يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}[الأنبياء: 105]، ويقول سبحانه: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ}[القصص: 5 – 6].
الإيمانُ بالمهديّ (عج)
في هذه اللَّيلة، نلتقي بذكرى ميلاد إمامنا الحجَّة (عج)، الَّذي جاء عن رسول الله (ص) بأحاديث متواترة يرويها المسلمون جميعاً، أنَّه "لن تنقضيَ الأيَّامُ واللَّيالي، حتَّى يبعثَ اللّهُ رجلاً من أهلِ بيتي، يواطئُ اسمُهُ اسمي، يملأُها عدلاً وقسطاً، كما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجوراً".
وهذا ما أشار إليه رسول الله (ص) في حديث الثّقلين: "إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، ما إنْ تَمَسَّكْتُم بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتابَ اللهِ، وَعتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ".
وهكذا كانت العقيدة بالإمام المهديّ (عج) عقيدةً تنطلق من خلال كلام رسول الله (ص) الّذي {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهوىٰ * إِنْ هو إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}[النّجم: 3-4]، وهي غيب من غيب الله، فقد شاءت حكمة الله أن يغيب الإمام (عج) عن الأبصار هذه المدَّة الطَّويلة الَّتي لا نعرف مداها، لأنَّ الله أعدَّه ليكون الإمام الغائب الَّذي يطلّ بروحه على الواقع، ليعطيه من روحه روحاً، ومن إشرافه عليه كلَّ ما يمكن أن يفتح عقول النَّاس وقلوبهم على الله سبحانه وتعالى، ليكون الإنسان الَّذي يحقّق العدل الشَّامل في الأرض.
وكما قلنا، فقد ثبتت عقيدة المهدي (عج) لدى السنَّة والشّيعة، حتَّى قال ابن خلدون في تأريخه، بأنَّ الأحاديث الَّتي وردت فيه (عج)، هي من الأحاديث المتواترة الَّتي لا يمكن أن يرقى إليها الشَّكّ، ولذلك فهي حقيقة إسلاميَّة، وليست مجرَّد عقيدة شيعيَّة. فالمسلمون من أهل السنَّة يعتقدون بالإمام المهديّ، كما يعتقد المسلمون الشّيعة به، وإن كان هناك خلاف في بعض التَّفاصيل.
إشكاليَّةُ العمرِ الطّويل
وإذا كان النَّاس يستبعدون هذا العمر الطَّويل، فإنَّ قدرة الله سبحانه وتعالى لا يُستبعَدُ معها أن يكون للإنسان هذا العمر الطّويل، وقد قرأنا في القرآن أنَّ نوحاً (ع) لبث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاماً {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا}[العنكبوت: 14]، ولا ندري مدَّة لبثه بعد ذلك.
لهذا، فإنَّ مسألة استبعاد العمر الطَّويل لا تثبت أمام العلم، لأنَّ العلم أثبت إمكان أن يعيش الإنسان آلاف السنين، إذا استطاع أن يصل إلى بعض الأسرار الَّتي يمكن أن تحفظ للجسد خلاياه بطريقة وبأخرى. وكما قلنا، هي مسألة منطلقة من إرادة الله وغيبه، والله أرادنا أن نؤمن بالغيب كما نؤمن بالحضور {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[الأحزاب: 36].
رسالةُ العدلِ الشَّامل
وما نريد أن نستوحيه في هذا الجوّ المبارك، هو أنَّ علينا أن نعيش العناوين الكبرى الَّتي ينطلق بها الإمام الحجّة (عج) ويتحرَّك بها، فالإمام (عج) لن يأتي بدين جديد، وإنما ينطلق من خلال الإسلام الَّذي هو دين جدّه (ص) الَّذي أوحى به الله سبحانه وتعالى إليه. ومن هنا، فإنَّ كلّ دعوته، وكلّ حركته، وكلّ برنامجه، ينطلق من الإسلام كلّه؛ الإسلام في عقيدته ومفاهيمه وشريعته.
ولذلك، فإنَّ علينا عندما نلتزم إمامته وقيادته، وننتظر ظهوره، أن نعيش مع الإسلام في كلّ مواقعه الفكريَّة والعمليَّة، لأنَّه أمانة الله عند رسوله وأوليائه، وعند المسلمين جميعاً.
وهكذا نجد أنَّ العنوان الكبير الَّذي انطلق به الإسلام للحياة كلّها وللإنسان كلّه، هو عنوان العدل الشَّامل، فالله يريد العدل لكلّ النَّاس، وفي كلّ مكان وزمان، فهو تعالى لا يقبل أن يُظلَم أيُّ مخلوق في الأرض، حتَّى النَّملة الصَّغيرة، لا يريد الله للإنسان أن يظلمها، وقد عبَّر عن ذلك الإمام عليّ (ع)، رائد العدل، عندما قال: "واللَّه، لَوْ أُعْطِيتُ الأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّه فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ، مَا فَعَلْتُه".
والله أراد للعدل أن ينطلق مع المسلمين ومع غيرهم، وأن ينطلق مع الكبير والصّغير، فحركة العدل في الإسلام هي الحركة الَّتي تطبَّق على المستضعفين والمستكبرين، لأنَّ النَّاس في العدل سواء، وهذا ما عبَّر عنه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، عندما قال: "الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ"، وقد قال رسول الله (ص)، أستاذ عليّ (ع): "إنَّمَا أهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سرَقَ فِيهِم الضَّعِيفُ أقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ. وأيْمُ الله، لَوْ أنَّ فاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا".
إنَّ العدل هو للنَّاس كافَّة، وعلى النَّاس كافَّة، وقد أراد الله لنا أن نعدل في قولنا، حتَّى لو كان قولنا متعلّقاً بأقرب النَّاس إلينا {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَو كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}[الأنعام: 152]، لا تحاب أيّ أحد في مسألة العدل حتّى لو كان قريبك، بل قل كلمة العدل ولو كانت ضدَّه {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَو الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}[النّساء: 135]، اشهد على نفسك إذا كنت في خطّ الباطل وكان الحقّ لغيرك، اشهدْ على أبيك وأمّك، اشهدْ على إخوتك وأقربائك، لأنَّ العدل لله وليس للنَّاس. وهكذا يريدنا الله سبحانه وتعالى إذا خاصمنا أحداً أو عاديناه، سواء كان من أهل ديننا، أو من غير أهل ديننا، أن لا نظلمه {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هو أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}[المائدة: 8].
العدلُ المتبادل
وقد أراد الله للنَّاس أن يأخذوا بالعدل على مستوى حياتهم الفرديَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة والأمنيَّة؛ أن يتحرَّك النَّاس في الحياة، لا على أساس أن يعتبر أيّ واحد منهم أنَّ له الحقّ على كلّ النَّاس، ولا حقّ للنَّاس عليه، بل أن يعرف أنّه كما له على النَّاس حقّ، فللنَّاس عليه حقوق، لأنَّ القضيَّة هي قضيَّة تبادل الحقوق بيننا وبين النَّاس، حتى إنَّ الله الَّذي لا حقّ لأحد عليه، بل له الحقّ على كلّ النَّاس، فهو الخالق للكون كلّه وللنَّاس كلّهم، وهو الرازق والمعطي، فلا حقّ لأحد عليه، ولكنَّه سبحانه وتعالى جعل بلطفه ورحمته حقّاً للنَّاس عليه، فقال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}[البقرة: 40]، أوف بعهد الله، بأن توحّده ولا تشرك به شيئاً، وأن تطيعه ولا تعصيه، وأن تعبده، فالله يعطيك الرّزق والنّعمة واللّطف والكرامة، ويمنحك في نهاية المطاف جنَّته.
لذلك، مهما علت درجتك، وحتَّى لو كنت في أعلى درجات السّلَّم الاجتماعيّ، لا تفكّر أنَّك الإنسان الَّذي لا بدَّ للنَّاس أن يقدّموا إليه فروض الطَّاعة والاحترام والتّقدير، وأن يكرموه، وليس للنَّاس عليه حقّ، أنت الإنسان الَّذي تتبادل الحقوق في إنسانيَّتك مع الآخرين.
وفي ضوء هذا، رأينا أنَّ الإمام زين العابدين، عليّ بن الحسين (ع)، عندما كان يسافر مع إحدى القوافل، كان يشارك أفرادها في الخدمات دون أن يعرفوه، وعندما يعرفونه، يقولون له: لِـمَ لم تعرّفنا بنفسك، إنَّ لك الحقَّ علينا في أن نعظّمك ونكرمك، وربما بدرت من أحدنا بادرة تسيء إليك، فيقول لهم: "أَكْرَهُ أَنْ آخُذَ بِرَسُولِ اللَّهِ مَا لَا أُعْطِيَ مِثْلَهُ"، فإذا كان النَّاس يقدّرونني ويعظّمونني باسم رسول الله، لأنّ لي علاقة به، فعليَّ أن أعطي النَّاس من خدماتي لهم ومن رعايتي لهم ما يساوي ذلك.
عندما تفكّر أن تأخذ، فكّر ماذا تعطي، لا تفكّر أن تكون الآخذ دائماً، بل فكّر أن تكون الآخذ المعطي؛ أن تعطي النَّاس من علمك، ومن جهدك، ومن جاهك، ومن مالك، ومن قوَّتك، لتأخذ مقابل ذلك ما تريده منهم.
لذلك، أراد الله للإنسان أن يفكّر بهذه الطَّريقة في كلّ حياته، فعندما تكون في بيتك أباً وزوجاً، فكّر أنَّه كما لك حقّ على زوجتك، فلزوجتك حقّ عليك، وكما أنَّ لك حقّاً على أولادك، فلأولادك حقّ عليك، أن لا تعتبر نفسك الحاكمَ المطلق لزوجتك، بحيث تمنعها من أيّ شيء يتَّصل بإنسانيَّتها، ولا الحاكم المطلق لأولادك، أنت وزوجتك خاضعان لعقدٍ فيما بينكما، وليس لك حقّ عليها، ولا لها حقّ عليك، إلَّا ما يقتضيه العقد الشَّرعيّ، وكما تبقى لك حرَّيتك خارج نطاق العقد، فهي كذلك. إنَّ الزّواج لا يجعل المرأة مستعبدة للرّجل، ولا يجعلها أمةً له، بل يبقيها إنسانةً كما هو إنسان، يتحركان على أساس المودَّة والرَّحمة، وعلى أساس ما قاله الله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}[البقرة: 228].
وهكذا، أنت لا تملك أن تكون لك السّلطة المطلقة على أولادك وبناتك، فعندما يكونون صغاراً قبل البلوغ، فإنَّ عليك في ولايتك لهم أن ترعى مصلحتهم، وأن لا تفسد أمرهم، لا تتعاطى وكأنَّ ولدك يمثّل قطعة أثاث من أثاثك، وملكاً من أملاكك، لتجرّب عضلاتك فيه، ولتحاول أن تنفّس عن غيظك فيه؛ إنَّ ولدك أمانة الله عندك، وعليك أن لا تتحرَّك في كلمة أو في ضربة أو في أيّ عمل، إلَّا بمقدار ما يريد الله لك أن تصلح أمره، أو تصلح جسده، أو تصلح عقله. بعض النَّاس يتَّخذون لأنفسهم كلَّ الحريَّة في التَّدخّل في خصوصيَّات أولادهم وبناتهم، حتَّى لو كانوا بالغين راشدين، على أساس أنَّ له الولاية عليهم، ولكن إذا بلغ الولد وبلغت البنت، وكانا راشدين، فلا ولاية للأب ولا للأمّ ولا لأحد عليهما؛ إنهما يكونان بالغين راشدين كما أنت بالغ رشيد، فلا فرق بينك وبين أولادك البالغين، إلّا ما أراده الله لهم أن يحسنوا إلى والديهم.
لذلك، لا بدَّ أن نعتبر أنَّ لكلّ إنسان حقّاً عند الآخرين وعليه واجب تجاههم. وإذا استطعنا أن ننطلق في الحياة على هذا الأساس، فإنَّنا نستطيع حينها أن نتوازن في مجتمعنا، فعندما تعرف أنَّ عليك واجباً، وأنَّ لك حقّاً، فعند ذلك تتحرَّك في الحياة من خلال واجبك، لتطلب من النَّاس ما هو واجب عليهم تجاهك. هذه هي الطَّريقة الَّتي تمنع الظّلم؛ هذا التَّوازن بين حقّك وحقّ الآخرين، هو الَّذي يمنع النَّاس أن يظلم بعضهم بعضاً، ويمنعهم أن يتكبَّر بعضهم على بعض.
الابتعادُ عن الاستعلاء
وقد أراد الله للإنسان في أيّ موقع من مواقعه، أن لا يستعلي على الآخرين. إنَّ فرعون كان بعيداً من الله سبحانه وتعالى، لأنَّه كان عالياً في الأرض وكان من المسرفين، فقد استعلى على قومه، واستضعف النَّاس الضّعفاء في موقعه، ولا بدَّ للإنسان أن لا يعيش الاستعلاء على النَّاس. هب أنّك تملك المال الكثير ولا يملكه الآخر، أو أنَّك تملك العلم الكثير ولا يملكه الآخر، أو أنَّك تملك القوَّة الكبيرة ولا يملكها الآخر، لكنَّك إذا كنت تملك مالاً، فقد يملك الآخر علماً، وإذا كنت تملك علماً، فقد يملك الآخر طاقةً، وهكذا، لأنَّ الله لم يجمع الصّفات كلّها في إنسان واحد، فإذا كان لديك ما ليس عند الآخر، فالآخر أيضاً لديه ما ليس عندك، وهذا هو الَّذي يجعلنا نتكامل في إنسانيَّتنا ونتعارف.
بينَ العدلِ والسَّلام
أيُّها الأحبَّة، إنَّ قيمة ذكرى الإمام المهديّ (عج)، هي أنَّ يومه هو يوم العدل الشَّامل، والإسلام لا ينادي بالسَّلام العالميّ الشَّامل فقط، وإنما ينادي بالعدل العالميّ الشَّامل، لأنَّ السَّلام إذا لم يكن قائماً على أساس العدل، فهو سلامٌ يختزن في داخله حرباً مستقبليَّة، لأنَّ الظّلم في كلّ مواقعه، حتَّى لو كان في داخل السَّلام، لا يمكن أن يبقى لدى المظلومين ساكناً هادئاً، بل إنَّه يعمل على أن يحرّك أوضاعهم، وينمّي خطواتهم.
لذلك، شعارنا مع الإمام الحجَّة (عج) هو العدل الشَّامل للإنسان، وليس السَّلام الشَّامل، لأنَّنا نجد أنَّ المستكبرين في النّظام العالميّ الجديد، إنّما يطرحون سلاماً على أساس أن يكون سلامَ اقتصادهم، وسلامَ سياستهم وأمنهم، وسلامَ استكبارهم، ليخدم هذا السَّلامُ مصالحَهم لا مصالح المستضعفين.
هيمنةُ المستكبرين
وهذا ما نلاحظه في حركة الدّول الكبرى في العالم، سواء كانت دولاً تملك قوَّة السّلاح، أو قوَّة الاقتصاد، أو قوَّة العسكر؛ إنَّنا نجد أنَّهم يخطّطون لسياسةٍ في العالم تجعل المستضعفين في حال انعدام الوزن، ليكون دور المستضعفين أن يخدموا المستكبرين، وأن يهيّئوا كلّ الفرص لبقاء رخائهم. ليست القصَّة عند هؤلاء أن يجوع النَّاس أو يشبعوا، ولا أن يأمن النَّاس أو يخافوا، إنَّ القصَّة عندهم هي أن يكون أمن المستكبرين شاملاً، وأن يكون شبعهم شاملاً، وأن تكون مصالحهم شاملة. إنَّهم يعملون على أن يطوّقوا العالم بقواعدهم العسكريَّة، أو بقواعدهم الاقتصاديَّة، أو بقواعدهم الأمنيَّة، من أجل أن يمنعوا أيَّ شعب من الشّعوب أن يعمل من أجل أن يحصل على الاكتفاء الذّاتيّ في غذائه وحاجاته، فهم لا يريدون للشّعوب أن تستقلّ في إدارة أمورها، بل يريدون لها أن تكون واقعة تحت ضغط مخطَّطاتهم.
وهذا ما نلاحظه عندما تنطلق الشّعوب لتتحرَّر ولتطالب بحقوقها، ولتبتعد عن سلطة هؤلاء؛ إنهم يحاولون أن يستحدثوا الكلمات الَّتي تهدف إلى إسقاط هذه الحركة الشَّعبيَّة هنا وهناك. ففي المرحلة الحاضرة، مثلاً، نجد أنَّ القاموس السياسيّ الأمريكيّ والأوروبيّ، يحرّك بعض الكلمات الَّتي يحاولون أن يحدّدوا لنا معانيها؛ إنّهم يحدّثونك عن المتطرّفين وعن المعتدلين، ولكنَّهم عندما يقولون ذلك، فإنَّهم يقصدون بالتطرّف أن تتحرَّك في اقتصادك وسياستك وأمنك، بالطَّريقة الَّتي تحمي فيها حرَّيتك، وتحمي فيها شعبك وأمَّتك على حساب مصالح المستكبرين، إنَّ معنى أن تكون متطرّفاً، أن تكون معارضاً للسياسة الأمريكيَّة، وأن تكون مشكلةً للمصالح الأمريكيَّة في المنطقة. أمَّا أن تكون معتدلاً، فهو أن تخضع للسياسة الأمريكيَّة، وأن تخضع لخطَّة الاقتصاد الأمريكيّ، حتَّى لو كنت من الَّذين يسيئون إلى مصالح شعوبهم ويقمعون حرّيَّاتهم، لأنَّ المسألة عند أمريكا، هي أنَّ الحكم يكون معتدلاً عندما يكون سائراً في الخطّ الَّذي يحمي مصالح الاستكبار العالميّ وسياسته وأمنه واقتصاده. هذا هو المطلوب من دول العالم الثَّالث، وهذا هو المطلوب من الشّعوب المستضعفة في العالم.
سلامُ المصالحِ الأمريكيَّة
ولهذا، رأينا أنَّ أمريكا تعمل الآن على إخضاع كلّ دولة من الدّول الَّتي تتمرَّد على الخضوع لها، والَّتي تعمل على أن تتحرَّر من ضغوطها، وأن تبتعد عن خططها الاقتصاديَّة والسياسيَّة والأمنيَّة. ولذلك، فقد سمعنا قبل مدَّة تصريح المسؤولين الأمريكيّين، عندما قرَّروا أن يضعوا في موازنة الإدارة الأمريكيَّة ما يزيد عن العشرين مليون دولار، لإعطائها للمخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة، من أجل السَّعي لخلخلة الواقع في إيران، وقالوا في ذلك إنّنا لا نريد أن نسقط النّظام الإسلاميّ في إيران، ولكنّنا نريد أن نقود هذا النّظام إلى الاعتدال.
والاعتدال عندهم يعني أن لا يعارض النّظامُ السياسةَ الأمريكيَّة، ولا يقف ضدَّ مصالحها، وأن يوافق على الدّخول في مفاوضات التَّسوية في المنطقة.. أن يكون معتدلاً، بمعنى أن يعمل على أن يلبّي كلَّ شروط أمريكا الاقتصاديّة والسياسيّة والأمنيّة، وبهذا يكون النظام الإسلاميّ في إيران معتدلاً، ولذلك، فإنّها تريد أن تضغط عليه من أجل أن تقوده إلى الاعتدال، لا الاعتدال في رعاية أمور شعبه، فهم يعرفون أنَّ النظام الإسلاميَّ يعطي كلَّ جهده من أجل أن يحلَّ المشاكل الاقتصاديَّة للمستضعفين الإيرانيّين، وليست المسألة أنَّ الحكومة الأمريكيَّة يهمّها مصالح الشَّعب الإيراني، وتريد للنّظام أن يعطي الشَّعب حرّيته وحقوقه، لأنَّ إيران الإسلام تعمل بكلّ جهدها، سواء كانت على مستوى القيادة أو على مستوى القاعدة، في سبيل إعطاء شعبها أكثر من فرصة للحياة الكريمة، ولكنَّ القضيَّة أنَّ أمريكا تريد للمنطقة العربيَّة والشَّرق أوسطيَّة بشكل عامّ، والمنطقة الآسيويَّة، أن تكون مناطق أمريكيَّة، تتحرَّك فيها أمريكا بكلّ حريَّة، من أجل أن تحمي مصالحها، ولو على حساب هذه الشّعوب.
لذلك، فإنَّها تعتبر أنَّ النظام الإسلاميَّ في إيران مشكلة من المشاكل السياسيَّة لها في المنطقة، لأنَّه يشجّع كلَّ حركات التحرّر في المنطقة، ولأنَّه يقف بكلّ قوَّة في مواجهة ربيبة أمريكا إسرائيل وحليفتها في المنطقة.
هذا هو الاعتدال الَّذي تريده أمريكا وتريد أن تفرضه على إيران.
ونحن نعتبر أنَّ الإسلام متوازن، والاعتدال هو الاستقامة وهو التَّوازن، والإسلاميّون سواء كانوا في إيران أو في غيرها، ليسوا متطرّفين، وإنما هم معتدلون، ولكنَّه اعتدال في خطّ الإسلام.
وهكذا نجد أنَّ أمريكا عملت، ولا تزال تعمل، على أساس أن تتحدَّث عن سلام المنطقة، ولكن هل صحيح أنَّ أمريكا تسعى لسلام المنطقة ولسلام الشّعوب؟! إنَّ أمريكا احتضنت اليهود منذ البداية، كما احتضنتهم أكثر من دولة شرقيَّة أو غربيَّة، وهم الَّذين أعطوها كلَّ القوَّة، وهم الَّذين دخلوا معها في حروبها ضدّ العرب، وانطلقوا من أجل إيجاد المشاكل في داخل كلّ موقع عربيّ من خلال مخابراتهم لحساب إسرائيل. لقد عملوا على أن يحشروا العرب في الزَّاوية، وأن يسقطوهم اقتصاديّاً، حتَّى أصبحت الدول البتروليَّة تعيش مشاكل عجز في ميزانيَّتها، وعجزاً في إيفاء ديونها، وعملوا على إسقاطها سياسيّاً وأمنيّاً، وبعد ذلك، قالوا لهذه الدول العربيَّة، إنَّ السّلم أمامكم، والخراب والدّمار والحرب وراءكم، وذلك بهدف حشرهم.
حصارُ الفلسطينيّين
إنَّ الدول الكبرى عملت على إيجاد كلّ ظروف الضّعف العربي، وكلّ ظروف انعدام الوزن العربي، وكلّ الظروف الَّتي تجعل الواقع العربيّ واقعاً مدمّراً، بحيث لا يستطيع إلَّا أن يقول نعم لكلّ التعليمات الأمريكيَّة في مسألة التسوية، حتَّى تبقى إسرائيل أقوى دولة في المنطقة اقتصاديّاً وسياسيّاً وعسكريّاً، وإذا فكّر أحد في أن يطالب بحقّه، كما إذا فكّر الفلسطينيّون أن يقولوا لأمريكا إنَّ هناك قراراً في الأمم المتَّحدة بعودة كلّ الفلسطينيّين الَّذين شُرّدوا من فلسطين إلى داخل فلسطين، إنَّه قرار للأمم المتَّحدة وقرار أمريكيّ أيضاً، تقول أمريكا إنَّ هذا لا بدَّ أن يؤجَّل إلى المفاوضات النّهائيَّة، لأنَّ أمريكا تعرف أنَّ الفلسطينيّين إذا وصلوا إلى تلك المرحلة، فلن يملكوا لأنفسهم نفعاً ولا ضراً في هذا ولا في غيره.
إنَّ أمريكا تدفع مليارات الدّولارات من أجل استقدام اليهود من سائر أنحاء العالم ليسكنوا في فلسطين، وتعمل بكلّ ما عندها من طاقة لتمنع الفلسطينيّين من العودة إلى داخل فلسطين، سواء كان ذلك بالمفاوضات أو بغيرها، لأنَّ أمريكا لا تريد أن تزعج إسرائيل، بل تريد لها أن تكون القوَّة الكبرى الَّتي لا يمكن أن يضعفها أيّ واقع.
وعندما انطلق الفلسطينيّون ليطالبوا بالضفَّة الغربيَّة وبغزَّة، بالمناطق الَّتي تسمَّى المحتلَّة، بعد أن تنازلوا عن فلسطين الأولى، فلسطين 48، عملت أمريكا مع إسرائيل على أن تقسّم الضفَّة الغربيَّة وغزَّة، وتملأها بالمستوطنات، وتصادر أراضي الفلسطينيّين، حتّى يتمكّن المستوطنون، كما يقولون، من أن يتحركوا في شوارع عريضة بعيداً من خطوط التماس مع الفلسطينيّين.
وهكذا، صوَّتت أمريكا بأن تكون القدس عاصمة إسرائيل الموحَّدة الأبديَّة. لذلك، حتَّى عندما أعطى الفلسطينيّون بيدهم إعطاء الذَّليل، وأقرّوا إقرار العبيد، فإنَّهم لم يُعطَوا حتَّى هذه المناطق المحتلَّة، الَّتي هي مناطق محتلَّة باعتراف الأمم المتَّحدة، بما فيها أمريكا، ولكنَّ أمريكا لا تعبّر عنها الآن بأنَّها مناطق محتلَّة، بل بأنها مناطق متنازع عليها.
وهكذا وجدنا أنَّ الفلسطينيّين يتحركون الآن في مناطق يسمّونها محرَّرة، ولانتخابات جديدة تؤكّد إرادتهم، كما يقولون، ولكنَّها مناطق محاطة بسياج إسرائيليّ، لا يملك فيه الفلسطينيّون أن ينطلقوا من مدينة إلى مدينة إلّا من خلال الإذن الإسرائيليّ، ولا يملكون أن يتحرَّكوا في كهربائهم ومائهم وفي كثير من أوضاعهم واقتصادهم، إلَّا بالإرادة الإسرائيليَّة. فأيّ حريَّة هي هذه الحريَّة؟ وأيّ حضارة هي هذه الحضارة؟!
فرضُ السَّلامِ الإسرائيليّ
إنَّ أمريكا تريد أن تفرض سلام إسرائيل على العرب، لا سلام العرب مع إسرائيل. ولهذا فإنّها عملت، ولا تزال تعمل، على أن تضغط على العرب، وعلى محاصرة العرب الَّذين لم يصالحوا إسرائيل، وهذه هي مشكلة المستكبرين مع المستضعفين؛ أنهم يعملون على إسقاط إرادة المستضعفين، وعلى مصادرة حريَّاتهم واقتصادهم وسياستهم، لأنهم يريدون أن تكون مصالحهم هي العليا في كلّ زمان ومكان.
إنَّ أمريكا تعمل الآن على أن تحوّل مناطق البترول إلى قواعد عسكريَّة، من أجل حماية مصالحها هناك، كما أنَّها ملأت الخليج والبحر الأبيض المتوسّط والبحر الأحمر بكلّ بوارجها وبكلّ أسلحتها وقواعدها.
إنَّ المطلوب هو أن لا يسمح للمستضعفين بأن يتحركوا ليطالبوا بحريّتهم وبالاكتفاء الذاتي لحياتهم، فإذا طالبوا بذلك، فإنَّ الأنظمة المتحالفة مع أمريكا، كما هي أمريكا، تتحدَّث عنهم بصفتهم إرهابيّين.
ذريعةُ الإرهابِ والتطرّف!
إنَّنا نقرأ في هذا اليوم، أنَّ وزراء الدَّاخليَّة العرب يجتمعون في بعض البلدان العربيَّة ليبحثوا موضوع التطرّف، وكيف يرسمون سياسة موحَّدة ضدّه، ويبحثون مسألة الإرهاب، ليعملوا على تنسيق كلّ جهودهم في مواجهته.
ولكنَّنا نقول لوزراء الدَّاخليَّة العرب: حدّدوا معنى الإرهاب والتطرّف، لقد كان أكثركم، أيّها الملوك والرؤساء، في موقع العنف، فمن منكم ربح موقعه بدون انقلاب ومن دون حرب؟! لقد انطلقتم في مواقعكم من خلال حركة عنف سياسيّ أو عسكريّ. لذلك، إذا كان كلّ من يطالب بحقّه وبالعدالة وبالحريَّة، إرهابيّاً ومتطرّفاً، فإنّكم في أعلى قائمة الإرهابيّين والمتطرّفين عندما بدأتم حركتكم نحو الحكم.
لذلك، نريد من كلّ هؤلاء أن يحدّدوا ما معنى الإرهاب والتطرّف. وإذا كانوا يقصدون المعارضة الَّتي تتحرَّك في هذا البلد أو في ذاك البلد، ضدّ هذا الحاكم أو ذاك الحاكم، أو ضدّ هذا النّظام أو ذاك النّظام، فإنَّ عليهم أن يدرسوا كيف هي أنظمتهم في حقوق الإنسان وفي العدالة في شعبهم، وكيف هي أنظمتهم في إعطاء الحريَّات السياسيَّة والحريَّات الإعلاميَّة لشعوبهم.
إنَّنا نقول لهم لستم بحاجة إلى مؤتمر لوزراء الداخليَّة العرب من أجل تقوموا بخطَّة موحَّدة لمواجهة ما تسمّونه تطرّفاً أو إرهاباً أو أصوليَّة إسلاميَّة، اعدلوا في حكمكم في شعوبكم، أعطوا شعوبكم الحريَّة المسؤولة، أعطوها العدالة، لا تكن انتخاباتكم على أساس 99%، بل أن تعطوا الشَّعب حريَّته في أن ينتخب من يريد وبما يريد، وأن تسمعوا لشعوبكم جيّداً، وأن تتعاملوا معها لا كما يتعامل السيّد مع العبد، ولكن كما يتعامل الحاكم الخادم لشعبه، المسؤول عنه.
وإنَّكم لن تحتاجوا بعد ذلك إلى قوانين طوارئ، ولا إلى قوانين ضدّ التطرّف والإرهاب، لأنَّ ما تحسبونه إرهاباً هو معارضة، وهو احتجاج على الظّلم الَّذي تمارسه أنظمتكم، وعلى خنق الحريَّة الَّذي تتحرّك فيه أجهزتكم. إنَّ القضيَّة أنّكم لو حشدتم كلّ الأسلحة، وملأتم كلَّ السجون، فإنَّكم لن تستطيعوا أن تمنعوا الشَّعب من أن يتمرَّد ويثور، إنَّكم تفرضون على الشَّعب أن يكون عنيفاً، لأنَّكم تفرضون عليه عنف الدَّولة. كونوا الحكّام الرّفقاء بشعبهم، كونوا الحكَّام الَّذين يعتبرون أنفسهم وكلاء عن شعبهم لا أسياداً لهم، وعند ذلك، لن تحتاجوا إلى كلّ هذه الأجهزة والقوانين.
دعوةٌ إلى المستضعفين
أيُّها الأحبَّة، في يوم المستضعفين، يوم إمامنا (عج)، في يوم العدل الشَّامل، نريد أن ينطلق المستضعفون في الأرض، من خلال أن يعيشوا إنسانيَّتهم وحرَّيتهم، وأن لا يسقطوا تحت تأثير الضّعف الكامن فيهم، أو تحت تأثير الاستضعاف الَّذي يفرضه الآخرون عليهم، بل أن ينطلقوا من أجل أن يحوّلوا ضعفهم إلى قوَّة، وأن يحوّلوا هذا السّجن الكبير الَّذي يعيشون فيه إلى ساحة للحريَّة.
الاقتداءُ بعليّ (ع)
إنَّنا لا ندعو إلى فوضى، ولكنَّنا ندعو إلى عدالة، إنَّنا لا ندعو إلى أوضاع قلقة، ولكنَّنا ندعو إلى حريَّة، حتَّى يمكن للإنسان أن يعيش إنسانيَّته في الأرض. إنَّ عليّ بن أبي طالب (ع)، صوت العدالة الإنسانيَّة والإسلاميَّة، عندما انطلق في موقع الحكم، قال لهم: "فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَلَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَلَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ، وَلَا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي، وَلَا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ، أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ. فَلَا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ، أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ".
هذا عليّ (ع) يدعو النَّاس إلى أن ينتقدوه، وهو فوق مستوى النَّقد، ويدعوهم أن يقولوا له كلمة الحقّ، وهو مع الحقّ والحقّ معه، ولكنَّه أراد أن يعلّم النَّاس أن لا يغروا الحاكم بنفسه أو أن يتزلَّفوا له، بل أن يراقبوه في حكمه وسلوكه، حتَّى ينبّهوه على خطئه إذا أخطأ، ويقوّموه إذا انحرف بالكلمة أو بغيرها. هذا هو عليّ الَّذي يجسّد العدالة الإنسانيَّة، وهو القدوة لكلّ الحاكمين والسَّائرين في طريق الحقّ.
لذلك، نحن نريد للحاكمين أن يقتدوا به (ع)، ونريد للنَّاس أن يعيشوا مفاهيمه وحركته. هذه هي حركة الإسلام في حركة رسول الله (ص)، وهذه هي حركة الإسلام في حركة الصَّحابة والأئمَّة، وحركة الإسلام في حركة الإمام الحجَّة (عج).
معَ إيرانَ والمقاومة
لذلك، أيُّها الأحبَّة، إنَّ الله لا يقبل منكم أن تستضعفوا أنفسكم، ولا يقبل منكم أن تستريحوا لضعفكم، أو أن تعملوا لتزيدوا ضعفكم ضعفاً {إِنَّ الَّذينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[النّساء: 97].
وفي ضوء هذا، فإنَّ علينا، أيُّها الأحبَّة، أن نقف في يوم المستضعفين هذا، مع كلّ الَّذين يطالبون بالعدل في العالم، ومع كلّ الَّذين يطالبون بالحريَّة المسؤولة للإنسان في العالم، ومع كلّ الَّذين يريدون للمستضعفين أن يتَّحدوا في جبهة تقف في مواجهة المستكبرين.
إنَّ علينا، أيُّها الأحبَّة، أن نكون مع القيادة الحكيمة في الجمهوريَّة الإسلاميّة، ومع حركتها في خطّ العدل، أن نقف مع المقاومة الإسلاميَّة في لبنان، وفي فلسطين، ومع كلّ الإسلاميّين الَّذين يطالبون بالعدل، ومع كلّ طلَّاب الحريَّة في العالم.
دعمُ المقاومةِ والمجاهدين
وعلينا في هذا البلد الَّذي نعيش فيه، هذا البلد الَّذي أريد له أن يكون متنفّساً لمشاكل المنطقة، وأن يعيش الإرباك والاهتزاز السياسيّ دائماً، وأن يعيش الغرق في وحول الجزئيَّات، وأن يعيش الإنتاج الطائفيّ دائماً، ليعيش النَّاس على أساس طوائفهم لا على أساس إنسانيَّتهم... إنَّنا، أيُّها الأحبَّة، لا بدَّ أن نشعر جميعاً في هذا البلد، أنَّنا مسؤولون عنه، مسؤولون عن أمنه، وعن العدالة والحريّات فيه، مسؤولون أن نتكامل بكلّ طاقاتنا، أن لا نعيش الحساسيَّات الطائفيَّة. ليكن الحوار حواراً منتجاً في كلّ شيء. إنَّنا نؤمن أنَّ علينا أن نرتفع في تقدّمنا الثقافي والفكري والإنسانيّ، حتّى لا يخاف إنسان من أيّ حوار مع إنسان آخر، لنتحاور في كلّ شيء؛ في العقيدة والمفاهيم والقانون والسياسة...
إنَّ علينا أن نشعر بأنَّنا في هذا البلد، معنيّون بأمنه وحرّيته وسلامه واستقلاله، ولأنَّنا معنيّون بذلك، فإنّنا معنيّون بسلامة المقاومة، وبتأييد المجاهدين، وبأن نقف معهم ماديّاً ومعنويّاً، لأنَّهم وحدهم الَّذين يحافظون على شرف البلد وعنفوانه وكرامته، لا هؤلاء الَّذين يخلقون لنا في كلّ يوم مثاراً للجدل، في فاصلة هنا وفي كلمة هناك، وفي نداء هنا وهناك.
إنَّ المرحلة الَّتي نواجهها في هذا البلد وفي المنطقة، هي من أصعب المراحل الَّتي مرَّت بها المنطقة. لذلك، أيُّها الأحبَّة، نقولها لكلّ مواطنينا، من مسلمين ومسيحيّين، من كلّ الَّذين يتحركون مع الشّعارات الكبيرة، إنَّ علينا أن نتكامل في هذا البلد، وأن نتلاقى، لا أن نتقاطع ونتحاقد، ولا أن نثير الأرض السياسيَّة والأمنيَّة بالكثير من الجدل العقيم والكلام الفارغ. إنَّ هناك استحقاقات كبيرة سوف يواجهها النَّاس كلّهم في هذا البلد، وعلى كلّ المستويات.
وإنَّ أمريكا تعمل بكلّ ما عندها من طاقة لتحوّل المنطقة إلى مزرعة أمريكيَّة، ولتحوّل لبنان إلى هامش من هوامش سياستها، وإنَّ إسرائيل تعمل على أن تكون القوَّة الأولى الكبرى في المنطقة، اقتصاديّاً وسياسيّاً وأمنيّاً، بالتحالف مع أمريكا.
لذلك، إذا كان لنا بحاضرنا ومستقبلنا حاجة، إذا كنَّا نحبّ لأولادنا أن يفتحوا عيونهم على وطن حرّ مستقلّ يعيش الاكتفاء الذَّاتيّ، إذا كنَّا نحبّ لهم أن يكونوا أعزّاء كراماً، لا أن يكونوا مجرّد هوامش على مصالح المحتلّين، إذا أردنا لهم ذلك، فإنَّ علينا أن نفتح عيوننا جيّداً على المرحلة والواقع، أن نبقى نعمل على أساس ما قاله رسول الله (ص): "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ"، أن يبقى الرَّفض للظّلم كلّه، والاستكبار كلّه، حيّاً في نفوسنا.
مسؤوليَّةُ الأمَّة
أيُّها الأحبَّة، إذا أردتم أن تحتفلوا بذكرى مولد الحجَّة (عج)، فإنَّ احتفالكم بمولده أن تقفوا في الطَّريق الَّذي يأتي منها، وهي طريق الدَّعوة إلى الله والجهاد في سبيله. إنَّ علينا أن نهيّئ السَّاحة له بالكثير من جهدنا وجهادنا ومواقفنا، في خطّ الإسلام والعدالة والحريَّة، أن نعيش همَّ الإسلام كلّه، وهمّ المسلمين كلّهم، وأن نعيش الإرادة الصَّلبة القويَّة في أن نكون أحراراً في بلادنا وفي كلّ مواقعنا، وفي كلّ تطلّعاتنا في الحياة.
لذلك، نحن ندعو الأمَّة كلَّها إلى أن تجمّد الكثير من خلافاتها المذهبيَّة، والكثير من خلافاتها الطَّائفيَّة والسياسيَّة، لأنَّ هذه الخلافات تأكل من قوَّتنا وعزَّتنا وعزيمتنا، ويمكن لها أن تهزمنا قبل أن ندخل في أيّ معركة.
إنَّنا ندعو اللّبنانيّين جميعاً إلى أن يتوحَّدوا حول قضاياهم، وأن يعملوا على أن يحدّقوا بالقضايا الكبرى في اقتصادهم وسياستهم وأمنهم، وأن يتحاوروا، لا على أساس أن يسجّل أحدهم نقطة ضدّ الآخر، ولكن على أساس تجميع كلّ النقاط الإيجابيَّة، وإبعاد كلّ النقاط السَّلبيَّة.
إنَّ البلد يحتاج إلى إيجابيَّاتنا لا إلى سلبيَّاتنا، إنّه يحتاج إلى أن نتكامل لا إلى أن نتقاطع ونتعادى، إنَّ المسألة هي مسألة المصير، ومن يلعب بقضايا المصير، ومن يلعب بالنَّار الطائفيَّة والمذهبيَّة، ومن يلعب بالنَّار المخابراتيَّة، إنَّ من يلعب بالنّار، سوف يحرق يديه إن عاجلاً أو آجلاً.
والحمد لله ربّ العالمين.
*خطبة الجماعة لسماحته في مسجد بئر العبد، بتاريخ: 05/01/1996م.