محاضرات
10/03/2026

الوصيَّةُ الأخيرةُ لعليّ (ع): دروس رساليَّةٌ وتوجيهاتٌ للفرد والأمَّة

الوصيَّةُ الأخيرةُ لعليّ (ع): دروس رساليَّةٌ  وتوجيهاتٌ للفرد والأمَّة

{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}[البقرة: 207].

{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}[المائدة: 55].

الَّذي باعَ نفسَهُ لله

ذلك هو عليّ (ع) الَّذي باع نفسه لله، فلم يكن لنفسه شيء من نفسه، فقد كانت حياته كلّها لله؛ في بيت الله فتح عينيه، وفي طريق الله حرَّك خطواته، وفي بيت الله أغمض عينيه، وكان في كلّ حياته مع الله ومع الحقّ، وكان يقول للنَّاس من حوله: "لَيْسَ أَمْرِي وأَمْرُكُمْ وَاحِداً؛ إِنّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ، وأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لأَنْفُسِكُمْ".

وكان يتحرَّك في كلّ حياته في خطّ عبادة الله؛ عبادته في صلاته، وعبادته في زكاته، وعبادته في كلّ ما يقوم به، وكان إذا صلَّى، فَقَدَ إحساسه بجسده، وحلَّق مع الله، حتَّى إنَّهم كانوا يخرجون السّهام من جسده، كما تقول سيرته، في حالة صلاته، لأنَّه كان لا يحسّ بالألم آنذاك، وجاء شخص بعد أن رآه وهو ساجد، فحرَّكه وكان مثل الخشبة، فجاء إلى فاطمة (ع)، وقال لها: عظَّم الله لك أجرك في عليّ، قالت: كيف رأيته؟ فوصف لها الحالة، فقالت إنَّها حالة تحدث له عندما يسجد بين يدي الله سبحانه.

وهكذا رأوه في صفّين يصلّي، وقد قلقوا عليه، فقالوا له: وهل هذا وقت صلاة؟ قال (ع): "علام نقاتلهم؟! إنَّما نقاتلهم على الصَّلاة". 

كانت الصَّلاة أحبَّ الأشياء إليه، لأنَّه كان يعيش مع الله عيش الحبّ، وقد شهد له بذلك رسول الله (ص) في خيبر، عندما قال: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يُحِبُّ اللَّه ورَسُولَه، ويُحِبُّهُ اللَّه ورَسُولُهُ"..

وهكذا كان عطاؤه في كلّ حالاته؛ كان عطاؤه في صلاته صلاةً، فتصدَّق بالخاتم على الفقير الَّذي جاء يسأل وهو راكعٌ في صلاته، ونزلت الآية: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}[المائدة: 55].

سرُّ عظمةِ عليّ (ع)

ولو أردنا أن ندرس عليّاً (ع)، لرأينا أنَّه عاش سرَّ العظمة، لأنَّه عاش سرَّ الإخلاص لله، ولأنَّه كان في حياته كلّها، منذ بدأ مع رسول الله وهو طفل، إلى أن استشهد في مسجد الكوفة، كان في خدمة الله وفي سبيله، حتَّى إنَّه عندما صُرع في محرابه في مسجد الكوفة، كانت كلمته: "بِسْمِ اللهِ، وَبِاللهِ، وعَلَى مِلّةِ رَسولِ اللهِ، فزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ".

كان دينه كلَّ شيء عنده، حتَّى إنَّه عندما كان يسأل رسول الله (ص) عن بعض الأعمال في شهر رمضان، بكى رسول الله (ص)، كما ورد في الرّواية، وعندما سأله عليّ: "يا رسولَ الله، ما يُبْكِيكَ؟"، قال (ص): "أبكي لما يُسْتَحَلُّ مِنْكَ في هذا الشَّهْرِ"، فسأله عليّ (ع): "يا رَسُولَ اللهِ، وَذَلِكَ في سَلَامةٍ مِنْ دِيني؟"، فلا يهمّني أن أموت في أيّ وقت وفي أيّ مكان، إنّ كلّ ما يهمّني أن أموت وأنا على سلامة من ديني، "فَقَالَ (ص): في سَلَامَةٍ مِنْ دِينكَ".

وهكذا كانت حياته كلّها بطولةً في الحقّ، وبطولةً في الحرب وفي الموقف، وفي مواجهة كلّ التحدّيات؛ كان البطل في حربه والبطل في سلمه، كان البطل الَّذي لا يعرف في حربه ولا في سلمه معنى الانفعال، كانت كلّ حركةٍ عنده محسوبةً بمعيار؛ هل هي مما يحبّه الله، أو مما لا يحبّه. عاش الأهوال كلّها، وعاش المظلوميَّة في حياته.. ويتحدَّث (ع) عن بداية أمره بعد رسول الله (ص)، فيقول: "وَإِنَّهُ لِيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى، يَنْحَدِرُ عَنّي السَّيْلُ، وَلا يَرْقَى إلَيَّ الطَّيْرُ".

كان يعرف نفسه، وكان النَّاس من حوله لا يعرفونه، وتلك مشكلة العالِم بين جهَّال، ومشكلة القائد بين جنود لا يفهمون روحيَّة قيادته وسموّها.

وصبر: "فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى، وَفِي الْحَلْقِ شَجا"، وسالم: "وَاللَّهِ لُأسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيها جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً"، وعاش بعد ذلك بعيداً من موقعه الشَّرعيّ في الخلافة، فسالم خصومه وعاونهم وساعدهم، ليعطينا درساً إسلاميّاً لا بدَّ أن نفهمه، وهو أنَّ علينا أن لا نستغرق في خصوماتنا وخلافاتنا ونزاعاتنا، ليشغلنا ذلك عن وعي الأفق الَّذي يطلّ علينا، والسَّاحة الَّتي نعيش فيها، بل لا بدَّ لنا أن ندرس طبيعة مشكلتنا مع الَّذين نختلف معهم، حتَّى لا يؤثّر ذلك في القضيَّة الَّتي نعيش لها وندافع عنها.

لذلك، لا يمكن، أيُّها الأحبَّة، أن نفجّر خلافاتنا إذا كانت هذه الخلافات ستجعل القضيَّة في موضع الخطورة. ولأجل ذلك، جمَّد عليّ (ع) كلَّ الخلافات من أجل قضيَّة الإسلام، ومن أجل حفظ أمور المسلمين.

ونحن مشكلتنا في هذا الشَّرق كلّه، سواء كان إسلاميّاً أو غير إسلاميّ، أنَّنا لا ندرس خلافاتنا من حيث تأثيراتها في القضيَّة، ولذلك يعبث الآخرون بنا بإشغالنا بالخلافات، ويسقط الآخرون لنا قضايانا؛ فيوماً حرب طائفيَّة، ويوماً حرب مذهبيَّة، ويوماً حرب قوميَّة، ويوماً حرب حدوديَّة... نتحارب ونتحارب، وتسيل دماؤنا، وتسقط مواقعنا ومواقفنا، والآخرون يخطّطون ويخطّطون، ويحتلّون ويحتلّون، فإذا لم يحتلّوا الأرض، فإنَّهم يحتلّون الفكر والسياسة والاقتصاد، حتَّى إنَّنا لا نجد في كلّ هذا الاستقلال الَّذي نتحدَّث عنه، أيَّ موقع للاستقلال في اقتصادنا وسياستنا وأمننا وثقافتنا.

كان عليّ (ع) الإنسان الَّذي يعي القضيَّة، وكان يرى أنَّ القضيَّة أكبر من كلّ الخلافات: "فَخَشِيْتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلامَ وَأَهْلَهُ، أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ الَّتِي إِنَّما هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِل، يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ؛ فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ، حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ، وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهَ".

ومن هنا نحن نعظّم عليّاً، ومن هنا نحن ننحني أمام عليّ، ونخشع أمام كلّ هذا السّموّ والصَّفاء والإخلاص لله وللإسلام وللمسلمين.

مصلحةُ الإسلامِ أوّلاً

وإذا أردتم، أيُّها الأحبَّة، أن تكونوا شيعة عليّ، وأن تكونوا أتباع عليّ، وشيعةُ عليّ هم شيعةُ الإسلام، والسَّائرون في خطّ الإسلام، لأنَّ عليّاً ليس عنده شيء آخر غير الإسلام، فلا تبعدوا عليّاً عن الإسلام وعن أمور المسلمين وعن جماعة المسلمين، لأنَّ تضحيته كانت من أجل الإسلام والمسلمين. ويقول ذلك الشَّاعر المسيحيّ وهو يتحدَّث عن عليّ (ع):

يا سماءُ اشْهَدِي ويَا أرضُ قرِّي واخْشَعِي إنَّني ذَكَرْتُ عَليّاً

أيّ سموّ هو هذا السّموّ؟! شاوره عمر بن الخطاب، وهو مَنْ هو في إبعاده (ع) عن الخلافة، شاوره وهو خليفة في أن يذهب بنفسه إلى غزو الرّوم.. وكان الموقف أنَّه لو ذهب لقتل، وقد أشار عليه المسلمون بأن يذهب، ولو كان عليّ (ع) يفكّر في نفسه، لجاراهم في ذلك، ولكنَّ عليّاً لم يكن ينظر إليه كشخص بينه وبينه خصومة، أو كشخص أبعده عن حقّه الَّذي هو ليس حقّه بل حقّ المسلمين، بل كان يفكّر في المصلحة الإسلاميَّة العليا، بقطع النَّظر عن طبيعة الأشخاص، كان يفكّر في الموقع الإسلاميّ، ولم يكن يفكّر في الشَّخص الَّذي يحتلّ هذا الموقع.

قال له كما ورد في "نهج البلاغة": "وَقَدْ تَوَكَّلَ اللَّهُ لِأَهْلِ هذَا الدِّينِ بِإِعْزَازِ الْحَوْزَةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالَّذِي نَصَرَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لَا يَنْتَصِرُونَ، وَمَنَعَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لَا يَمْتَنِعُونَ، حَيٌّ لَا يَمُوتُ. إِنَّكَ مَتَى تَسِرْ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ بِنَفْسِكَ، فَتَلْقَهُمْ فَتُنْكَبْ – فربّما يهجمون عليك في موقعك، ويسلّطون القوّة الكبرى ضدّ الموقع الَّذي أنت فيه - لَا تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ كَانِفَةٌ دُونَ أَقْصَى بِلَادِهِمْ - لا يكون لهم شخصٌ يرجعون إليه، ولا كهف يأوون إليه - لَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجِعٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ – وهو لا يؤمن بمرجعيَّته من النَّاحية الشَّرعيَّة. أتريد الرَّأي؟ ابق في مكانك - فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلًا مِحْرَباً، وَاحْفِزْ مَعَهُ أَهْلَ الْبَلَاءِ وَالنَّصِيحَةِ، فَإِنْ أَظْهَرَ اللَّهُ - إن كان الانتصار - فَذَاكَ مَا تُحِبُّ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى – الهزيمة - كُنْتَ – من خلال موقعك - رِدْءاً للنَّاسِ – يأوي النّاس إليك - وَمَثَابَةً لِلْمُسْلِمِينَ".

فأيّ عظمة أعظم من هذه العظمة؟! شخص يحمي خصمه؛ يحميه بالنَّصيحة وبالرأي، لأنَّ المسألة لم تكن مسألته الشّخصيَّة ليتحرَّك في القضيَّة على أساس شخصيّ، ولكنَّها مسألة الإسلام والمسلمين. وهذه المسألة وغيرها من المسائل، هي الَّتي جعلت عمر يقول بين وقت وآخر: "لَوْلَا عليٌّ لَهَلكَ عُمَر".

ومن هذا، نتعلَّم من عليّ (ع)، أيُّها الإخوة، أن نضع المصلحة العامَّة للإسلام والمسلمين فوق كلّ اعتبار، وخصوصاً في مثل هذه الظّروف الصَّعبة الَّتي يحاول الآخرون أن يستغلّوا فيها خلافاتنا المذهبيَّة في الواقع الإسلاميّ، وخلافاتنا الطَّائفيَّة في الواقع الدّيني، وخلافاتنا القوميَّة والحزبيَّة والعائليَّة، حتَّى يجعلوا السَّاحة ساحة الضَّوضاء الَّتي تسقط فيها كلّ القضايا، وتضيع فيها كلّ الأمور، لأنَّ المسألة أنَّنا عندما نستغرق في ذلك كلّه، فإنَّ ذلك سوف يشغلنا عن القضايا الكبرى الَّتي هي قضايا الحاضر والمستقبل.

الوصيَّةُ الأخيرة

في الأيَّام الَّتي تلت إصابته (ع)، وكان ما بين ضربه بالسَّيف وبين وفاته يومان، ونحن نعيش في هذه الأيَّام ذكراه، فكيف عالج المشكلة؟! عالجها في خصوصيَّاته، وعالجها في الجوّ العامّ، ولم تكن لعليّ خصوصيَّات ذاتيَّة.

في الجوّ العامّ، كان النَّاس يأتون إليه عائدين له في مرضه، وتقول الرّواية إنَّه كان يكرّر عليهم قوله: "سَلُوني قَبْلَ أَنْ تَفْقدُوني"، إنَّكم لم تستغلّوا وجودي بينكم لتأخذوا منّي هذا العلم الَّذي أملكه، فأنا "بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الْأَرْضِ"، و"إِنَّ هَاهُنا لَعِلْماً جمَّاً - وأشار إلى صدره - لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً!". لقد حان موعد فراقي عنكم، فاستفيدوا منّي في هذه السّويعات، وخفّفوا سؤالكم عن حالة إمامكم.

ثمَّ التفت (ع) إلى ولديه الحسنين (سلام الله عليهما)، وكان يريد أن يوصيهما ويوصي الأمَّة من خلالهما، قال لهما في وصيَّة من أروع الوصايا الَّتي تمثّل اهتماماته الأخيرة. قال (ع):

"أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللهِ، وَأنْ لا تَبْغِيَا الدُّنْيَا – لا تطلباها، ولا تستغرقا فيها، ولا تعتبرا أنَّها كلّ شيء في حركة الذَّات وفي حركة المصير - وَإِنْ بَغَتْكُمَا – وإن طلبتكما - وَلا تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا - لو ابتعدت عنكما الدّنيا ببعض ملذّاتها وشهواتها وبعض فرصها، فلا تأسفا عليها، لأنَّها لا تمثّل نهاية المطاف - وَقُولَا بِالْـحَقِّ - لقد كنت في حياتي كلمة الحقّ، وموقف الحقّ، وإنسان الحقّ، وأريد لكما أن يكون قولكما في الأمور الصَّغيرة والكبيرة قول الحقّ - وَاعْمَلاَ لِلأَجْرِ - إذا أردتما أن تعملا شيئاً، ففكّرا ما هو ثوابه عند الله، لأنَّ الإنسان في هذه الدّنيا كادح إلى ربّه {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}[الانشقاق: 6]، {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}[الزّلزلة: 7 - 8]. إنَّ المسألة هي أن تعمل للأجر، فكّر في حساباتك مع الله في عملك - وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْناً"، لا تعاونا الظَّالم، ولا تخذلا المظلوم.

سلبيَّة الحياديّين

ومن هنا، أيُّها الأحبَّة، نريد أن نقول إنَّ خطّ عليّ (ع) هو هذا الخطّ، لا يمكن لإنسان يحبّ عليّاً ويتولّاه، أن ينصر الظَّالمَ مهما كانت الظّروف، أو يخذل المظلوم. كان عليّ (ع) يكره الحياديّين الَّذين لا يعملون على نصرة المظلوم، وإن كانوا لا ينصرون الظَّالم.. إنَّ الحياديّين هم الَّذين ينصرون الظَّالم بشكل سلبيّ، لأنَّك عندما تكون قوَّة وتعزل قوَّتك عن السَّاحة، والسَّاحة محتاجة إليها، فمعنى ذلك أنَّك تُفقِد الحقّ قوَّة، وتُفقِد العدل قوَّة، وإذا فقدَ العدل والحقّ قوَّةً هنا وقوَّة هناك، فسيضعف أمام قوَّة الباطل.

وتلك هي المسألة، أنَّ الحياديَّة أمر غير مقبول أبداً؛ أن تقول أنا لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، إذا كان أحدهما محقّاً والآخر مبطلاً، قد تقول أنا لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء عندما يكونان على باطل، "كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ". ولكن هذا في حال كانت المسألة بين باطلين أو ظلمين، أمَّا إذا كانت المسألة بين حقّ وباطل، وبين ظلم وعدل، فعندها "كُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْناً"، سواء كان الظَّالم شخصاً أو جماعةً أو دولةً أو محوراً دوليّاً أو ما إلى ذلك، لأنَّ القضيَّة هي أن ترفض الظّلم كمبدأ، بقطع النَّظر عن حجم الظَّالم وعن حجم المظلوم، وعن طبيعة الظَّالم وطبيعة المظلوم. كن مع المظلوم حتَّى لو كان كافراً، ضدَّ الظَّالم حتَّى لو كان مسلماً، لأنَّ العدل لا دين له، فالله أراد لنا أن نعدل مع كلّ النَّاس، من دون أن ننظر إلى دين الظَّالم ودين المظلوم.

تنظيم أمور المجتمع

"أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي، وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوَى اللهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ - نظّموا أموركم في كلّ واقعكم، نظّموا أموركم الاقتصاديَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة والأمنيَّة والثَّقافيَّة، لأنَّ الله لا يريد لكم أن تعيشوا الفوضى، لقد خلق الله الكون في نظام دقيق، ويريد لكم في حياتكم العامَّة أن تتحركوا في نظام دقيق تصنعونه بأنفسكم، بما يمثّل التَّوازن في كلّ أموركم.

- وَصَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ - أن تعملوا على إصلاح ذات البين، عندما يختلف النَّاس أفراداً، وعندما يختلفون جماعاتٍ وأحزاباً، وهكذا عندما يختلفون أدياناً ومذاهب، اعملوا على إصلاح ذات البين، لأنَّ الخلافات الَّتي تحدث، سوف تهدّم الهيكل على رؤوس الجميع.

- فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا (ص) يقول: صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاَةِ والصِّيَامِ"، بحيث إذا دار الأمر بين أن تصوم صياماً مستحبّاً وبين أن تصلح ذات البين، أو بين أن تصلّي صلاة مستحبّة وبين أن تصلح ذات البين، فقدّم إصلاح ذات البين على ما تريد أن تعمله من صلاة مستحبَّة أو صوم مستحبّ.

ثمَّ بعد ذلك يقول الإمام (ع)، على طريقة العرب إذا أرادوا أن يثيروا الاهتمام بشيء، بحيث يعملون على الإيحاء إلى الآخرين بشيء عظيم: "اللهَ اللهَ فِي الأَيْتَامِ، فَلاَ تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ - لا تجعلوهم يأكلون يوماً ويجوعون يوماً - وَلا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ – لكن لا بدَّ لكم من أن تحضنونهم كما لو كنتم آباءهم.

- وَاللهَ اللهَ فِي جِيرَانِكُمْ - هذا السّلم؛ السّلم المحلّي الدَّاخليّ، أن تعيش في محلَّتك بسلام، بحيث يتحمَّل الجار أذى جاره، ويحسن إلى جاره ويساعده ويعاونه - فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ، مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ.

في القرآنِ والصَّلاةِ والجهاد

- وَاللهَ اللهَ فِي الْقُرْآنِ، لا يَسْبِقْكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ - فإنَّ القرآن نور يضيء لكم الطَّريق، ويعلّمكم حركة الحياة والعدل، وكيف تعيشون وحدتكم في خطّ رسالتكم، وكيف يمكن أن تأخذوا بأسباب العلم والمعرفة والتَّقدّم والانفتاح على الحياة كلّها من خلال الانفتاح على الله سبحانه، لأنَّ القرآن ليس كتاباً للبركة، ولكنَّه كتاب للوعي والعلم والمعرفة والهدى والاستقامة، والله يقول في بعض الآيات: {إِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم}[محمَّد: 38].

- وَاللهَ اللهَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ. وَاللهَ اللهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ، لا تُخْلُوهُ مَا بَقِيتُمْ، - وهو ربَّما يشير إلى الكعبة، أنَّ على المسلمين أن يعملوا على أن يكونوا فيها دائماً، بمعنى أن تكون الكعبة مجمع المسلمين، أن لا يمرَّ وقت تخلو الكعبة فيه من المسلمين في حال الحجّ والعمرة، باعتبار أنَّ هذا المجتمع الإسلاميّ العالميّ المتحرّك في هذه السَّاحة الَّتي هي بيت الله، هو الَّذي يعطي للإسلام عنوانه ومعناه ومعنى الأمَّة في علاقات المسلمين بعضهم ببعض - فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا - لن ينظر إليكم أحد باحترام وقوَّة.

- وَاللهَ اللهَ فِي الْـجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ - أن تبذلوا أموالكم فيما يريد الله لكم أن تبذلوه، بما يخدم الحقّ ويحقّق الخير للأمَّة - وَأَنْفُسِكُمْ - فيما يريد الله لكم أن تجاهدوا بأنفسكم في ساحات الجهاد - وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ - جاهدوا بألسنتكم إذا لم تستطيعوا الجهاد بالنَّفس أو بالمال، وأفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر.

المسؤوليَّةُ حيالَ المجتمع

- وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ - تواصلوا فيما بينكم وتزاوروا وتحاوروا وتعاونوا - وَالتَّبَاذُلِ – ليبذل كلّ واحد منكم نفسه للآخر، فيعيطه ما يحتاجه من نفسه.

- وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطُعَ - إيَّاكم أن ينطلق كلّ واحد في طريقه بعيداً من الآخر، وأن يقاطعه.

- لَا تَتْرُكُوا الأَمْرَ بِالْـمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْـمُنْكَرِ - عندما ينحرف المجتمع والأفراد، سواء كان انحرافاً ذاتيّاً أو اجتماعيّاً أو سياسيّاً أو اقتصاديّاً أو أمنيّاً، فإنَّ على المجتمع أن يكون رقيباً بعضه على بعض، بالطَّريقة الَّتي لا تسيء إلى سلامته، وبما يمكن لها أن تحقّق الهدف - فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ أَشْرَارُكُمْ، ثُمَّ تَدْعُونَ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ"، لأنَّنا إذا تركنا الشّرّ يمتدّ ولم نقف في وجهه، وتركنا الخير يضعف ولم نساعده، فسيمتدّ الشّرّ وينكمش الخير، وعند ذلك، يكون الأشرار هم الولاة والحاكمين، وعند ذلك يأتي الأخيار إلى المساجد، ويقولون: اللَّهمَّ انصرنا على القوم الظَّالمين، والله لا يستجيب للتّنابل وللَّذين يحبَّون الرَّاحة ولا يحبّون وجع الرأس في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، لأنَّ الله يقول لهم: لقد كان بإمكانكم أن لا يولَّى الأشرار عليكم، لو أنَّكم أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، ولكنَّكم تركتم ذلك، فَسُلِّطَ هؤلاء عليكم.

وصيَّتُهُ إلى عشيرتِه

هذه وصاياه العامَّة في الأشياء المهمَّة الَّتي يريد للنَّاس من بعده أن يركّزوا عليها. ثمَّ التفت (ع) إلى عشيرته، وقال:

"يَا بَنِي عَبْدِ الْـمُطَّلِبِ - وهم العشيرة الأقرب، لأنَّ جدّه هو عبد المطَّلب، ولم يقل يا بني هاشم، لأنَّ الظَّاهر أنَّ عمليَّة الثَّأر كانت تقوم بها العائلة الصَّغيرة - لَا أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْـمُسْلِمِينَ خَوْضاً – تقتلون بشكل عشوائيّ - تَقُولُونَ: قُتِلَ أَمِيرُ الْـمُؤْمِنِينَ – ولن نقبل إلّا أن نبيد كلّ عشيرة القاتل، بل طبّقوا الحكم الإسلاميّ {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف في الْقَتْلِ}[الإسراء: 33]، {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}[البقرة: 179]، فلو كان المقتول في أعظم الدَّرجات، وكان القاتل في أحطّ الدَّرجات، فلا طبقيَّة في القصاص، فالقاتل هو الَّذي يُقتَل، ولا يجوز قتل غيره ولا الإضرار به كلّيّاً.

- أَلاَ لا تَقْتُلُنَّ بِي إِلَّا قَاتِلِي. انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هذِهِ، فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ - {فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ}[البقرة: 194] - وَلا يُمَثَّلُ بِالرَّجُلِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (ص) يَقُولُ: إِيَّاكُمْ وَالْـمُثْلَةَ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ".

هذا هو عليّ (ع) في عظمته الرّساليَّة، فهو الَّذي لم يترك رسالته، ولم يترك الوصيَّة بمجتمعه وبأمَّته، حتَّى في أشدّ الأوقات حراجة، لم ينفعل حتَّى وهو يعالج قضيَّته الخاصَّة في مصرعه وفي استشهاده.

الالتزامُ بحدّ القصاص

ولذلك، فإنَّ علينا أن نتعلَّم من عليّ (ع) هذا الدَّرس الأخير، ونحن المجتمع الّذي تغلب عليه العشائريَّة، والَّذي يحاول دائماً أن يؤاخذ العشيرة بذنب شخصٍ واحد منها، وأن يتعسَّف في القصاص، وأن يعطي لنفسه الحريَّة في أن يسيء إلى القاتل بمختلف الأساليب، انطلاقاً من حالة غرائزيّة. والإسلام إنسانيّ حتَّى في القتل، فإذا قال لك الإسلام في حالة معيَّنة إنّه يجوز لك أن تقتل، فلا يعني ذلك أن تصبح وحشاً، كما يفعل البعض في تعذيب القاتل وهو حيّ، ثمَّ يقتلونه ويمثّلون به، فهذا لا يجوز.

وهناك مسألة قد تتعجّبون منها، وهي أنَّه إذا قَتَلَ شخصٌ شخصاً مهمّاً أو أيّ أحد آخر، وأمسكنا القاتل، فهنا من ناحية شرعيَّة، لا يجوز لك أن تسبَّ القاتل، أو أن تبصق في وجهه، ولا أن تضربه، أو أن تحرق بيته، أو تشرّد أهله وأولاده، أنت لك الحقّ أن تقتصّ منه فقط "اضْربُوهُ ضَرْبةً بِضَرْبَة"، وكلّ ما عدا ذلك فليس حقّاً.

مثلاً، العادة الموجودة الآن، أنَّه إذا قَتَلَ أحدٌ، فيجب أن ننفي عائلته من البلد، هذا لا يجوز، وهذا درس عليّ (ع) إذا كنتم تحبّون عليّاً، لا أن نأخذ من عليّ ما يوافقنا، ونترك ما لا يوافقنا في عاداتنا وتقاليدنا. فبعض النَّاس يحبّ عليّ بن أبي طالب (ع)، بلحاظ أنَّه ضرب عمرو بن عبد ودّ أو مرحباً، لكن إذا أرادهم عليّ (ع) على الحقّ، ولم يكن الحقّ يناسبهم، عند ذلك يكونون مع أبي جهل وأبي لهب، لأنَّ سياسة عليّ بن أبي طالب لا تعجبهم، ولا تنسجم مع عادات آبائهم وتقاليدهم، والله يقول: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}[البقرة: 170].

 

* خطبة الجماعة للرّجال لسماحته، بتاريخ: 09/02/1996م.

{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}[البقرة: 207].

{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}[المائدة: 55].

الَّذي باعَ نفسَهُ لله

ذلك هو عليّ (ع) الَّذي باع نفسه لله، فلم يكن لنفسه شيء من نفسه، فقد كانت حياته كلّها لله؛ في بيت الله فتح عينيه، وفي طريق الله حرَّك خطواته، وفي بيت الله أغمض عينيه، وكان في كلّ حياته مع الله ومع الحقّ، وكان يقول للنَّاس من حوله: "لَيْسَ أَمْرِي وأَمْرُكُمْ وَاحِداً؛ إِنّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ، وأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لأَنْفُسِكُمْ".

وكان يتحرَّك في كلّ حياته في خطّ عبادة الله؛ عبادته في صلاته، وعبادته في زكاته، وعبادته في كلّ ما يقوم به، وكان إذا صلَّى، فَقَدَ إحساسه بجسده، وحلَّق مع الله، حتَّى إنَّهم كانوا يخرجون السّهام من جسده، كما تقول سيرته، في حالة صلاته، لأنَّه كان لا يحسّ بالألم آنذاك، وجاء شخص بعد أن رآه وهو ساجد، فحرَّكه وكان مثل الخشبة، فجاء إلى فاطمة (ع)، وقال لها: عظَّم الله لك أجرك في عليّ، قالت: كيف رأيته؟ فوصف لها الحالة، فقالت إنَّها حالة تحدث له عندما يسجد بين يدي الله سبحانه.

وهكذا رأوه في صفّين يصلّي، وقد قلقوا عليه، فقالوا له: وهل هذا وقت صلاة؟ قال (ع): "علام نقاتلهم؟! إنَّما نقاتلهم على الصَّلاة". 

كانت الصَّلاة أحبَّ الأشياء إليه، لأنَّه كان يعيش مع الله عيش الحبّ، وقد شهد له بذلك رسول الله (ص) في خيبر، عندما قال: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يُحِبُّ اللَّه ورَسُولَه، ويُحِبُّهُ اللَّه ورَسُولُهُ"..

وهكذا كان عطاؤه في كلّ حالاته؛ كان عطاؤه في صلاته صلاةً، فتصدَّق بالخاتم على الفقير الَّذي جاء يسأل وهو راكعٌ في صلاته، ونزلت الآية: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}[المائدة: 55].

سرُّ عظمةِ عليّ (ع)

ولو أردنا أن ندرس عليّاً (ع)، لرأينا أنَّه عاش سرَّ العظمة، لأنَّه عاش سرَّ الإخلاص لله، ولأنَّه كان في حياته كلّها، منذ بدأ مع رسول الله وهو طفل، إلى أن استشهد في مسجد الكوفة، كان في خدمة الله وفي سبيله، حتَّى إنَّه عندما صُرع في محرابه في مسجد الكوفة، كانت كلمته: "بِسْمِ اللهِ، وَبِاللهِ، وعَلَى مِلّةِ رَسولِ اللهِ، فزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ".

كان دينه كلَّ شيء عنده، حتَّى إنَّه عندما كان يسأل رسول الله (ص) عن بعض الأعمال في شهر رمضان، بكى رسول الله (ص)، كما ورد في الرّواية، وعندما سأله عليّ: "يا رسولَ الله، ما يُبْكِيكَ؟"، قال (ص): "أبكي لما يُسْتَحَلُّ مِنْكَ في هذا الشَّهْرِ"، فسأله عليّ (ع): "يا رَسُولَ اللهِ، وَذَلِكَ في سَلَامةٍ مِنْ دِيني؟"، فلا يهمّني أن أموت في أيّ وقت وفي أيّ مكان، إنّ كلّ ما يهمّني أن أموت وأنا على سلامة من ديني، "فَقَالَ (ص): في سَلَامَةٍ مِنْ دِينكَ".

وهكذا كانت حياته كلّها بطولةً في الحقّ، وبطولةً في الحرب وفي الموقف، وفي مواجهة كلّ التحدّيات؛ كان البطل في حربه والبطل في سلمه، كان البطل الَّذي لا يعرف في حربه ولا في سلمه معنى الانفعال، كانت كلّ حركةٍ عنده محسوبةً بمعيار؛ هل هي مما يحبّه الله، أو مما لا يحبّه. عاش الأهوال كلّها، وعاش المظلوميَّة في حياته.. ويتحدَّث (ع) عن بداية أمره بعد رسول الله (ص)، فيقول: "وَإِنَّهُ لِيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى، يَنْحَدِرُ عَنّي السَّيْلُ، وَلا يَرْقَى إلَيَّ الطَّيْرُ".

كان يعرف نفسه، وكان النَّاس من حوله لا يعرفونه، وتلك مشكلة العالِم بين جهَّال، ومشكلة القائد بين جنود لا يفهمون روحيَّة قيادته وسموّها.

وصبر: "فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى، وَفِي الْحَلْقِ شَجا"، وسالم: "وَاللَّهِ لُأسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيها جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً"، وعاش بعد ذلك بعيداً من موقعه الشَّرعيّ في الخلافة، فسالم خصومه وعاونهم وساعدهم، ليعطينا درساً إسلاميّاً لا بدَّ أن نفهمه، وهو أنَّ علينا أن لا نستغرق في خصوماتنا وخلافاتنا ونزاعاتنا، ليشغلنا ذلك عن وعي الأفق الَّذي يطلّ علينا، والسَّاحة الَّتي نعيش فيها، بل لا بدَّ لنا أن ندرس طبيعة مشكلتنا مع الَّذين نختلف معهم، حتَّى لا يؤثّر ذلك في القضيَّة الَّتي نعيش لها وندافع عنها.

لذلك، لا يمكن، أيُّها الأحبَّة، أن نفجّر خلافاتنا إذا كانت هذه الخلافات ستجعل القضيَّة في موضع الخطورة. ولأجل ذلك، جمَّد عليّ (ع) كلَّ الخلافات من أجل قضيَّة الإسلام، ومن أجل حفظ أمور المسلمين.

ونحن مشكلتنا في هذا الشَّرق كلّه، سواء كان إسلاميّاً أو غير إسلاميّ، أنَّنا لا ندرس خلافاتنا من حيث تأثيراتها في القضيَّة، ولذلك يعبث الآخرون بنا بإشغالنا بالخلافات، ويسقط الآخرون لنا قضايانا؛ فيوماً حرب طائفيَّة، ويوماً حرب مذهبيَّة، ويوماً حرب قوميَّة، ويوماً حرب حدوديَّة... نتحارب ونتحارب، وتسيل دماؤنا، وتسقط مواقعنا ومواقفنا، والآخرون يخطّطون ويخطّطون، ويحتلّون ويحتلّون، فإذا لم يحتلّوا الأرض، فإنَّهم يحتلّون الفكر والسياسة والاقتصاد، حتَّى إنَّنا لا نجد في كلّ هذا الاستقلال الَّذي نتحدَّث عنه، أيَّ موقع للاستقلال في اقتصادنا وسياستنا وأمننا وثقافتنا.

كان عليّ (ع) الإنسان الَّذي يعي القضيَّة، وكان يرى أنَّ القضيَّة أكبر من كلّ الخلافات: "فَخَشِيْتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلامَ وَأَهْلَهُ، أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ الَّتِي إِنَّما هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِل، يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ؛ فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ، حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ، وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهَ".

ومن هنا نحن نعظّم عليّاً، ومن هنا نحن ننحني أمام عليّ، ونخشع أمام كلّ هذا السّموّ والصَّفاء والإخلاص لله وللإسلام وللمسلمين.

مصلحةُ الإسلامِ أوّلاً

وإذا أردتم، أيُّها الأحبَّة، أن تكونوا شيعة عليّ، وأن تكونوا أتباع عليّ، وشيعةُ عليّ هم شيعةُ الإسلام، والسَّائرون في خطّ الإسلام، لأنَّ عليّاً ليس عنده شيء آخر غير الإسلام، فلا تبعدوا عليّاً عن الإسلام وعن أمور المسلمين وعن جماعة المسلمين، لأنَّ تضحيته كانت من أجل الإسلام والمسلمين. ويقول ذلك الشَّاعر المسيحيّ وهو يتحدَّث عن عليّ (ع):

يا سماءُ اشْهَدِي ويَا أرضُ قرِّي واخْشَعِي إنَّني ذَكَرْتُ عَليّاً

أيّ سموّ هو هذا السّموّ؟! شاوره عمر بن الخطاب، وهو مَنْ هو في إبعاده (ع) عن الخلافة، شاوره وهو خليفة في أن يذهب بنفسه إلى غزو الرّوم.. وكان الموقف أنَّه لو ذهب لقتل، وقد أشار عليه المسلمون بأن يذهب، ولو كان عليّ (ع) يفكّر في نفسه، لجاراهم في ذلك، ولكنَّ عليّاً لم يكن ينظر إليه كشخص بينه وبينه خصومة، أو كشخص أبعده عن حقّه الَّذي هو ليس حقّه بل حقّ المسلمين، بل كان يفكّر في المصلحة الإسلاميَّة العليا، بقطع النَّظر عن طبيعة الأشخاص، كان يفكّر في الموقع الإسلاميّ، ولم يكن يفكّر في الشَّخص الَّذي يحتلّ هذا الموقع.

قال له كما ورد في "نهج البلاغة": "وَقَدْ تَوَكَّلَ اللَّهُ لِأَهْلِ هذَا الدِّينِ بِإِعْزَازِ الْحَوْزَةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالَّذِي نَصَرَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لَا يَنْتَصِرُونَ، وَمَنَعَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لَا يَمْتَنِعُونَ، حَيٌّ لَا يَمُوتُ. إِنَّكَ مَتَى تَسِرْ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ بِنَفْسِكَ، فَتَلْقَهُمْ فَتُنْكَبْ – فربّما يهجمون عليك في موقعك، ويسلّطون القوّة الكبرى ضدّ الموقع الَّذي أنت فيه - لَا تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ كَانِفَةٌ دُونَ أَقْصَى بِلَادِهِمْ - لا يكون لهم شخصٌ يرجعون إليه، ولا كهف يأوون إليه - لَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجِعٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ – وهو لا يؤمن بمرجعيَّته من النَّاحية الشَّرعيَّة. أتريد الرَّأي؟ ابق في مكانك - فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلًا مِحْرَباً، وَاحْفِزْ مَعَهُ أَهْلَ الْبَلَاءِ وَالنَّصِيحَةِ، فَإِنْ أَظْهَرَ اللَّهُ - إن كان الانتصار - فَذَاكَ مَا تُحِبُّ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى – الهزيمة - كُنْتَ – من خلال موقعك - رِدْءاً للنَّاسِ – يأوي النّاس إليك - وَمَثَابَةً لِلْمُسْلِمِينَ".

فأيّ عظمة أعظم من هذه العظمة؟! شخص يحمي خصمه؛ يحميه بالنَّصيحة وبالرأي، لأنَّ المسألة لم تكن مسألته الشّخصيَّة ليتحرَّك في القضيَّة على أساس شخصيّ، ولكنَّها مسألة الإسلام والمسلمين. وهذه المسألة وغيرها من المسائل، هي الَّتي جعلت عمر يقول بين وقت وآخر: "لَوْلَا عليٌّ لَهَلكَ عُمَر".

ومن هذا، نتعلَّم من عليّ (ع)، أيُّها الإخوة، أن نضع المصلحة العامَّة للإسلام والمسلمين فوق كلّ اعتبار، وخصوصاً في مثل هذه الظّروف الصَّعبة الَّتي يحاول الآخرون أن يستغلّوا فيها خلافاتنا المذهبيَّة في الواقع الإسلاميّ، وخلافاتنا الطَّائفيَّة في الواقع الدّيني، وخلافاتنا القوميَّة والحزبيَّة والعائليَّة، حتَّى يجعلوا السَّاحة ساحة الضَّوضاء الَّتي تسقط فيها كلّ القضايا، وتضيع فيها كلّ الأمور، لأنَّ المسألة أنَّنا عندما نستغرق في ذلك كلّه، فإنَّ ذلك سوف يشغلنا عن القضايا الكبرى الَّتي هي قضايا الحاضر والمستقبل.

الوصيَّةُ الأخيرة

في الأيَّام الَّتي تلت إصابته (ع)، وكان ما بين ضربه بالسَّيف وبين وفاته يومان، ونحن نعيش في هذه الأيَّام ذكراه، فكيف عالج المشكلة؟! عالجها في خصوصيَّاته، وعالجها في الجوّ العامّ، ولم تكن لعليّ خصوصيَّات ذاتيَّة.

في الجوّ العامّ، كان النَّاس يأتون إليه عائدين له في مرضه، وتقول الرّواية إنَّه كان يكرّر عليهم قوله: "سَلُوني قَبْلَ أَنْ تَفْقدُوني"، إنَّكم لم تستغلّوا وجودي بينكم لتأخذوا منّي هذا العلم الَّذي أملكه، فأنا "بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الْأَرْضِ"، و"إِنَّ هَاهُنا لَعِلْماً جمَّاً - وأشار إلى صدره - لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً!". لقد حان موعد فراقي عنكم، فاستفيدوا منّي في هذه السّويعات، وخفّفوا سؤالكم عن حالة إمامكم.

ثمَّ التفت (ع) إلى ولديه الحسنين (سلام الله عليهما)، وكان يريد أن يوصيهما ويوصي الأمَّة من خلالهما، قال لهما في وصيَّة من أروع الوصايا الَّتي تمثّل اهتماماته الأخيرة. قال (ع):

"أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللهِ، وَأنْ لا تَبْغِيَا الدُّنْيَا – لا تطلباها، ولا تستغرقا فيها، ولا تعتبرا أنَّها كلّ شيء في حركة الذَّات وفي حركة المصير - وَإِنْ بَغَتْكُمَا – وإن طلبتكما - وَلا تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا - لو ابتعدت عنكما الدّنيا ببعض ملذّاتها وشهواتها وبعض فرصها، فلا تأسفا عليها، لأنَّها لا تمثّل نهاية المطاف - وَقُولَا بِالْـحَقِّ - لقد كنت في حياتي كلمة الحقّ، وموقف الحقّ، وإنسان الحقّ، وأريد لكما أن يكون قولكما في الأمور الصَّغيرة والكبيرة قول الحقّ - وَاعْمَلاَ لِلأَجْرِ - إذا أردتما أن تعملا شيئاً، ففكّرا ما هو ثوابه عند الله، لأنَّ الإنسان في هذه الدّنيا كادح إلى ربّه {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}[الانشقاق: 6]، {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}[الزّلزلة: 7 - 8]. إنَّ المسألة هي أن تعمل للأجر، فكّر في حساباتك مع الله في عملك - وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْناً"، لا تعاونا الظَّالم، ولا تخذلا المظلوم.

سلبيَّة الحياديّين

ومن هنا، أيُّها الأحبَّة، نريد أن نقول إنَّ خطّ عليّ (ع) هو هذا الخطّ، لا يمكن لإنسان يحبّ عليّاً ويتولّاه، أن ينصر الظَّالمَ مهما كانت الظّروف، أو يخذل المظلوم. كان عليّ (ع) يكره الحياديّين الَّذين لا يعملون على نصرة المظلوم، وإن كانوا لا ينصرون الظَّالم.. إنَّ الحياديّين هم الَّذين ينصرون الظَّالم بشكل سلبيّ، لأنَّك عندما تكون قوَّة وتعزل قوَّتك عن السَّاحة، والسَّاحة محتاجة إليها، فمعنى ذلك أنَّك تُفقِد الحقّ قوَّة، وتُفقِد العدل قوَّة، وإذا فقدَ العدل والحقّ قوَّةً هنا وقوَّة هناك، فسيضعف أمام قوَّة الباطل.

وتلك هي المسألة، أنَّ الحياديَّة أمر غير مقبول أبداً؛ أن تقول أنا لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، إذا كان أحدهما محقّاً والآخر مبطلاً، قد تقول أنا لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء عندما يكونان على باطل، "كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ". ولكن هذا في حال كانت المسألة بين باطلين أو ظلمين، أمَّا إذا كانت المسألة بين حقّ وباطل، وبين ظلم وعدل، فعندها "كُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْناً"، سواء كان الظَّالم شخصاً أو جماعةً أو دولةً أو محوراً دوليّاً أو ما إلى ذلك، لأنَّ القضيَّة هي أن ترفض الظّلم كمبدأ، بقطع النَّظر عن حجم الظَّالم وعن حجم المظلوم، وعن طبيعة الظَّالم وطبيعة المظلوم. كن مع المظلوم حتَّى لو كان كافراً، ضدَّ الظَّالم حتَّى لو كان مسلماً، لأنَّ العدل لا دين له، فالله أراد لنا أن نعدل مع كلّ النَّاس، من دون أن ننظر إلى دين الظَّالم ودين المظلوم.

تنظيم أمور المجتمع

"أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي، وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوَى اللهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ - نظّموا أموركم في كلّ واقعكم، نظّموا أموركم الاقتصاديَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة والأمنيَّة والثَّقافيَّة، لأنَّ الله لا يريد لكم أن تعيشوا الفوضى، لقد خلق الله الكون في نظام دقيق، ويريد لكم في حياتكم العامَّة أن تتحركوا في نظام دقيق تصنعونه بأنفسكم، بما يمثّل التَّوازن في كلّ أموركم.

- وَصَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ - أن تعملوا على إصلاح ذات البين، عندما يختلف النَّاس أفراداً، وعندما يختلفون جماعاتٍ وأحزاباً، وهكذا عندما يختلفون أدياناً ومذاهب، اعملوا على إصلاح ذات البين، لأنَّ الخلافات الَّتي تحدث، سوف تهدّم الهيكل على رؤوس الجميع.

- فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا (ص) يقول: صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاَةِ والصِّيَامِ"، بحيث إذا دار الأمر بين أن تصوم صياماً مستحبّاً وبين أن تصلح ذات البين، أو بين أن تصلّي صلاة مستحبّة وبين أن تصلح ذات البين، فقدّم إصلاح ذات البين على ما تريد أن تعمله من صلاة مستحبَّة أو صوم مستحبّ.

ثمَّ بعد ذلك يقول الإمام (ع)، على طريقة العرب إذا أرادوا أن يثيروا الاهتمام بشيء، بحيث يعملون على الإيحاء إلى الآخرين بشيء عظيم: "اللهَ اللهَ فِي الأَيْتَامِ، فَلاَ تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ - لا تجعلوهم يأكلون يوماً ويجوعون يوماً - وَلا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ – لكن لا بدَّ لكم من أن تحضنونهم كما لو كنتم آباءهم.

- وَاللهَ اللهَ فِي جِيرَانِكُمْ - هذا السّلم؛ السّلم المحلّي الدَّاخليّ، أن تعيش في محلَّتك بسلام، بحيث يتحمَّل الجار أذى جاره، ويحسن إلى جاره ويساعده ويعاونه - فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ، مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ.

في القرآنِ والصَّلاةِ والجهاد

- وَاللهَ اللهَ فِي الْقُرْآنِ، لا يَسْبِقْكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ - فإنَّ القرآن نور يضيء لكم الطَّريق، ويعلّمكم حركة الحياة والعدل، وكيف تعيشون وحدتكم في خطّ رسالتكم، وكيف يمكن أن تأخذوا بأسباب العلم والمعرفة والتَّقدّم والانفتاح على الحياة كلّها من خلال الانفتاح على الله سبحانه، لأنَّ القرآن ليس كتاباً للبركة، ولكنَّه كتاب للوعي والعلم والمعرفة والهدى والاستقامة، والله يقول في بعض الآيات: {إِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم}[محمَّد: 38].

- وَاللهَ اللهَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ. وَاللهَ اللهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ، لا تُخْلُوهُ مَا بَقِيتُمْ، - وهو ربَّما يشير إلى الكعبة، أنَّ على المسلمين أن يعملوا على أن يكونوا فيها دائماً، بمعنى أن تكون الكعبة مجمع المسلمين، أن لا يمرَّ وقت تخلو الكعبة فيه من المسلمين في حال الحجّ والعمرة، باعتبار أنَّ هذا المجتمع الإسلاميّ العالميّ المتحرّك في هذه السَّاحة الَّتي هي بيت الله، هو الَّذي يعطي للإسلام عنوانه ومعناه ومعنى الأمَّة في علاقات المسلمين بعضهم ببعض - فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا - لن ينظر إليكم أحد باحترام وقوَّة.

- وَاللهَ اللهَ فِي الْـجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ - أن تبذلوا أموالكم فيما يريد الله لكم أن تبذلوه، بما يخدم الحقّ ويحقّق الخير للأمَّة - وَأَنْفُسِكُمْ - فيما يريد الله لكم أن تجاهدوا بأنفسكم في ساحات الجهاد - وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ - جاهدوا بألسنتكم إذا لم تستطيعوا الجهاد بالنَّفس أو بالمال، وأفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر.

المسؤوليَّةُ حيالَ المجتمع

- وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ - تواصلوا فيما بينكم وتزاوروا وتحاوروا وتعاونوا - وَالتَّبَاذُلِ – ليبذل كلّ واحد منكم نفسه للآخر، فيعيطه ما يحتاجه من نفسه.

- وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطُعَ - إيَّاكم أن ينطلق كلّ واحد في طريقه بعيداً من الآخر، وأن يقاطعه.

- لَا تَتْرُكُوا الأَمْرَ بِالْـمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْـمُنْكَرِ - عندما ينحرف المجتمع والأفراد، سواء كان انحرافاً ذاتيّاً أو اجتماعيّاً أو سياسيّاً أو اقتصاديّاً أو أمنيّاً، فإنَّ على المجتمع أن يكون رقيباً بعضه على بعض، بالطَّريقة الَّتي لا تسيء إلى سلامته، وبما يمكن لها أن تحقّق الهدف - فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ أَشْرَارُكُمْ، ثُمَّ تَدْعُونَ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ"، لأنَّنا إذا تركنا الشّرّ يمتدّ ولم نقف في وجهه، وتركنا الخير يضعف ولم نساعده، فسيمتدّ الشّرّ وينكمش الخير، وعند ذلك، يكون الأشرار هم الولاة والحاكمين، وعند ذلك يأتي الأخيار إلى المساجد، ويقولون: اللَّهمَّ انصرنا على القوم الظَّالمين، والله لا يستجيب للتّنابل وللَّذين يحبَّون الرَّاحة ولا يحبّون وجع الرأس في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، لأنَّ الله يقول لهم: لقد كان بإمكانكم أن لا يولَّى الأشرار عليكم، لو أنَّكم أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، ولكنَّكم تركتم ذلك، فَسُلِّطَ هؤلاء عليكم.

وصيَّتُهُ إلى عشيرتِه

هذه وصاياه العامَّة في الأشياء المهمَّة الَّتي يريد للنَّاس من بعده أن يركّزوا عليها. ثمَّ التفت (ع) إلى عشيرته، وقال:

"يَا بَنِي عَبْدِ الْـمُطَّلِبِ - وهم العشيرة الأقرب، لأنَّ جدّه هو عبد المطَّلب، ولم يقل يا بني هاشم، لأنَّ الظَّاهر أنَّ عمليَّة الثَّأر كانت تقوم بها العائلة الصَّغيرة - لَا أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْـمُسْلِمِينَ خَوْضاً – تقتلون بشكل عشوائيّ - تَقُولُونَ: قُتِلَ أَمِيرُ الْـمُؤْمِنِينَ – ولن نقبل إلّا أن نبيد كلّ عشيرة القاتل، بل طبّقوا الحكم الإسلاميّ {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف في الْقَتْلِ}[الإسراء: 33]، {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}[البقرة: 179]، فلو كان المقتول في أعظم الدَّرجات، وكان القاتل في أحطّ الدَّرجات، فلا طبقيَّة في القصاص، فالقاتل هو الَّذي يُقتَل، ولا يجوز قتل غيره ولا الإضرار به كلّيّاً.

- أَلاَ لا تَقْتُلُنَّ بِي إِلَّا قَاتِلِي. انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هذِهِ، فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ - {فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ}[البقرة: 194] - وَلا يُمَثَّلُ بِالرَّجُلِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (ص) يَقُولُ: إِيَّاكُمْ وَالْـمُثْلَةَ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ".

هذا هو عليّ (ع) في عظمته الرّساليَّة، فهو الَّذي لم يترك رسالته، ولم يترك الوصيَّة بمجتمعه وبأمَّته، حتَّى في أشدّ الأوقات حراجة، لم ينفعل حتَّى وهو يعالج قضيَّته الخاصَّة في مصرعه وفي استشهاده.

الالتزامُ بحدّ القصاص

ولذلك، فإنَّ علينا أن نتعلَّم من عليّ (ع) هذا الدَّرس الأخير، ونحن المجتمع الّذي تغلب عليه العشائريَّة، والَّذي يحاول دائماً أن يؤاخذ العشيرة بذنب شخصٍ واحد منها، وأن يتعسَّف في القصاص، وأن يعطي لنفسه الحريَّة في أن يسيء إلى القاتل بمختلف الأساليب، انطلاقاً من حالة غرائزيّة. والإسلام إنسانيّ حتَّى في القتل، فإذا قال لك الإسلام في حالة معيَّنة إنّه يجوز لك أن تقتل، فلا يعني ذلك أن تصبح وحشاً، كما يفعل البعض في تعذيب القاتل وهو حيّ، ثمَّ يقتلونه ويمثّلون به، فهذا لا يجوز.

وهناك مسألة قد تتعجّبون منها، وهي أنَّه إذا قَتَلَ شخصٌ شخصاً مهمّاً أو أيّ أحد آخر، وأمسكنا القاتل، فهنا من ناحية شرعيَّة، لا يجوز لك أن تسبَّ القاتل، أو أن تبصق في وجهه، ولا أن تضربه، أو أن تحرق بيته، أو تشرّد أهله وأولاده، أنت لك الحقّ أن تقتصّ منه فقط "اضْربُوهُ ضَرْبةً بِضَرْبَة"، وكلّ ما عدا ذلك فليس حقّاً.

مثلاً، العادة الموجودة الآن، أنَّه إذا قَتَلَ أحدٌ، فيجب أن ننفي عائلته من البلد، هذا لا يجوز، وهذا درس عليّ (ع) إذا كنتم تحبّون عليّاً، لا أن نأخذ من عليّ ما يوافقنا، ونترك ما لا يوافقنا في عاداتنا وتقاليدنا. فبعض النَّاس يحبّ عليّ بن أبي طالب (ع)، بلحاظ أنَّه ضرب عمرو بن عبد ودّ أو مرحباً، لكن إذا أرادهم عليّ (ع) على الحقّ، ولم يكن الحقّ يناسبهم، عند ذلك يكونون مع أبي جهل وأبي لهب، لأنَّ سياسة عليّ بن أبي طالب لا تعجبهم، ولا تنسجم مع عادات آبائهم وتقاليدهم، والله يقول: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}[البقرة: 170].

 

* خطبة الجماعة للرّجال لسماحته، بتاريخ: 09/02/1996م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية