من هواجس الاغتراب: إشكالات فقهيّة ومرجعيّة

من هواجس الاغتراب: إشكالات فقهيّة ومرجعيّة

فتوى اللّعب بالورق

س: مولانا، الوقت يداهمنا. هناك موضوعٌ مهمٌّ... توجد بعض الملاحظات على السّاحة الأستراليّة بسبب بعض الأشخاص الّذين أثّروا سلبًا نتيجة بعض المواقف أو الفتاوى. تطرّقتم مولانا إلى موضوع السّيّدة الزّهراء (‏ع‏) وموضوع الشَّهادة الثَّالثة في الإقامة، فماذا عن فتوى اللَّعب بالورق مثلًا؟

ج: دعني أبيّن نقطةً يجب أن يعرفها الشّباب: المسائل الفقهيَّة هي مسائل اجتهاديّةٌ، فهناك فتاوى كانت موجودة سابقًا بشكل معيّن، واليوم صارت بشكل آخر، فالرّأي العلميّ يتغيّر، وما كان يُفتى به سابقًا بشكلٍ معيّنٍ، قد يُفتى به الآن بشكلٍ آخر. مثلًا في موضوع الطَّهارة، كان يُحتاط في طهارة غير أهل الكتاب، أمَّا رأيي الآن، وفاقًا لرأي السّيّد محمَّد باقر الصَّدر، وجماعةٍ آخرين، وحتّى الشّيخ المنتظري الّذي كنت أتذاكر معه، فهو أنَّ كلّ إنسانٍ طاهرٌ، حتّى البوذيّ أو الملحد، فهذا رأيٌ فقهيٌّ.

وفي الكتاب الَّذي صدر لي بعنوان (فقه الحياة)، وهو يحتوي على فقه الطّبّ وفقه الرّياضة وغيرها، بيّنت هذه الأمور، ويمكنكم الاستفادة منه.

أمَّا بالنّسبة إلى اللّعب بالورق (الشّدّة)، فهناك نظريّتان فقهيّتان:

- النّظريَّة الأولى تقول إنَّ اللّعب بآلات القمار حرامٌ، سواء كان بشرطٍ (برهانٍ) أو بدون شرطٍ، والسّيّد الخوئيّ (‏قده‏) ممّن يرى ذلك.

- النّظريَّة الثَّانية تقول إنَّ اللّعب حرامٌ إذا كان قمارًا، أمَّا اللّعب للتّسلية فلا مانع منه. وهذا رأيٌ كان يراه علماء سابقون، منهم المرجع السّيّد أحمد الخوانساري الّذي كان مرجع طهران - (الّذي كان يعظّمه السّيّد الخمينيّ) - فقد كان يرى حِلّيّة اللّعب بآلات القمار من دون شرطٍ. وحتّى الآن، السّيّد السيستانيّ، لا يُفتي بالحرمة، وإنّما يحتاط احتياطًا.  

أنا عندما حقَّقت في المسألة بحسب اجتهادي الفقهيّ، رأيت أنَّ الله تعالى قال: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ...}(‏المائدة: 90‏)، والميسر يعني القمار. فاللَّعب بآلات القمار من دون أن يكون "ميسرًا" (أي من دون رهانٍ) حلالٌ. ولكنّني أضفت شرطًا، وهذا مكتوبٌ في المسائل الفقهيَّة: بشرط أن لا يصدّ ذلك الإنسانَ عن ذكر الله، وأن لا يلهيه عن الصَّلاة، وأن لا يعطّله عن مسؤوليَّاته الشَّرعيَّة والعائليَّة وما إلى ذلك.

وقد حاولت تقريب الفكرة بالقول لمن يجلس من الصَّباح حتّى اللّيل وهو يلعب بحجّة أنَّ السيّد قال إنَّ لعب الورق حلال، مُهملًا عائلته ومسؤوليّاته، قلت: نحن نقول لحم الغنم حلالٌ، فهل يعقل أن يأكل الشَّخص عشرين رطلًا في اليوم؟! وشرب الماء حلالٌ، فهل يشرب خمسين عبوّة مياه في اليوم؟! هو حلالٌ بشرط أن لا يضرّك، وأن لا يضرَّ عائلتك، وأن لا يعطّلك عن عملك وعبادتك. وهذا كلّه مكتوبٌ.

طبعًا، هذه الفتوى تُلزم مَن يقلّدني فقط، أمَّا مَن بقي على تقليد السّيّد الخوئيّ أو السّيّد الخمينيّ، فلا يجوز لهم ذلك.

ولماذا يُستغرب هذا؟! السّيّد الخمينيّ أفتى بفتوى لم يُفتِ بها أحدٌ قبله في موضوع الشَّطرنج، وإيران الآن تشارك في مسابقات الشَّطرنج العالَميَّة، بينما 90% أو 95% من علماء الشّيعة والسنَّة يقولون إنَّ الشَّطرنج حرامٌ، سواء خرج عن كونه آلة قمارٍ أو بقي. السّيّد الخوئيّ وجماعةٌ من العلماء، حتّى السّيّد السيستانيّ، يحرّمون الشَّطرنج مطلقًا، حتّى لو خرج عن كونه آلة قمار، بينما السّيّد الخمينيّ يقول بحلّيّته إذا خرج عن كونه من آلات القمار. وكما هوجمت، كذلك هوجم السيّد الخميني في إيران، حتّى اضطرَّ أن يقول لهم: أنتم تحاربونني هكذا، مع أنَّ السّيّد أحمد الخوانساري متقدّمٌ عليّ في هذا، فهو يقول بحلّيّتها، حتّى لو كانت آلات قمار. هذا رأيٌ فقهيٌّ.

أنا أقول: إذا أراد عالِمٌ أن يناقشني بعلمٍ فأهلًا وسهلًا. أمَّا أن يأتي شخصٌ غير عالِمٍ ليقول: لماذا يُفتي فلانٌ بكذا؟ فأقول له: وما أدراك أنت بالفتوى؟! الله تعالى يقول: {هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ}(‏آل عمران: 66‏).

أنا ممتنٌّ لأيّ عالِمٍ يحترم علمه ويحاورني؛ فحياتي كلّها حواريّةٌ، أحاور المسيحيّين، والسنّة، وحتّى الشّيوعيّين.. أنا مستعدٌّ لأن أحاور أيّ شخصٍ، وإذا اكتشفت أنّني مخطئٌ سأتراجع.. ولا توجد فتوى أفتيت بها إلّا وهناك علماء (في السَّابق أو الحاضر) يتَّفقون معي فيها. بعض النَّاس يستغربون الأشياء غير المألوفة لديهم؛ فمثلًا، بعض العلماء يفتون بحرمة اللَّعب بالورق، لكنَّهم يبيحون اللّعب بلعبة "البرجيس"، لأنّها ليست من آلات القمار بحسب رأيهم، أو يبيحون لك أن ترسم على ورقٍ عاديٍّ وتلعب به! ولكن ما الفرق بين هذا وذاك؟!

لذلك أختصر المسألة: أيّ شيخٍ أو سيّدٍ عالِمٍ يريد أن ينتقد، فهذا عنواني؛ سواء أحبّ أن يتّصل بي هاتفيًّا، أو يبعث إليَّ شريطًا وأبعث إليه شريطًا، أو يرسل إليَّ رسالةً مكتوبةً... أنا مستعدٌّ لمحاورة أيّ إنسانٍ في أيّ شيءٍ بكلّ محبّةٍ. أمَّا الشَّخص الَّذي ليس هذا من اختصاصه، فنقول له: هذا ليس من شأنك.

التَّنازل عن المرجعيَّة!

س: لماذا لم تتنازلوا عن المرجعيّة للسّيّد القائد الخامنئي، كما يُشاع كإشكالٍ ضدّكم؟

أوّلًا، لقد اعترف السّيّد الخامنئيّ بالمرجعيَّات الموجودة في (قمّ)، وقال للنَّاس في داخل إيران: "قلّدوا مراجعكم، وأنا سأكون مرجعيَّة الخارج" (خارج إيران). وفي الخارج، هناك ناسٌ يقلّدون مراجع آخرين. لو كان السّيّد الخامنئي وحده المرجع، لكان الأمر مختلفًا، ولكنَّ السيّد الخامنئي يمثّل عشرة في المائة من واقع المرجعيَّات. 

إنَّ مسألة "الولاية" شيءٌ، والمرجعيّة شيءٌ آخر؛ أنا من النَّاس الّذين يقولون بولاية الفقيه (بطريقةٍ معيّنةٍ)، لكنّ المرجعيَّة هي حالةٌ ثقافيّةٌ علميّةٌ. لذلك، لا توجد ضرورةٌ في هذا المجال للتّنازل. كما أنَّ السّيّد الخامنئي لم يتنازل عن المرجعيّة لعلماء (قمّ) الّذين قد يكونون أقدم منه.

فالسّؤال الَّذي يُوجَّه إليَّ: "لماذا لم تتنازل؟" يُوجَّه إليه أيضًا. التّنازل عن المرجعيَّة ليس واردًا لا بالنّسبة إليَّ ولا بالنّسبة إليه، لأنَّ المرجعيَّة، كما قلت، حالةٌ ثقافيّةٌ وليست سياسيَّة، تمامًا كالطَّبيبٍ، هل يغلق عيادته لمصلحة طبيبٍ أقدم منه؟! أو مهندسٍ أو أستاذ جامعة، هل يستقيل لأنَّ هناك مَن هو أقدم منه؟! هذا طرحٌ ينمّ عن جهلٍ بمعنى المرجعيَّة.

والسّيّد محمَّد باقر الصَّدر لم يتنازل عن المرجعيَّة، قال: "ذوبوا في مرجعيَّة هذا"، ولذلك مَن كان مقلّدًا للسّيّد الشَّهيد الصَّدر، بقي مقلّدًا له مع مرجعيَّة الإمام الخمينيّ، وكان يريد أن يؤيّد قيادته وموقعه.

وعلاقتي بالسّيّد الخامنئيّ من أفضل ما يكون، ويمكنكم أن تسألوا الدّكتور الباقري إذا التقيتم به، فقد كان حاضرًا في مجلس السّيّد الخامنئي، وأخبرني الشّيخ محمّد علي التّسخيري (وأرسل إليّ رسالةً بذلك)، أنّ شخصًا إيرانيًّا جاء يمدح السيّد الخامنئي ويتكلّم عنّي بسوءٍ، فدفعه السّيّد القائد بكلّ شدّةٍ، وتكلّم عنّي بشكلٍ ممتازٍ. فعلاقتي به تمتدّ لأكثر من ثلاثين سنة.

ولذلك، عندما كان عندي بعض الإخوة الإيرانيّين ومعهم السَّفير، قلت لهم: من توفيقكم أنَّكم اتّخذتم السّيّد الخامنئيّ قائدًا (وليًّا للفقيه) بعد الإمام الخمينيّ، لأنَّكم لو انتخبتم غيره لكان الوضع مختلفًا. وهذا حديثي الّذي أتحدَّث به عن السّاحة الإيرانيَّة.

* من أسئلة توجّهت إلى سماحة المرجع السيّد محمَّد حسين فضل الله (رض) في لقائه مع الشَّباب المغترب في أستراليا، بتاريخ: 15/01/1997م.

فتوى اللّعب بالورق

س: مولانا، الوقت يداهمنا. هناك موضوعٌ مهمٌّ... توجد بعض الملاحظات على السّاحة الأستراليّة بسبب بعض الأشخاص الّذين أثّروا سلبًا نتيجة بعض المواقف أو الفتاوى. تطرّقتم مولانا إلى موضوع السّيّدة الزّهراء (‏ع‏) وموضوع الشَّهادة الثَّالثة في الإقامة، فماذا عن فتوى اللَّعب بالورق مثلًا؟

ج: دعني أبيّن نقطةً يجب أن يعرفها الشّباب: المسائل الفقهيَّة هي مسائل اجتهاديّةٌ، فهناك فتاوى كانت موجودة سابقًا بشكل معيّن، واليوم صارت بشكل آخر، فالرّأي العلميّ يتغيّر، وما كان يُفتى به سابقًا بشكلٍ معيّنٍ، قد يُفتى به الآن بشكلٍ آخر. مثلًا في موضوع الطَّهارة، كان يُحتاط في طهارة غير أهل الكتاب، أمَّا رأيي الآن، وفاقًا لرأي السّيّد محمَّد باقر الصَّدر، وجماعةٍ آخرين، وحتّى الشّيخ المنتظري الّذي كنت أتذاكر معه، فهو أنَّ كلّ إنسانٍ طاهرٌ، حتّى البوذيّ أو الملحد، فهذا رأيٌ فقهيٌّ.

وفي الكتاب الَّذي صدر لي بعنوان (فقه الحياة)، وهو يحتوي على فقه الطّبّ وفقه الرّياضة وغيرها، بيّنت هذه الأمور، ويمكنكم الاستفادة منه.

أمَّا بالنّسبة إلى اللّعب بالورق (الشّدّة)، فهناك نظريّتان فقهيّتان:

- النّظريَّة الأولى تقول إنَّ اللّعب بآلات القمار حرامٌ، سواء كان بشرطٍ (برهانٍ) أو بدون شرطٍ، والسّيّد الخوئيّ (‏قده‏) ممّن يرى ذلك.

- النّظريَّة الثَّانية تقول إنَّ اللّعب حرامٌ إذا كان قمارًا، أمَّا اللّعب للتّسلية فلا مانع منه. وهذا رأيٌ كان يراه علماء سابقون، منهم المرجع السّيّد أحمد الخوانساري الّذي كان مرجع طهران - (الّذي كان يعظّمه السّيّد الخمينيّ) - فقد كان يرى حِلّيّة اللّعب بآلات القمار من دون شرطٍ. وحتّى الآن، السّيّد السيستانيّ، لا يُفتي بالحرمة، وإنّما يحتاط احتياطًا.  

أنا عندما حقَّقت في المسألة بحسب اجتهادي الفقهيّ، رأيت أنَّ الله تعالى قال: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ...}(‏المائدة: 90‏)، والميسر يعني القمار. فاللَّعب بآلات القمار من دون أن يكون "ميسرًا" (أي من دون رهانٍ) حلالٌ. ولكنّني أضفت شرطًا، وهذا مكتوبٌ في المسائل الفقهيَّة: بشرط أن لا يصدّ ذلك الإنسانَ عن ذكر الله، وأن لا يلهيه عن الصَّلاة، وأن لا يعطّله عن مسؤوليَّاته الشَّرعيَّة والعائليَّة وما إلى ذلك.

وقد حاولت تقريب الفكرة بالقول لمن يجلس من الصَّباح حتّى اللّيل وهو يلعب بحجّة أنَّ السيّد قال إنَّ لعب الورق حلال، مُهملًا عائلته ومسؤوليّاته، قلت: نحن نقول لحم الغنم حلالٌ، فهل يعقل أن يأكل الشَّخص عشرين رطلًا في اليوم؟! وشرب الماء حلالٌ، فهل يشرب خمسين عبوّة مياه في اليوم؟! هو حلالٌ بشرط أن لا يضرّك، وأن لا يضرَّ عائلتك، وأن لا يعطّلك عن عملك وعبادتك. وهذا كلّه مكتوبٌ.

طبعًا، هذه الفتوى تُلزم مَن يقلّدني فقط، أمَّا مَن بقي على تقليد السّيّد الخوئيّ أو السّيّد الخمينيّ، فلا يجوز لهم ذلك.

ولماذا يُستغرب هذا؟! السّيّد الخمينيّ أفتى بفتوى لم يُفتِ بها أحدٌ قبله في موضوع الشَّطرنج، وإيران الآن تشارك في مسابقات الشَّطرنج العالَميَّة، بينما 90% أو 95% من علماء الشّيعة والسنَّة يقولون إنَّ الشَّطرنج حرامٌ، سواء خرج عن كونه آلة قمارٍ أو بقي. السّيّد الخوئيّ وجماعةٌ من العلماء، حتّى السّيّد السيستانيّ، يحرّمون الشَّطرنج مطلقًا، حتّى لو خرج عن كونه آلة قمار، بينما السّيّد الخمينيّ يقول بحلّيّته إذا خرج عن كونه من آلات القمار. وكما هوجمت، كذلك هوجم السيّد الخميني في إيران، حتّى اضطرَّ أن يقول لهم: أنتم تحاربونني هكذا، مع أنَّ السّيّد أحمد الخوانساري متقدّمٌ عليّ في هذا، فهو يقول بحلّيّتها، حتّى لو كانت آلات قمار. هذا رأيٌ فقهيٌّ.

أنا أقول: إذا أراد عالِمٌ أن يناقشني بعلمٍ فأهلًا وسهلًا. أمَّا أن يأتي شخصٌ غير عالِمٍ ليقول: لماذا يُفتي فلانٌ بكذا؟ فأقول له: وما أدراك أنت بالفتوى؟! الله تعالى يقول: {هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ}(‏آل عمران: 66‏).

أنا ممتنٌّ لأيّ عالِمٍ يحترم علمه ويحاورني؛ فحياتي كلّها حواريّةٌ، أحاور المسيحيّين، والسنّة، وحتّى الشّيوعيّين.. أنا مستعدٌّ لأن أحاور أيّ شخصٍ، وإذا اكتشفت أنّني مخطئٌ سأتراجع.. ولا توجد فتوى أفتيت بها إلّا وهناك علماء (في السَّابق أو الحاضر) يتَّفقون معي فيها. بعض النَّاس يستغربون الأشياء غير المألوفة لديهم؛ فمثلًا، بعض العلماء يفتون بحرمة اللَّعب بالورق، لكنَّهم يبيحون اللّعب بلعبة "البرجيس"، لأنّها ليست من آلات القمار بحسب رأيهم، أو يبيحون لك أن ترسم على ورقٍ عاديٍّ وتلعب به! ولكن ما الفرق بين هذا وذاك؟!

لذلك أختصر المسألة: أيّ شيخٍ أو سيّدٍ عالِمٍ يريد أن ينتقد، فهذا عنواني؛ سواء أحبّ أن يتّصل بي هاتفيًّا، أو يبعث إليَّ شريطًا وأبعث إليه شريطًا، أو يرسل إليَّ رسالةً مكتوبةً... أنا مستعدٌّ لمحاورة أيّ إنسانٍ في أيّ شيءٍ بكلّ محبّةٍ. أمَّا الشَّخص الَّذي ليس هذا من اختصاصه، فنقول له: هذا ليس من شأنك.

التَّنازل عن المرجعيَّة!

س: لماذا لم تتنازلوا عن المرجعيّة للسّيّد القائد الخامنئي، كما يُشاع كإشكالٍ ضدّكم؟

أوّلًا، لقد اعترف السّيّد الخامنئيّ بالمرجعيَّات الموجودة في (قمّ)، وقال للنَّاس في داخل إيران: "قلّدوا مراجعكم، وأنا سأكون مرجعيَّة الخارج" (خارج إيران). وفي الخارج، هناك ناسٌ يقلّدون مراجع آخرين. لو كان السّيّد الخامنئي وحده المرجع، لكان الأمر مختلفًا، ولكنَّ السيّد الخامنئي يمثّل عشرة في المائة من واقع المرجعيَّات. 

إنَّ مسألة "الولاية" شيءٌ، والمرجعيّة شيءٌ آخر؛ أنا من النَّاس الّذين يقولون بولاية الفقيه (بطريقةٍ معيّنةٍ)، لكنّ المرجعيَّة هي حالةٌ ثقافيّةٌ علميّةٌ. لذلك، لا توجد ضرورةٌ في هذا المجال للتّنازل. كما أنَّ السّيّد الخامنئي لم يتنازل عن المرجعيّة لعلماء (قمّ) الّذين قد يكونون أقدم منه.

فالسّؤال الَّذي يُوجَّه إليَّ: "لماذا لم تتنازل؟" يُوجَّه إليه أيضًا. التّنازل عن المرجعيَّة ليس واردًا لا بالنّسبة إليَّ ولا بالنّسبة إليه، لأنَّ المرجعيَّة، كما قلت، حالةٌ ثقافيّةٌ وليست سياسيَّة، تمامًا كالطَّبيبٍ، هل يغلق عيادته لمصلحة طبيبٍ أقدم منه؟! أو مهندسٍ أو أستاذ جامعة، هل يستقيل لأنَّ هناك مَن هو أقدم منه؟! هذا طرحٌ ينمّ عن جهلٍ بمعنى المرجعيَّة.

والسّيّد محمَّد باقر الصَّدر لم يتنازل عن المرجعيَّة، قال: "ذوبوا في مرجعيَّة هذا"، ولذلك مَن كان مقلّدًا للسّيّد الشَّهيد الصَّدر، بقي مقلّدًا له مع مرجعيَّة الإمام الخمينيّ، وكان يريد أن يؤيّد قيادته وموقعه.

وعلاقتي بالسّيّد الخامنئيّ من أفضل ما يكون، ويمكنكم أن تسألوا الدّكتور الباقري إذا التقيتم به، فقد كان حاضرًا في مجلس السّيّد الخامنئي، وأخبرني الشّيخ محمّد علي التّسخيري (وأرسل إليّ رسالةً بذلك)، أنّ شخصًا إيرانيًّا جاء يمدح السيّد الخامنئي ويتكلّم عنّي بسوءٍ، فدفعه السّيّد القائد بكلّ شدّةٍ، وتكلّم عنّي بشكلٍ ممتازٍ. فعلاقتي به تمتدّ لأكثر من ثلاثين سنة.

ولذلك، عندما كان عندي بعض الإخوة الإيرانيّين ومعهم السَّفير، قلت لهم: من توفيقكم أنَّكم اتّخذتم السّيّد الخامنئيّ قائدًا (وليًّا للفقيه) بعد الإمام الخمينيّ، لأنَّكم لو انتخبتم غيره لكان الوضع مختلفًا. وهذا حديثي الّذي أتحدَّث به عن السّاحة الإيرانيَّة.

* من أسئلة توجّهت إلى سماحة المرجع السيّد محمَّد حسين فضل الله (رض) في لقائه مع الشَّباب المغترب في أستراليا، بتاريخ: 15/01/1997م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية