعافًا للإسلام وللمسلمين، وهذا يشبه الخيانة العظمى عند الله سبحانه وتعالى.

ولذلك، ركَّز الله سبحانه وتعالى المسألة على أساس التَّهديد: {لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}، وهذا من أقسى التَّهديدات الإلهيَّة للنَّاس الَّذين ينحرفون عن الخطّ، ثمَّ بعد ذلك يقول: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}، فستقفون غدًا بين يديه وسيحاسبكم على ذلك. هذه نقطة أساسيّة لا بدَّ أن ندرسها.

 

بينَ الموالاة والتّعايش

وعلينا أن نفهم حقيقة، أنَّ هناك فرقًا بين الموالاة للآخرين وبين التَّعامل معهم، بين الموالاة وبين التَّعايش. فمسألة أن تجعل إنسانًا وليًّا، بمعنى أن تستسلم له كما يستسلم المولى عليه للوليّ، أن تترك الحذر أمامه، وأن تترك وعي دراسة الأمور في علاقتك معه، إنّ هذا يمثّل إضعافًا للمؤمنين وتقويةً للكافرين.

إنَّ المسلم ليس عدوانيًّا، وهو لا ينظر إلى النَّاس الآخرين الَّذين يختلفون معه في الفكر أو في الخطّ، نظرة عدوانيَّة، ولا يعيش الحقد تجاههم، وإنَّما يعيش الانفتاح على النَّاس كلّهم، كما قال عليّ (ع) لعامله، وهو يوجّهه كيف يتعامل مع النَّاس المسلمين وغير المسلمين: "فإنّهم صنفان: إمَّا أخ لك في الدّين، أو نظير لك في الخلق"، فإمَّا إخوان في الدّين، أو نظراء في الإنسانيَّة.

لذلك، المسلم لا يتعلَّم الحقد ضدَّ الآخر ولا العدوان عليه، ولكنَّه لا بدَّ أن لا يكون ساذجًا، أن نتعامل مع النَّاس، ولكن عندما نتحرَّك، ندرس في أيّ موقع نضع أقدامنا، وإلى أيَّة غاية نصل في خطواتنا. لا بدَّ أن ندرس الإنسان الآخر؛ هل هو إنسان مفتوح القلب على قضايانا، أو أنَّه إنسان معقَّد بالنّسبة إلى قضايانا. أن ندرس المسألة دراسة واقعيَّة، أن "لا يلدغ المؤمن من جحر مرَّتين"، أن لا يمكّن أحدًا من أن يلدغه في المرَّة الأولى، وإذا لدغ من خلال الغفلة، فعليه أن لا يفسح المجال بأن يلدغ مرَّة ثانية.

إنَّ معنى ذلك أنَّ الإسلام لا يريد للمؤمنين أن يعيشوا البساطة والسَّذاجة، لأنَّ ذلك سوف يؤدّي بهم إلى أن يفتحوا بلادهم ومجتمعاتهم للآخرين، ليعبثوا فيها ما شاء لهم العبث، وليتحرّكوا فيها ما يريدون من حركات يمكن أن تسقطهم.

إنَّ هذه الآيات ليست موجَّهة ضدَّ الآخر، بمعنى أنَّها تريد للمسلمين أن يواجهوا الآخر بطريقة معقَّدة، ولكنَّها تريد للمسلم أن يفهم موقعه، وأن يكون واعيًا وحذرًا. انطلقوا مع العالم كلّه، ولكن كونوا حذرين في خطواتكم، في علاقاتكم، في أوضاعكم، فيما تنشئون من مواثيق، وفيما تتحركون به من تنسيق أو تخطيط أو ما إلى ذلك.

وعلى هذا الأساس، ينبغي لنا، أيُّها الأحبَّة، أن نبني حركتنا وواقعنا وحياتنا على جميع المستويات، أن يعتبر المؤمن نفسه في حالة ميثاق مع المؤمن الآخر، بحيث نتصوَّر أنَّ الإسلام يمثّل هويَّتنا الحقيقيَّة الَّتي تربطنا بالآخرين، هويَّتنا الَّتي صنعها الله سبحانه وتعالى ولم يصنعها أحد.

 

الأخوّةُ الإيمانيَّة

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[الحجرات: 10]. إنَّ الله أكَّد الأخوَّة بين المؤمنين، وقال لكلّ مؤمن: هذا المؤمن هو أخوك، فتعامل معه تمامًا كما تتعامل مع أخيك. والأخ لا يغشّ أخاه، ولا يخدعه، ولا يظلمه، ولا يخذله، ولا يُضعِفه. لذلك، حاول أن تعيش مع أخيك المؤمن كما يعيش الأخ مع أخيه في النَّسب، بل إنَّ قيمة الأخوَّة في الإيمان عند الله أعمق من قيمة الأخوَّة في النَّسب، لأنَّ قيمة النَّسب تنطلق من علاقة الدَّم، وقيمة أخوَّة الإيمان تنطلق من خلال العلاقة بالله والتَّوحّد عليه سبحانه وتعالى، وهي أوثق العلاقات في كلّ مواقع الحياة ومجالاتها.

عندما نفكّر بهذه الطَّريقة، عند ذلك، نشعر بأنَّنا مسؤولون عن مجتمعاتنا المؤمنة، أنَّ كلَّ المؤمنين هم مسؤوليَّتنا عندما يضعفون لنقوّيهم، وهم مسؤوليَّتنا عندما تدخل الفتنة في داخلهم لنعمل على الإصلاح فيما بينهم. لاحظوا أنَّ الله يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}[الحجرات: 10]. فإذا كان المؤمنون إخوة، ورأوا أنَّ بعضًا من إخوانهم يدخلون في نزاع وشجار وخلاف، فإنَّ عليهم أن يبادروا بكلّ ما عندهم من طاقة، وبكلّ ما يملكون من وسائل، في سبيل أن يقضوا على الفتنة في مهدها، وأن يقضوا على الخلاف قبل أن يستفحل.

هذا أمر لا بدَّ أن نعيشه في كلّ مرحلة وفي كلّ موقف. إنَّ علينا أن لا نكون حياديّين أمام المشاكل الَّتي تعيش في داخل المجتمع المؤمن. ونحن عندما نتحدَّث أن لا نكون حياديّين عندما تحدث المشاكل في مجتمع الوطن، فإنَّ علينا أن نكون أكثر من ذلك، أن لا نكون حياديّين على أساس سياسيّ أو عائليّ أو اجتماعيّ، أو على أساس الفكرة الَّتي تجعل الإنسان يقف حياديًّا أمام ما يحدث في مجتمع المؤمنين، ليقول كما يقول بعض النَّاس: "فخَّار يكسّر بعضه"، فلا دخل لنا ولا علاقة لنا بما يجري.. فلو حدث أيّ حادث، فعلى النَّاس أن يعرفوا أنَّ النَّار عندما تشتعل في أيّ موقع، فإنَّ شررها سوف يطال النَّاس كلَّهم في بيوتهم.

 

مسؤوليَّةُ حمايةِ مجتمعِ المؤمنين

لذلك في هذا المجال {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}. إنَّ مسؤوليَّتنا عن أيّ مجتمع من مجتمعات المؤمنين، هي أن نحمي هذا المجتمع؛ أن نحميه من الآخرين، وأن نحميه من داخل نفسه. إنَّ من واجبنا أن نحمي أنفسنا من الآخرين، وأن نحمي أنفسنا من أنفسنا. ألا نقول: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}[يوسف: 53]. إنَّك تدعو الله أن يحمي نفسك من نفسك، تمامًا كما يحمي نفسك من الإنسان الآخر.

هذه قصَّة لا بدَّ أن نعيشها في كلّ واقعنا، وأن ننفتح على كلّ الواقع الَّذي يحيط بالمؤمنين، أيًّا كان المؤمنون، سواء كانوا في هذا البلد أو في بلد آخر، إنَّ علينا أن ندرس دائمًا كيف يخطّط غير المؤمنين، من المستكبرين والظَّالمين والكافرين، لإضعاف المؤمنين بكلّ ما عندهم من طاقة ووسائل وإمكانات.

إنَّ علينا أن يكون لنا هذا الوعي الإسلاميّ المنفتح على كلّ الواقع الإسلاميّ، والَّذي لا يتجمَّد في موقع دون موقع.

إنَّ علينا أن نرفض الكثير من الأوضاع الَّتي تعيش في البلدان الإسلاميَّة، الَّتي يستعين فيها المسلمون بالمستكبرين ضدَّ مسلمين آخرين، وأن نستنكر كلَّ الأوضاع الَّتي يتحرَّك فيها بعض النَّاس من حكّام ومن غير حكَّام، ممن يعملون بكلّ ما عندهم من طاقة، في سبيل تمكين غير المسلمين من المستكبرين والظَّالمين، من بلاد المسلمين، حيث يفسحون لهم المجال للتَّدخّل ليمسكوا بثروات المسلمين ليضيفوها إلى ثرواتهم، وليمسكوا بمواقع المسلمين الاستراتيجيَّة ليتَّخذوها مواقع استراتيجيَّة لهم، وليعبثوا بالواقع الأمنيّ للمسلمين ليكون على هامش أمنهم، وبالواقع السياسيّ ليكون على هامش سياستهم.

علينا أن لا نتعقَّد من السلبيَّات داخل المجتمع الإسلامي

مصلحةُ المسلمينَ أوّلًا

من هنا، أيُّها الإخوة، لا بدَّ لنا أن ننفتح على الواقع العالميّ كلّه من موقع صفتنا الإسلاميَّة، لا أنَّنا، كما قلنا أكثر من مرَّة، نريد أن نكون المتعصّبين ضدَّ العالم، المنغلقين ضدّهم، لكنَّنا نريد أن نكون المنفتحين على مصالحنا أكثر من انفتاحنا على مصالح الآخرين.

إنَّ علينا أن لا نفكّر كما يفكّر الكثيرون من السياسيّين في العالم الثَّالث، ومن غير السياسيّين، إنَّ الكثيرين يفكّرون: ماذا تريد أمريكا منَّا، وما الَّذي يحقّق لها مصالحها عندنا، وماذا يمكن أن نفعل من أجل أن ترضى عنّا وتهتمّ بنا...؟!

إنَّ علينا أن نفكّر كأمَّة تحترم نفسها، وكشعوب تحترم نفسها: ماذا نريد نحن من أيَّة دولة أخرى؟! إنَّ الَّذين يستغرقون في حساباتهم على أساس ما يريده الآخرون، يعني أن يرتهنوا لهم، والارتهان لإرادة الآخرين لا ينتج إلّا واقعًا يُراد لنا فيه أن نغيب، وأن لا نكون قوّةً تُربك مصالحهم أو تُزعج مشاريعهم.

إنَّنا عندما ندرس ماذا يريد الآخرون من المستكبرين، وماذا تريد أمريكا من العالم الإسلاميّ ومن العالم الثَّالث، حتّى غير الإسلامي من المستضعفين، وماذا تريد أوروبَّا، نرى أنَّهم يريدون لثرواتنا أن تكون ثروات لهم، ويريدون لبلادنا أن تكون سوقًا استهلاكيَّة لهم. ممنوع أن يستخدم أيّ بلد إسلاميّ ثرواته الطَّبيعيَّة في إيجاد صناعة مستقلّة، أو في إيجاد زراعة مستقلّة، أو في التَّخطيط لسياسة مستقلّة أو لأمن مستقلّ... كلّ الأمن العالميّ لا بدَّ أن يدخل في نطاق الأمن الأمريكيّ ليستطيع أن يحمي نفسه منه، وكلّ الاقتصاد العالميّ لا بدَّ أن يعمل على أساس أن يكون على هامش الاقتصاد الأمريكيّ حتّى يمكن أن يحمي نفسه.

هكذا يريدون؛ إنَّهم يريدون إلغاء العالم لمصلحة الإنسان الأمريكيّ، وإذا أرادوا أن ينفتحوا أكثر، فإنَّهم يفكّرون في مصلحة الإنسان الغربيّ، أمَّا إنسان العالم الثَّالث، فهو إنسان لا حساب له عندهم إلَّا بمقدار ما تتوافق حساباته مع حساباتهم.

 

التّسلّحُ الإيرانيُّ لدفعِ الخطر

إنَّنا نلاحظ دائمًا في اللّعبة السياسيَّة الَّتي تتحرَّك في عالمنا الإسلاميّ، عندما نستمع إلى الإعلام الأمريكيّ أو الإعلام الغربيّ بشكل عامّ، نلاحظ أنَّه يحاول أن يثير مسألة الخطر في المواقع الَّتي تتمرَّد على سياسته. عندما تتسلَّح الجمهوريَّة الإسلاميَّة في إيران، لكي تحمي نفسها من العدوان، حتَّى لا تواجَه بمثل ما ووجهت به من الحرب المفروضة عليها، عندما بدأت الجمهوريّة الإسلاميّة وانطلقت في العالم كلّه لتشتري السّلاح من السّوق السّوداء بأسعار مضاعفة، حتَّى تستطيع أن تحمي نفسها.. فعندما تفكّر أن تحمي نفسها، وهي محاطة بالدّول الَّتي تسيطر عليها أمريكا، والَّتي تملك ترسانات من السّلاح، بحيث تهدّد أمنها في الحاضر والمستقبل، يقال إنَّ إيران تتسلَّح، وإنَّ تسلّحها يشكّل خطرًا على المصالح الأمريكيَّة في المنطقة، وعلى منطقة الخليج وتركيا وباكستان وما إلى ذلك، لكن أن تتسلَّح تركيا، وأن يكون هناك قواعد أمريكيَّة وغربيَّة متقدّمة فيها، فهذا لا يمثّل خطرًا على أحد! لأنّ الخطر، وفق هذا المنطق، يصبح مشروعًا حين يكون في خدمة المصالح الأمريكيّة، وموجَّهًا ضدّ كلّ من يقف في المنطقة لمواجهة هيمنتها.

إنَّ الدول العربيَّة الخليجيَّة تقدّم إلى تركيا ثلاثة مليارات دولار من أجل مساعدتها في تصنيع سلاحها وتجديده، والسّلاح التركيّ عندما يوجَّه فضدّ من؟ هل يوجَّه ضدَّ إسرائيل؟! بل يوجَّه إمّا ضدّ العراق أو إيران أو سوريا...

كذلك، عندما تسلّح أمريكا دول الخليج، وهي الّتي تمسك كلّ الأمن الخليجيّ، فهل تسلّحها للدّفاع عن نفسها ضدَّ إسرائيل، أم للدّفاع عن نفسها ضدَّ بلد عربيّ آخر أو ضدَّ بلد إسلاميّ آخر؟

فعندما تعيش إيران في هذه الغابة المسلَّحة بأحدث الأسلحة، وعندما تضع إسرائيل إيران في مخطَّطاتها العدوانيَّة المستقبليَّة، فإذا أرادت إيران أن تتسلَّح، يصبح هناك ضجَّة إعلاميَّة في العالم، وهو أنَّ العالم يراقب بحذر التسلّح الإيراني الّذي يهدّد المنطقة، كأنّ من المفروض أن تكون إيران ضعيفة في السّلاح، حتّى يستطيع أن يهدّدها كلّ أحد، وحتّى تأمن المنطقة منها. لماذا؟ لأنَّ إيران تمثّل دولة مستقلَّة في مواجهة مصالح الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، لأنَّ أمنها مستقلّ، وسياستها مستقلّة، ولأنّها تعمل على أن يكون اقتصادها مستقلًّا، لذلك فإنَّ أيّ قوّة تملكها إيران، تمثّل، في نظرهم، خطرًا على المنطقة.

بينما عندما كانت إيران في أيّام الشّاه جزءًا من المحور الأمريكيّ، لم تكن تُعَدّ مشكلةً للولايات المتّحدة، على الرّغم من أنّها كانت تمثّل خطرًا حقيقيًّا على المنطقة، حيث كانت تؤدّي دور «شرطيّ الخليج» الّذي كانت أمريكا تستعمله لتأديب كلّ من تريد تأديبه، وعندما حصلت هناك حركة ثوريَّة في عُمان، أُرسِلَ قسمٌ من الجيش الإيرانيّ في عهد الشَّاه حتَّى يقمع التَّمرُّد هناك. فإيران آنذاك لم تكن تمثّل مشكلة للولايات المتّحدة.

 

ازدواجيَّةُ معاييرَ أمريكيَّة

نحن الآن نسمع أيضًا بالنّسبة إلى السّودان أنَّ هناك مشكلة، ويتحدَّث المسؤولون الأمريكيّون عن أنَّ هناك مجاعة في السّودان، ولا بدّ من أن يكون هناك تدخّل من قبل الأمم المتَّحدة ومن أمريكا. فما المسألة؟ المسألة أنَّه عندما انطلقت السّودان لتكون دولةً إسلاميَّة، وليكون لها أمنها المستقلّ وسياستها المستقلّة، ولتعمل على الانفتاح على الجمهوريَّة الإسلاميَّة وعلى البلدان الَّتي تريد أن تكون حرّةً في قراراتها، بدأوا يكيدون لها من خلال النّظام المصريّ من جهة، ومن خلال إثارة بعض الأمور على طريقة ما يثار اليوم حول الصّومال، حيث أصبحت أمريكا تُدخِل في خططها العسكريَّة المسألة الإنسانيَّة، تمامًا كما لو أنّها تريد أن تتصدَّق على النَّاس والجائعين.

بينما نجد مسألة البوسنة والهرسك لا تزال تراوح مكانها. عندما تحدَّث النَّاس عن المجاعة في الصّومال، انطلقت كلّ الجيوش لحماية قوافل الإغاثة، ولكنَّ أحدًا لا يحرّك ساكنًا عندما يُقتل الشَّعب البوسني في كلّ يوم ويُهجَّر. إنَّ المسألة تسير في قرارات الأمم المتَّحدة أو في قرارات الولايات المتّحدة أو في قرارات المجموعة الأوروربيَّة سيرًا سلحفاتيًّا، وإذا تقدَّم خطوة، فإنَّه يتراجع خطوتين.

إنّ أمريكا تتحدَّث عن إسقاط المساعدات بواسطة الطّائرات، ولكنَّهم لا يمنعون تقدّم الصّرب على بلدان المسلمين، بحيث إنّهم إذا وصلوا في الأمم المتَّحدة إلى نهاية المطاف، فلا يبقى هناك شيء اسمه البوسنة، لأنّهم عندما يخرجون كلَّ المسلمين من بلادهم ليتحوَّلوا إلى لاجئين كالفلسطينيّين، ستتحوَّل قضيَّتهم كمثل القضيَّة الفلسطينيَّة، فعندما يحتلّ الصّرب أكثر المناطق البوسنيَّة، ويتحوَّل المسلمون إلى لاجئين، ستصبح صربيا مثل إسرائيل، فيها بعض المسلمين الَّذين يبقون، أمَّا اللَّاجئون، فإنَّ قضيَّتهم لا بدَّ أن تحلّ بطريقة إنسانيَّة ليوزّعوا ويوطّنوا كما هي قضيَّة الفلسطينيّين.

ما هي النَّظرة العالميَّة الآن إلى قضيَّة اللّاجئين الفلسطينيّين؟ إنَّ النَّظرة العالميَّة هي أن لا يرجعوا إلى فلسطين، أيًّا كان الحلّ للمسألة الفلسطينيَّة.. إنَّ أمريكا وأوروبَّا وكلّ هؤلاء، يعرفون في مخطَّطاتهم الخفيَّة أنَّه ممنوع أن يرجع الفلسطينيّون إلى ديارهم، وممنوع أن يمنع كلُّ يهود العالم من أن يأتوا إلى فلسطين، والخوف أن تتحوَّل قضيَّة البوسنة والهرسك إلى مثل هذا.

لذلك، عندما ندرس الواقع الموجود في العالم، عندما تكون المسألة مرتبطةً بالمسلمين الَّذين يريدون أن يملكوا قرارهم المستقلّ في أمورهم، وأن يجمعوا عناصر القوَّة من أجل أن يكونوا قوَّة في بلادهم ومواقعهم، نرى التَّحالف العالميَّ الَّذي ينطلق بما يسمّونه بالنّظام العالميّ الجديد، يعمل على منع المسلمين من الحصول على أيَّة فرصة.. فإذا لم يستطيعوا أن يهجموا عليهم في بلادهم، فإنَّهم يعملون على أن يصنعوا الفتن في داخلهم بين دولة إسلاميَّة ودولة إسلاميّة أخرى، أو بين فريق إسلاميّ في الدّاخل وفريق إسلاميّ آخر، من أجل أن يستهلك المسلمون قوَّتهم في قتال بعضهم بعضًا، وحتَّى يضطرّوا إلى أن يستوردوا السّلاح من هذه الدولة وتلك الدولة لتقوّي مصانعها واقتصادها، ولتزيد المسلمين مشكلة، ولتعمل على تقسيمهم وتفتيتهم وما إلى ذلك.

 

حلفٌ ضدّ المنطقة

ونحن الآن نواجه حلفًا أمريكيًّا إسرائيليًّا استراتيجيًّا ينطلق من خلال استراتيجيَّة مشتركة في المنطقة. هناك الكثيرون من العرب الَّذين يسيرون في الدَّائرة الأمريكيَّة، والَّذين يتحركون على هامش السياسة الأمريكيَّة.. هل هناك حلف استراتيجيّ عربيّ أمريكيّ؟! لا نتحدَّث عن المعاهدات الأمنيَّة الخليجيَّة الأمريكيَّة، فهي معاهدات لحساب أمريكا وليست حلفًا استراتيجيًّا، فأمريكا لا يمكن أن تتحدَّث مع العرب على أساس أن يكونوا حلفاء لها، بل أن يكونوا عملاء لها، إنَّ المسألة أنّها قضيّة معاهدة أمنيَّة، فإذا حدث هناك هجوم على أيّ دولة خليجيَّة من دولة عربيَّة أو إسلاميَّة، تتحرّك أمريكا، لكن إذا حدث هناك هجوم من إسرائيل على الكويت أو على السعوديَّة، فهل تتحرَّك أمريكا؟! إنَّ المعاهدة الأمنيَّة لا تلحظ إسرائيل في عدوانها على أيّ بلد آخر، بينما هناك حلف استراتيجيّ إسرائيليّ أمريكيّ، بحيث إنَّ أمريكا تنسّق مع إسرائيل حتَّى في صنع السّلاح.

قبل أيَّام، أعلنت إسرائيل عن صنع صاروخ متقدّم، وقيل إنَّ أمريكا هي الَّتي موَّلت وهيَّأت له كلَّ الفرص العلميَّة والفنيَّة والماليَّة من أجل نجاحه. هل يمكن أن تساعد أمريكا أيَّة دولة عربيَّة على صنع صاروخ مضادّ للصَّواريخ الإسرائيليَّة؟!

إنَّ أمريكا تمنع أيَّ دولة في العالم أن تبيع سوريا سلاحًا دفاعيًّا يمكن أن تحمي به نفسها ضدّ إسرائيل، إنَّها تتدخّل مع الصّين ومع كوريا الشّماليَّة، وتتدخّل مع أيّ دولة في سبيل أن لا تبيع سوريا السّلاح، لأنَّها تريد أن تبقى إسرائيل هي الأقوى، لأنّه إذا كانت إسرائيل هي الأقوى، فستكون أمريكا هي الأقوى، هذه هي المسألة الَّتي تواجهنا.

تضغط أمريكا من أجل أن يقدّم العرب التَّنازلات، لا من أجل أن يقدّم الإسرائيليّون التَّنازلات
 

ضغطٌ أمريكيٌّ على العرب

وعلى هذا الأساس، نجد في مسألة المفاوضات العربيَّة الإسرائيليَّة، أنَّ أمريكا تضغط من أجل أن يقدّم العرب التَّنازلات، لا من أجل أن يقدّم الإسرائيليّون التَّنازلات. إنَّ أمريكا عملت على تفتيت الموقف العربيّ في مسألة المبعدين، فلقد كانت مسألة المبعدين قرارًا عربيًّا مشتركًا، وكان العرب في موقف واحد، ولكنَّ المداخلات الأمريكيَّة الخفيَّة من جهة، وزيارة وزير الخارجيّة الأمريكيّ من جهة أخرى، جعل الموقف العربيَّ يتفتَّت، وجعل البعض يقول إنَّ علينا أن لا نفصل بين قضيَّة المبعدين وبين قضيَّة المفاوضات.. وما دامت الصَّفقة بين أمريكا وإسرائيل في إرجاع مائة من المبعدين قد تمَّت، فعلينا أن نقبل بهذه الصَّفقة، لأنَّها تظهر تقدّمًا في الموضوع!...

والآن، أصبحت القضيَّة تعيش في دائرة التَّفتيت، وإذا حدثت المفاوضات ووضعت قضيَّة المبعدين في خلفيَّة المفاوضات، فمن الَّذي يمكن أن يعيد المبعدين إلى فلسطين؟! إذا سقطت ورقة الضّغط هذه، وهي ورقة ضغط عربيّة أو فلسطينيَّة، فإنَّ فكرة إعادة المبعدين إلى بلادهم تكون كفكرة إعادة اللَّاجئين الفلسطينيّين إلى بلادهم، إنّها سوف تكون هامشًا من هوامش قضيَّة اللّاجئين، لأنَّك عندما لا تملك ورقة تضغط بها في اللّعبة القماريّة السياسيّة، فكيف يمكن أن تواصل لعبة القمار هذه؟! وهذه أمور لا بدَّ أن نفكّر فيها.

 

استهدافُ القضيَّةِ الفلسطينيَّة

نحن الآن نلاحظ حملة جديدة لتفتيت المسألة الفلسطينيَّة، فنحن نلاحظ أنَّ بعض المسؤولين الأمريكيّين اجتمعوا ليعقدوا حوارًا مع حركة حماس، وأثيرت المسألة فلسطينيًّا، أنّه كيف لا يعقدون حوارًا مع منظَّمة التَّحرير، ويعقدون حوارًا مع حركة حماس؟! وبدأت المداخلات، وأعلنت أمريكا بأنَّها امتنعت عن مسألة الحوار مع حركة حماس لأنَّها إرهابيَّة، ولأنّها حركة تؤمن بالعنف، وبدأ الجدل في داخل فلسطين في مسألة المنظَّمة وحماس، مما يمكن أن يؤذن بإيجاد فتنة داخليَّة منعها العقلاء سابقًا، ونرجو أن يمنعوها لاحقًا.

 

مَن الإرهابيّ؟!

ثمّ إنّنا نلاحظ هذه الحملة الجديدة الَّتي تقوم بها إسرائيل والإعلام الأمريكيّ، ويتحرّك بها مسؤولون أمريكيّون بالنّسبة إلى حركة حماس الإسلاميَّة، يقولون إنَّ حركة حماس تمنع السَّلام، وهي منظّمة إرهابيّة، تقتل وتؤمن بالعنف والإرهاب... إنَّك عندما تستمع إلى هذه الكلمات، يخيَّل إليك أنَّ حركة حماس هي الَّتي احتلَّت الضفَّة الغربيّة وغزَّة لا إسرائيل.. حماس تقتل، من تقتل؟ تقتل الَّذين احتلّوا أرضها، وتتحرَّك بالعنف ضدَّ الَّذين فرضوا على الشَّعب الفلسطيني الاحتلال.

إنَّ المسألة أصبحت في المنطق الأمريكيّ، أنَّ الَّذين يدافعون عن حريَّة بلدهم وإنسان بلدهم هم الإرهابيّون، أمَّا الَّذين يفرضون الاحتلال على شعب، ويفرضون العنف عليه، ويمارسون إرهاب الدَّولة، فهؤلاء حضاريّون يمثّلون الموقع الحضاريّ الوحيد في المنطقة!.. أن تقتل مسلمًا أو عربيًّا أو مستضعفًا من العالم الثَّالث، فهذا أمر لا يمسّ حقوق الإنسان وأصول الحضارة، لكن أن تقتل يهوديًّا أو شخصًا من العالم الأوَّل، حتَّى في حال الدّفاع عن النَّفس، فأنت إرهابيّ رغم أنفك.

إنَّ إسرائيل تقتل في كلّ يوم ما تقتله من الأطفال والنّساء والشّيوخ، وتدمّر كلّ يوم البيوت هنا وهناك، ولا تتحرَّك أمريكا لإدانتها، ولكن عندما يقتل فلسطينيّ من غزَّة عدَّة إسرائيليّين، ويجرح عددًا منهم، وتحاصر إسرائيل كلّ غزَّة وتجعلها في سجن، وتتعسَّف في اعتقالاتها وفي إطلاق الرّصاص لمناسبة وغير مناسبة، وتترك للمستوطنين أن يقتلوا أيَّ شخص لمجرّد أيّ حركة مريبة، فهذا أمر لا يمسّ حقوق الإنسان أبدًا..

 

إرهابُ العدوّ الصّهيونيّ

أن تحاصر شعبًا بكامله فهذه ليست مشكلة، أن تحاصر إسرائيل بلدة مركبا الحدوديَّة، لمجرَّد أنَّ هناك عمليَّة مقاومة قد لا يعرفها كلّ أهالي مركبا، ولكن حدثت في أرضها، فهذا لا يمسّ حقوق الإنسان، أن يمنع النَّاس من الدّواء ومن الغذاء ومن التحرّك، هذا لا ينافي حقوق الإنسان.. أن تقدّم إسرائيل شكوى إلى مجلس الأمن - وشرّ البليَّة ما يضحك - على لبنان، لأنّه يفسح المجال للمقاومة الإسلاميَّة الإرهابيَّة أن تطلق الرَّصاص أو المدافع على مواقع المنطقة الحدوديَّة، أو في بعض الحالات، على المنطقة الّتي تحتلّها إسرائيل في فلسطين، فهذا عمل إرهابيّ، ويجب على لبنان أن يمنع ذلك، كما لو كانت المقاومة هي المحتلَّة، وكانت إسرائيل هي الَّتي تدافع عن الاحتلال..

هم يطلقون مدافعهم على القرى الآمنة، والمقاومة الإسلاميَّة تضرب العسكريّين منهم، بينما هم يضربون المدنيّين، باعتبار أنّهم يريدون أن يخلقوا مشكلة بين المقاومة والنَّاس، حتّى يشعر النّاس بأنّ المقاومة هي السّبب في كلّ ما يحدث.

إنَّهم لا يواجهون فقط المجاهدين، ولكنَّهم يضربون القرى الآمنة ويقتلون الأطفال، ولا تتحرَّك أمريكا ولا فرنسا ولا أيّ دولة أخرى لتشجب هذا الواقع، ولتقول لإسرائيل إنَّ هذا واقع يمثّل الإرهاب.

وبالمناسبة، سمعنا أنّه عندما قَتَلَ فلسطينيّ عدَّة إسرائيليَّين، استنكرت فرنسا ذلك، ولكنَّها لم تستنكر كلَّ الأعمال الإسرائيليَّة في جنوب لبنان أو في غزَّة والضفَّة الغربيَّة. ما رأي فرنسا لو أنَّ فرنسيًّا قتل نازيًّا في أيَّام الاحتلال، وانطلقت دول لتشجب قتل الفرنسيّ للنّازيّ، هل كانت فرنسا لتقبل بهذا المنطق؟!

 

المقاومةُ في مقابلِ الخضوع

إنَّ المسألة هي أنَّهم يريدون إذلالنا بالجملة والمفرَّق، يريدون أن لا نكون قوَّة، ويريدون للعالم العربيّ كلّه لا أن يرضخ لأمريكا فحسب، بل أن يرضخ لإسرائيل أيضًا. ونحن نشعر أنَّ هذا العالم العربيّ الرسميّ سائر نحو الخضوع والاستسلام، من خلال المفاوضات أو غيرها، بينما نلاحظ أنَّ الجهة الوحيدة الَّتي تعطينا الإحساس بأنَّ من الممكن لنا أن نتحرَّك نحو القوَّة، هي المجاهدون في فلسطين، والمجاهدون في لبنان، هؤلاء هم وحدهم في العالم العربيّ وفي العالم الإسلاميّ الَّذين يثبتون للعالم أنَّنا لن نقبل أن نكون أذلَّاء. قد نكون ضعفاء في سلاحنا، ولكنَّنا كمسلمين في أيّ موقع من العالم، لسنا ضعفاء في إرادتنا.

هكذا تحدَّث الإيرانيّون عندما واجهوا الطَّاغية، وهكذا تحدَّث الأفغانيّون عندما واجهوا الاحتلال، وهكذا يتحدَّث المسلمون في البوسنة والهرسك، ويتحدَّث المجاهدون في لبنان وفلسطين... هذا هو الحديث الَّذي يحبّ الله ورسوله أن يتحرَّك في الواقع، حديث القوَّة: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}[الأنفال: 60]، حديث المؤمنين الَّذين يقاتلون في سبيل الله صفًّا كأنَّهم البنيان المرصوص، حديث المؤمنين الّذين يرفضون أن تفرض عليهم الذلَّة، حديث المؤمنين الَّذين يريدون أن يثبّتوا أقدامهم في الأرض عندما يراد لهم أن تزلّ أقدامهم من خلال الزلزال.

أيُّها الأحبَّة، إنَّنا نواجه مستقبلًا صعبًا على جميع المستويات، ونحن لا بدَّ لنا أن نصنع لهذا المستقبل قواعده من خلال إرادتنا ووحدتنا وقوَّتنا، لأنَّ كلَّ أمَّة تبحث عن مواقع قوَّتها، فلماذا نكون الأمَّة الّتي تبحث عن مواقع ضعفها؟! إنَّ هناك مشاكل بين المسلمين يمكن أن تكون مذهبيَّة تارةً، أو اقليميَّة أخرى وما إلى ذلك، ولكن علينا أن نفهم أنَّ المشكلة الكبرى للمسلمين هي مشكلتهم مع الاستكبار العالميّ. عندما نفرغ من مشكلتنا مع الاستكبار العالميّ ومع الكفر العالميّ، فإنَّ من الممكن لنا أن ننطلق لنتحدَّث عن مشاكل بعضنا مع بعض، لأنَّ الخطر لن يتهدَّد موقعًا إسلاميًّا دون آخر، بل إنَّ الخطر سوف يتهدَّد المسلمين كلّهم.

لذلك، لا بدَّ لنا أن نعيش وعينا السياسيَّ المنفتح على كلّ قضايا المسلمين في العالم. وعلينا أن نتخلَّص من الفكرة الَّتي تقول إنَّ المسألة السياسيَّة لا علاقة لها بالمسألة الدينيَّة. إنَّ الدّين حركة عدل وحريَّة أمام الإنسان الآخر، وعبوديَّة لله، وحركة العدل والحريّة هي حركة تشمل الواقع السياسيَّ كلَّه، لذلك لا بدَّ لنا أن نبقى مع مسألة الحريَّة والعدالة في الدَّاخل والخارج.

 

لبنان: واقعُ التَّمزّقِ والفتنة!

وعلينا في نهاية المطاف، التّوقّف عند الواقع الصَّعب الَّذي لا يزال النَّاس يعيشونه في لبنان، في واقع الجدل الَّذي يدور بين النَّاس الَّذين يمسكون بمقدّرات الدَّولة، حول تعيين هذا أو ذاك، وحول خصوصيّةٍ لهذا أو لذاك، كما أنَّنا لا نزال نعيش حركة التَّفتيت والفتنة بين موقع وآخر، سواء كان ذلك في المواقع الإسلاميَّة أو في المواقع المسيحيَّة، لأنَّه يراد للبنان أن يبقى في حالة اهتزاز سياسيّ واقتصاديّ.

لذلك، أيُّها اللّبنانيّون، إذا كان لكم ببلدكم حاجة، فارتفعوا عن هذا المستوى من المنازعات والخلافات والتَّعقيدات الَّتي يثيرها بعضكم ضدّ بعض، فسوف يأكل بعضكم بعضًا بفتنتكم وبخلافاتكم، وسوف تكون المسألة هي أنَّ الآخرين الّذين عملوا طيلة عهد الفتنة والحرب اللّبنانيَّة على تقسيمكم وتفريقكم وتمزيقكم، سينجحون في تمزيقكم طائفيًّا وتمزيق كلّ طائفة في داخلها، وتمزيقكم حزبيًّا وتمزيق الأحزاب في داخلها، وتمزيقكم مناطقيًّا وتمزيق كلّ منطقة في داخلها.

إنَّكم عندما تفكّرون في لبنان، في أيّ موقع من المواقع، فإنَّ لبنان لا يمكن أن يقف على قدميه، ولا يمكن أن يحصل على أيّ قوّة، إلَّا إذا صنع القوَّة لنفسه، وصنع الوحدة لشعبه، وإلَّا إذا كان واعيًا لكلّ المخطَّطات الَّتي تحاك من حوله في الأبعاد الدّوليَّة وغيرها، من أجل أن يبقى اللّبنانيّ في حالة قلق دائم واهتزاز دائم، لتستمرَّ الهجرة اللّبنانيَّة بالنّسبة إلى من لا يستطيعون البقاء، أو ينطلق التَّهجير اللّبنانيّ أو المشاكل الَّتي تجعل الحياة جحيمًا لا يطاق.

لا تتغزَّلوا بلبنان الأرز والسَّهل والجبل والبحر، ولكن إذا كان لكم بالغزل حاجة، فليكن إنسان لبنان هو الّذي نعمل على أن يكون الإنسان الواعي المنفتح، لا الإنسان المستغرق في طائفيَّته وذاته وفي كلّ الصَّغائر الّتي تصنع كلّ يوم من خلالها معركة هنا ومعركة هناك.

عندما تنطلقون مع الله، وأنتم تزعمون الآن أنَّكم تصومون لله، صوم رمضان هنا، وصومًا كبيرًا هناك، أيُّها النَّاس الَّذين يصومون الآن، كيفما كان صومكم، إذا كنتم تريدون أن تخلصوا لله في صومكم، فصوموا عن كلّ هذه التَّفاهات، وعن كلّ هذه الأحقاد، وعن كلّ هذه الأنانيَّات. صوموا من أجل أن يكون بلدكم حرًّا، وصوموا من أجل أن يكون مجتمعكم عادلًا، صوموا عن كلّ ذاتيَّاتكم الَّتي تسقط مواقعكم. ليكن العمل من قبل الكلّ، ومن أجل الكلّ.

هل هذا حديث شعر أم حديث واقع؟!

 {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[التّوبة: 105].

والحمد لله ربّ العالمين.

 

* خطبة الجماعة لسماحته للرّجال، في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 05/03/ 1993م.

 
 

 

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}[آل عمران: 28].

ويقول سبحانه وتعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}[النّساء: 139].

ويقول الله سبحانه في آيات أخرى: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإذا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}[آل عمران: 118 - 120].

تريد هذه الآيات وغيرها من الآيات في القرآن الكريم، وهي كثيرة، أن تركّز في نفوس المسلمين الوعي لكلّ الواقع الّذي يحيط بهم في كلّ زمان ومكان، حتَّى لا يكونوا ساذجين في اتّخاذ مواقفهم، ولا مخدوعين في تنظيم علاقاتهم بالآخرين.

 

خطرُ اليهودِ على المسلمين

إنَّ المشكلة الَّتي كانت تواجه المسلمين في بداية عهد الدَّعوة في المدينة، هي مشكلة علاقاتهم مع اليهود، لأنَّ اليهود كانوا يمثّلون وجودًا مكثّفًا في المدينة، وقد دخل النَّبيّ (ص) معهم بعد الهجرة في معاهدات، حتَّى يتفادى ضررهم، في الوقت الَّذي كان الإسلام لا يمثّل قوَّة كبيرة.

واستغلّ اليهود هذا الانفتاح من قبل المسلمين عليهم، وبدأوا يكيدون لهم في أعمالهم التّجاريَّة، أو في أوضاعهم الاجتماعيَّة وغيرها، أو فيما كانوا يثيرونه من بعض المفاهيم الدّينيَّة الَّتي قد ينحرفون من خلالها بالمسلمين عن الخطّ الصَّحيح، وكانوا يعملون على إيجاد فئة من المسلمين من هؤلاء الَّذين سمَّاهم القرآن بالمنافقين، من أجل أن ينفذوا إلى داخل المجتمع الإسلاميّ، ليخلقوا الفتن فيه، ويثيروا فيه الإرباك، ويعطّلوا حركة المسلمين عندما ينطلقون للدّفاع عن الإسلام والمسلمين في حرب هنا أو حرب هناك. وهكذا أصبح هناك حلف بين المنافقين في داخل المدينة وبين اليهود، وتحرَّك هذا الحلف من أجل أن يصنع الكثير من المشاكل الصَّغيرة والكبيرة في الواقع الإسلاميّ.

وكان هناك فريق كبير من المسلمين يعيشون الطّيبة والطَّهارة والنَّقاء في نيَّاتهم، فكانوا يُخدعون ببعض أساليب اليهود، وكانوا يتَّخذون من اليهود بطانة لهم، بمعنى أنّهم يتّخذون منهم مستشارين ومعاونين ومساعدين وما إلى ذلك، باعتبار أنَّ هؤلاء أهل كتاب، وأنَّهم يختلفون عن المشركين في إيمانهم بالله وبالرّسالات، وإن لم يؤمنوا بالنَّبيّ محمَّد (ص) كنبيّ وما إلى ذلك. فانطلق القرآن لينبّه المسلمين بأن يكونوا حذرين عندما ينشئون علاقات مع الآخرين.

 

الانفتاح الواعي.. وحفظ الأمن

إنَّ الله لا يريد أن يعزل المسلمين عن الانفتاح على الآخرين، ولا أن يعيشوا معزولين عن العالم، بحيث يكون لهم اقتصادهم الخاصّ، فلا يشاركون غير مسلم في اقتصادهم، ولا يريد لهم أن يكونوا معزولين عن الأوضاع الأمنيَّة والسياسيَّة في المناطق الَّتي يعيشون فيها عندما تكون تلك المناطق مختلطة، ولكنَّ الله يريد لهم أن يدرسوا المجتمعات الأخرى الَّتي يعيشون فيها أو الَّتي يُنشِئون علاقات معها، أن يدرسوا طبيعة هذه المجتمعات، هل إنَّ هذه المجتمعات مخلصة في علاقاتها وصادقة في مواقفها، أو أنّها ليست صادقة، تُظهِر شيئًا وتُبطِن شيئًا آخر، تتحرَّك في شيء ولكنَّها تخطّط لشيء آخر؟!

إنَّ الله سبحانه وتعالى يريد من المسلمين أن يحافظوا على الأمن الإسلاميّ في داخلهم، بمعنى أنّه يريد لهم في أمنهم، سواء كان أمنًا اقتصاديًّا أو أمنًا سياسيًّا أو أمنًا اجتماعيًّا، أن لا يفسحوا المجال لكلّ طامع وكافر ومنافق ومستكبر أن ينفذ إلى داخلهم من خلال علاقة يقيمها مع هذا الفريق أو ذاك الفريق، أو مع هذا الشَّخص أو ذاك الشَّخص، سواء كان هؤلاء الَّذين يقيمون العلاقات مع أعداء الإسلام، من الأشخاص الَّذين يتحركون في علاقاتهم من موقع السَّذاجة والبساطة، أو يتحرّكون من موقع الخيانة.

 

تهديدٌ إلهيّ

إنَّ الله يريد أن يحذّر المسلمين من ذلك، ولا سيَّما هؤلاء الَّذين يفضّلون غير المسلمين على المسلمين في علاقاتهم، هؤلاء الَّذين يتَّخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، إنَّ الله يهدّد هؤلاء: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ - فالله يقطع علاقاته تمامًا بمن يفعل ذلك، وإذا رفع الله لطفه ورعايته عن أيّ إنسان، فأين يكون؟!

- إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً - إلَّا إذا فرضت عليكم الظّروف نوعًا من العلاقات الشَّكليَّة، فإنَّ ذلك مبرَّر، ولكن في حدود ظرفه، ومع كلّ الاحتياطات اللَّازمة - وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ بمعنى أن لا تعتبروا المسألة مسألة بسيطة، ومسألة تدخل في نطاق اللّعبة السياسيَّة أو اللّعبة الأمنيَّة أو المصالح الشَّخصيَّة، إنَّ المسألة تتَّصل بالأمن الإسلاميّ؛ بأمن المجتمعات الإسلاميَّة في داخلها، وبأمن الخطّ الإسلاميّ في مواجهة الخطوط الأخرى - وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}.

يريد الله من المسلمين أن يحافظوا على الأمن الإسلاميّ في داخلهم، سواء كان اقتصاديًّا أو سياسيًّا أو اجتماعيًّا
 

ضوابطُ العلاقةِ بالآخرين

وفي الآيات الأخرى، نلاحظ أنَّ هناك شرحًا كاملًا للواقع: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}.

 طبعًا، هذه الآيات كانت مناسبتها في اليهود، ولكنَّها تمتدّ إلى كلّ من يكيد لنا في كلّ موقع وفي كلّ مجتمع، لأنَّ القرآن إذا نزل في جماعة، كما ورد في الحديث، فإنَّه لا يقتصر على هؤلاء الجماعة، ولكنَّه "يجري مجرى اللَّيل والنَّهار، ومجرى الشَّمس والقمر"، ويسير مع كلّ الأوضاع المماثلة.

{لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ - والبطانة هي الَّتي تكون تحت الثَّوب، وقد استعيرت كلمة البطانة للأشخاص الَّذين ندخلهم في حياتنا وداخلنا، فكما البطانة الَّتي تكون داخلة في الثَّوب، فبطانة الإنسان أيضًا هي حاشيته، هؤلاء الَّذين ينسّق معهم، ويخطّط معهم، ويستشيرهم، ويشيرون عليه. وأصبح معروفًا في اللّغة العربيَّة أنّه يقال فلان من بطانة فلان، يعني من حاشيته وجماعته... وهكذا.

فالله يقول للمسلمين، عندما تريدون أن تتَّخذوا بطانة لكم، إذا كنتم في أيّ موقع من مواقع المسؤوليَّة، فلا تتَّخذوا بطانة من جماعات أخرى تكيد لكم، ولا تفتح قلوبها عليكم بالخير والمحبَّة والرَّحمة.

- لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا - والخبال كناية عن كلّ الأعمال والإرباكات الَّتي تثير الفتنة وتثير المشاكل وتثير التَّعب - وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ - يعني يتمنّون أن تظلّوا في تعب وفي جهد، والعنت هو التَّعب والمشقَّة.

- قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ - فبين وقت وآخر، تسمعون أنَّ هذا الشَّيء الَّذي في صدورهم يظهر - وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ - فيما نشرحه لكم مما يجنّبكم الوقوع في أمثال هذه المشاكل - إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}، يعني شغّلوا عقولكم في هذا المجال، وحاولوا أن تدرسوا المسألة على أساس أنَّ هؤلاء لهم خطّ يختلف عن خطّنا، وبالتَّالي لهم طموحات تختلف عن طموحاتنا، ولهم مصالح تختلف عن مصالحنا. ولذلك، فإنَّنا لا نستطيع أن نستسلم لهم، لأنَّ الاستسلام لهم يعني إضعاف مواقفنا لتقوية مواقفهم، وكلَّما ازدادوا قوَّة، ازدادوا سيطرةً علينا، وازدادوا إضعافًا لنا وعدوانًا علينا.

 

كيدُ الآخرين وحذرُ المسلمين

ثمَّ تتابع هذه الآيات المسألة: {هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ - فأنتم طيّبون، وعندما تعيشون في مجتمع مع أناسٍ آخرين، فإنَّكم لا تعيشون التَّعقيد، لأنَّكم منفتحون عليهم، فإذا كانوا أهل كتاب، فإنَّنا نلتقي معهم في الكتاب كلّه، ولكن عندما تدرسون واقعهم ومخطَّطاتهم، تعرفون أنَّهم لا يبادلونكم هذا الحبّ الَّذي تقدّمونه إليهم، لا يبادلونكم حبًّا بحبّ، بل بالعكس، يبادلونكم هذا الحبّ ببغض.

- وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ – إنَّ الفرق بينكم وبين غيركم من أهل الكتاب، أنَّكم تؤمنون بالكتاب كلّه، فأنتم تؤمنون بالتَّوراة وبالإنجيل وبالقرآن، لا تفرّقون بين كتاب وكتاب، ولكنَّهم لا يؤمنون بالقرآن.

- وَإذا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا - يعني أعلنوا الإيمان أمامكم - وَإذا خَلَوْا – خلا بعضهم إلى بعض - عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ – كما عندما يكون الشَّخص مضطرًّا إلى مجاملة أحد، ويكون ممتلئًا حقدًا عليه، فيجامله، ولكنَّه ينتظر الفرصة السَّانحة ليعبّر عن حقده وما في نفسه، وهذا موجود في الواقع - قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}.

ثمّ يطلب منَّا الله أن نراقبهم في كلّ المواقع الَّتي نتحرَّك فيها: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ - فإذا انتصرتم على المشركين، أو إذا صار عندكم قوَّة اقتصاديَّة، أو قوَّة سياسيَّة، أو قوّة اجتماعيَّة، أو إذا توحَّدتم، يتأذّون - وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا}، لأنَّهم يخطّطون للقضاء عليكم.

 

المواجهة بالصَّبر والتّقوى

هنا، كيف يواجه المسلمون مثل هذا الواقع؟ الله سبحانه وتعالى يقول إنَّ المسألة تحتاج صبرًا من أجل التَّخطيط، وتحتاج تقوى من أجل الانضباط. إذا واجه المسلمون أشخاصًا يعيشون في داخل مجتمعاتهم، أو إذا واجهوهم في مجتمعات أخرى، مع اشتباك المصالح وارتباك الأوضاع، ففي هذا المجال، المسلمون يحتاجون إلى صبر، أن لا يستعجلوا القضايا قبل أن تنضج، ويحتاجون إلى تقوى، بأن يثبتوا حيث يريد الله لهم الثَّبات، وأن يتحركوا حيث يريد لهم الحركة، وأن يعرفوا كيف يتوازنون وكيف ينضبطون عندما يخطّطون لسلامة واقعهم.

{وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا - لأنَّ الَّذين يتضرَّرون بكيد الكائدين، إنَّما هم النَّاس الَّذين لا يصبرون ليخطّطوا، ولا يتَّقون لينضبطوا. أمَّا الَّذي يصبر أمام الأزمات، ويتَّقي أمام الانحرافات، فإنَّه يستطيع أن يبلغ هدفه جيّدًا، ولا يمكّن عدوّه منه في أيَّة حالة من الحالات - إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}.

هذه التَّوعية القرآنيَّة الَّتي تُظهر أهميَّة أن يدرس المسلمون كلَّ مفاهيم القرآن جيّدًا، حتَّى يستطيعوا أن ينفتحوا على الوعي السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ، لأنَّ الله عندما يحدّثنا بهذه الطَّريقة عمَّا يفكّر فيه الآخرون تجاهنا، وعمَّا يخطّطون لنا، وعمَّا يحملونه في داخل أنفسهم من مشاعر وأحاسيس مضادَّة، فإنَّه يريد لنا في هذا المجال أن ندرس هذا في كلّ المواقع المماثلة، بحيث نعيش مع كلّ مجتمع من المجتمعات في حالة من الحذر، وفي حالة من الاستنفار الفكريّ والعمليّ، حتَّى لا يأخذنا الآخرون بشكل مفاجئ لم نكن مستعدّين له.

 

الولاية للمؤمنين

إنَّ المسألة الَّتي يواجهها المسلمون في كلّ زمان ومكان، هي أنَّ هناك كثيرًا من النَّاس يعملون للكيد للإسلام وأهله، ويعملون على إضعاف قوَّة المسلمين وتفتيت مجتمعاتهم، وإدخال الفتنة في داخلهم، على مختلف الأساليب والأصعدة.

لذلك، إنَّ المسلم لا بدَّ أن يكون واعيًا، فيقسّم العالم إلى مؤمنين وكافرين، فالمؤمن الَّذي يعيش إيمانه بصدق ووعي وقوَّة وإخلاص، علينا أن نتعاون معه وأن نواليه؛ أن نكون أولياءه، وأن يكون وليّنا، الولاية بمعنى النّصرة والرعاية والمعونة. أن تجعل المؤمنين أولياء لك، يعني أن تدخل في عمليَّة تناصر وتعاون ورعاية مشتركة، بحيث ترعاهم ويرعونك، باعتبار أنَّ فكركم واحد، ومصيركم وهدفكم واحد، ورسالتكم واحدة.

إنَّ علينا عندما نعيش بعض السلبيَّات في داخل المجتمع الإيماني الإسلامي، أن لا نتعقَّد من هذه السلبيَّات، كما يفعل بعض النَّاس الَّذي قد يرى من بعض المؤمنين مشكلة تمسّ ذاته أو عائلته، عند ذلك، يعمل لينسّق مع الكافرين ضدّ المؤمنين، باعتبار أنَّ الكافرين يمكن أن يعطوه ما يريد من مصلحته بما لا يعطيه إيَّاه المؤمنون.

إنَّ علينا أن نفهم أنَّ الله سبحانه وتعالى يرفض لنا ذلك، لأنَّ أيّ تغليب لموقع كافر على أيّ موقع مؤمن، سواء كان ذلك من خلال المصلحة الخاصَّة، أو من خلال حالة نفسيَّة معقَّدة، يمثّل إضعافًا للإسلام وللمسلمين، وهذا يشبه الخيانة العظمى عند الله سبحانه وتعالى.

ولذلك، ركَّز الله سبحانه وتعالى المسألة على أساس التَّهديد: {لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}، وهذا من أقسى التَّهديدات الإلهيَّة للنَّاس الَّذين ينحرفون عن الخطّ، ثمَّ بعد ذلك يقول: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}، فستقفون غدًا بين يديه وسيحاسبكم على ذلك. هذه نقطة أساسيّة لا بدَّ أن ندرسها.

 

بينَ الموالاة والتّعايش

وعلينا أن نفهم حقيقة، أنَّ هناك فرقًا بين الموالاة للآخرين وبين التَّعامل معهم، بين الموالاة وبين التَّعايش. فمسألة أن تجعل إنسانًا وليًّا، بمعنى أن تستسلم له كما يستسلم المولى عليه للوليّ، أن تترك الحذر أمامه، وأن تترك وعي دراسة الأمور في علاقتك معه، إنّ هذا يمثّل إضعافًا للمؤمنين وتقويةً للكافرين.

إنَّ المسلم ليس عدوانيًّا، وهو لا ينظر إلى النَّاس الآخرين الَّذين يختلفون معه في الفكر أو في الخطّ، نظرة عدوانيَّة، ولا يعيش الحقد تجاههم، وإنَّما يعيش الانفتاح على النَّاس كلّهم، كما قال عليّ (ع) لعامله، وهو يوجّهه كيف يتعامل مع النَّاس المسلمين وغير المسلمين: "فإنّهم صنفان: إمَّا أخ لك في الدّين، أو نظير لك في الخلق"، فإمَّا إخوان في الدّين، أو نظراء في الإنسانيَّة.

لذلك، المسلم لا يتعلَّم الحقد ضدَّ الآخر ولا العدوان عليه، ولكنَّه لا بدَّ أن لا يكون ساذجًا، أن نتعامل مع النَّاس، ولكن عندما نتحرَّك، ندرس في أيّ موقع نضع أقدامنا، وإلى أيَّة غاية نصل في خطواتنا. لا بدَّ أن ندرس الإنسان الآخر؛ هل هو إنسان مفتوح القلب على قضايانا، أو أنَّه إنسان معقَّد بالنّسبة إلى قضايانا. أن ندرس المسألة دراسة واقعيَّة، أن "لا يلدغ المؤمن من جحر مرَّتين"، أن لا يمكّن أحدًا من أن يلدغه في المرَّة الأولى، وإذا لدغ من خلال الغفلة، فعليه أن لا يفسح المجال بأن يلدغ مرَّة ثانية.

إنَّ معنى ذلك أنَّ الإسلام لا يريد للمؤمنين أن يعيشوا البساطة والسَّذاجة، لأنَّ ذلك سوف يؤدّي بهم إلى أن يفتحوا بلادهم ومجتمعاتهم للآخرين، ليعبثوا فيها ما شاء لهم العبث، وليتحرّكوا فيها ما يريدون من حركات يمكن أن تسقطهم.

إنَّ هذه الآيات ليست موجَّهة ضدَّ الآخر، بمعنى أنَّها تريد للمسلمين أن يواجهوا الآخر بطريقة معقَّدة، ولكنَّها تريد للمسلم أن يفهم موقعه، وأن يكون واعيًا وحذرًا. انطلقوا مع العالم كلّه، ولكن كونوا حذرين في خطواتكم، في علاقاتكم، في أوضاعكم، فيما تنشئون من مواثيق، وفيما تتحركون به من تنسيق أو تخطيط أو ما إلى ذلك.

وعلى هذا الأساس، ينبغي لنا، أيُّها الأحبَّة، أن نبني حركتنا وواقعنا وحياتنا على جميع المستويات، أن يعتبر المؤمن نفسه في حالة ميثاق مع المؤمن الآخر، بحيث نتصوَّر أنَّ الإسلام يمثّل هويَّتنا الحقيقيَّة الَّتي تربطنا بالآخرين، هويَّتنا الَّتي صنعها الله سبحانه وتعالى ولم يصنعها أحد.

 

الأخوّةُ الإيمانيَّة

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[الحجرات: 10]. إنَّ الله أكَّد الأخوَّة بين المؤمنين، وقال لكلّ مؤمن: هذا المؤمن هو أخوك، فتعامل معه تمامًا كما تتعامل مع أخيك. والأخ لا يغشّ أخاه، ولا يخدعه، ولا يظلمه، ولا يخذله، ولا يُضعِفه. لذلك، حاول أن تعيش مع أخيك المؤمن كما يعيش الأخ مع أخيه في النَّسب، بل إنَّ قيمة الأخوَّة في الإيمان عند الله أعمق من قيمة الأخوَّة في النَّسب، لأنَّ قيمة النَّسب تنطلق من علاقة الدَّم، وقيمة أخوَّة الإيمان تنطلق من خلال العلاقة بالله والتَّوحّد عليه سبحانه وتعالى، وهي أوثق العلاقات في كلّ مواقع الحياة ومجالاتها.

عندما نفكّر بهذه الطَّريقة، عند ذلك، نشعر بأنَّنا مسؤولون عن مجتمعاتنا المؤمنة، أنَّ كلَّ المؤمنين هم مسؤوليَّتنا عندما يضعفون لنقوّيهم، وهم مسؤوليَّتنا عندما تدخل الفتنة في داخلهم لنعمل على الإصلاح فيما بينهم. لاحظوا أنَّ الله يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}[الحجرات: 10]. فإذا كان المؤمنون إخوة، ورأوا أنَّ بعضًا من إخوانهم يدخلون في نزاع وشجار وخلاف، فإنَّ عليهم أن يبادروا بكلّ ما عندهم من طاقة، وبكلّ ما يملكون من وسائل، في سبيل أن يقضوا على الفتنة في مهدها، وأن يقضوا على الخلاف قبل أن يستفحل.

هذا أمر لا بدَّ أن نعيشه في كلّ مرحلة وفي كلّ موقف. إنَّ علينا أن لا نكون حياديّين أمام المشاكل الَّتي تعيش في داخل المجتمع المؤمن. ونحن عندما نتحدَّث أن لا نكون حياديّين عندما تحدث المشاكل في مجتمع الوطن، فإنَّ علينا أن نكون أكثر من ذلك، أن لا نكون حياديّين على أساس سياسيّ أو عائليّ أو اجتماعيّ، أو على أساس الفكرة الَّتي تجعل الإنسان يقف حياديًّا أمام ما يحدث في مجتمع المؤمنين، ليقول كما يقول بعض النَّاس: "فخَّار يكسّر بعضه"، فلا دخل لنا ولا علاقة لنا بما يجري.. فلو حدث أيّ حادث، فعلى النَّاس أن يعرفوا أنَّ النَّار عندما تشتعل في أيّ موقع، فإنَّ شررها سوف يطال النَّاس كلَّهم في بيوتهم.

 

مسؤوليَّةُ حمايةِ مجتمعِ المؤمنين

لذلك في هذا المجال {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}. إنَّ مسؤوليَّتنا عن أيّ مجتمع من مجتمعات المؤمنين، هي أن نحمي هذا المجتمع؛ أن نحميه من الآخرين، وأن نحميه من داخل نفسه. إنَّ من واجبنا أن نحمي أنفسنا من الآخرين، وأن نحمي أنفسنا من أنفسنا. ألا نقول: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}[يوسف: 53]. إنَّك تدعو الله أن يحمي نفسك من نفسك، تمامًا كما يحمي نفسك من الإنسان الآخر.

هذه قصَّة لا بدَّ أن نعيشها في كلّ واقعنا، وأن ننفتح على كلّ الواقع الَّذي يحيط بالمؤمنين، أيًّا كان المؤمنون، سواء كانوا في هذا البلد أو في بلد آخر، إنَّ علينا أن ندرس دائمًا كيف يخطّط غير المؤمنين، من المستكبرين والظَّالمين والكافرين، لإضعاف المؤمنين بكلّ ما عندهم من طاقة ووسائل وإمكانات.

إنَّ علينا أن يكون لنا هذا الوعي الإسلاميّ المنفتح على كلّ الواقع الإسلاميّ، والَّذي لا يتجمَّد في موقع دون موقع.

إنَّ علينا أن نرفض الكثير من الأوضاع الَّتي تعيش في البلدان الإسلاميَّة، الَّتي يستعين فيها المسلمون بالمستكبرين ضدَّ مسلمين آخرين، وأن نستنكر كلَّ الأوضاع الَّتي يتحرَّك فيها بعض النَّاس من حكّام ومن غير حكَّام، ممن يعملون بكلّ ما عندهم من طاقة، في سبيل تمكين غير المسلمين من المستكبرين والظَّالمين، من بلاد المسلمين، حيث يفسحون لهم المجال للتَّدخّل ليمسكوا بثروات المسلمين ليضيفوها إلى ثرواتهم، وليمسكوا بمواقع المسلمين الاستراتيجيَّة ليتَّخذوها مواقع استراتيجيَّة لهم، وليعبثوا بالواقع الأمنيّ للمسلمين ليكون على هامش أمنهم، وبالواقع السياسيّ ليكون على هامش سياستهم.

علينا أن لا نتعقَّد من السلبيَّات داخل المجتمع الإسلامي

مصلحةُ المسلمينَ أوّلًا

من هنا، أيُّها الإخوة، لا بدَّ لنا أن ننفتح على الواقع العالميّ كلّه من موقع صفتنا الإسلاميَّة، لا أنَّنا، كما قلنا أكثر من مرَّة، نريد أن نكون المتعصّبين ضدَّ العالم، المنغلقين ضدّهم، لكنَّنا نريد أن نكون المنفتحين على مصالحنا أكثر من انفتاحنا على مصالح الآخرين.

إنَّ علينا أن لا نفكّر كما يفكّر الكثيرون من السياسيّين في العالم الثَّالث، ومن غير السياسيّين، إنَّ الكثيرين يفكّرون: ماذا تريد أمريكا منَّا، وما الَّذي يحقّق لها مصالحها عندنا، وماذا يمكن أن نفعل من أجل أن ترضى عنّا وتهتمّ بنا...؟!

إنَّ علينا أن نفكّر كأمَّة تحترم نفسها، وكشعوب تحترم نفسها: ماذا نريد نحن من أيَّة دولة أخرى؟! إنَّ الَّذين يستغرقون في حساباتهم على أساس ما يريده الآخرون، يعني أن يرتهنوا لهم، والارتهان لإرادة الآخرين لا ينتج إلّا واقعًا يُراد لنا فيه أن نغيب، وأن لا نكون قوّةً تُربك مصالحهم أو تُزعج مشاريعهم.

إنَّنا عندما ندرس ماذا يريد الآخرون من المستكبرين، وماذا تريد أمريكا من العالم الإسلاميّ ومن العالم الثَّالث، حتّى غير الإسلامي من المستضعفين، وماذا تريد أوروبَّا، نرى أنَّهم يريدون لثرواتنا أن تكون ثروات لهم، ويريدون لبلادنا أن تكون سوقًا استهلاكيَّة لهم. ممنوع أن يستخدم أيّ بلد إسلاميّ ثرواته الطَّبيعيَّة في إيجاد صناعة مستقلّة، أو في إيجاد زراعة مستقلّة، أو في التَّخطيط لسياسة مستقلّة أو لأمن مستقلّ... كلّ الأمن العالميّ لا بدَّ أن يدخل في نطاق الأمن الأمريكيّ ليستطيع أن يحمي نفسه منه، وكلّ الاقتصاد العالميّ لا بدَّ أن يعمل على أساس أن يكون على هامش الاقتصاد الأمريكيّ حتّى يمكن أن يحمي نفسه.

هكذا يريدون؛ إنَّهم يريدون إلغاء العالم لمصلحة الإنسان الأمريكيّ، وإذا أرادوا أن ينفتحوا أكثر، فإنَّهم يفكّرون في مصلحة الإنسان الغربيّ، أمَّا إنسان العالم الثَّالث، فهو إنسان لا حساب له عندهم إلَّا بمقدار ما تتوافق حساباته مع حساباتهم.

 

التّسلّحُ الإيرانيُّ لدفعِ الخطر

إنَّنا نلاحظ دائمًا في اللّعبة السياسيَّة الَّتي تتحرَّك في عالمنا الإسلاميّ، عندما نستمع إلى الإعلام الأمريكيّ أو الإعلام الغربيّ بشكل عامّ، نلاحظ أنَّه يحاول أن يثير مسألة الخطر في المواقع الَّتي تتمرَّد على سياسته. عندما تتسلَّح الجمهوريَّة الإسلاميَّة في إيران، لكي تحمي نفسها من العدوان، حتَّى لا تواجَه بمثل ما ووجهت به من الحرب المفروضة عليها، عندما بدأت الجمهوريّة الإسلاميّة وانطلقت في العالم كلّه لتشتري السّلاح من السّوق السّوداء بأسعار مضاعفة، حتَّى تستطيع أن تحمي نفسها.. فعندما تفكّر أن تحمي نفسها، وهي محاطة بالدّول الَّتي تسيطر عليها أمريكا، والَّتي تملك ترسانات من السّلاح، بحيث تهدّد أمنها في الحاضر والمستقبل، يقال إنَّ إيران تتسلَّح، وإنَّ تسلّحها يشكّل خطرًا على المصالح الأمريكيَّة في المنطقة، وعلى منطقة الخليج وتركيا وباكستان وما إلى ذلك، لكن أن تتسلَّح تركيا، وأن يكون هناك قواعد أمريكيَّة وغربيَّة متقدّمة فيها، فهذا لا يمثّل خطرًا على أحد! لأنّ الخطر، وفق هذا المنطق، يصبح مشروعًا حين يكون في خدمة المصالح الأمريكيّة، وموجَّهًا ضدّ كلّ من يقف في المنطقة لمواجهة هيمنتها.

إنَّ الدول العربيَّة الخليجيَّة تقدّم إلى تركيا ثلاثة مليارات دولار من أجل مساعدتها في تصنيع سلاحها وتجديده، والسّلاح التركيّ عندما يوجَّه فضدّ من؟ هل يوجَّه ضدَّ إسرائيل؟! بل يوجَّه إمّا ضدّ العراق أو إيران أو سوريا...

كذلك، عندما تسلّح أمريكا دول الخليج، وهي الّتي تمسك كلّ الأمن الخليجيّ، فهل تسلّحها للدّفاع عن نفسها ضدَّ إسرائيل، أم للدّفاع عن نفسها ضدَّ بلد عربيّ آخر أو ضدَّ بلد إسلاميّ آخر؟

فعندما تعيش إيران في هذه الغابة المسلَّحة بأحدث الأسلحة، وعندما تضع إسرائيل إيران في مخطَّطاتها العدوانيَّة المستقبليَّة، فإذا أرادت إيران أن تتسلَّح، يصبح هناك ضجَّة إعلاميَّة في العالم، وهو أنَّ العالم يراقب بحذر التسلّح الإيراني الّذي يهدّد المنطقة، كأنّ من المفروض أن تكون إيران ضعيفة في السّلاح، حتّى يستطيع أن يهدّدها كلّ أحد، وحتّى تأمن المنطقة منها. لماذا؟ لأنَّ إيران تمثّل دولة مستقلَّة في مواجهة مصالح الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، لأنَّ أمنها مستقلّ، وسياستها مستقلّة، ولأنّها تعمل على أن يكون اقتصادها مستقلًّا، لذلك فإنَّ أيّ قوّة تملكها إيران، تمثّل، في نظرهم، خطرًا على المنطقة.

بينما عندما كانت إيران في أيّام الشّاه جزءًا من المحور الأمريكيّ، لم تكن تُعَدّ مشكلةً للولايات المتّحدة، على الرّغم من أنّها كانت تمثّل خطرًا حقيقيًّا على المنطقة، حيث كانت تؤدّي دور «شرطيّ الخليج» الّذي كانت أمريكا تستعمله لتأديب كلّ من تريد تأديبه، وعندما حصلت هناك حركة ثوريَّة في عُمان، أُرسِلَ قسمٌ من الجيش الإيرانيّ في عهد الشَّاه حتَّى يقمع التَّمرُّد هناك. فإيران آنذاك لم تكن تمثّل مشكلة للولايات المتّحدة.

 

ازدواجيَّةُ معاييرَ أمريكيَّة

نحن الآن نسمع أيضًا بالنّسبة إلى السّودان أنَّ هناك مشكلة، ويتحدَّث المسؤولون الأمريكيّون عن أنَّ هناك مجاعة في السّودان، ولا بدّ من أن يكون هناك تدخّل من قبل الأمم المتَّحدة ومن أمريكا. فما المسألة؟ المسألة أنَّه عندما انطلقت السّودان لتكون دولةً إسلاميَّة، وليكون لها أمنها المستقلّ وسياستها المستقلّة، ولتعمل على الانفتاح على الجمهوريَّة الإسلاميَّة وعلى البلدان الَّتي تريد أن تكون حرّةً في قراراتها، بدأوا يكيدون لها من خلال النّظام المصريّ من جهة، ومن خلال إثارة بعض الأمور على طريقة ما يثار اليوم حول الصّومال، حيث أصبحت أمريكا تُدخِل في خططها العسكريَّة المسألة الإنسانيَّة، تمامًا كما لو أنّها تريد أن تتصدَّق على النَّاس والجائعين.

بينما نجد مسألة البوسنة والهرسك لا تزال تراوح مكانها. عندما تحدَّث النَّاس عن المجاعة في الصّومال، انطلقت كلّ الجيوش لحماية قوافل الإغاثة، ولكنَّ أحدًا لا يحرّك ساكنًا عندما يُقتل الشَّعب البوسني في كلّ يوم ويُهجَّر. إنَّ المسألة تسير في قرارات الأمم المتَّحدة أو في قرارات الولايات المتّحدة أو في قرارات المجموعة الأوروربيَّة سيرًا سلحفاتيًّا، وإذا تقدَّم خطوة، فإنَّه يتراجع خطوتين.

إنّ أمريكا تتحدَّث عن إسقاط المساعدات بواسطة الطّائرات، ولكنَّهم لا يمنعون تقدّم الصّرب على بلدان المسلمين، بحيث إنّهم إذا وصلوا في الأمم المتَّحدة إلى نهاية المطاف، فلا يبقى هناك شيء اسمه البوسنة، لأنّهم عندما يخرجون كلَّ المسلمين من بلادهم ليتحوَّلوا إلى لاجئين كالفلسطينيّين، ستتحوَّل قضيَّتهم كمثل القضيَّة الفلسطينيَّة، فعندما يحتلّ الصّرب أكثر المناطق البوسنيَّة، ويتحوَّل المسلمون إلى لاجئين، ستصبح صربيا مثل إسرائيل، فيها بعض المسلمين الَّذين يبقون، أمَّا اللَّاجئون، فإنَّ قضيَّتهم لا بدَّ أن تحلّ بطريقة إنسانيَّة ليوزّعوا ويوطّنوا كما هي قضيَّة الفلسطينيّين.

ما هي النَّظرة العالميَّة الآن إلى قضيَّة اللّاجئين الفلسطينيّين؟ إنَّ النَّظرة العالميَّة هي أن لا يرجعوا إلى فلسطين، أيًّا كان الحلّ للمسألة الفلسطينيَّة.. إنَّ أمريكا وأوروبَّا وكلّ هؤلاء، يعرفون في مخطَّطاتهم الخفيَّة أنَّه ممنوع أن يرجع الفلسطينيّون إلى ديارهم، وممنوع أن يمنع كلُّ يهود العالم من أن يأتوا إلى فلسطين، والخوف أن تتحوَّل قضيَّة البوسنة والهرسك إلى مثل هذا.

لذلك، عندما ندرس الواقع الموجود في العالم، عندما تكون المسألة مرتبطةً بالمسلمين الَّذين يريدون أن يملكوا قرارهم المستقلّ في أمورهم، وأن يجمعوا عناصر القوَّة من أجل أن يكونوا قوَّة في بلادهم ومواقعهم، نرى التَّحالف العالميَّ الَّذي ينطلق بما يسمّونه بالنّظام العالميّ الجديد، يعمل على منع المسلمين من الحصول على أيَّة فرصة.. فإذا لم يستطيعوا أن يهجموا عليهم في بلادهم، فإنَّهم يعملون على أن يصنعوا الفتن في داخلهم بين دولة إسلاميَّة ودولة إسلاميّة أخرى، أو بين فريق إسلاميّ في الدّاخل وفريق إسلاميّ آخر، من أجل أن يستهلك المسلمون قوَّتهم في قتال بعضهم بعضًا، وحتَّى يضطرّوا إلى أن يستوردوا السّلاح من هذه الدولة وتلك الدولة لتقوّي مصانعها واقتصادها، ولتزيد المسلمين مشكلة، ولتعمل على تقسيمهم وتفتيتهم وما إلى ذلك.

 

حلفٌ ضدّ المنطقة

ونحن الآن نواجه حلفًا أمريكيًّا إسرائيليًّا استراتيجيًّا ينطلق من خلال استراتيجيَّة مشتركة في المنطقة. هناك الكثيرون من العرب الَّذين يسيرون في الدَّائرة الأمريكيَّة، والَّذين يتحركون على هامش السياسة الأمريكيَّة.. هل هناك حلف استراتيجيّ عربيّ أمريكيّ؟! لا نتحدَّث عن المعاهدات الأمنيَّة الخليجيَّة الأمريكيَّة، فهي معاهدات لحساب أمريكا وليست حلفًا استراتيجيًّا، فأمريكا لا يمكن أن تتحدَّث مع العرب على أساس أن يكونوا حلفاء لها، بل أن يكونوا عملاء لها، إنَّ المسألة أنّها قضيّة معاهدة أمنيَّة، فإذا حدث هناك هجوم على أيّ دولة خليجيَّة من دولة عربيَّة أو إسلاميَّة، تتحرّك أمريكا، لكن إذا حدث هناك هجوم من إسرائيل على الكويت أو على السعوديَّة، فهل تتحرَّك أمريكا؟! إنَّ المعاهدة الأمنيَّة لا تلحظ إسرائيل في عدوانها على أيّ بلد آخر، بينما هناك حلف استراتيجيّ إسرائيليّ أمريكيّ، بحيث إنَّ أمريكا تنسّق مع إسرائيل حتَّى في صنع السّلاح.

قبل أيَّام، أعلنت إسرائيل عن صنع صاروخ متقدّم، وقيل إنَّ أمريكا هي الَّتي موَّلت وهيَّأت له كلَّ الفرص العلميَّة والفنيَّة والماليَّة من أجل نجاحه. هل يمكن أن تساعد أمريكا أيَّة دولة عربيَّة على صنع صاروخ مضادّ للصَّواريخ الإسرائيليَّة؟!

إنَّ أمريكا تمنع أيَّ دولة في العالم أن تبيع سوريا سلاحًا دفاعيًّا يمكن أن تحمي به نفسها ضدّ إسرائيل، إنَّها تتدخّل مع الصّين ومع كوريا الشّماليَّة، وتتدخّل مع أيّ دولة في سبيل أن لا تبيع سوريا السّلاح، لأنَّها تريد أن تبقى إسرائيل هي الأقوى، لأنّه إذا كانت إسرائيل هي الأقوى، فستكون أمريكا هي الأقوى، هذه هي المسألة الَّتي تواجهنا.

تضغط أمريكا من أجل أن يقدّم العرب التَّنازلات، لا من أجل أن يقدّم الإسرائيليّون التَّنازلات
 

ضغطٌ أمريكيٌّ على العرب

وعلى هذا الأساس، نجد في مسألة المفاوضات العربيَّة الإسرائيليَّة، أنَّ أمريكا تضغط من أجل أن يقدّم العرب التَّنازلات، لا من أجل أن يقدّم الإسرائيليّون التَّنازلات. إنَّ أمريكا عملت على تفتيت الموقف العربيّ في مسألة المبعدين، فلقد كانت مسألة المبعدين قرارًا عربيًّا مشتركًا، وكان العرب في موقف واحد، ولكنَّ المداخلات الأمريكيَّة الخفيَّة من جهة، وزيارة وزير الخارجيّة الأمريكيّ من جهة أخرى، جعل الموقف العربيَّ يتفتَّت، وجعل البعض يقول إنَّ علينا أن لا نفصل بين قضيَّة المبعدين وبين قضيَّة المفاوضات.. وما دامت الصَّفقة بين أمريكا وإسرائيل في إرجاع مائة من المبعدين قد تمَّت، فعلينا أن نقبل بهذه الصَّفقة، لأنَّها تظهر تقدّمًا في الموضوع!...

والآن، أصبحت القضيَّة تعيش في دائرة التَّفتيت، وإذا حدثت المفاوضات ووضعت قضيَّة المبعدين في خلفيَّة المفاوضات، فمن الَّذي يمكن أن يعيد المبعدين إلى فلسطين؟! إذا سقطت ورقة الضّغط هذه، وهي ورقة ضغط عربيّة أو فلسطينيَّة، فإنَّ فكرة إعادة المبعدين إلى بلادهم تكون كفكرة إعادة اللَّاجئين الفلسطينيّين إلى بلادهم، إنّها سوف تكون هامشًا من هوامش قضيَّة اللّاجئين، لأنَّك عندما لا تملك ورقة تضغط بها في اللّعبة القماريّة السياسيّة، فكيف يمكن أن تواصل لعبة القمار هذه؟! وهذه أمور لا بدَّ أن نفكّر فيها.

 

استهدافُ القضيَّةِ الفلسطينيَّة

نحن الآن نلاحظ حملة جديدة لتفتيت المسألة الفلسطينيَّة، فنحن نلاحظ أنَّ بعض المسؤولين الأمريكيّين اجتمعوا ليعقدوا حوارًا مع حركة حماس، وأثيرت المسألة فلسطينيًّا، أنّه كيف لا يعقدون حوارًا مع منظَّمة التَّحرير، ويعقدون حوارًا مع حركة حماس؟! وبدأت المداخلات، وأعلنت أمريكا بأنَّها امتنعت عن مسألة الحوار مع حركة حماس لأنَّها إرهابيَّة، ولأنّها حركة تؤمن بالعنف، وبدأ الجدل في داخل فلسطين في مسألة المنظَّمة وحماس، مما يمكن أن يؤذن بإيجاد فتنة داخليَّة منعها العقلاء سابقًا، ونرجو أن يمنعوها لاحقًا.

 

مَن الإرهابيّ؟!

ثمّ إنّنا نلاحظ هذه الحملة الجديدة الَّتي تقوم بها إسرائيل والإعلام الأمريكيّ، ويتحرّك بها مسؤولون أمريكيّون بالنّسبة إلى حركة حماس الإسلاميَّة، يقولون إنَّ حركة حماس تمنع السَّلام، وهي منظّمة إرهابيّة، تقتل وتؤمن بالعنف والإرهاب... إنَّك عندما تستمع إلى هذه الكلمات، يخيَّل إليك أنَّ حركة حماس هي الَّتي احتلَّت الضفَّة الغربيّة وغزَّة لا إسرائيل.. حماس تقتل، من تقتل؟ تقتل الَّذين احتلّوا أرضها، وتتحرَّك بالعنف ضدَّ الَّذين فرضوا على الشَّعب الفلسطيني الاحتلال.

إنَّ المسألة أصبحت في المنطق الأمريكيّ، أنَّ الَّذين يدافعون عن حريَّة بلدهم وإنسان بلدهم هم الإرهابيّون، أمَّا الَّذين يفرضون الاحتلال على شعب، ويفرضون العنف عليه، ويمارسون إرهاب الدَّولة، فهؤلاء حضاريّون يمثّلون الموقع الحضاريّ الوحيد في المنطقة!.. أن تقتل مسلمًا أو عربيًّا أو مستضعفًا من العالم الثَّالث، فهذا أمر لا يمسّ حقوق الإنسان وأصول الحضارة، لكن أن تقتل يهوديًّا أو شخصًا من العالم الأوَّل، حتَّى في حال الدّفاع عن النَّفس، فأنت إرهابيّ رغم أنفك.

إنَّ إسرائيل تقتل في كلّ يوم ما تقتله من الأطفال والنّساء والشّيوخ، وتدمّر كلّ يوم البيوت هنا وهناك، ولا تتحرَّك أمريكا لإدانتها، ولكن عندما يقتل فلسطينيّ من غزَّة عدَّة إسرائيليّين، ويجرح عددًا منهم، وتحاصر إسرائيل كلّ غزَّة وتجعلها في سجن، وتتعسَّف في اعتقالاتها وفي إطلاق الرّصاص لمناسبة وغير مناسبة، وتترك للمستوطنين أن يقتلوا أيَّ شخص لمجرّد أيّ حركة مريبة، فهذا أمر لا يمسّ حقوق الإنسان أبدًا..

 

إرهابُ العدوّ الصّهيونيّ

أن تحاصر شعبًا بكامله فهذه ليست مشكلة، أن تحاصر إسرائيل بلدة مركبا الحدوديَّة، لمجرَّد أنَّ هناك عمليَّة مقاومة قد لا يعرفها كلّ أهالي مركبا، ولكن حدثت في أرضها، فهذا لا يمسّ حقوق الإنسان، أن يمنع النَّاس من الدّواء ومن الغذاء ومن التحرّك، هذا لا ينافي حقوق الإنسان.. أن تقدّم إسرائيل شكوى إلى مجلس الأمن - وشرّ البليَّة ما يضحك - على لبنان، لأنّه يفسح المجال للمقاومة الإسلاميَّة الإرهابيَّة أن تطلق الرَّصاص أو المدافع على مواقع المنطقة الحدوديَّة، أو في بعض الحالات، على المنطقة الّتي تحتلّها إسرائيل في فلسطين، فهذا عمل إرهابيّ، ويجب على لبنان أن يمنع ذلك، كما لو كانت المقاومة هي المحتلَّة، وكانت إسرائيل هي الَّتي تدافع عن الاحتلال..

هم يطلقون مدافعهم على القرى الآمنة، والمقاومة الإسلاميَّة تضرب العسكريّين منهم، بينما هم يضربون المدنيّين، باعتبار أنّهم يريدون أن يخلقوا مشكلة بين المقاومة والنَّاس، حتّى يشعر النّاس بأنّ المقاومة هي السّبب في كلّ ما يحدث.

إنَّهم لا يواجهون فقط المجاهدين، ولكنَّهم يضربون القرى الآمنة ويقتلون الأطفال، ولا تتحرَّك أمريكا ولا فرنسا ولا أيّ دولة أخرى لتشجب هذا الواقع، ولتقول لإسرائيل إنَّ هذا واقع يمثّل الإرهاب.

وبالمناسبة، سمعنا أنّه عندما قَتَلَ فلسطينيّ عدَّة إسرائيليَّين، استنكرت فرنسا ذلك، ولكنَّها لم تستنكر كلَّ الأعمال الإسرائيليَّة في جنوب لبنان أو في غزَّة والضفَّة الغربيَّة. ما رأي فرنسا لو أنَّ فرنسيًّا قتل نازيًّا في أيَّام الاحتلال، وانطلقت دول لتشجب قتل الفرنسيّ للنّازيّ، هل كانت فرنسا لتقبل بهذا المنطق؟!

 

المقاومةُ في مقابلِ الخضوع

إنَّ المسألة هي أنَّهم يريدون إذلالنا بالجملة والمفرَّق، يريدون أن لا نكون قوَّة، ويريدون للعالم العربيّ كلّه لا أن يرضخ لأمريكا فحسب، بل أن يرضخ لإسرائيل أيضًا. ونحن نشعر أنَّ هذا العالم العربيّ الرسميّ سائر نحو الخضوع والاستسلام، من خلال المفاوضات أو غيرها، بينما نلاحظ أنَّ الجهة الوحيدة الَّتي تعطينا الإحساس بأنَّ من الممكن لنا أن نتحرَّك نحو القوَّة، هي المجاهدون في فلسطين، والمجاهدون في لبنان، هؤلاء هم وحدهم في العالم العربيّ وفي العالم الإسلاميّ الَّذين يثبتون للعالم أنَّنا لن نقبل أن نكون أذلَّاء. قد نكون ضعفاء في سلاحنا، ولكنَّنا كمسلمين في أيّ موقع من العالم، لسنا ضعفاء في إرادتنا.

هكذا تحدَّث الإيرانيّون عندما واجهوا الطَّاغية، وهكذا تحدَّث الأفغانيّون عندما واجهوا الاحتلال، وهكذا يتحدَّث المسلمون في البوسنة والهرسك، ويتحدَّث المجاهدون في لبنان وفلسطين... هذا هو الحديث الَّذي يحبّ الله ورسوله أن يتحرَّك في الواقع، حديث القوَّة: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}[الأنفال: 60]، حديث المؤمنين الَّذين يقاتلون في سبيل الله صفًّا كأنَّهم البنيان المرصوص، حديث المؤمنين الّذين يرفضون أن تفرض عليهم الذلَّة، حديث المؤمنين الَّذين يريدون أن يثبّتوا أقدامهم في الأرض عندما يراد لهم أن تزلّ أقدامهم من خلال الزلزال.

أيُّها الأحبَّة، إنَّنا نواجه مستقبلًا صعبًا على جميع المستويات، ونحن لا بدَّ لنا أن نصنع لهذا المستقبل قواعده من خلال إرادتنا ووحدتنا وقوَّتنا، لأنَّ كلَّ أمَّة تبحث عن مواقع قوَّتها، فلماذا نكون الأمَّة الّتي تبحث عن مواقع ضعفها؟! إنَّ هناك مشاكل بين المسلمين يمكن أن تكون مذهبيَّة تارةً، أو اقليميَّة أخرى وما إلى ذلك، ولكن علينا أن نفهم أنَّ المشكلة الكبرى للمسلمين هي مشكلتهم مع الاستكبار العالميّ. عندما نفرغ من مشكلتنا مع الاستكبار العالميّ ومع الكفر العالميّ، فإنَّ من الممكن لنا أن ننطلق لنتحدَّث عن مشاكل بعضنا مع بعض، لأنَّ الخطر لن يتهدَّد موقعًا إسلاميًّا دون آخر، بل إنَّ الخطر سوف يتهدَّد المسلمين كلّهم.

لذلك، لا بدَّ لنا أن نعيش وعينا السياسيَّ المنفتح على كلّ قضايا المسلمين في العالم. وعلينا أن نتخلَّص من الفكرة الَّتي تقول إنَّ المسألة السياسيَّة لا علاقة لها بالمسألة الدينيَّة. إنَّ الدّين حركة عدل وحريَّة أمام الإنسان الآخر، وعبوديَّة لله، وحركة العدل والحريّة هي حركة تشمل الواقع السياسيَّ كلَّه، لذلك لا بدَّ لنا أن نبقى مع مسألة الحريَّة والعدالة في الدَّاخل والخارج.

 

لبنان: واقعُ التَّمزّقِ والفتنة!

وعلينا في نهاية المطاف، التّوقّف عند الواقع الصَّعب الَّذي لا يزال النَّاس يعيشونه في لبنان، في واقع الجدل الَّذي يدور بين النَّاس الَّذين يمسكون بمقدّرات الدَّولة، حول تعيين هذا أو ذاك، وحول خصوصيّةٍ لهذا أو لذاك، كما أنَّنا لا نزال نعيش حركة التَّفتيت والفتنة بين موقع وآخر، سواء كان ذلك في المواقع الإسلاميَّة أو في المواقع المسيحيَّة، لأنَّه يراد للبنان أن يبقى في حالة اهتزاز سياسيّ واقتصاديّ.

لذلك، أيُّها اللّبنانيّون، إذا كان لكم ببلدكم حاجة، فارتفعوا عن هذا المستوى من المنازعات والخلافات والتَّعقيدات الَّتي يثيرها بعضكم ضدّ بعض، فسوف يأكل بعضكم بعضًا بفتنتكم وبخلافاتكم، وسوف تكون المسألة هي أنَّ الآخرين الّذين عملوا طيلة عهد الفتنة والحرب اللّبنانيَّة على تقسيمكم وتفريقكم وتمزيقكم، سينجحون في تمزيقكم طائفيًّا وتمزيق كلّ طائفة في داخلها، وتمزيقكم حزبيًّا وتمزيق الأحزاب في داخلها، وتمزيقكم مناطقيًّا وتمزيق كلّ منطقة في داخلها.

إنَّكم عندما تفكّرون في لبنان، في أيّ موقع من المواقع، فإنَّ لبنان لا يمكن أن يقف على قدميه، ولا يمكن أن يحصل على أيّ قوّة، إلَّا إذا صنع القوَّة لنفسه، وصنع الوحدة لشعبه، وإلَّا إذا كان واعيًا لكلّ المخطَّطات الَّتي تحاك من حوله في الأبعاد الدّوليَّة وغيرها، من أجل أن يبقى اللّبنانيّ في حالة قلق دائم واهتزاز دائم، لتستمرَّ الهجرة اللّبنانيَّة بالنّسبة إلى من لا يستطيعون البقاء، أو ينطلق التَّهجير اللّبنانيّ أو المشاكل الَّتي تجعل الحياة جحيمًا لا يطاق.

لا تتغزَّلوا بلبنان الأرز والسَّهل والجبل والبحر، ولكن إذا كان لكم بالغزل حاجة، فليكن إنسان لبنان هو الّذي نعمل على أن يكون الإنسان الواعي المنفتح، لا الإنسان المستغرق في طائفيَّته وذاته وفي كلّ الصَّغائر الّتي تصنع كلّ يوم من خلالها معركة هنا ومعركة هناك.

عندما تنطلقون مع الله، وأنتم تزعمون الآن أنَّكم تصومون لله، صوم رمضان هنا، وصومًا كبيرًا هناك، أيُّها النَّاس الَّذين يصومون الآن، كيفما كان صومكم، إذا كنتم تريدون أن تخلصوا لله في صومكم، فصوموا عن كلّ هذه التَّفاهات، وعن كلّ هذه الأحقاد، وعن كلّ هذه الأنانيَّات. صوموا من أجل أن يكون بلدكم حرًّا، وصوموا من أجل أن يكون مجتمعكم عادلًا، صوموا عن كلّ ذاتيَّاتكم الَّتي تسقط مواقعكم. ليكن العمل من قبل الكلّ، ومن أجل الكلّ.

هل هذا حديث شعر أم حديث واقع؟!

 {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[التّوبة: 105].

والحمد لله ربّ العالمين.

 

* خطبة الجماعة لسماحته للرّجال، في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 05/03/ 1993م.

 
 

 

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية