تفسير
26/01/2024

s-2-a-180-181-182

s-2-a-180-181-182

‏معاني المفردات ‏

{كُتِب}: بمعنى فُرِض. وقد يكون بمعنى القضاء، أي: قُضِي. ‏

{خيْراً}: الخير: ضدُّ الشّرِّ، وهو ما يرغب فيه الكلُّ لما يشتمل عليه من المنفعة. والمراد به - هنا -: المال. قال الرّاغب: المال «ربّما يكون خيراً لزيد وشرّاً لعمروٍ، ولذلك وصفه الله تعالى بالأمرين؛ فقال في موضعٍ: {إِنْ ترك خيْراً}، وقال في موضعٍ آخر: {أيحْسبُون أنّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ و بنِين*`نُسارِعُ لهُمْ فِي الْخيْراتِ بلْ لا يشْعُرُون}[المؤمنون: 55 - 56]. وقوله تعالى: {إِنْ ترك خيْراً}أي: مالاً، وقال بعض العلماء: لا يُقال للمال خيرٌ حتّى يكون كثيراً ومن مكانٍ طيِّبٍ»‏(1)‏. ‏

{الْوصِيّةُ}: ذكر الفقهاء واللُّغويُّون أنّ معنى الوصيّة يختلف باختلاف أصل الاشتقاق؛ فإذا كانت مشتقّةً من: وصى، يصي، فهي بمعنى الوصل. قال في (الصِّحاح): «ووصيت الشّي‏ء بكذا، إذا وصلته... وأرض واصية: متّصلة النّبات»‏(2)‏. ‏

‏وإذا كان اشتقاق الكلمة من أوصى، يوصي، فالمراد بها العهد. ‏

‏قال الرّاغب: «الوصيّة: التّقدُّم إلى الغير بما يعمل به مقترناً بوِعظٍ... وتواصى القوم: إذا أوصى بعضهم إلى بعض»‏(3)‏. ‏

{بِالْمعْرُوفِ}: المعروف: هو المعروف المتداول من الصّنيعة والإحسان. ‏

{جنفاً}: ميلاً. الجنف: الميل عن الحقِّ على جهة الخطأ، وأصل الجنف: ميلٌ في الحكم. ‏

{إِثْماً}: الإثم: يقارب الذّنب وما يشبهه معنًى، وهو حالٌ في ‏‏الشّيء ‏‏أو في العقل يُبطِّئ الإنسان عن نيل الخيرات، قال الرّاغب: «الإثم والآثام: اسمٌ للأفعال المُبطِّئة عن الثّواب»‏(4)‏. ‏

‏أحكام الوصيّة ‏

‏هذه إحدى آيات الأحكام الّتي تضمّنتها هذه السُّورة، كجزءٍ من تنظيم المجتمع المسلم في المدينة في علاقاته الإنسانيّة، وذلك في نطاق مبدأ الوصيّة للوالدين والأقربين. ‏

‏فقد أراد الله للإنسان أن يعبِّر عن شعوره بالمسؤوليّة تجاه أرحامه بعد الموت، كما أراد له أن يصلهم في حال الحياة، وذلك بأن يوصي لهم ببعضٍ من ماله - إذا ترك شيئاً منه - ليدلِّل على عاطفته نحوهم، ما يحقِّق لرابطة القرابة أساساً يمتزج فيه الجانب الرُّوحيُّ بالعطاء المادِّيِّ في عمليّةٍ إنسانيّةٍ هادفةٍ. ‏

‏ولعلّ هذا ما يميِّز الوصيّة عن الإرث؛ فإنّ الإرث يمثِّل وضعاً تشريعيّاً لا تتدخّل فيه إرادة الإنسان وعاطفته؛ لأنّه حكمٌ شرعيٌّ لا خيار للإنسان فيه، فهو من فرض الله الّذي يجب أن يُخضع له؛ أمّا الوصيّة، فإنّها تنطلق من إرادة الموصي وتفكيره بحالة الموصى له بعد الموت، ومحاولته إيجاد فرصةٍ مادِّيّةٍ له في ما يوصي له به. ‏

‏ويأتي التّشريع - بعد ذلك - ليؤكِّد هذه الإرادة، وليفرض تنفيذها على المكلّفين بشكلٍ دقيقٍ لا مجال فيه للتّغيير والتّبديل تحت طائلة الإثم والعقاب. ‏

‏هل الآية منسوخةٌ؟ ‏

‏ادُّعي أنّ هذه الآية منسوخةٌ، والنّاسخ أحد وجهين:‏

‏ الوجه الأوّل: آية الإرث‏(5)‏؛ إذ يُقال: إنّ وجوب الإيصاء للوالدين والأقربين بالمعروف يوحي بأنّ الآية قد نزلت قبل تشريع آية الإرث؛ حيث كانت الثّروات تُتناقل بالوصيّة وبتحديدٍ مباشرٍ من الموصي. ‏

‏ويؤيِّد النّسخ أنّ وجوب الوصيّة - هنا - قد اقتصر على الوصيّة بماله الّذي يتركه، واقتصر أيضاً على الوصيّة للوالدين والأقربين دون غيرهم، مع العلم أنّ الوصيّة يُمكن أن تكون لغير هؤلاء، ويُمكن أن تكون بغير المال، كالوصيّة بالولاية وبعض أنحاء التّصرُّف. ‏

‏ورُدّ هذا القول‏(6)‏‏:‏

‏أوّلاً:‏‏ بأنّه لا دليل عليه، بل ربّما يُستفاد من تعليق الإرث على عدم الوصيّة، أو تأخيره عنها، أنّ آية الإرث مؤكِّدةٌ للوصيّة؛ فقد قال تعالى: {فإِنْ لمْ يكُنْ لهُ ولدٌ و ورِثهُ أبواهُ فلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فإِنْ كان لهُ إِخْوةٌ فلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بعْدِ وصِيّةٍ يُوصِي بِها أوْ ديْنٍ}[النِّساء: 11]، وغيرها. الأمر الّذي يجعل آية الإرث مؤكِّدةً لشرعيّة الوصيّة، والفراغ عن ثبوتها بدرجةٍ متقدِّمةٍ، فكيف يُمكن أن تتضمّن إلغاءها ونسخها الّذي يتوقّف على أن يكون النّاسخ منافياً للمنسوخ في دلالته؟! ‏

‏ثانياً:‏‏ إنّ النّسخ يفرض تأخُّر الآية النّاسخة عن المنسوخة زماناً، ولم يثبت ذلك بدرجةٍ قطعيّةٍ؛ لأنّ الدّالّ على ذلك من أخبار الآحاد الّتي لا تفيد علماً، مع أنّ النّسخ يحتاج إلى الدّليل القطعيِّ. والخبر الدّالُّ على النّسخ ما رواه البُخاريُّ في (صحيحه)، عن ابن عبّاس أنّه قال: «كان المال للولد، وكانت الوصيّة للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحبّ، فجعل للذّكر مثل حظِّ الأنثيين، وجعل للأبوين لكلِّ واحدٍ منهما السُّدس، وجعل للمرأة الثُّمُن والرُّبع، وللزّوج الشّطر والرُّبع»‏(7)‏. ‏

‏وما رواه محمّد بن مسعود العياشيُّ في (تفسيره)، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام - في الآية - قال: «هي منسوخةٌ، نسختها آية الفرائض الّتي هي للمواريث»‏(8)‏. ‏

‏ثالثاً: قد يؤكِّد عدم النّسخ أنّه لا يُمكن أن تكون آية الإرث ناسخةً للوصيّة للأقربين؛ لأنّهم لا يرثون مع الولد ليكون الإرث بديلاً عن الوصيّة. وممّا يؤيِّد ذلك ما ورد عن السّكونيِّ، عن الصّادق، عن أبيه، عن عليٍّ عليهم السلام ، قال: «من لم يوصِ عند موته لذوي قرابته ممّن لا يرث، فقد ختم عمله بمعصية»‏(9)‏، حيثُ دلّت هذه الرِّواية على وجوب الوصيّة لمن لا يرثه من قرابته. ‏

‏رابعاً: إنّ آية الإرث قد نسخت مورداً خاصّاً في آية الوصيّة، وهو وجوب الوصيّة للوالدين والأقربين، إلاّ أنّ أصل الوجوب الّذي نصّت عليه الآية لا يكون منسوخاً؛ لأنّ الآية قد أسّست وجوب الوصيّة وحدّدت أهمّ موارد هذا الوجوب، ومع نسخ هذا المورد يبقى أصل الوجوب قائماً؛ لأنّه يُقتصر في النّسخ على القدر المتيقّن. ‏

‏ولكنّ الإنصاف أنّ مورد الوجوب هو الوصيّة للوالدين والأقربين، وعلى القول بنسخ الآية بآية الإرث، يرتفع الوجوب؛ لارتفاع مورده، ولا يُمكن تسرية وجوب الوصيّة للوالدين والأقربين الوارد في الآية إلى مطلق وجوب الوصيّة؛ لأنّ ذلك يحتاج إلى مزيد عنايةٍ لا تحتملها آية الإرث. نعم، يأتي ما ذُكر في الوجه الثّالث، من عدم النّسخ بالنِّسبة للأقربين. ‏

‏الوجه الثّاني: ما روي عن النّبيِّ صلى الله عليه و آله و سلم من قوله: «لا وصيّة لوارث»‏(10)‏. ‏

‏وقد ذهب الشّيخ الصّدوق إلى أنّ المقصود هو الوصيّة بأكثر من الثُّلث؛ قال: «الخبر الّذي روي أنّه لا وصيّة لوارث، ليس بخلاف هذا الحديث، ومعناه أنّه لا وصيّة لوارثٍ بأكثر من الثُّلث، كما لا تكون لغير الوارث بأكثر من الثُّلث»‏(11)‏. ‏

‏ولكنّ هذا التّوجيه لا دليل عليه بعد إطلاق الرِّواية؛ فإنّه لا خصوصيّة عندئذٍ بين كونه وارثاً أو غير وارث، فيقتضي إطلاق عدم الإرث لما فوق الثُّلث من دون تحديد المورد بالوارث أو بغيره. ‏

‏وعلى كلِّ حال فقد ردّ السّيِّد الخوئيُّ رحمه الله على هذا الوجه بعدّة أمور:‏

‏فذكر أوّلاً: «أنّ الرِّواية لم تثبت صحّتها، والبخاريُّ ومسلم لم يرضياها. وقد تكلّم في تفسير المنار على سندهما»‏(12)‏. ‏

‏ولنا أن نلاحظ على ما ذكره رحمه الله - هنا -: أنّ هذه الرِّواية مرويّةٌ في كُتُبنا الحديثيّة أيضاً عن الصّادق، عن أبيه عليهما السلام ، قال: قال عليٌّ عليه السلام: «لا وصيّة لوارثٍ ولا إقرار له بدين»‏(13)‏. ‏

‏على أنّه ليس من اتِّفاقٍ على استضعاف الحديث لدى العامّة، بل هو ممّا صحّحه بعضٌ، وحسّنه آخرون، بل قد يلوح من كلام الشّافعيِّ أنّ عليه إجماعهم، قال: «ووجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنه من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أنّ النّبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قال عام الفتح: لا وصيّة لوارث، ولا يُقتل مؤمنٌ بكافر، ويأثرونه عمّن حفظوا عنه ممّن لقوا من أهل العلم بالمغازي. فكان هذا نقل عامّةٍ عن عامّةٍ، وكان أقوى في بعض الأمر من نقل واحدٍ عن واحدٍ، وكذلك وجدنا أهل العلم عليه مجتمعين»‏(14)‏. ‏

‏وعلى كلِّ حال، فإنّ إثبات النّسخ بخبر الواحد - لو ثبت سنده - ممّا لا سبيل إليه، بل لا بُدّ من أن يكون قطعيّاً كما ذكرناه. وعليه فلا يُثبت هذا الوجه النّسخ. ‏

‏وذكر ثانياً: «أنّها معارضةٌ بالرِّوايات المستفيضة عن أهل البيت عليهم السلام الدّالّة على جواز الوصيّة للوارث. ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام، قال: سألته عن الوصيّة للوارث فقال: تجوز. قال: ثمّ تلا هذه الآية: {إِنْ ترك خيْراً الْوصِيّةُ لِلْوالِديْنِ و الْأقْربِين}. وبمضمونها رواياتٌ أُخُر»‏(15)‏. ‏

‏وذكر ثالثاً: أنّ «الرِّواية لو صحّت وسلمت عن المعارضة بشي‏ءٍ، فهي لا تصلح لنسخ الآية؛ لأنّها لا تنافيها في المدلول، غاية الأمر أنّها مقيّدةٌ لإطلاق الآية، فتختصُّ الوصيّة بالوالدين إذا لم يستحقّا الإرث لمانع، وبمن لا يرث من الأقربين. وإذا فرض وجود المنافاة بينها وبين الآية، فقد تقدّم أنّ خبر الواحد لا يصلح أن يكون ناسخاً للقرآن بإجماع المسلمين». وانتهى أخيراً إلى أنّ «الآية مُحكمةٌ وليست منسوخةً»‏(16)‏. ‏

‏ونحن نوافق السّيِّد الخوئيّ رحمه الله على ما ذكره من أصل الإشكال، أعني أنّها لا تصلح للنّسخ لأنّها لا تنافيها في المدلول، ولكنّ الجمع بين الآية والرِّواية بالقول باختصاص الوصيّة بالوالدين إذا لم يستحقّا الإرث لمانع، هو جمعٌ تبرُّعيٌّ، لا دليل عليه ولا قرينة؛ فإنّ الآية مُطلقةٌ، والرِّواية مطلقةٌ كذلك. نعم، يُمكن القول بتقييدها بالنِّسبة لمن لا يرث من الأقربين. إلاّ أنّ لدينا تحفُّظاً على تخصيص الكتاب بخبر الواحد؛ لأنّ التّخصيص ينطلق من اعتبار الخاصِّ أو المقيّد قرينةً على المراد من المطلق، وعليه فلا بُدّ من أن يرقى المخصِّص السُّنّتيُّ إلى مستوًى من الوضوح يكون لدى العُرف قرينةً على المُراد من المطلق، وإلاّ فلا يصلح للتّخصيص أو التّقييد. ‏

‏وقد يخطر في البال، أنّ ظهور الآية في أنّ الوصيّة فرضٌ على الإنسان لا يتناسب مع فريضة الإرث؛ لأنّ الاهتمام بالإيصاء ينطلق من مبدأ الحرص على مساعدة الموصى لهم بعد الموت، نظراً إلى فقدان رعايته الثّابتة لهم حال الحياة. وهذا ما يمكن أن يحقِّقه مبدأ الإرث. قد يخطر ذلك في البال على أساس الاستبعاد، لا على أساس الحجّة والاستدلال. ‏

‏وفي ضوء ذلك، يمكن أن يستوحي الإنسان منها أجواء النّسخ، ولكن في ما تدلُّ عليه الآية من الوجوب، فلا تنافي ثبوت الجواز في ما تدلُّ عليه الأحاديث عن أهل البيت عليهم السلام.‏

‏ولكنّنا ألمحنا في بداية الحديث عن الآية، إلى أنّ دور الوصيّة في مدلوله الإنسانيِّ، يختلف عن مدلول تشريع الإرث، ونضيف إلى ذلك أنّ موارد الوصيّة لا تلتقي دائماً مع موارد الإرث، فقد تحدث بعض الحالات الّتي لا مجال للإرث فيها، ما يجعل للوصيّة دورها الفاعل الكبير، وقد تحدث بعض الأوضاع الّتي يحتاج فيها الوارث إلى مزيدٍ من الرِّعاية المادِّيّة الّتي لا يحصل عليها من خلال نصيب الإرث... وعلى كلِّ حال، فإنّ الاستبعاد لا يصلح أساساً لتقرير فكرةٍ أو رفضها في أيِّ موردٍ من الموارد القرآنيّة الّتي لا بُدّ لنا فيها من الاعتماد على الأُسس الدّقيقة للتّفسير. ‏

‏كُتب عليكم الوصيّة ‏

‏ولا بُدّ لنا بعد ذلك من جولةٍ تفسيريّةٍ تفصيليّةٍ مع الآية في مفرداتها ومضمونها العامِّ. ‏

{كُتِب عليْكُمْ إِذا حضر أحدكُمُ الْموْتُ}. كُتِب بمعنى قضي، من القضاء، وهو الحكم الّذي يوحي بالإلزام، فلا بُدّ من الالتزام به إلاّ أن يدلّ دليلٌ من كتابٍ أو سُنّةٍ أو إجماعٍ على خلاف ذلك؛ لأنّ اللّفظ لا يخلو من قابليّةٍ لذلك، فالحكم بشي‏ءٍ على شخصٍ قد يقترن بالظُّروف التّخفيفيّة الّتي تجعل المضمون اختياريّاً، وقد لا يقترن بذلك فيبقى على حاله، ولمّا كان إجماع المسلمين قائماً على عدم وجوب الوصيّة للوالدين والأقربين، فلا بُدّ من أن نلتزم بذلك فنحمل الكتابة على أصل التّشريع والجعل. ‏

‏وعلى هذا يكون قوله تعالى: {كُتِب عليْكُمْ إِذا حضر أحدكُمُ الْموْتُ}، أي: سُجِّل عليكم تأكيد الوصيّة. ‏

{إِنْ ترك خيْراً}: مالاً معتدّاً به. والخير: كنايةٌ عن المال. وقد اختلفت الرِّوايات في تحديده، ولكنّ الظّاهر منها هو المقدار المعتدُّ به، الّذي يمكن أن يبقى منه مقدارٌ زائدٌ على حصة الإرث - حسب حالة الورثة - كما ورد في الحديث عن عليٍّ عليه السلام أنّه «دخل على مولًى لهم في الموت وله سبعمئة درهم، أو ستمئة درهم، فقال: ألا أوصي؟ قال: لا، إنّما قال الله: {إِنْ ترك خيْراً}‏ ‏‏وليس لك كثير مال، فدع مالك لورثتك»‏(17)‏. والظّاهر منه المقدار الّذي يتناسب مع طبيعة واقع الحال للموصي والموصى له والورثة. ‏

{الْوصِيّةُ}، وهي التّحليل لما بعد الموت، {لِلْوالِديْنِ و الْأقْربِين بِالْمعْرُوفِ}، الّذي يُحسن الإنسان فيه إلى أقربائه. ‏

{حقّاً}‏ ‏‏ثابتاً {على الْمُتّقِين}؛ لأنّ التّقوى تفجِّر في الإنسان طاقات الخير، بما توحي به من الحصول على محبّة الله ورضاه، والابتعاد عن غضبه وسخطه، ما يدفعه إلى القيام بالأعمال المحبوبة له، واجبةً كانت أو مستحبّةً؛ لأنّ ذلك هو سبيل القرب إليه والنّجاة من عذابه. ‏

‏حرمة تبديل الوصيّة ‏

{فمنْ بدّلهُ بعْد ما سمِعهُ فإِنّما إِثْمُهُ على الّذِين يُبدِّلُونهُ}. إنّ تنفيذ الوصيّة وتحوُّلها إلى واقعٍ عمليٍّ هي مسؤوليّة الوصيِّ، في ما سمعه وعرفه من الوصيّة، تحت طائلة العقاب في حالة التّبديل والتّغيير. وقد أكّد الله على ذلك وشدّد الأمر فيه؛ لأنّ غياب الموصي بالموت يجعل الوصيّ في أمنٍ من جهته، على أساس أنّ الإنسان لا يلتزم عادةً بتنفيذ إرادة الآخرين إلاّ إذا كانوا في وضعٍ خاصٍّ من القوّة المادِّيّة أو المعنويّة الّتي تستتبع الحساب أو العقاب أو العتاب. فلهذا أراد الله أن يثير القضيّة في نطاق عذاب الآخرة، كوسيلةٍ من وسائل التّنفيذ الحاسمة. ‏

{إِنّ اللّه سمِيعٌ علِيمٌ}، فهو الّذي يسمع ما أوصى به الموصي، ويعلم ما يصنعه الوصيُّ في أمر الوصيّة من بعده، فعليه أن يحذر من الله تعالى وأن يتّقيه في كلِّ ذلك. ‏

‏وفي الآية دلالةٌ على أنّ الميِّت لا إثم عليه في تبديل الوصيِّ للوصيّة؛ لأنّها مسؤوليّة الوصيِّ لا مسؤوليّته. ‏

{فمنْ خاف مِنْ مُوصٍ جنفاً أوْ إِثْماً فأصْلح بيْنهُمْ فلا إِثْم عليْهِ}. ربّما تُفسّر هذه الآية بما قبل موت الموصي، وذلك في الحالة الّتي يتصرّف الموصي تصرُّفاً جائراً -‏‏ ‏‏وهو معنى الجنف -، أو منحرفاً عن خطِّ الحقِّ - وهو معنى الإثم الّذي يوحي بتعمُّد الظُّلم-، فإنّ للوصيِّ أن يتدخّل لإصلاح الأمر بين الموصي وبين الوالدين والأقربين، وذلك بإرجاعه عن الخطأ وإعادته إلى الحقِّ، لئلاّ يحصل الخصام والنِّزاع من جرّاء ذلك، كما نشاهده في بعض الأوضاع الخاصّة، عندما يحاول الموصي أن يحرم بعضاً ويعطي بعضاً كنتيجةٍ لبعض الدّوافع الذّاتيّة. ‏

‏وربّما تُفسّر بما بعد الموت، وذلك على أساس الاستثناء من حرمة التّبديل، فإنّ للوصيِّ أن يبدِّل الوصيّة من حالة الباطل إلى حالة الحقِّ؛ لأنّ الإثم هو في تغيير الوصيّة المنسجمة مع خطِّ الحقِّ، لا المنحرفة عنه. كما إذا كانت الوصيّة بما يزيد على الثُّلث للورثة، فللوصي إرجاعه إلى الثُّلث إذا لم يُجِز الورثة ذلك، أو إذا أوصى بتوزيع جميع ثروته على غير الورثة الشّرعيِّين، فلا بُدّ من ردِّها إلى الثُّلث. وإذا كان في الوصيّة ما يؤدِّي إلى الظُّلم كإعانة مراكز الفساد أو فعل حرامٍ أو ترك واجبٍ، أو إذا أدّت الوصيّة إلى نزاعٍ أو فسادٍ يوجب إزهاق الأرواح، فللوصيِّ أن يتدخّل لمنع ذلك بنفسه أو بالاستعانة بالحاكم الشّرعيِّ. وربّما يوحي سياق الآية بالتّفسير الثّاني؛ لأنّها وقعت بعد الآية السّابقة الّتي تتحدّث عن التّبديل بعد الموت، باعتبار أنّ التّصرُّف من صلاحية الوصيِّ. أمّا حالة ما قبل الموت، فلا يملك الوصيُّ أيّة صلاحية فيها. ‏

‏ولكنّ دراسة الآية بدِّقةٍ، توحي بالمعنى الأوّل؛ لأنّها واردةٌ في تخطيط خطِّ الوصيّة في ما هو تكليف الموصي في ما ينبغي أن يوصي به، ممّا لا يتناسب مع خطِّ الجور أو الظُّلم، فإذا انطلق في هذا الاتِّجاه الّذي يثير الخصومة والنِّزاع، فإنّ للوصيِّ -باعتبار علاقته الأكيدة بالموضوع؛ لأنّها مهمّته في المستقبل - أن يتدخّل للإصلاح من موقع الإصلاح، لا من موقع السُّلطة ليُقال - كما سبق - إنّه لا يملك صلاحيةً في الموضوع. وهذا التّفسير هو المرويُّ عن الإمامين الباقر والصّادق عليهما السلام ، في ما ذكره صاحب (مجمع البيان)‏(18)‏. ‏

‏وقد جاء في كلمة الإمام عليٍّ عليه السلام ، في (نهج البلاغة): «يا ابن آدم كُنْ وصيّ نفسك في مالك، واعمل فيه ما تؤثر أن يُعمل فيه من بعدك»‏(19)‏. إنّها توحي بأنّ الإنسان قد يفكِّر بالخير في وصيّته بماله بعد الوفاة، سواءً أكان ذلك في ما يتعلّق بقضاياه الخاصّة، في عباداته أو معاملاته أو صدقاته، أم في ما يتعلّق بالآخرين. وهذا عملٌ جيِّدٌ يدلُّ على روح الخير في نفسه. ولكن هناك مسألةٌ مهمّةٌ في عمق القيمة الرُّوحيّة الأخلاقيّة في النّظرة الواقعيّة إلى الأمور؛ فإنّه عندما كان يوصي بماله بعد الموت، كان يودِّع الحياة ويبتعد عن كلِّ علاقةٍ له بالمال، ما لا يجعله يواجه تضحيةً كبرى بإنفاقه في الخير لنفسه أو للآخرين؛ ولكنّه عندما ينفقه في الحياة مع امتداد الأمل بالبقاء، فإنّه يضحِّي به في الوقت الّذي تكبر حاجته إليه ويعيش الارتباط به، الأمر الّذي يؤكِّد عمق القيمة الإيمانيّة الرُّوحيّة في الإخلاص لله في عمله. ‏

‏وقد ختم الله الآية بقوله تعالى: {إِنّ اللّه غفُورٌ رحِيمٌ}؛ للإيحاء بأنّ رعاية الله لهذا الموصي كانت بإيجاد المصلح الّذي يردُّ الوصيّة إلى الخطِّ المستقيم في الصّلاح والإصلاح، من موقع المغفرة والرّحمة اللّتين يمنحهما الله لعباده الصّالحين إذا أذنبوا، فكيف هو الحال إذا أصلحوا ولم يكن هناك ذنبٌ؟ ‏

‏الإيحاءات والدُّروس والأحكام ‏

‏إنّنا نستوحي من مبدأ الوصيّة في هذه الآيات أموراً :‏

‏1- إنّ الإسلام يريد أن يركِّز على مسؤوليّة المسلم في الاهتمام بأمور الآخرين، ولا سيّما أقرباءه، فيفكِّر بأمورهم في حالة الحياة وفي ما بعد الموت، ويعمل على تحويل التّفكير إلى ممارسةٍ عمليّةٍ حقيقيّةٍ بما يوصي به إليهم من مالٍ، ليضمن لهم نوعاً من كرامة الحياة في ما بعد الموت. ‏

‏2- إنّ في اعتبار هذا التّوجُّه مظهراً من مظاهر التّقوى دلالةً على أنّ قضيّة التّقوى في الإسلام لا تتّصل بالجانب الرُّوحيِّ العباديِّ فحسب، بل تتّسع لتواجه حسّ المسؤوليّة في الإنسان تجاه أخيه الإنسان في الحياة وفي ما بعد الموت، ما يؤكِّد على تنمية الجانب الإنسانيِّ للشُّعور في أعماق الإنسان. ‏

‏ 3- ربّما نستوحي من فقرة: {كُتِب عليْكُمْ إِذا حضر أحدكُمُ الْموْتُ إِنْ ترك خيْراً الْوصِيّةُ لِلْوالِديْنِ و الْأقْربِين بِالْمعْرُوفِ حقّاً على الْمُتّقِين}: أنّ الله يريد للإنسان أن يستفيد من الفرصة الأخيرة في الحياة ليتقرّب إليه من خلال عمل الخير للنّاس الّذين يحتاجون إليه ممّن كانوا السّبب في وجوده، أو الّذين يرتبطون به برابطة الرّحم من خلال إيحاءات القرابة الّتي تفتح كلّ مشاعر الخير في نفس الإنسان في الأجواء الحميمة المنسابة في روحه، الأمر الّذي يجعله يفكِّر بطريقةٍ موضوعيّةٍ متوازنةٍ بعيدةٍ عن كلِّ نوازع الطّمع والجشع والذّاتيّة؛ لأنّه سوف يفارق المال كلّه والحياة كلّها بعد قليلٍ فيفقد كلّ شي‏ءٍ، بينما توحي الوصيّة إليه بالفرصة الإلهيّة في الحصول على العفو والمغفرة والرّحمة في عمل الخير. ‏

‏4- إنّ الله لم يعطِ الإنسان كلّ الحرِّيّة في الوصيّة، بل حدّد له الثُّلث كحدٍّ أقصى؛ حتّى لا يجور على ورثته، فيتركهم في فقرٍ وحاجةٍ، يسألون النّاس إذا تجاوز ذلك فخصّ بعضهم بالمال كلِّه، أو أوصى به للمشاريع العامّة، أو لبعض النّاس الّذين تربطه بهم علاقة خدمةٍ أو إحسانٍ أو نحو ذلك، فللورثة أن يرفضوا الزِّيادة على الثُّلث، فتبطل الوصيّة في الثُّلثين. وواضحٌ ما في هذه النّظرة من مراعاة كلا الطّرفين: الموصي، والموصى لهم. فالإجازة للموصي بالتّصرُّف في ثلث التّركة تُشبع لديه الحاجة إلى التّصرُّف في تركته في السِّياق الّذي يلبيِّ شعوره بالواجب وإحساسه بالمسؤوليّة، فضلاً عن إشباع رغبته وأحلامه، فلا يُحرم - لذلك - من التّصرُّف في ماله في ما بعد الموت. وأمّا ترك الثُّلثين للموصى لهم فيندرج في سياق إعانتهم على تلبية حاجاتهم ومعالجة قضاياهم الخاصّة، وقد جاء في الحديث عن الإمام جعفر الصّادق عليه السلام أنّه قال: «من عدل في وصيّته كان بمنزلة من تصدّق بها في حياته، ومن جار في وصيّته لقي الله عزّ وجلّ يوم القيامة وهو عنه معرضٌ»‏20‏. وربّما كان المراد بالجور هو الوصيّة بأكثر من الثُّلث، أو بالمقدار الّذي يخلق للورثة مشكلةً في حياتهم، لحاجتهم إلى المال الّذي أوصى به. ‏

‏5- إنّ الوصيّة ليست ملزمةً لصاحبها ما دام في الحياة، فله أن يرجع عنها أو يغيِّرها بأيِّ نحوٍ كان، فلا حقّ لأحدٍ عليه في ذلك. ‏

‏6- إنّ على الإنسان أن يوصي بكلِّ الواجبات والمسؤوليّات المترتِّبة عليه، في حقوق النّاس عنده أو حقوق الله الّتي لا بُدّ من قضائها، إذا خاف على نفسه الموت وفوات الفرصة في الأداء والقضاء. أمّا في غير ذلك فالوصيّة مستحبّةٌ. ‏

‏ ‏

‏الهوامش:‏

‏ (1) ‏‏الرّاغب الأصفهاني، المفردات، م. س، ص 160.‏

‏(2) ‏‏الجوهري، إسماعيل بن حمّاد (ت 339 هـ-)، تاج اللُّغة وصحاح العربيّة، ط 4، تحقيق أحمد عبد الغفور العطّار، دار العلم للملايين، بيروت - لبنان، 1407 هـ- - 1987 م، ج 6، ص 2525. ‏

‏(3) ‏‏الرّاغب الأصفهاني، المفردات، م. س، ص 525.‏

‏(4) ‏‏م. ن، ص 10. ‏

‏(5) ‏‏انظر: الطّبري، جامع البيان، م. س، ج 2، ص 162 - 163، وحكاه عن جماعةٍ منهم: ابن عبّاس، وابن عمر، ومجاهد، وقتادة، والسُّدِّيُّ، والحسن البصري.‏

‏(6) ‏‏انظر: السّيِّد الخوئي، البيان، م. س، ص 297 - 299. ‏

‏(7) ‏‏البخاريّ، محمّد بن اسماعيل البخاريّ الجعفي (ت 256 هـ-)، الجامع الصّحيح، دار الفكر، بيروت - لبنان، 1401 هـ- - 1981 م، ج 3، ص 188.‏

‏(8) ‏‏العيّاشي، تفسير العيّاشي، م. س، ج 1، ص 77، ح 167. ‏

‏(9) ‏‏م. ن، ص 76، ح 166. ‏

‏(10) ‏‏أحمد بن حنبل (ت 241 هـ-)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، دار صادر، بيروت - لبنان، ج 4، ص 186 - 187 و 238 - 239، وج 5، ص 267.‏

‏(11) ‏‏الشّيخ الصّدوق، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمِّي (ت 381 هـ-)، من لا يحضره الفقيه، ط 2، منشورات جماعة المدرِّسين في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة، قم - إيران، 1404 هـ-، ج 4، ص 194، ح‏5443.‏

‏(12) ‏‏السّيِّد الخوئي، البيان، م. س، ص 298.‏

‏(13) ‏‏الشّيخ الطُّوسي، أبو جعفر محمّد بن الحسن (ت 460 هـ-)، تهذيب الأحكام في شرح المقنعة، دار الكتب الإسلاميّة، طهران - إيران، 1390 هـ-، ج 9، ص 162، ح 665. ‏

‏(14) ‏‏الإمام الشّافعي، محمّد بن إدريس (ت 204 هـ-)، الرِّسالة، تحقيق وشرح أحمد محمّد شاكر، المكتبة العلميّة، بيروت - لبنان، (د ت)، ص 139. وصحّحنا جملة: «ولا يُقتل مؤمنٌ بكافرٍ» في الحديث على أساس: البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي (ت 458 هـ-)، معرفة السُّنن والآثار، تحقيق سيد كسروي حسن، دار الكتب العلميّة، بيروت - لبنان، (د ت)، ج 5، ص 86.‏

‏(15) ‏‏السّيِّد الخوئي، البيان، م. س، ص 299.‏

‏(16) ‏‏م. ن، ص 299.‏

‏(17) ‏‏الطّبري، جامع البيان، م. س، ج 2، ص 166.‏

‏(18) ‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 496. ‏

‏(19) ‏‏نهج البلاغة، م. س، ص 172، الحكمة 254.‏

‏(20) ‏‏الشّيخ الكليني، الكافي، م. س، ج 7، ص 58، ح 6. ‏

‏ ‏

‎ ‎

‏ ‏

‏ ‏

‏ ‏

‏ ‏

‏ ‏

‏ ‏

‎ ‎

‏معاني المفردات ‏

{كُتِب}: بمعنى فُرِض. وقد يكون بمعنى القضاء، أي: قُضِي. ‏

{خيْراً}: الخير: ضدُّ الشّرِّ، وهو ما يرغب فيه الكلُّ لما يشتمل عليه من المنفعة. والمراد به - هنا -: المال. قال الرّاغب: المال «ربّما يكون خيراً لزيد وشرّاً لعمروٍ، ولذلك وصفه الله تعالى بالأمرين؛ فقال في موضعٍ: {إِنْ ترك خيْراً}، وقال في موضعٍ آخر: {أيحْسبُون أنّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ و بنِين*`نُسارِعُ لهُمْ فِي الْخيْراتِ بلْ لا يشْعُرُون}[المؤمنون: 55 - 56]. وقوله تعالى: {إِنْ ترك خيْراً}أي: مالاً، وقال بعض العلماء: لا يُقال للمال خيرٌ حتّى يكون كثيراً ومن مكانٍ طيِّبٍ»‏(1)‏. ‏

{الْوصِيّةُ}: ذكر الفقهاء واللُّغويُّون أنّ معنى الوصيّة يختلف باختلاف أصل الاشتقاق؛ فإذا كانت مشتقّةً من: وصى، يصي، فهي بمعنى الوصل. قال في (الصِّحاح): «ووصيت الشّي‏ء بكذا، إذا وصلته... وأرض واصية: متّصلة النّبات»‏(2)‏. ‏

‏وإذا كان اشتقاق الكلمة من أوصى، يوصي، فالمراد بها العهد. ‏

‏قال الرّاغب: «الوصيّة: التّقدُّم إلى الغير بما يعمل به مقترناً بوِعظٍ... وتواصى القوم: إذا أوصى بعضهم إلى بعض»‏(3)‏. ‏

{بِالْمعْرُوفِ}: المعروف: هو المعروف المتداول من الصّنيعة والإحسان. ‏

{جنفاً}: ميلاً. الجنف: الميل عن الحقِّ على جهة الخطأ، وأصل الجنف: ميلٌ في الحكم. ‏

{إِثْماً}: الإثم: يقارب الذّنب وما يشبهه معنًى، وهو حالٌ في ‏‏الشّيء ‏‏أو في العقل يُبطِّئ الإنسان عن نيل الخيرات، قال الرّاغب: «الإثم والآثام: اسمٌ للأفعال المُبطِّئة عن الثّواب»‏(4)‏. ‏

‏أحكام الوصيّة ‏

‏هذه إحدى آيات الأحكام الّتي تضمّنتها هذه السُّورة، كجزءٍ من تنظيم المجتمع المسلم في المدينة في علاقاته الإنسانيّة، وذلك في نطاق مبدأ الوصيّة للوالدين والأقربين. ‏

‏فقد أراد الله للإنسان أن يعبِّر عن شعوره بالمسؤوليّة تجاه أرحامه بعد الموت، كما أراد له أن يصلهم في حال الحياة، وذلك بأن يوصي لهم ببعضٍ من ماله - إذا ترك شيئاً منه - ليدلِّل على عاطفته نحوهم، ما يحقِّق لرابطة القرابة أساساً يمتزج فيه الجانب الرُّوحيُّ بالعطاء المادِّيِّ في عمليّةٍ إنسانيّةٍ هادفةٍ. ‏

‏ولعلّ هذا ما يميِّز الوصيّة عن الإرث؛ فإنّ الإرث يمثِّل وضعاً تشريعيّاً لا تتدخّل فيه إرادة الإنسان وعاطفته؛ لأنّه حكمٌ شرعيٌّ لا خيار للإنسان فيه، فهو من فرض الله الّذي يجب أن يُخضع له؛ أمّا الوصيّة، فإنّها تنطلق من إرادة الموصي وتفكيره بحالة الموصى له بعد الموت، ومحاولته إيجاد فرصةٍ مادِّيّةٍ له في ما يوصي له به. ‏

‏ويأتي التّشريع - بعد ذلك - ليؤكِّد هذه الإرادة، وليفرض تنفيذها على المكلّفين بشكلٍ دقيقٍ لا مجال فيه للتّغيير والتّبديل تحت طائلة الإثم والعقاب. ‏

‏هل الآية منسوخةٌ؟ ‏

‏ادُّعي أنّ هذه الآية منسوخةٌ، والنّاسخ أحد وجهين:‏

‏ الوجه الأوّل: آية الإرث‏(5)‏؛ إذ يُقال: إنّ وجوب الإيصاء للوالدين والأقربين بالمعروف يوحي بأنّ الآية قد نزلت قبل تشريع آية الإرث؛ حيث كانت الثّروات تُتناقل بالوصيّة وبتحديدٍ مباشرٍ من الموصي. ‏

‏ويؤيِّد النّسخ أنّ وجوب الوصيّة - هنا - قد اقتصر على الوصيّة بماله الّذي يتركه، واقتصر أيضاً على الوصيّة للوالدين والأقربين دون غيرهم، مع العلم أنّ الوصيّة يُمكن أن تكون لغير هؤلاء، ويُمكن أن تكون بغير المال، كالوصيّة بالولاية وبعض أنحاء التّصرُّف. ‏

‏ورُدّ هذا القول‏(6)‏‏:‏

‏أوّلاً:‏‏ بأنّه لا دليل عليه، بل ربّما يُستفاد من تعليق الإرث على عدم الوصيّة، أو تأخيره عنها، أنّ آية الإرث مؤكِّدةٌ للوصيّة؛ فقد قال تعالى: {فإِنْ لمْ يكُنْ لهُ ولدٌ و ورِثهُ أبواهُ فلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فإِنْ كان لهُ إِخْوةٌ فلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بعْدِ وصِيّةٍ يُوصِي بِها أوْ ديْنٍ}[النِّساء: 11]، وغيرها. الأمر الّذي يجعل آية الإرث مؤكِّدةً لشرعيّة الوصيّة، والفراغ عن ثبوتها بدرجةٍ متقدِّمةٍ، فكيف يُمكن أن تتضمّن إلغاءها ونسخها الّذي يتوقّف على أن يكون النّاسخ منافياً للمنسوخ في دلالته؟! ‏

‏ثانياً:‏‏ إنّ النّسخ يفرض تأخُّر الآية النّاسخة عن المنسوخة زماناً، ولم يثبت ذلك بدرجةٍ قطعيّةٍ؛ لأنّ الدّالّ على ذلك من أخبار الآحاد الّتي لا تفيد علماً، مع أنّ النّسخ يحتاج إلى الدّليل القطعيِّ. والخبر الدّالُّ على النّسخ ما رواه البُخاريُّ في (صحيحه)، عن ابن عبّاس أنّه قال: «كان المال للولد، وكانت الوصيّة للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحبّ، فجعل للذّكر مثل حظِّ الأنثيين، وجعل للأبوين لكلِّ واحدٍ منهما السُّدس، وجعل للمرأة الثُّمُن والرُّبع، وللزّوج الشّطر والرُّبع»‏(7)‏. ‏

‏وما رواه محمّد بن مسعود العياشيُّ في (تفسيره)، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام - في الآية - قال: «هي منسوخةٌ، نسختها آية الفرائض الّتي هي للمواريث»‏(8)‏. ‏

‏ثالثاً: قد يؤكِّد عدم النّسخ أنّه لا يُمكن أن تكون آية الإرث ناسخةً للوصيّة للأقربين؛ لأنّهم لا يرثون مع الولد ليكون الإرث بديلاً عن الوصيّة. وممّا يؤيِّد ذلك ما ورد عن السّكونيِّ، عن الصّادق، عن أبيه، عن عليٍّ عليهم السلام ، قال: «من لم يوصِ عند موته لذوي قرابته ممّن لا يرث، فقد ختم عمله بمعصية»‏(9)‏، حيثُ دلّت هذه الرِّواية على وجوب الوصيّة لمن لا يرثه من قرابته. ‏

‏رابعاً: إنّ آية الإرث قد نسخت مورداً خاصّاً في آية الوصيّة، وهو وجوب الوصيّة للوالدين والأقربين، إلاّ أنّ أصل الوجوب الّذي نصّت عليه الآية لا يكون منسوخاً؛ لأنّ الآية قد أسّست وجوب الوصيّة وحدّدت أهمّ موارد هذا الوجوب، ومع نسخ هذا المورد يبقى أصل الوجوب قائماً؛ لأنّه يُقتصر في النّسخ على القدر المتيقّن. ‏

‏ولكنّ الإنصاف أنّ مورد الوجوب هو الوصيّة للوالدين والأقربين، وعلى القول بنسخ الآية بآية الإرث، يرتفع الوجوب؛ لارتفاع مورده، ولا يُمكن تسرية وجوب الوصيّة للوالدين والأقربين الوارد في الآية إلى مطلق وجوب الوصيّة؛ لأنّ ذلك يحتاج إلى مزيد عنايةٍ لا تحتملها آية الإرث. نعم، يأتي ما ذُكر في الوجه الثّالث، من عدم النّسخ بالنِّسبة للأقربين. ‏

‏الوجه الثّاني: ما روي عن النّبيِّ صلى الله عليه و آله و سلم من قوله: «لا وصيّة لوارث»‏(10)‏. ‏

‏وقد ذهب الشّيخ الصّدوق إلى أنّ المقصود هو الوصيّة بأكثر من الثُّلث؛ قال: «الخبر الّذي روي أنّه لا وصيّة لوارث، ليس بخلاف هذا الحديث، ومعناه أنّه لا وصيّة لوارثٍ بأكثر من الثُّلث، كما لا تكون لغير الوارث بأكثر من الثُّلث»‏(11)‏. ‏

‏ولكنّ هذا التّوجيه لا دليل عليه بعد إطلاق الرِّواية؛ فإنّه لا خصوصيّة عندئذٍ بين كونه وارثاً أو غير وارث، فيقتضي إطلاق عدم الإرث لما فوق الثُّلث من دون تحديد المورد بالوارث أو بغيره. ‏

‏وعلى كلِّ حال فقد ردّ السّيِّد الخوئيُّ رحمه الله على هذا الوجه بعدّة أمور:‏

‏فذكر أوّلاً: «أنّ الرِّواية لم تثبت صحّتها، والبخاريُّ ومسلم لم يرضياها. وقد تكلّم في تفسير المنار على سندهما»‏(12)‏. ‏

‏ولنا أن نلاحظ على ما ذكره رحمه الله - هنا -: أنّ هذه الرِّواية مرويّةٌ في كُتُبنا الحديثيّة أيضاً عن الصّادق، عن أبيه عليهما السلام ، قال: قال عليٌّ عليه السلام: «لا وصيّة لوارثٍ ولا إقرار له بدين»‏(13)‏. ‏

‏على أنّه ليس من اتِّفاقٍ على استضعاف الحديث لدى العامّة، بل هو ممّا صحّحه بعضٌ، وحسّنه آخرون، بل قد يلوح من كلام الشّافعيِّ أنّ عليه إجماعهم، قال: «ووجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنه من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أنّ النّبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قال عام الفتح: لا وصيّة لوارث، ولا يُقتل مؤمنٌ بكافر، ويأثرونه عمّن حفظوا عنه ممّن لقوا من أهل العلم بالمغازي. فكان هذا نقل عامّةٍ عن عامّةٍ، وكان أقوى في بعض الأمر من نقل واحدٍ عن واحدٍ، وكذلك وجدنا أهل العلم عليه مجتمعين»‏(14)‏. ‏

‏وعلى كلِّ حال، فإنّ إثبات النّسخ بخبر الواحد - لو ثبت سنده - ممّا لا سبيل إليه، بل لا بُدّ من أن يكون قطعيّاً كما ذكرناه. وعليه فلا يُثبت هذا الوجه النّسخ. ‏

‏وذكر ثانياً: «أنّها معارضةٌ بالرِّوايات المستفيضة عن أهل البيت عليهم السلام الدّالّة على جواز الوصيّة للوارث. ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهما السلام، قال: سألته عن الوصيّة للوارث فقال: تجوز. قال: ثمّ تلا هذه الآية: {إِنْ ترك خيْراً الْوصِيّةُ لِلْوالِديْنِ و الْأقْربِين}. وبمضمونها رواياتٌ أُخُر»‏(15)‏. ‏

‏وذكر ثالثاً: أنّ «الرِّواية لو صحّت وسلمت عن المعارضة بشي‏ءٍ، فهي لا تصلح لنسخ الآية؛ لأنّها لا تنافيها في المدلول، غاية الأمر أنّها مقيّدةٌ لإطلاق الآية، فتختصُّ الوصيّة بالوالدين إذا لم يستحقّا الإرث لمانع، وبمن لا يرث من الأقربين. وإذا فرض وجود المنافاة بينها وبين الآية، فقد تقدّم أنّ خبر الواحد لا يصلح أن يكون ناسخاً للقرآن بإجماع المسلمين». وانتهى أخيراً إلى أنّ «الآية مُحكمةٌ وليست منسوخةً»‏(16)‏. ‏

‏ونحن نوافق السّيِّد الخوئيّ رحمه الله على ما ذكره من أصل الإشكال، أعني أنّها لا تصلح للنّسخ لأنّها لا تنافيها في المدلول، ولكنّ الجمع بين الآية والرِّواية بالقول باختصاص الوصيّة بالوالدين إذا لم يستحقّا الإرث لمانع، هو جمعٌ تبرُّعيٌّ، لا دليل عليه ولا قرينة؛ فإنّ الآية مُطلقةٌ، والرِّواية مطلقةٌ كذلك. نعم، يُمكن القول بتقييدها بالنِّسبة لمن لا يرث من الأقربين. إلاّ أنّ لدينا تحفُّظاً على تخصيص الكتاب بخبر الواحد؛ لأنّ التّخصيص ينطلق من اعتبار الخاصِّ أو المقيّد قرينةً على المراد من المطلق، وعليه فلا بُدّ من أن يرقى المخصِّص السُّنّتيُّ إلى مستوًى من الوضوح يكون لدى العُرف قرينةً على المُراد من المطلق، وإلاّ فلا يصلح للتّخصيص أو التّقييد. ‏

‏وقد يخطر في البال، أنّ ظهور الآية في أنّ الوصيّة فرضٌ على الإنسان لا يتناسب مع فريضة الإرث؛ لأنّ الاهتمام بالإيصاء ينطلق من مبدأ الحرص على مساعدة الموصى لهم بعد الموت، نظراً إلى فقدان رعايته الثّابتة لهم حال الحياة. وهذا ما يمكن أن يحقِّقه مبدأ الإرث. قد يخطر ذلك في البال على أساس الاستبعاد، لا على أساس الحجّة والاستدلال. ‏

‏وفي ضوء ذلك، يمكن أن يستوحي الإنسان منها أجواء النّسخ، ولكن في ما تدلُّ عليه الآية من الوجوب، فلا تنافي ثبوت الجواز في ما تدلُّ عليه الأحاديث عن أهل البيت عليهم السلام.‏

‏ولكنّنا ألمحنا في بداية الحديث عن الآية، إلى أنّ دور الوصيّة في مدلوله الإنسانيِّ، يختلف عن مدلول تشريع الإرث، ونضيف إلى ذلك أنّ موارد الوصيّة لا تلتقي دائماً مع موارد الإرث، فقد تحدث بعض الحالات الّتي لا مجال للإرث فيها، ما يجعل للوصيّة دورها الفاعل الكبير، وقد تحدث بعض الأوضاع الّتي يحتاج فيها الوارث إلى مزيدٍ من الرِّعاية المادِّيّة الّتي لا يحصل عليها من خلال نصيب الإرث... وعلى كلِّ حال، فإنّ الاستبعاد لا يصلح أساساً لتقرير فكرةٍ أو رفضها في أيِّ موردٍ من الموارد القرآنيّة الّتي لا بُدّ لنا فيها من الاعتماد على الأُسس الدّقيقة للتّفسير. ‏

‏كُتب عليكم الوصيّة ‏

‏ولا بُدّ لنا بعد ذلك من جولةٍ تفسيريّةٍ تفصيليّةٍ مع الآية في مفرداتها ومضمونها العامِّ. ‏

{كُتِب عليْكُمْ إِذا حضر أحدكُمُ الْموْتُ}. كُتِب بمعنى قضي، من القضاء، وهو الحكم الّذي يوحي بالإلزام، فلا بُدّ من الالتزام به إلاّ أن يدلّ دليلٌ من كتابٍ أو سُنّةٍ أو إجماعٍ على خلاف ذلك؛ لأنّ اللّفظ لا يخلو من قابليّةٍ لذلك، فالحكم بشي‏ءٍ على شخصٍ قد يقترن بالظُّروف التّخفيفيّة الّتي تجعل المضمون اختياريّاً، وقد لا يقترن بذلك فيبقى على حاله، ولمّا كان إجماع المسلمين قائماً على عدم وجوب الوصيّة للوالدين والأقربين، فلا بُدّ من أن نلتزم بذلك فنحمل الكتابة على أصل التّشريع والجعل. ‏

‏وعلى هذا يكون قوله تعالى: {كُتِب عليْكُمْ إِذا حضر أحدكُمُ الْموْتُ}، أي: سُجِّل عليكم تأكيد الوصيّة. ‏

{إِنْ ترك خيْراً}: مالاً معتدّاً به. والخير: كنايةٌ عن المال. وقد اختلفت الرِّوايات في تحديده، ولكنّ الظّاهر منها هو المقدار المعتدُّ به، الّذي يمكن أن يبقى منه مقدارٌ زائدٌ على حصة الإرث - حسب حالة الورثة - كما ورد في الحديث عن عليٍّ عليه السلام أنّه «دخل على مولًى لهم في الموت وله سبعمئة درهم، أو ستمئة درهم، فقال: ألا أوصي؟ قال: لا، إنّما قال الله: {إِنْ ترك خيْراً}‏ ‏‏وليس لك كثير مال، فدع مالك لورثتك»‏(17)‏. والظّاهر منه المقدار الّذي يتناسب مع طبيعة واقع الحال للموصي والموصى له والورثة. ‏

{الْوصِيّةُ}، وهي التّحليل لما بعد الموت، {لِلْوالِديْنِ و الْأقْربِين بِالْمعْرُوفِ}، الّذي يُحسن الإنسان فيه إلى أقربائه. ‏

{حقّاً}‏ ‏‏ثابتاً {على الْمُتّقِين}؛ لأنّ التّقوى تفجِّر في الإنسان طاقات الخير، بما توحي به من الحصول على محبّة الله ورضاه، والابتعاد عن غضبه وسخطه، ما يدفعه إلى القيام بالأعمال المحبوبة له، واجبةً كانت أو مستحبّةً؛ لأنّ ذلك هو سبيل القرب إليه والنّجاة من عذابه. ‏

‏حرمة تبديل الوصيّة ‏

{فمنْ بدّلهُ بعْد ما سمِعهُ فإِنّما إِثْمُهُ على الّذِين يُبدِّلُونهُ}. إنّ تنفيذ الوصيّة وتحوُّلها إلى واقعٍ عمليٍّ هي مسؤوليّة الوصيِّ، في ما سمعه وعرفه من الوصيّة، تحت طائلة العقاب في حالة التّبديل والتّغيير. وقد أكّد الله على ذلك وشدّد الأمر فيه؛ لأنّ غياب الموصي بالموت يجعل الوصيّ في أمنٍ من جهته، على أساس أنّ الإنسان لا يلتزم عادةً بتنفيذ إرادة الآخرين إلاّ إذا كانوا في وضعٍ خاصٍّ من القوّة المادِّيّة أو المعنويّة الّتي تستتبع الحساب أو العقاب أو العتاب. فلهذا أراد الله أن يثير القضيّة في نطاق عذاب الآخرة، كوسيلةٍ من وسائل التّنفيذ الحاسمة. ‏

{إِنّ اللّه سمِيعٌ علِيمٌ}، فهو الّذي يسمع ما أوصى به الموصي، ويعلم ما يصنعه الوصيُّ في أمر الوصيّة من بعده، فعليه أن يحذر من الله تعالى وأن يتّقيه في كلِّ ذلك. ‏

‏وفي الآية دلالةٌ على أنّ الميِّت لا إثم عليه في تبديل الوصيِّ للوصيّة؛ لأنّها مسؤوليّة الوصيِّ لا مسؤوليّته. ‏

{فمنْ خاف مِنْ مُوصٍ جنفاً أوْ إِثْماً فأصْلح بيْنهُمْ فلا إِثْم عليْهِ}. ربّما تُفسّر هذه الآية بما قبل موت الموصي، وذلك في الحالة الّتي يتصرّف الموصي تصرُّفاً جائراً -‏‏ ‏‏وهو معنى الجنف -، أو منحرفاً عن خطِّ الحقِّ - وهو معنى الإثم الّذي يوحي بتعمُّد الظُّلم-، فإنّ للوصيِّ أن يتدخّل لإصلاح الأمر بين الموصي وبين الوالدين والأقربين، وذلك بإرجاعه عن الخطأ وإعادته إلى الحقِّ، لئلاّ يحصل الخصام والنِّزاع من جرّاء ذلك، كما نشاهده في بعض الأوضاع الخاصّة، عندما يحاول الموصي أن يحرم بعضاً ويعطي بعضاً كنتيجةٍ لبعض الدّوافع الذّاتيّة. ‏

‏وربّما تُفسّر بما بعد الموت، وذلك على أساس الاستثناء من حرمة التّبديل، فإنّ للوصيِّ أن يبدِّل الوصيّة من حالة الباطل إلى حالة الحقِّ؛ لأنّ الإثم هو في تغيير الوصيّة المنسجمة مع خطِّ الحقِّ، لا المنحرفة عنه. كما إذا كانت الوصيّة بما يزيد على الثُّلث للورثة، فللوصي إرجاعه إلى الثُّلث إذا لم يُجِز الورثة ذلك، أو إذا أوصى بتوزيع جميع ثروته على غير الورثة الشّرعيِّين، فلا بُدّ من ردِّها إلى الثُّلث. وإذا كان في الوصيّة ما يؤدِّي إلى الظُّلم كإعانة مراكز الفساد أو فعل حرامٍ أو ترك واجبٍ، أو إذا أدّت الوصيّة إلى نزاعٍ أو فسادٍ يوجب إزهاق الأرواح، فللوصيِّ أن يتدخّل لمنع ذلك بنفسه أو بالاستعانة بالحاكم الشّرعيِّ. وربّما يوحي سياق الآية بالتّفسير الثّاني؛ لأنّها وقعت بعد الآية السّابقة الّتي تتحدّث عن التّبديل بعد الموت، باعتبار أنّ التّصرُّف من صلاحية الوصيِّ. أمّا حالة ما قبل الموت، فلا يملك الوصيُّ أيّة صلاحية فيها. ‏

‏ولكنّ دراسة الآية بدِّقةٍ، توحي بالمعنى الأوّل؛ لأنّها واردةٌ في تخطيط خطِّ الوصيّة في ما هو تكليف الموصي في ما ينبغي أن يوصي به، ممّا لا يتناسب مع خطِّ الجور أو الظُّلم، فإذا انطلق في هذا الاتِّجاه الّذي يثير الخصومة والنِّزاع، فإنّ للوصيِّ -باعتبار علاقته الأكيدة بالموضوع؛ لأنّها مهمّته في المستقبل - أن يتدخّل للإصلاح من موقع الإصلاح، لا من موقع السُّلطة ليُقال - كما سبق - إنّه لا يملك صلاحيةً في الموضوع. وهذا التّفسير هو المرويُّ عن الإمامين الباقر والصّادق عليهما السلام ، في ما ذكره صاحب (مجمع البيان)‏(18)‏. ‏

‏وقد جاء في كلمة الإمام عليٍّ عليه السلام ، في (نهج البلاغة): «يا ابن آدم كُنْ وصيّ نفسك في مالك، واعمل فيه ما تؤثر أن يُعمل فيه من بعدك»‏(19)‏. إنّها توحي بأنّ الإنسان قد يفكِّر بالخير في وصيّته بماله بعد الوفاة، سواءً أكان ذلك في ما يتعلّق بقضاياه الخاصّة، في عباداته أو معاملاته أو صدقاته، أم في ما يتعلّق بالآخرين. وهذا عملٌ جيِّدٌ يدلُّ على روح الخير في نفسه. ولكن هناك مسألةٌ مهمّةٌ في عمق القيمة الرُّوحيّة الأخلاقيّة في النّظرة الواقعيّة إلى الأمور؛ فإنّه عندما كان يوصي بماله بعد الموت، كان يودِّع الحياة ويبتعد عن كلِّ علاقةٍ له بالمال، ما لا يجعله يواجه تضحيةً كبرى بإنفاقه في الخير لنفسه أو للآخرين؛ ولكنّه عندما ينفقه في الحياة مع امتداد الأمل بالبقاء، فإنّه يضحِّي به في الوقت الّذي تكبر حاجته إليه ويعيش الارتباط به، الأمر الّذي يؤكِّد عمق القيمة الإيمانيّة الرُّوحيّة في الإخلاص لله في عمله. ‏

‏وقد ختم الله الآية بقوله تعالى: {إِنّ اللّه غفُورٌ رحِيمٌ}؛ للإيحاء بأنّ رعاية الله لهذا الموصي كانت بإيجاد المصلح الّذي يردُّ الوصيّة إلى الخطِّ المستقيم في الصّلاح والإصلاح، من موقع المغفرة والرّحمة اللّتين يمنحهما الله لعباده الصّالحين إذا أذنبوا، فكيف هو الحال إذا أصلحوا ولم يكن هناك ذنبٌ؟ ‏

‏الإيحاءات والدُّروس والأحكام ‏

‏إنّنا نستوحي من مبدأ الوصيّة في هذه الآيات أموراً :‏

‏1- إنّ الإسلام يريد أن يركِّز على مسؤوليّة المسلم في الاهتمام بأمور الآخرين، ولا سيّما أقرباءه، فيفكِّر بأمورهم في حالة الحياة وفي ما بعد الموت، ويعمل على تحويل التّفكير إلى ممارسةٍ عمليّةٍ حقيقيّةٍ بما يوصي به إليهم من مالٍ، ليضمن لهم نوعاً من كرامة الحياة في ما بعد الموت. ‏

‏2- إنّ في اعتبار هذا التّوجُّه مظهراً من مظاهر التّقوى دلالةً على أنّ قضيّة التّقوى في الإسلام لا تتّصل بالجانب الرُّوحيِّ العباديِّ فحسب، بل تتّسع لتواجه حسّ المسؤوليّة في الإنسان تجاه أخيه الإنسان في الحياة وفي ما بعد الموت، ما يؤكِّد على تنمية الجانب الإنسانيِّ للشُّعور في أعماق الإنسان. ‏

‏ 3- ربّما نستوحي من فقرة: {كُتِب عليْكُمْ إِذا حضر أحدكُمُ الْموْتُ إِنْ ترك خيْراً الْوصِيّةُ لِلْوالِديْنِ و الْأقْربِين بِالْمعْرُوفِ حقّاً على الْمُتّقِين}: أنّ الله يريد للإنسان أن يستفيد من الفرصة الأخيرة في الحياة ليتقرّب إليه من خلال عمل الخير للنّاس الّذين يحتاجون إليه ممّن كانوا السّبب في وجوده، أو الّذين يرتبطون به برابطة الرّحم من خلال إيحاءات القرابة الّتي تفتح كلّ مشاعر الخير في نفس الإنسان في الأجواء الحميمة المنسابة في روحه، الأمر الّذي يجعله يفكِّر بطريقةٍ موضوعيّةٍ متوازنةٍ بعيدةٍ عن كلِّ نوازع الطّمع والجشع والذّاتيّة؛ لأنّه سوف يفارق المال كلّه والحياة كلّها بعد قليلٍ فيفقد كلّ شي‏ءٍ، بينما توحي الوصيّة إليه بالفرصة الإلهيّة في الحصول على العفو والمغفرة والرّحمة في عمل الخير. ‏

‏4- إنّ الله لم يعطِ الإنسان كلّ الحرِّيّة في الوصيّة، بل حدّد له الثُّلث كحدٍّ أقصى؛ حتّى لا يجور على ورثته، فيتركهم في فقرٍ وحاجةٍ، يسألون النّاس إذا تجاوز ذلك فخصّ بعضهم بالمال كلِّه، أو أوصى به للمشاريع العامّة، أو لبعض النّاس الّذين تربطه بهم علاقة خدمةٍ أو إحسانٍ أو نحو ذلك، فللورثة أن يرفضوا الزِّيادة على الثُّلث، فتبطل الوصيّة في الثُّلثين. وواضحٌ ما في هذه النّظرة من مراعاة كلا الطّرفين: الموصي، والموصى لهم. فالإجازة للموصي بالتّصرُّف في ثلث التّركة تُشبع لديه الحاجة إلى التّصرُّف في تركته في السِّياق الّذي يلبيِّ شعوره بالواجب وإحساسه بالمسؤوليّة، فضلاً عن إشباع رغبته وأحلامه، فلا يُحرم - لذلك - من التّصرُّف في ماله في ما بعد الموت. وأمّا ترك الثُّلثين للموصى لهم فيندرج في سياق إعانتهم على تلبية حاجاتهم ومعالجة قضاياهم الخاصّة، وقد جاء في الحديث عن الإمام جعفر الصّادق عليه السلام أنّه قال: «من عدل في وصيّته كان بمنزلة من تصدّق بها في حياته، ومن جار في وصيّته لقي الله عزّ وجلّ يوم القيامة وهو عنه معرضٌ»‏20‏. وربّما كان المراد بالجور هو الوصيّة بأكثر من الثُّلث، أو بالمقدار الّذي يخلق للورثة مشكلةً في حياتهم، لحاجتهم إلى المال الّذي أوصى به. ‏

‏5- إنّ الوصيّة ليست ملزمةً لصاحبها ما دام في الحياة، فله أن يرجع عنها أو يغيِّرها بأيِّ نحوٍ كان، فلا حقّ لأحدٍ عليه في ذلك. ‏

‏6- إنّ على الإنسان أن يوصي بكلِّ الواجبات والمسؤوليّات المترتِّبة عليه، في حقوق النّاس عنده أو حقوق الله الّتي لا بُدّ من قضائها، إذا خاف على نفسه الموت وفوات الفرصة في الأداء والقضاء. أمّا في غير ذلك فالوصيّة مستحبّةٌ. ‏

‏ ‏

‏الهوامش:‏

‏ (1) ‏‏الرّاغب الأصفهاني، المفردات، م. س، ص 160.‏

‏(2) ‏‏الجوهري، إسماعيل بن حمّاد (ت 339 هـ-)، تاج اللُّغة وصحاح العربيّة، ط 4، تحقيق أحمد عبد الغفور العطّار، دار العلم للملايين، بيروت - لبنان، 1407 هـ- - 1987 م، ج 6، ص 2525. ‏

‏(3) ‏‏الرّاغب الأصفهاني، المفردات، م. س، ص 525.‏

‏(4) ‏‏م. ن، ص 10. ‏

‏(5) ‏‏انظر: الطّبري، جامع البيان، م. س، ج 2، ص 162 - 163، وحكاه عن جماعةٍ منهم: ابن عبّاس، وابن عمر، ومجاهد، وقتادة، والسُّدِّيُّ، والحسن البصري.‏

‏(6) ‏‏انظر: السّيِّد الخوئي، البيان، م. س، ص 297 - 299. ‏

‏(7) ‏‏البخاريّ، محمّد بن اسماعيل البخاريّ الجعفي (ت 256 هـ-)، الجامع الصّحيح، دار الفكر، بيروت - لبنان، 1401 هـ- - 1981 م، ج 3، ص 188.‏

‏(8) ‏‏العيّاشي، تفسير العيّاشي، م. س، ج 1، ص 77، ح 167. ‏

‏(9) ‏‏م. ن، ص 76، ح 166. ‏

‏(10) ‏‏أحمد بن حنبل (ت 241 هـ-)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، دار صادر، بيروت - لبنان، ج 4، ص 186 - 187 و 238 - 239، وج 5، ص 267.‏

‏(11) ‏‏الشّيخ الصّدوق، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمِّي (ت 381 هـ-)، من لا يحضره الفقيه، ط 2، منشورات جماعة المدرِّسين في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة، قم - إيران، 1404 هـ-، ج 4، ص 194، ح‏5443.‏

‏(12) ‏‏السّيِّد الخوئي، البيان، م. س، ص 298.‏

‏(13) ‏‏الشّيخ الطُّوسي، أبو جعفر محمّد بن الحسن (ت 460 هـ-)، تهذيب الأحكام في شرح المقنعة، دار الكتب الإسلاميّة، طهران - إيران، 1390 هـ-، ج 9، ص 162، ح 665. ‏

‏(14) ‏‏الإمام الشّافعي، محمّد بن إدريس (ت 204 هـ-)، الرِّسالة، تحقيق وشرح أحمد محمّد شاكر، المكتبة العلميّة، بيروت - لبنان، (د ت)، ص 139. وصحّحنا جملة: «ولا يُقتل مؤمنٌ بكافرٍ» في الحديث على أساس: البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي (ت 458 هـ-)، معرفة السُّنن والآثار، تحقيق سيد كسروي حسن، دار الكتب العلميّة، بيروت - لبنان، (د ت)، ج 5، ص 86.‏

‏(15) ‏‏السّيِّد الخوئي، البيان، م. س، ص 299.‏

‏(16) ‏‏م. ن، ص 299.‏

‏(17) ‏‏الطّبري، جامع البيان، م. س، ج 2، ص 166.‏

‏(18) ‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 496. ‏

‏(19) ‏‏نهج البلاغة، م. س، ص 172، الحكمة 254.‏

‏(20) ‏‏الشّيخ الكليني، الكافي، م. س، ج 7، ص 58، ح 6. ‏

‏ ‏

‎ ‎

‏ ‏

‏ ‏

‏ ‏

‏ ‏

‏ ‏

‏ ‏

‎ ‎

اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير