محاضرات
23/01/2026

عليُّ بنُ الحسينِ (ع): السّموُّ في الأخلاقِ والترفُّع عن الأحقاد

عليُّ بنُ الحسينِ (ع): السّموُّ في الأخلاقِ والترفُّع عن الأحقاد

{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}[الأحزاب: 33].

من أئمَّة أهل البيت (ع)، الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (ع) الَّذي تصادف ذكرى وفاته هذا اليوم.

ولا بدَّ لنا أن نعيش مع هذا الإمام العظيم الَّذي كان بكلِّه لله، وكان يعيش مع الله سبحانه وتعالى في ليله ونهاره، فلم يكن فيه شيء لغير الله، وكان يتحرَّك في عبادته صلاةً ودعاءً وابتهالاً وقضاءً لحوائج النَّاس، وتعليماً لهم، وتوجيهاً لهم، وعملاً في كلِّ ما يتَّصل بكلِّ قضاياهم في الحياة.

كان الإمامَ الَّذي استطاع في مرحلته أن يملأ الحياة الإسلاميَّة علماً، ولعلَّنا عندنا ندرس أسماء الأشخاص الَّذين تلمَّذوا عليه ورووا عنه، نرى أنَّهم كانوا يمثِّلون قيادة الفكر الإسلاميّ والتَّاريخ الإسلاميّ. ولذلك، فإنَّ على الَّذين يريدون أن يدرسوا الإمام زين العابدين (ع)، أن لا يدرسوه فقط في جانب عبادته، وفي جانب المأساة في حياته، وفي جانب دعائه، ليقول بعض النَّاس إنَّ أسلوبه في الدَّعوة كان أسلوب الدّعاء، كان الإمام عليّ بن الحسين (ع) يتحرَّك بكلِّ ألوان العلم الَّتي عاشها النَّاس في حياته، وكان ينطلق في حياة النَّاس ليعطيهم القدوة في سيرته، كما كان يعطيهم التَّوجيه والتربية في كلماته.

ولذلك، فإنَّنا عندما ندرس عليَّ بن الحسين (ع)، ندرس الإنسان الَّذي انطلق في حياة المسلمين قائداً للواقع وللحياة، وإن لم يكن في موقع القيادة الرسميَّة.

معَ دعاءِ الانقطاعِ إلى الله

في البداية، ما نعيشه مع عليّ بن الحسين (ع)، هو دعاؤه في الانقطاع إلى الله: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَخْلَصْتُ بِانْقِطَاعِي إِلَيْكَ - لقد انقطع (ع) إلى الله، فلم يكن هناك شيء أو شخص يشغله عنه، فكان انقطاعُه انقطاعَ إخلاصٍ لله سبحانه؛ إخلاص العقل والقلب والحياة كلِّها.

- وَأَقْبَلْتُ بِكُلِّي عَلَيْكَ - ليست هناك جارحة من جوارحي، ولا جهاز من أجهزة جسمي، يمكن أن ينشغل عنك يا ربّ، فلقد أقبل عقلي إليك، وأقبل قلبي إليك، وأقبلت حياتي إليك، وأقبل كلّ الواقع الَّذي يتَّصل بي إليك.

- وَصَرَفْتُ وَجْهِي عَمَّنْ يَحْتَاجُ إِلَى رِفْدِكَ - يا ربّ، إنَّ النَّاس يتوجَّهون إلى من يملك المال أو الجاه ليأخذوا منه حاجاتهم، ولكنّي رأيت أنَّ هذا الإنسان الَّذي يتوجَّه إليه النَّاس، هو المحتاج إلى عطائك ورفدك.

- وَقَلَبْتُ مَسْأَلَتِي عَمَّنْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ فَضْلِكَ، وَرَأَيْتُ أَنَّ طَلَبَ الْمُحْتَاجِ إِلَى الْمُحْتَاجِ سَفَهٌ مِنْ رَأْيِهِ، وَضَلَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ - وأيُّ سفه أكثر من أن يكون الإنسان محتاجاً ويطلب حاجته من المحتاج؟!

فَكَمْ قَدْ رَأَيْتُ، يَا إِلَهِي - رأيت أمامي، يا ربّ، بالتَّجرية وبالإيمان - مِنْ أُنَاسٍ طَلَبُوا الْعِزَّ بِغَيْرِكَ فَذَلُّوا، وَرَامُوا الثَّرْوَةَ مِنْ سِوَاكَ فَافْتَقَرُوا، وَحَاوَلُوا الِارْتِفَاعَ فَاتَّضَعُوا، فَصَحَّ بِمُعَايَنَةِ أَمْثَالِهِمْ حَازِمٌ وَفَّقَهُ اعْتِبَارُهُ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى طَرِيقِ صَوَابِهِ اخْتِيَارُه، فَأَنْتَ يَا مَوْلايَ دُونَ كُلِّ مَسْؤولٍ مَوْضِعُ مَسْأَلَتِي، وَدُونَ كُلِّ مَطْلُوبٍ إِلَيْهِ وَلِيُّ حَاجَتِي".

هذا هو عليّ بن الحسين الَّذي عاش مع الله، وأقبل بكلِّه عليه، ليقول لنا من خلال هذا الدّعاء من أدعية الصَّحيفة السَّجاديَّة، أيُّها النَّاس، كونوا بكلِّكم لله، وانقطعوا بكلِّكم إليه، لأنَّه ليس هناك إلّا الله، وكلّ ما عداه فهو خلقه، وكلّ مَنْ هو غير الله فهو عبده. لذلك، انطلقوا مع السيِّد ولا تكونوا مع العبيد، انطلقوا مع الخالق ولا تكونوا مع المخلوق.

وصيَّة الحسينِ (ع) لولدِهِ

وهكذا، عاش الإمام زين العابدين (ع) مع جدِّه عليّ (ع) سنتين، وعاش مع عمِّه الحسن (ع) بعد ذلك عشر سنوات، وعاش مع أبيه الحسين (ع)، وانفتح عليه، وناجاه وأوصاه وتعهَّده، وكان يعدُّه للإمامة العظمى من بعده، وكان يقول له في آخر لحظات حياته:  "يا بنيَّ، اصْبِرْ عَلَى‏ الحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرّاً"، سيواجهك الكثير من الباطل، وهو حلو المطعم في البداية، ولكنَّه مرٌّ في النِّهاية... وستواجه الحقّ، والحقّ قد يكون مرّاً وكريهاً مطعمه، ولكنَّه حلوٌ في كلِّ نتائجه، والعاقل هو الَّذي يأكل المرَّ حتَّى يستطيع أن يجد الحلاوة في نهاية المطاف. "يا بنيّ، إِيَّاكَ وَظُلْمَ مَنْ لَا يَجِدُ عَلَيْكَ نَاصِراً إِلَّا اللَّهَ".

هذه وصيَّة الإمام الحسين (ع)، كما ينقلها الإمام الباقر (ع) عندما أوصى ولده، وقال إنَّ عليَّ بن الحسين أوصاه بذلك، وقال إنَّ أباه أوصاه بذلك.

شيئان في آخر لحظات الحسين (ع) كان يحدِّث بهما ولده المعدَّ لخلافته من بعده؛ الأمر الأوَّل: "اصْبِرْ عَلَى‏ الحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرّاً وهذا يقتضي منَّا أن لا نرفض الحقَّ لأنّنا لا نستلذّ طعمه، وأنَّ علينا أن لا نعتبر بداية المذاق هي كلّ شيء، بل أن نفكِّر في النّهايات.. قد تشرب الدَّواء المرّ الَّذي يزعجك طعمه، ولكنَّه يشفي لك أكثر من مرض، ويعطيك العافية والرَّاحة، وقد تأكل الطَّعام الحلو، ولكنَّه قد يكون على طريقة السّمّ في الدَّسم. لذلك انظر إلى نهايات الأمور.. اصبر على الحقِّ في العقيدة حتَّى لو خالفك النَّاس في عقيدتك، اصبر على الحقّ في الشَّريعة حتَّى لو خالفك النَّاس في شريعتك، اصبر على الحقّ في الموقف حتَّى لو رجمك النَّاس بالحجارة، لأنَّ اللهَ هو الحقّ: {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ}[لقمان: 30]، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ}[يونس: 32].

والمسألة الثَّانية هي العدل وعدم الظّلم. إنَّ الحسين (ع) كان رجلَ العدل، لأنَّ عليّاً (ع) كان رجلَ العدل، ولأنَّ محمَّداً (ص) كان رجلَ العدل، ولأنَّ القرآنَ كان كتابَ العدل، ولأنَّ الله يأمرُ بالعدل، إيَّاك والضَّعيف في بيتك لا يجد عليك ناصراً إلَّا الله، والضَّعيف في جوارك لا يجد عليك ناصراً إلَّا الله، والضَّعيف في عملك وفي ساحتك وفي كلِّ المواقع: "إِيَّاكَ وَظُلْمَ مَنْ لَا يَجِدُ عَلَيْكَ نَاصِراً إِلَّا اللَّهَ".

هذه وصيَّة الحسين (ع) لعليِّ بن الحسين، ووصيَّة عليِّ بن الحسين (ع) لولده الإمام الباقر (ع)، وكلامهم واحد، وهذه وصيَّتهم إلينا، لأنَّهم لا يعيشون حالة شخصيَّة مع أولادهم، بل إنَّهم يعطونهم الخطَّ االمستقيم الَّذي لا بدَّ لهم أن يتحركوا فيه: لا تكونوا أهل الباطل، ولا تكونوا أهل الظّلم.

المأساة.. والترفُّع عن الحقد

وهكذا عاش عليّ بن الحسين (ع) مع أبيه كلَّ المأساة، وهي مأساة عاشت في كلِّ قلبه، وكان يتذكَّرها بين وقتٍ وآخر، فبينما كان أبوه الحسين (ع) معه، وكذلك أعمامه وإخوته وأهل بيته وأصحابه، كانت السَّاحة تمتلئ بهم، فجأةً، صار في كلِّ دقيقة يسقط شهيد، وكان يسمع البكاء ويعيش الحزن، وهكذا في سويعات قلائل سقط الجميع، وسقط الأطفال الرّضَّع، وكانت المسألة ليست كقنبلةٍ تتفجَّر ليعيش الإنسان المأساة دفعةً واحدة، ولكنَّ المأساة كانت تتحرَّك في كلِّ دقيقة وفي كلِّ ساعة، كانت تعيشُ في أعماقِهِ، ونحن نعرفُ ماذا يمكنُ أن تفعلَ هذه المأساةُ المتحرّكةُ على مدى الزَّمنِ في الأعماق.

ولكنَّ عليَّ بن الحسين (ع)، وهو الَّذي عاش المأساة وعاش الحزن، لم تصرفه المأساة عن رسالته، وعن حركة إمامته، وعن كلِّ ما يتعلَّق بمسؤوليَّته في الواقع. كان يعطي النَّموذج القدوة في التّرفّع عن الحقد وعن العداوة، كانت عظمته كعظمة آبائه وأبنائه، أنَّه كان يعيش المحبَّة حتَّى لأعدائه، وكان يحسن إلى أكثر النَّاس إساءةً إليه. أتريدون مثلاً على ذلك؟ مَنْ هو مروان بن الحكم؟ هذا الإنسان الَّذي عاش البغض والعداوة لعليّ (ع) وأولاده، هذا الَّذي قال لوالي المدينة، إذا لم يبايع الحسينُ فاقتله قبل أن يخرج. ودارت الدَّائرة على بني أميَّة في وقعة الحرَّة، في ثورة أهل المدينة على يزيد، وكان لمروان عائلة كبيرة من أولاده وأحفاده نساءً ورجالاً، بما يقارب الأربعمائة شخص، ودار مروان على وجهاء المدينة حتَّى يضع عائلته عندهم، فرفضوا ذلك، لأنَّ الوضع كان ضدّه، والنّاس عادةً تكون مع الواقف، فإذا حصلت ثورة على جهة، رجم النَّاس الَّذين تكون الثَّورة عليهم بالحجارة. فلم يبق إلَّا عليّ بن الحسين (ع)، وكان للإمام (ع) موقع، باعتبار أنَّ يزيد أراد أن يخفِّف من تأثير جريمته في قتل الإمام الحسين (ع)، فنبَّه على والي المدينة أن لا يعرض على عليّ بن الحسين بسوء، ولذلك صار له مكانة مميَّزة من النَّاحية الرسميَّة، فجاء مروان بن الحكم إلى الإمام (ع)، وطلب منه أن يجير عياله عنده إلى أن تنتهي المشكلة، فقال له الإمام (ع): "ابعَثْ بعيَالِكَ إِلَى عِيَالِي". ومكث هؤلاء عند عليّ بن الحسين (ع)، كما تقول كتب السّيرة مدّةً طويلة، حتّى انجلت المشكلة، وقالت بعض بناته كما ينقل: "مَا وجدْنا منَ الإِحْسَانِ والرِّعَايةِ في بَيْتِ أَبينا مَا وَجَدْناهُ في بَيْتِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْن".

وفي قصَّة ثانية، كان هناك والٍ في المدينة من قبل الأمويّين اسمه هشام، وكان كلُّ اهتمامه أن يسيء إلى عليّ بن الحسين (ع) وأهل بيته، فقد كانت عنده عقدة منهم، ودارت الأيَّام، فعزله الخليفة بسبب قضايا ماليَّة، وطلب أن يوقَفَ للنَّاس، وأعطى النَّاس الحريَّة في شتمه وضربه، وكان يفكِّر، كما يُنقَل، أنَّ أشدَّ النَّاس عليه لا بدَّ أن يكون عليّ بن الحسين (ع)، لأنَّه أساء إليه كما لم يسئ إلى أحد، من موقع عقدة من أهل البيت (ع). الإمام (ع) جمع أهل بيته، وأوصاهم بأن لا يسيء أحد إليه ولو بكلمة، وقال لهم مُرّوا أمامَه، ولا تعبّروا له بأيّ موقف سلبيّ. وفي بعض الرّوايات، أنَّه أرسل إليه، إذا كانت لديك ديون أو أشياء مستحقَّات ماليَّة، فأنا أوفيها عنك. ولذلك، عندما مرَّ عليه عليّ بن الحسين وأومأ إليه بالسَّلام، قال: "اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعلُ رسالتَهُ"، فكم هي عظمة هذا الإنسان الَّذي يتمرَّد على كلِّ الحقد والإساءة، ويرتفع حتَّى يحوِّل ذلك إلى محبَّة وحنان وعاطفة، وهذا لا يكون إلَّا من الّذين اصطفاهم الله لرسالته.

الأخلاق الرِّساليَّة

وحتَّى في الحياة الفرديَّة، كان عليُّ بن الحسين (ع) مبتلى ببعض أقربائه، ومعروف أنَّ بعض الأقرباء قد يعيشون مشاعر الحسد تجاه أقربائهم. يقال: "كانَ زينُ العابدين (ع) جالساً بينَ أصحابِهِ، فجاءَهُ رجلٌ مِنْ أبناءِ عمومتِهِ وشتمَهُ وأسمعَهُ كلاماً مرّاً، فلمْ يكلّمْهُ الإمامُ حتَّى مضَى، ثمَّ قالَ الإمامُ لأصحابِهِ: قدْ سمعْتُمْ ما قالَ هذا الرَّجلُ، وأنا أُحِبُّ أن تبلغُوا معي حتَّى تسمعُوا ردّي عليْهِ، فقامُوا معَهُ يظنّونَ أنَّ الإمامَ سوفَ يردُّ عليْهِ بالمثلِ. طرقَ الإمامُ البابَ، فخرجَ الرَّجلُ مستعداً للشَّرِّ، فقالَ لهُ الإمامُ بأدبٍ جمٍّ: يا أخي، إنَّكَ قلْتَ فيَّ ما قلْتَ، فإنْ كانَ حقّاً، فأستغفرُ اللهَ منْهُ، وإنْ كانَ باطلاً، فغفرَ اللهُ لكَ"، عرف هذا الرّجل أنَّ الإمام (ع) يتحدَّث من موقع قوَّة وليس من موقع ضعف، "فتأثَّرَ الرَّجلُ وندمَ، وأقبلَ على الإمامِ معتذراً.

وهكذا كانت كلُّ سيرته مع الَّذين أساؤوا إليه، لم يكن ذلك منه ضعفاً، بل كان قوَّة في الخلق السَّامي الَّذي انطلق القرآن فيه {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ}[المؤمنون: 96]، وكان (ع) يقول في بعض كلماته في رسالة الحقوق: "وحقُّ مَنْ ساءَكَ أنْ تعفوَ عنْهُ، فإنْ علِمْتَ أنَّ العفْوَ يَضُرُّ انتصرْتَ". يعني أنت أحياناً قد تعفو عن شخص، فيخجل ويحاسب نفسه، ولكنَّ بعض النَّاس عندما تعفو عنه، يظنُّ أنَّك تعفو لأنَّك خائف منه، وأنَّ النّاس تخاف منه، فيسيء إلى النَّاس أكثر، ويتكبَّر أكثر، وبذلك ربما هو يتضرَّر، لأنَّه سيؤدِّي به إلى مهلكة في نهاية المطاف.

لذلك، كان الإمام زين العابدين (ع) المثل الأعلى في مسألة العفو عن النَّاس، وإعطاء القدوة من نفسه لهم.

المحسنُ إلى الفقراء

يقال إنَّ عليَّ بن الحسين (ع) كان من عادته أن يحمل الجراب على ظهره، ويمرَّ على فقراء المدينة في اللَّيل، ويوزِّع عليهم، وكان يحرص على أن لا يراه أحد أو يعرفه أحد، وكان يتعهَّدُ أحدَ أقربائه بالعطاء، ولم يكن هذا القريبُ يعرف أنَّ الإمام هو من يعطيه، فعندما كان هذا القريب يأخذ العطاء من الإمام (ع)، كان يقول إنَّ قريبي عليَّ بن الحسين لا يعطيني، فلا جزاه الله خيراً، حتّى توفّي الإمام (ع)، فعرف الرَّجل أنَّ الإمام (ع) هو الَّذي كان يعطيه.

روحيَّةُ العفوِ والعدل

نحن، أيُّها الأحبَّة، أمام هذا النَّوع من السّلوك الإماميّ الَّذي هو السّلوك الإسلاميّ، نحتاج أن نعيش هذه الرّوح في مجتمعاتنا، وخصوصاً في العلاقات الاجتماعيَّة الَّتي يتحرَّك فيها النَّاس في دائرة المجتمع الواحد، فإذا كنت تتحرَّك على أساس أنَّ كلَّ من أساء إليك تردُّ له الإساءة بمثلها، والشَّتيمة بمثلها، والضَّربة بمثلها، وليست عندك روحيَّة السَّماح، وروحيَّة العفو، وروحيَّة الانتصار على النَّفس وعلى الحقد والعداوة، فعندئذٍ لا يتوازن المجتمع، فالمجتمع يحتاج إلى شيئين؛ يحتاج إلى عدل، ويحتاج إلى عفوٍ إلى جانب العدل، ولذلك ركَّز الله سبحانه المسألة في خطَّين: {فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}[البقرة: 194]، {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}[البقرة: 237]، {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ}[النَّحل: 126]. فالله سبحانه وتعالى يريد منَّا دائماً أن نعيش في داخل ذواتنا هذه الرّوحيَّة الَّتي تنفتح على العفو في المورد الَّذي يكون فيه العفو غير مضرٍّ بالمعفوِّ عنه.

هذه هي سيرة أئمَّتنا (ع) الَّتي لا بدَّ لنا من أن نعيشها، لأنَّ معنى الإمامة هو هذا؛ أن نجعلهم أَمَامَنا في كلِّ كلامهم وفي كلِّ أعمالهم ونسير خلفهم، وهذا ما قاله أمير المؤمنين (ع): "أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ، أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ، وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ".

وللإمام زين العابدين (ع) كلام كثير في دعائه، وكلام كثير في رسالة الحقوق، وكلام كثير في مواعظه. وأحبُّ أن أنقل إليكم حديثين عنه (ع)، يتحدَّث فيهما عن النَّاس الَّذين يدخلون الجنَّة بغير حساب. فكما نبحث في السّوق عن البضاعة الأكثر ربحاً لنشتريها، علينا أن نبحث عن البضاعة الَّتي تدخلنا الجنَّة بغير حساب.

مصيرُ المتحابِّين في الله

يقول (ع): "إِذَا جَمَعَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ، قَامَ مُنَادٍ فَنَادَى يُسْمِعُ النَّاسَ، فَيَقُولُ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّه؟ قَالَ فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمُ اذْهَبُوا إِلَى الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ، قَالَ فَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَيَقُولُونَ إِلَى أَيْنَ؟ فَيَقُولُونَ إِلَى الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ، قَالَ فَيَقُولُونَ: فَأَيُّ ضَرْبٍ أَنْتُمْ مِنَ النَّاسِ؟ فَيَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّه، قَالَ فَيَقُولُونَ: وأَيَّ شَيْءٍ كَانَتْ أَعْمَالُكُمْ؟ قَالُوا كُنَّا نُحِبُّ فِي اللَّه ونُبْغِضُ فِي اللَّهلم تكن مسألة الحبّ تنطلق من حالة ذاتيَّة، فقد كنّا نحبّ الشّخص لأنَّه من أولياء الله ومن عباده الصَّالحين، ولأنَّه يحبّ اللهَ ويحبُّهُ الله، فأساس المحبَّة عندنا كان الإيمان، فكنَّا نحبُّ المؤمنين الَّذين ينفتحون على الله سبحانه وتعالى، وكانت مسألة البغض أيضاً تتَّصل بقضيَّة الإيمان والكفر، فقد كنَّا نبغض الَّذين يتمرَّدون على الله سبحانه وتعالى. "قَالَ فَيَقُولُونَ: نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ".

هذه النّقطة يحدِّثنا الإمام زين العابدين (ع) أنَّها تُدخِلُ الجنَّة بغير حساب، وهو ما نحتاج أن نعيشه في أنفسنا، وهذا أمر صعب، لأنَّ عالم المحبّة، عادةً، يكون إمَّا من ناحية ذاتيَّة، أو من ناحية شهوانيَّة، أو عائليَّة، أو حزبيَّة، أو ما إلى ذلك، ففي كثير من الحالات، لا يكون لله حسابٌ في المسألة العاطفيَّة عندنا، فنحبُّ مَنْ أبغضَهُ الله نتيجة مصلحة، ونبغضُ مَنْ أحبَّه الله أيضاً نتيجة عقدة أو مصلحة، وهذا واقعٌ موجود، فكم من النَّاس الَّذين نحبّهم والله يبغضهم، وكم من النَّاس الَّذين نبغضهم والله يحبُّهم!

وهذه المسألة ترتبط بعمق الإيمان، فعندما تحبُّ في الله، يعني أنَّه بلغَ إخلاصُك لله حدّاً، بحيث إنَّك تحبُّ كلَّ مَنْ يحبُّ الله أو يحبُّهُ الله، وكذلك إذا كنْتَ تبغض إنساناً، فلأنَّه يتمرَّد على الله ويبغضه ويحاربه.

هذه المسألة صعبة، لأنَّنا لا نتربَّى على هذا، بل نتربّى على أن نحبَّ النَّاس حبّاً وراثيّاً، بعض النَّاس نبغضهم لأنَّ أجدادنا كانوا يبغضونهم، أليس عندنا الكثير من العصبيَّات الّتي نتوارثها كما نرث الأرض، وكما نرث الغنم ونرث المال، فكذلك نرث العداوات، مع أنَّه {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}[فاطر: 18]؟!.

وهذا أمرٌ ينبغي أن نلتفت إليه، وخصوصاً أمام الكثير من الأمور الَّتي تديرها أجهزة السوء الدَّاخليَّة والخارجيَّة الَّتي تريد أن تثير البغض والعداوة بين النَّاس، وتريد أن تربّي المؤمنين على أن يحبّوا المتمرِّدين على الله والمنحرفين عنه، وأن يبغضوا أهل الإيمان. وهذه مسألة نحتاج أن نعيشها، لأنَّه كما أنَّ بعض الأعمال تدخلنا الجنَّة بغير الحساب، هناك أعمال سلبيَّة يمكن أن تدخلنا النَّار بغير حساب، وعلى الإنسان أن يختارَ الآن: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}[الحشر: 20].

أهلُ الحلمِ في الجنَّة

الحديث الثَّاني عنه (ع): "إِذَا جمَعَ اللهُ الخلائقَ يومَ القيامةِ، نادى مُنادٍ: أين أهْلُ الفضلِ؟ فيقومُ ناسٌ - وهم يَسيرٌ - فيَنطلِقون سِراعًا إلى الجنَّةِ، فتتلقَّاهم الملائكةُ، فيقولونُ: إنَّا نَراكم سِراعًا إلى الجنَّةِ، فمَن أنتم؟ فيقولونَ: نحن أهْلُ الفضلِ، فيقولونَ: وما فضْلُكم؟ فيقولونَ: كنَّا إذا ظُلِمْنا صَبَرْنا، وإذا أُسِيءَ إلينا عَفَونا، وإذا جُهِلَ علينا حَلِمْنا – إذا أساء إلينا أحد نقول سامحه الله وهداه -  فيقالُ لهم: ادْخُلوا الجنَّةَ؛ فنِعْمَ أجْرُ العاملينَ. قال: ثمَّ يُنادي مُنادٍ: أين أهْلُ الصَّبرِ؟ فيقومُ ناسٌ - وهم يَسيرٌ - فيَنطلِقون إلى الجنَّةِ سِراعًا، فتَتلقَّاهم الملائكةُ، فيقولونَ: إنَّا نَراكم سِراعًا إلى الجنَّةِ، فمَن أنتم؟ فيقولونَ: نحن أهْلُ الصَّبرِ، فيقولونَ: وما صَبْرُكم؟ فيقولونَ: كنَّا نَصبِرُ على طاعةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وكنَّا نَصبِرُ عن معاصي اللهِ، فيُقال لهم: ادْخُلوا الجنَّةَ؛ فنِعْمَ أجْرُ العاملينَ، قال: ثمَّ يُنادي مُنادٍ: أين المُتحابُّون في اللهِ؟ - أو قال: في ذاتِ اللهِ - فيقومُ ناسٌ - وهم يَسيرٌ -، فيَنطلِقون سِراعًا إلى الجنَّةِ، فتتلقَّاهم الملائكةُ، فيقولونَ: إنَّا نَراكم سِراعًا إلى الجنَّةِ، فمَن أنتم؟ فيقولونَ: كنَّا نَتحابُّ في اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ونَتزاوَرُ في اللهِ، ونَتعاطَفُ في اللهِ، ونَتباذَلُ في اللهِ، فيُقال لهم: ادْخُلوا الجنَّةَ؛ فنِعْمَ أجْرُ العاملينَ".

أيُّها الأحبَّة، لقد دلَّنا الله على طريق الجنَّة، ودلَّنا رسوله (ص) على ذلك، ودلَّنا أئمَّة أهل البيت (ع) على ذلك، وتبقى المسألة كيف يمكن أن نتحرَّك مع القرآن في أخلاقه وشريعته، ومع الرَّسول (ص)، ومع الأئمَّة (ع) في الخطِّ الَّذي يتحرَّك في الاتجاه السَّليم، ويقول الله: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}[الأنعام: 153].

هذا بعضٌ من عليِّ بن الحسين (ع).

 
*خطبة الجمعة الأولى لسماحته، بتاريخ: 22/05/1998م.

{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}[الأحزاب: 33].

من أئمَّة أهل البيت (ع)، الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (ع) الَّذي تصادف ذكرى وفاته هذا اليوم.

ولا بدَّ لنا أن نعيش مع هذا الإمام العظيم الَّذي كان بكلِّه لله، وكان يعيش مع الله سبحانه وتعالى في ليله ونهاره، فلم يكن فيه شيء لغير الله، وكان يتحرَّك في عبادته صلاةً ودعاءً وابتهالاً وقضاءً لحوائج النَّاس، وتعليماً لهم، وتوجيهاً لهم، وعملاً في كلِّ ما يتَّصل بكلِّ قضاياهم في الحياة.

كان الإمامَ الَّذي استطاع في مرحلته أن يملأ الحياة الإسلاميَّة علماً، ولعلَّنا عندنا ندرس أسماء الأشخاص الَّذين تلمَّذوا عليه ورووا عنه، نرى أنَّهم كانوا يمثِّلون قيادة الفكر الإسلاميّ والتَّاريخ الإسلاميّ. ولذلك، فإنَّ على الَّذين يريدون أن يدرسوا الإمام زين العابدين (ع)، أن لا يدرسوه فقط في جانب عبادته، وفي جانب المأساة في حياته، وفي جانب دعائه، ليقول بعض النَّاس إنَّ أسلوبه في الدَّعوة كان أسلوب الدّعاء، كان الإمام عليّ بن الحسين (ع) يتحرَّك بكلِّ ألوان العلم الَّتي عاشها النَّاس في حياته، وكان ينطلق في حياة النَّاس ليعطيهم القدوة في سيرته، كما كان يعطيهم التَّوجيه والتربية في كلماته.

ولذلك، فإنَّنا عندما ندرس عليَّ بن الحسين (ع)، ندرس الإنسان الَّذي انطلق في حياة المسلمين قائداً للواقع وللحياة، وإن لم يكن في موقع القيادة الرسميَّة.

معَ دعاءِ الانقطاعِ إلى الله

في البداية، ما نعيشه مع عليّ بن الحسين (ع)، هو دعاؤه في الانقطاع إلى الله: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَخْلَصْتُ بِانْقِطَاعِي إِلَيْكَ - لقد انقطع (ع) إلى الله، فلم يكن هناك شيء أو شخص يشغله عنه، فكان انقطاعُه انقطاعَ إخلاصٍ لله سبحانه؛ إخلاص العقل والقلب والحياة كلِّها.

- وَأَقْبَلْتُ بِكُلِّي عَلَيْكَ - ليست هناك جارحة من جوارحي، ولا جهاز من أجهزة جسمي، يمكن أن ينشغل عنك يا ربّ، فلقد أقبل عقلي إليك، وأقبل قلبي إليك، وأقبلت حياتي إليك، وأقبل كلّ الواقع الَّذي يتَّصل بي إليك.

- وَصَرَفْتُ وَجْهِي عَمَّنْ يَحْتَاجُ إِلَى رِفْدِكَ - يا ربّ، إنَّ النَّاس يتوجَّهون إلى من يملك المال أو الجاه ليأخذوا منه حاجاتهم، ولكنّي رأيت أنَّ هذا الإنسان الَّذي يتوجَّه إليه النَّاس، هو المحتاج إلى عطائك ورفدك.

- وَقَلَبْتُ مَسْأَلَتِي عَمَّنْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ فَضْلِكَ، وَرَأَيْتُ أَنَّ طَلَبَ الْمُحْتَاجِ إِلَى الْمُحْتَاجِ سَفَهٌ مِنْ رَأْيِهِ، وَضَلَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ - وأيُّ سفه أكثر من أن يكون الإنسان محتاجاً ويطلب حاجته من المحتاج؟!

فَكَمْ قَدْ رَأَيْتُ، يَا إِلَهِي - رأيت أمامي، يا ربّ، بالتَّجرية وبالإيمان - مِنْ أُنَاسٍ طَلَبُوا الْعِزَّ بِغَيْرِكَ فَذَلُّوا، وَرَامُوا الثَّرْوَةَ مِنْ سِوَاكَ فَافْتَقَرُوا، وَحَاوَلُوا الِارْتِفَاعَ فَاتَّضَعُوا، فَصَحَّ بِمُعَايَنَةِ أَمْثَالِهِمْ حَازِمٌ وَفَّقَهُ اعْتِبَارُهُ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى طَرِيقِ صَوَابِهِ اخْتِيَارُه، فَأَنْتَ يَا مَوْلايَ دُونَ كُلِّ مَسْؤولٍ مَوْضِعُ مَسْأَلَتِي، وَدُونَ كُلِّ مَطْلُوبٍ إِلَيْهِ وَلِيُّ حَاجَتِي".

هذا هو عليّ بن الحسين الَّذي عاش مع الله، وأقبل بكلِّه عليه، ليقول لنا من خلال هذا الدّعاء من أدعية الصَّحيفة السَّجاديَّة، أيُّها النَّاس، كونوا بكلِّكم لله، وانقطعوا بكلِّكم إليه، لأنَّه ليس هناك إلّا الله، وكلّ ما عداه فهو خلقه، وكلّ مَنْ هو غير الله فهو عبده. لذلك، انطلقوا مع السيِّد ولا تكونوا مع العبيد، انطلقوا مع الخالق ولا تكونوا مع المخلوق.

وصيَّة الحسينِ (ع) لولدِهِ

وهكذا، عاش الإمام زين العابدين (ع) مع جدِّه عليّ (ع) سنتين، وعاش مع عمِّه الحسن (ع) بعد ذلك عشر سنوات، وعاش مع أبيه الحسين (ع)، وانفتح عليه، وناجاه وأوصاه وتعهَّده، وكان يعدُّه للإمامة العظمى من بعده، وكان يقول له في آخر لحظات حياته:  "يا بنيَّ، اصْبِرْ عَلَى‏ الحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرّاً"، سيواجهك الكثير من الباطل، وهو حلو المطعم في البداية، ولكنَّه مرٌّ في النِّهاية... وستواجه الحقّ، والحقّ قد يكون مرّاً وكريهاً مطعمه، ولكنَّه حلوٌ في كلِّ نتائجه، والعاقل هو الَّذي يأكل المرَّ حتَّى يستطيع أن يجد الحلاوة في نهاية المطاف. "يا بنيّ، إِيَّاكَ وَظُلْمَ مَنْ لَا يَجِدُ عَلَيْكَ نَاصِراً إِلَّا اللَّهَ".

هذه وصيَّة الإمام الحسين (ع)، كما ينقلها الإمام الباقر (ع) عندما أوصى ولده، وقال إنَّ عليَّ بن الحسين أوصاه بذلك، وقال إنَّ أباه أوصاه بذلك.

شيئان في آخر لحظات الحسين (ع) كان يحدِّث بهما ولده المعدَّ لخلافته من بعده؛ الأمر الأوَّل: "اصْبِرْ عَلَى‏ الحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرّاً وهذا يقتضي منَّا أن لا نرفض الحقَّ لأنّنا لا نستلذّ طعمه، وأنَّ علينا أن لا نعتبر بداية المذاق هي كلّ شيء، بل أن نفكِّر في النّهايات.. قد تشرب الدَّواء المرّ الَّذي يزعجك طعمه، ولكنَّه يشفي لك أكثر من مرض، ويعطيك العافية والرَّاحة، وقد تأكل الطَّعام الحلو، ولكنَّه قد يكون على طريقة السّمّ في الدَّسم. لذلك انظر إلى نهايات الأمور.. اصبر على الحقِّ في العقيدة حتَّى لو خالفك النَّاس في عقيدتك، اصبر على الحقّ في الشَّريعة حتَّى لو خالفك النَّاس في شريعتك، اصبر على الحقّ في الموقف حتَّى لو رجمك النَّاس بالحجارة، لأنَّ اللهَ هو الحقّ: {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ}[لقمان: 30]، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ}[يونس: 32].

والمسألة الثَّانية هي العدل وعدم الظّلم. إنَّ الحسين (ع) كان رجلَ العدل، لأنَّ عليّاً (ع) كان رجلَ العدل، ولأنَّ محمَّداً (ص) كان رجلَ العدل، ولأنَّ القرآنَ كان كتابَ العدل، ولأنَّ الله يأمرُ بالعدل، إيَّاك والضَّعيف في بيتك لا يجد عليك ناصراً إلَّا الله، والضَّعيف في جوارك لا يجد عليك ناصراً إلَّا الله، والضَّعيف في عملك وفي ساحتك وفي كلِّ المواقع: "إِيَّاكَ وَظُلْمَ مَنْ لَا يَجِدُ عَلَيْكَ نَاصِراً إِلَّا اللَّهَ".

هذه وصيَّة الحسين (ع) لعليِّ بن الحسين، ووصيَّة عليِّ بن الحسين (ع) لولده الإمام الباقر (ع)، وكلامهم واحد، وهذه وصيَّتهم إلينا، لأنَّهم لا يعيشون حالة شخصيَّة مع أولادهم، بل إنَّهم يعطونهم الخطَّ االمستقيم الَّذي لا بدَّ لهم أن يتحركوا فيه: لا تكونوا أهل الباطل، ولا تكونوا أهل الظّلم.

المأساة.. والترفُّع عن الحقد

وهكذا عاش عليّ بن الحسين (ع) مع أبيه كلَّ المأساة، وهي مأساة عاشت في كلِّ قلبه، وكان يتذكَّرها بين وقتٍ وآخر، فبينما كان أبوه الحسين (ع) معه، وكذلك أعمامه وإخوته وأهل بيته وأصحابه، كانت السَّاحة تمتلئ بهم، فجأةً، صار في كلِّ دقيقة يسقط شهيد، وكان يسمع البكاء ويعيش الحزن، وهكذا في سويعات قلائل سقط الجميع، وسقط الأطفال الرّضَّع، وكانت المسألة ليست كقنبلةٍ تتفجَّر ليعيش الإنسان المأساة دفعةً واحدة، ولكنَّ المأساة كانت تتحرَّك في كلِّ دقيقة وفي كلِّ ساعة، كانت تعيشُ في أعماقِهِ، ونحن نعرفُ ماذا يمكنُ أن تفعلَ هذه المأساةُ المتحرّكةُ على مدى الزَّمنِ في الأعماق.

ولكنَّ عليَّ بن الحسين (ع)، وهو الَّذي عاش المأساة وعاش الحزن، لم تصرفه المأساة عن رسالته، وعن حركة إمامته، وعن كلِّ ما يتعلَّق بمسؤوليَّته في الواقع. كان يعطي النَّموذج القدوة في التّرفّع عن الحقد وعن العداوة، كانت عظمته كعظمة آبائه وأبنائه، أنَّه كان يعيش المحبَّة حتَّى لأعدائه، وكان يحسن إلى أكثر النَّاس إساءةً إليه. أتريدون مثلاً على ذلك؟ مَنْ هو مروان بن الحكم؟ هذا الإنسان الَّذي عاش البغض والعداوة لعليّ (ع) وأولاده، هذا الَّذي قال لوالي المدينة، إذا لم يبايع الحسينُ فاقتله قبل أن يخرج. ودارت الدَّائرة على بني أميَّة في وقعة الحرَّة، في ثورة أهل المدينة على يزيد، وكان لمروان عائلة كبيرة من أولاده وأحفاده نساءً ورجالاً، بما يقارب الأربعمائة شخص، ودار مروان على وجهاء المدينة حتَّى يضع عائلته عندهم، فرفضوا ذلك، لأنَّ الوضع كان ضدّه، والنّاس عادةً تكون مع الواقف، فإذا حصلت ثورة على جهة، رجم النَّاس الَّذين تكون الثَّورة عليهم بالحجارة. فلم يبق إلَّا عليّ بن الحسين (ع)، وكان للإمام (ع) موقع، باعتبار أنَّ يزيد أراد أن يخفِّف من تأثير جريمته في قتل الإمام الحسين (ع)، فنبَّه على والي المدينة أن لا يعرض على عليّ بن الحسين بسوء، ولذلك صار له مكانة مميَّزة من النَّاحية الرسميَّة، فجاء مروان بن الحكم إلى الإمام (ع)، وطلب منه أن يجير عياله عنده إلى أن تنتهي المشكلة، فقال له الإمام (ع): "ابعَثْ بعيَالِكَ إِلَى عِيَالِي". ومكث هؤلاء عند عليّ بن الحسين (ع)، كما تقول كتب السّيرة مدّةً طويلة، حتّى انجلت المشكلة، وقالت بعض بناته كما ينقل: "مَا وجدْنا منَ الإِحْسَانِ والرِّعَايةِ في بَيْتِ أَبينا مَا وَجَدْناهُ في بَيْتِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْن".

وفي قصَّة ثانية، كان هناك والٍ في المدينة من قبل الأمويّين اسمه هشام، وكان كلُّ اهتمامه أن يسيء إلى عليّ بن الحسين (ع) وأهل بيته، فقد كانت عنده عقدة منهم، ودارت الأيَّام، فعزله الخليفة بسبب قضايا ماليَّة، وطلب أن يوقَفَ للنَّاس، وأعطى النَّاس الحريَّة في شتمه وضربه، وكان يفكِّر، كما يُنقَل، أنَّ أشدَّ النَّاس عليه لا بدَّ أن يكون عليّ بن الحسين (ع)، لأنَّه أساء إليه كما لم يسئ إلى أحد، من موقع عقدة من أهل البيت (ع). الإمام (ع) جمع أهل بيته، وأوصاهم بأن لا يسيء أحد إليه ولو بكلمة، وقال لهم مُرّوا أمامَه، ولا تعبّروا له بأيّ موقف سلبيّ. وفي بعض الرّوايات، أنَّه أرسل إليه، إذا كانت لديك ديون أو أشياء مستحقَّات ماليَّة، فأنا أوفيها عنك. ولذلك، عندما مرَّ عليه عليّ بن الحسين وأومأ إليه بالسَّلام، قال: "اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعلُ رسالتَهُ"، فكم هي عظمة هذا الإنسان الَّذي يتمرَّد على كلِّ الحقد والإساءة، ويرتفع حتَّى يحوِّل ذلك إلى محبَّة وحنان وعاطفة، وهذا لا يكون إلَّا من الّذين اصطفاهم الله لرسالته.

الأخلاق الرِّساليَّة

وحتَّى في الحياة الفرديَّة، كان عليُّ بن الحسين (ع) مبتلى ببعض أقربائه، ومعروف أنَّ بعض الأقرباء قد يعيشون مشاعر الحسد تجاه أقربائهم. يقال: "كانَ زينُ العابدين (ع) جالساً بينَ أصحابِهِ، فجاءَهُ رجلٌ مِنْ أبناءِ عمومتِهِ وشتمَهُ وأسمعَهُ كلاماً مرّاً، فلمْ يكلّمْهُ الإمامُ حتَّى مضَى، ثمَّ قالَ الإمامُ لأصحابِهِ: قدْ سمعْتُمْ ما قالَ هذا الرَّجلُ، وأنا أُحِبُّ أن تبلغُوا معي حتَّى تسمعُوا ردّي عليْهِ، فقامُوا معَهُ يظنّونَ أنَّ الإمامَ سوفَ يردُّ عليْهِ بالمثلِ. طرقَ الإمامُ البابَ، فخرجَ الرَّجلُ مستعداً للشَّرِّ، فقالَ لهُ الإمامُ بأدبٍ جمٍّ: يا أخي، إنَّكَ قلْتَ فيَّ ما قلْتَ، فإنْ كانَ حقّاً، فأستغفرُ اللهَ منْهُ، وإنْ كانَ باطلاً، فغفرَ اللهُ لكَ"، عرف هذا الرّجل أنَّ الإمام (ع) يتحدَّث من موقع قوَّة وليس من موقع ضعف، "فتأثَّرَ الرَّجلُ وندمَ، وأقبلَ على الإمامِ معتذراً.

وهكذا كانت كلُّ سيرته مع الَّذين أساؤوا إليه، لم يكن ذلك منه ضعفاً، بل كان قوَّة في الخلق السَّامي الَّذي انطلق القرآن فيه {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ}[المؤمنون: 96]، وكان (ع) يقول في بعض كلماته في رسالة الحقوق: "وحقُّ مَنْ ساءَكَ أنْ تعفوَ عنْهُ، فإنْ علِمْتَ أنَّ العفْوَ يَضُرُّ انتصرْتَ". يعني أنت أحياناً قد تعفو عن شخص، فيخجل ويحاسب نفسه، ولكنَّ بعض النَّاس عندما تعفو عنه، يظنُّ أنَّك تعفو لأنَّك خائف منه، وأنَّ النّاس تخاف منه، فيسيء إلى النَّاس أكثر، ويتكبَّر أكثر، وبذلك ربما هو يتضرَّر، لأنَّه سيؤدِّي به إلى مهلكة في نهاية المطاف.

لذلك، كان الإمام زين العابدين (ع) المثل الأعلى في مسألة العفو عن النَّاس، وإعطاء القدوة من نفسه لهم.

المحسنُ إلى الفقراء

يقال إنَّ عليَّ بن الحسين (ع) كان من عادته أن يحمل الجراب على ظهره، ويمرَّ على فقراء المدينة في اللَّيل، ويوزِّع عليهم، وكان يحرص على أن لا يراه أحد أو يعرفه أحد، وكان يتعهَّدُ أحدَ أقربائه بالعطاء، ولم يكن هذا القريبُ يعرف أنَّ الإمام هو من يعطيه، فعندما كان هذا القريب يأخذ العطاء من الإمام (ع)، كان يقول إنَّ قريبي عليَّ بن الحسين لا يعطيني، فلا جزاه الله خيراً، حتّى توفّي الإمام (ع)، فعرف الرَّجل أنَّ الإمام (ع) هو الَّذي كان يعطيه.

روحيَّةُ العفوِ والعدل

نحن، أيُّها الأحبَّة، أمام هذا النَّوع من السّلوك الإماميّ الَّذي هو السّلوك الإسلاميّ، نحتاج أن نعيش هذه الرّوح في مجتمعاتنا، وخصوصاً في العلاقات الاجتماعيَّة الَّتي يتحرَّك فيها النَّاس في دائرة المجتمع الواحد، فإذا كنت تتحرَّك على أساس أنَّ كلَّ من أساء إليك تردُّ له الإساءة بمثلها، والشَّتيمة بمثلها، والضَّربة بمثلها، وليست عندك روحيَّة السَّماح، وروحيَّة العفو، وروحيَّة الانتصار على النَّفس وعلى الحقد والعداوة، فعندئذٍ لا يتوازن المجتمع، فالمجتمع يحتاج إلى شيئين؛ يحتاج إلى عدل، ويحتاج إلى عفوٍ إلى جانب العدل، ولذلك ركَّز الله سبحانه المسألة في خطَّين: {فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}[البقرة: 194]، {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}[البقرة: 237]، {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ}[النَّحل: 126]. فالله سبحانه وتعالى يريد منَّا دائماً أن نعيش في داخل ذواتنا هذه الرّوحيَّة الَّتي تنفتح على العفو في المورد الَّذي يكون فيه العفو غير مضرٍّ بالمعفوِّ عنه.

هذه هي سيرة أئمَّتنا (ع) الَّتي لا بدَّ لنا من أن نعيشها، لأنَّ معنى الإمامة هو هذا؛ أن نجعلهم أَمَامَنا في كلِّ كلامهم وفي كلِّ أعمالهم ونسير خلفهم، وهذا ما قاله أمير المؤمنين (ع): "أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ، أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ، وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ".

وللإمام زين العابدين (ع) كلام كثير في دعائه، وكلام كثير في رسالة الحقوق، وكلام كثير في مواعظه. وأحبُّ أن أنقل إليكم حديثين عنه (ع)، يتحدَّث فيهما عن النَّاس الَّذين يدخلون الجنَّة بغير حساب. فكما نبحث في السّوق عن البضاعة الأكثر ربحاً لنشتريها، علينا أن نبحث عن البضاعة الَّتي تدخلنا الجنَّة بغير حساب.

مصيرُ المتحابِّين في الله

يقول (ع): "إِذَا جَمَعَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ، قَامَ مُنَادٍ فَنَادَى يُسْمِعُ النَّاسَ، فَيَقُولُ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّه؟ قَالَ فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمُ اذْهَبُوا إِلَى الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ، قَالَ فَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَيَقُولُونَ إِلَى أَيْنَ؟ فَيَقُولُونَ إِلَى الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ، قَالَ فَيَقُولُونَ: فَأَيُّ ضَرْبٍ أَنْتُمْ مِنَ النَّاسِ؟ فَيَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّه، قَالَ فَيَقُولُونَ: وأَيَّ شَيْءٍ كَانَتْ أَعْمَالُكُمْ؟ قَالُوا كُنَّا نُحِبُّ فِي اللَّه ونُبْغِضُ فِي اللَّهلم تكن مسألة الحبّ تنطلق من حالة ذاتيَّة، فقد كنّا نحبّ الشّخص لأنَّه من أولياء الله ومن عباده الصَّالحين، ولأنَّه يحبّ اللهَ ويحبُّهُ الله، فأساس المحبَّة عندنا كان الإيمان، فكنَّا نحبُّ المؤمنين الَّذين ينفتحون على الله سبحانه وتعالى، وكانت مسألة البغض أيضاً تتَّصل بقضيَّة الإيمان والكفر، فقد كنَّا نبغض الَّذين يتمرَّدون على الله سبحانه وتعالى. "قَالَ فَيَقُولُونَ: نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ".

هذه النّقطة يحدِّثنا الإمام زين العابدين (ع) أنَّها تُدخِلُ الجنَّة بغير حساب، وهو ما نحتاج أن نعيشه في أنفسنا، وهذا أمر صعب، لأنَّ عالم المحبّة، عادةً، يكون إمَّا من ناحية ذاتيَّة، أو من ناحية شهوانيَّة، أو عائليَّة، أو حزبيَّة، أو ما إلى ذلك، ففي كثير من الحالات، لا يكون لله حسابٌ في المسألة العاطفيَّة عندنا، فنحبُّ مَنْ أبغضَهُ الله نتيجة مصلحة، ونبغضُ مَنْ أحبَّه الله أيضاً نتيجة عقدة أو مصلحة، وهذا واقعٌ موجود، فكم من النَّاس الَّذين نحبّهم والله يبغضهم، وكم من النَّاس الَّذين نبغضهم والله يحبُّهم!

وهذه المسألة ترتبط بعمق الإيمان، فعندما تحبُّ في الله، يعني أنَّه بلغَ إخلاصُك لله حدّاً، بحيث إنَّك تحبُّ كلَّ مَنْ يحبُّ الله أو يحبُّهُ الله، وكذلك إذا كنْتَ تبغض إنساناً، فلأنَّه يتمرَّد على الله ويبغضه ويحاربه.

هذه المسألة صعبة، لأنَّنا لا نتربَّى على هذا، بل نتربّى على أن نحبَّ النَّاس حبّاً وراثيّاً، بعض النَّاس نبغضهم لأنَّ أجدادنا كانوا يبغضونهم، أليس عندنا الكثير من العصبيَّات الّتي نتوارثها كما نرث الأرض، وكما نرث الغنم ونرث المال، فكذلك نرث العداوات، مع أنَّه {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}[فاطر: 18]؟!.

وهذا أمرٌ ينبغي أن نلتفت إليه، وخصوصاً أمام الكثير من الأمور الَّتي تديرها أجهزة السوء الدَّاخليَّة والخارجيَّة الَّتي تريد أن تثير البغض والعداوة بين النَّاس، وتريد أن تربّي المؤمنين على أن يحبّوا المتمرِّدين على الله والمنحرفين عنه، وأن يبغضوا أهل الإيمان. وهذه مسألة نحتاج أن نعيشها، لأنَّه كما أنَّ بعض الأعمال تدخلنا الجنَّة بغير الحساب، هناك أعمال سلبيَّة يمكن أن تدخلنا النَّار بغير حساب، وعلى الإنسان أن يختارَ الآن: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}[الحشر: 20].

أهلُ الحلمِ في الجنَّة

الحديث الثَّاني عنه (ع): "إِذَا جمَعَ اللهُ الخلائقَ يومَ القيامةِ، نادى مُنادٍ: أين أهْلُ الفضلِ؟ فيقومُ ناسٌ - وهم يَسيرٌ - فيَنطلِقون سِراعًا إلى الجنَّةِ، فتتلقَّاهم الملائكةُ، فيقولونُ: إنَّا نَراكم سِراعًا إلى الجنَّةِ، فمَن أنتم؟ فيقولونَ: نحن أهْلُ الفضلِ، فيقولونَ: وما فضْلُكم؟ فيقولونَ: كنَّا إذا ظُلِمْنا صَبَرْنا، وإذا أُسِيءَ إلينا عَفَونا، وإذا جُهِلَ علينا حَلِمْنا – إذا أساء إلينا أحد نقول سامحه الله وهداه -  فيقالُ لهم: ادْخُلوا الجنَّةَ؛ فنِعْمَ أجْرُ العاملينَ. قال: ثمَّ يُنادي مُنادٍ: أين أهْلُ الصَّبرِ؟ فيقومُ ناسٌ - وهم يَسيرٌ - فيَنطلِقون إلى الجنَّةِ سِراعًا، فتَتلقَّاهم الملائكةُ، فيقولونَ: إنَّا نَراكم سِراعًا إلى الجنَّةِ، فمَن أنتم؟ فيقولونَ: نحن أهْلُ الصَّبرِ، فيقولونَ: وما صَبْرُكم؟ فيقولونَ: كنَّا نَصبِرُ على طاعةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وكنَّا نَصبِرُ عن معاصي اللهِ، فيُقال لهم: ادْخُلوا الجنَّةَ؛ فنِعْمَ أجْرُ العاملينَ، قال: ثمَّ يُنادي مُنادٍ: أين المُتحابُّون في اللهِ؟ - أو قال: في ذاتِ اللهِ - فيقومُ ناسٌ - وهم يَسيرٌ -، فيَنطلِقون سِراعًا إلى الجنَّةِ، فتتلقَّاهم الملائكةُ، فيقولونَ: إنَّا نَراكم سِراعًا إلى الجنَّةِ، فمَن أنتم؟ فيقولونَ: كنَّا نَتحابُّ في اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ونَتزاوَرُ في اللهِ، ونَتعاطَفُ في اللهِ، ونَتباذَلُ في اللهِ، فيُقال لهم: ادْخُلوا الجنَّةَ؛ فنِعْمَ أجْرُ العاملينَ".

أيُّها الأحبَّة، لقد دلَّنا الله على طريق الجنَّة، ودلَّنا رسوله (ص) على ذلك، ودلَّنا أئمَّة أهل البيت (ع) على ذلك، وتبقى المسألة كيف يمكن أن نتحرَّك مع القرآن في أخلاقه وشريعته، ومع الرَّسول (ص)، ومع الأئمَّة (ع) في الخطِّ الَّذي يتحرَّك في الاتجاه السَّليم، ويقول الله: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}[الأنعام: 153].

هذا بعضٌ من عليِّ بن الحسين (ع).

 
*خطبة الجمعة الأولى لسماحته، بتاريخ: 22/05/1998م.
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية