يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد وهو يخاطب رسوله: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}(الزّمر: 30 - 31). ويقول سبحانه: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}(الأنبياء: 34 - 35).
وقال سبحانه: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}(آل عمران: 144 - 145).
في هذه الأيَّام، أو فيما نستقبل من هذه الأيّام؛ في الثّامن والعشرين من شهر صفر - على أشهر الرّوايات - كان انتقال النَّبيّ محمَّد (ص) من هذه الدّار إلى الرّفيق الأعلى. ولذلك، لا بدَّ لنا أن نأخذ بعض الحديث عن رسول الله (ص)، وكيف كان يستعدُّ للقاء الله سبحانه وتعالى، وكيف نستوحي هذه الآيات الكريمة فيما نريد أن نأخذ العبرة منه في مسألة الموت والحياة.
سنَّة الموت.. وحتميَّة الحساب
فقد قال الله سبحانه للنَّبيّ (ص)، وهو يخوض الصّراع مع المشركين ضدَّ الشّرك والوثنيَّة لمصلحة الإيمان بالله وتوحيده: لن يخلد هؤلاء في الدّنيا ليستمرّ الصّراع، ولن تخلد أنت، لأنَّ الله فرض الموت على النّاس كلّهم: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}(الزّمر: 30)، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}(الأنبياء: 35). ستذوقون الموت جميعًا، وستقفون غدًا بين يدي الله ليخاصم بعضكم بعضًا، وليحاجّ بعضكم بعضًا.
إنَّ المسألة الَّتي لا بدَّ للإنسان أن يستوحيها في خطاب الله لرسوله، وفي حديث الله لكلّ النَّاس حول مسألة الموت، أنّه لن يخلد أحد في هذه الدّنيا، {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}(الأنبياء: 34)، فلا ينبغي أن يشمتوا بك إذا متَّ، كما ليس لأيّ إنسان أن يشمت بخصمه إذا مات، لأنَّه إذا لم يمت قبل خصمه أو معه، فسيموت بعد ذلك، {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}(الزمر: 30 - 31).
إنَّ القضيَّة هي أنَّ علينا أن نستعدّ للقاء الله، وأن نعرف أنَّ الموت لن يكون نهاية الخصومة، وأنَّ إنسانًا ما إذا كان أقوى من إنسان آخر، وتغلَّب عليه بفعل قوَّته، فإنَّه لن يستطيع أن يحسم الأمر بهذه الطّريقة، لأنَّ النَّاس سيقفون غدًا أمام الله ليحكم بينهم الحكم العدل: {الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ}(غافر: 17). ولذلك، فإنَّكم غدًا يوم القيامة عند ربّكم تختصمون، ليخاصم بعضكم بعضًا، وليحاجّ بعضكم بعضًا، ليكون الحسم بيده سبحانه وتعالى {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}(المطفّفين: 6)، {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ}(الانفطار: 19).
ولذلك، لا بدَّ لكلّ إنسان من أن يصفّي حساباته مع الآخرين في الدّنيا، لأنَّه إذا وصل إلى الآخرة ولم تكن حساباته مضبوطة، فإنَّ الحساب هناك سيكون دقيقًا: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}(الإسراء: 14).
وتبقى الرّسالة..
وفي الآية الثَّالثة، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}.
وقد نزلت هاتان الآيتان في معركة أُحُد قبل وفاة النَّبيّ (ص) بكثير، عندما تعرَّض النَّبيّ (ص) للعدوان في المعركة، فكُسِرَتْ رَباعيَّته، وشُجَّ وجهُهُ، وسقط إلى الأرض من خلال جراحاته، وقال قائلٌ حينها: "إنَّ محمَّدًا قد مات". وحدثت هناك من خلال هذا النّداء هزَّة إيمانيَّة في نفوس المسلمين، فقال بعض النَّاس: لنذهب إلى أبي سفيان لنأخذ الأمان منه، باعتبار أنَّه كانت هناك قوّتان: قوَّة الكفر المتمثّلة بأبي سفيان، وقوَّة الإيمان المتمثّلة بالنَّبيّ (ص)، فإذا مات النَّبيّ، فيعني ذلك أنَّ قوّة الإيمان سقطت، وعلينا أن نلجأ إلى القوَّة الأخرى!
هكذا كان بعض النّاس يفكّرون، ممّن لم يترسَّخ الإيمان في وجدانهم وفي حياتهم، بل كانوا يعيشون الإيمان كلمةً، أو رغبةً أو رهبةً.
وقال بعض النَّاس: "يا قوم، إن كان محمَّد قد قُتل، فإنَّ ربَّ محمَّد لم يُقتَل، فقاتلوا على ما قاتل عليه". ونزلت هذه الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ}، فقد أرسل الله محمّدًا بهذه الرّسالة بعد أن مضى وقت طويل، وهي الفترة ما بينه (ص) وبين عيسى (ع)، حيث مضت فترة لم يكن فيها رسل، ثمَّ أرسل الله محمّدًا برسالته. وقصّتكم مع النّبيّ ليست مرتبطة بذات النّبيّ، لأنَّ النّبيّ لن يخلد معكم، ولن يعيش الحياة كلّها؛ فله عمر محدود كما لكلّ إنسان عمر محدود.
أمَّا الرّسالة فلا حدود لعمرها، الرّسالة رسالة الحياة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}(المائدة: 3). فالإسلام دينكم ما دامت الحياة، وما دام هناك إنسان يتحرَّك في الحياة. لذلك؛ محمَّد (ص) يعيش عمرًا محدودًا، أمَّا الرّسالة، فإنّها تعيش الحياة كلّها، وتفرض نفسها على الإنسان في كلّ مراحله. ودور الرّسول (ص) أن يبلّغ الرّسالة، وعليكم أن تؤمنوا بها، وأن تحملوها، وأن تقوموا بمهمّة الدّعوة إليها، وأن تجاهدوا في سبيلها، وأن تعتبروها أمانة في أعناقكم يؤدّيها كلّ جيل إلى الجيل الّذي يأتي بعده، حتّى يرث الله الأرض ومن عليها.
لذلك، إذا مات الرّسول، فإنَّ الرّسالة لا تموت، وإذا مات القائد، فإنَّ خطّ القيادة لا يتوقّف، وإذا مات الإمام، فإنَّ المسيرة الّتي بدأها في خطّ الإمامة لا تموت. وهكذا الإنسان؛ فحتّى لو كان في عظمة رسول الله (ص)، وهو سيّد ولد آدم، فإنَّ الرّسالة لا تتوقّف بموته: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ - وقلتم: ما دام رسول الله قد مات، فلنأخذ حرّيّتنا في الرّجوع إلى الوثنيَّة والانحراف، وللأخذ بأسباب الدّنيا فيما نقبل عليه من شؤونها! ولكنَّكم لا تعبدون محمَّدًا (ص)، بل تعبدون الله، وإنَّ الرّسالة رسالة الله، فإذا كان محمَّد قد مات، فإنَّ الله لم يمت. وإنّكم لا تتحرّكون في الرّسالة على أساس العلاقة بذات محمَّد، ولكن على أساس العلاقة برسوليّته، باعتباره مرسلًا من الله.
- وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ - أي مَن انطلق بعيدًا من الإيمان، بموت النَّبيّ أو الوليّ، أو موت أيّ قيادة تحمل رسالة الله سبحانه وتعالى - فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ - بل يضرّ نفسه، لأنَّ الله سبحانه وتعالى لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضرّه معصية من عصاه - وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}.
فالخطّ هو الخطّ، {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا - فالنّبيّ يموت بإذن الله عندما ينتهي كتاب عمره، والأنبياء والأولياء والأئمّة والعلماء والقادة يموتون بإذن الله عندما يحين أجلهم الّذي حدَّده الله لهم.
ولكنَّ القضيَّة هي في حياة الإنسان؛ أنت أيُّها الإنسان، ما هي طموحاتك؟ ما هي طلباتك؟ وما هي رغباتك؟ هل تريد الدّنيا ولا طمع لك في الآخرة؟ هل تريد أن تعيش حياة رخيّة طيّبة في جاه عريض، ومال كثير، وشهوات متنوّعة؟ هل كلّ فكرك هو ذلك؟ - وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا - يعطيك الله ذلك، لكن لن يكون لك في الآخرة نصيب - وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا - ونعطيه إلى جانب ذلك، حتّى لو لم يطلب، ثواب الدّنيا أيضًا - وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} الّذين يشكرون الله بكلماتهم على نعمه عليهم، والإيمان أغلى النّعم، والّذين يشكرونه بطاعتهم له، وبدعوتهم إليه، وبجهادهم في سبيله، وهو الَّذي يتمثّل فيه الشُّكر العمليّ فيما يريد الله للعباد أن يشكروه.
الأمانة بعد رحيل القائد
هذه الفكرة - أيُّها الأحبَّة - علينا أن ننطلق بها في كلّ خطّ نتحرَّك فيه؛ أن تكون علاقاتنا بكلّ القيادات، سواء كانت قيادات علمائيَّة أو قيادات أخرى مشروعة؛ قائمة على أنَّ القائد إذا مات فلن تموت القضيَّة، وأنَّ الرّسول إذا مات فلن تموت الرّسالة، وأنَّ البطل إذا مات فلن تموت الأمَّة. الرّسالة تبقى، والقضيَّة تبقى، والأمَّة تبقى، وعلينا أن نتحمَّل مسؤوليَّة ذلك عندما يفرغ الموقع القياديّ في هذا المجال، بل ربّما علينا حينها أن نضاعف جهودنا. عندما نكون مع الرّسول، فقد نستطيع أن نسدّد خطواتنا بالرّجوع إليه، وعندما نكون مع الإمام، فقد نستطيع أن نسدّد خطواتنا بالرّجوع إليه، ولكن عندما يصبح هناك فراغ قياديّ، فعلينا أن نضاعف جهودنا حتّى لا نقع في الخطأ، وحتّى لا يحدث الخلل، وحتّى لا تسقط القضيَّة. إنَّ علينا أن نعيش في حالة استنفار دائم، عندما يكون الواقع الَّذي يعيش فيه النَّاس واقع قوَّة الكفر والاستكبار، حتّى نستطيع أن نُعذر إلى الله أنّنا حملنا الأمانة الَّتي حمّلنا الله إيّاها، وهي أمانة الإسلام، لنعمل على أن نكون جميعًا في ساحة صراع من أجل الإسلام، حتّى تكون كلمة الله هي العليا، وحتّى تكون كلمة الشَّيطان هي السّفلى.
هذا هو ما نستوحيه من هذه الآيات الكريمة.
ويبقى لنا أن نعيش مع رسول الله لحظات ما قبل وفاته: كيف استعدّ (ص) للوفاة؟ وما هي آخر كلماته ووصاياه؟
تحذيره (ص) من الفتن
نحن نقرأ في كتب السّيرة حديثًا عن رسول الله، رواه أحد مواليه، ويُسمّى "أبا مُوَيهِبَة"، قال: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ (ص) مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فقال: يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ فَانْطَلِقْ مَعِي.
فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ؛ لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ - لأنَّ أغلب أهل البقيع كانوا من المجاهدين ومن المؤمنين - مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمْ اللَّهُ مِنْهُ، أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يَتْبَعُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا، الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنْ الْأُولَى".
إنَّ الرّسول (ص) بهذه الكلمات يستشرف المستقبل، ويتطلّع إلى ما سيحدث من بعده، عندما يتوزّع المسلمون مذاهب واتّجاهات، وعندما تتحوَّل الخلافة الإسلاميَّة إلى مُلك عَضُوض، وعندما يُبعَد الحقّ عن أهله ولا يكون هو الأساس، وعندما يصطدم المسلمون بعضهم ببعض في حروب يفنى فيها من المسلمين في صراعاتهم الدَّاخليَّة أكثر ممّا يفنى في صراعاتهم مع الكافرين. ولذلك، كان النَّبيّ (ص) يتحدَّث محذّرًا مما هو قادم.. لقد كانت هناك فتن في عهده، وكانت هناك فتن قبله، ولكنَّه يقول إنَّ هذه الفتن القادمة ستكون شرًّا من كلّ الفتن السَّابقة.
ثمّ قال (ص) بعد ذلك وهو يخاطب أبا مُوَيهِبَة: "يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ، وَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَنَّةِ - يعني قيل له: لك الدّنيا ولك الخلد إذا أحببت، ولن ينقص ذلك من أجرك شيئًا، فلك الجنَّة بعد ذلك، أو تختار لقاء الله - قَالَ: قُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي، فَخُذْ مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، لَقَدْ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَنَّةَ". وكانت هذه هي الكلمة الّتي أراد فيها أن يوحي إلى المسلمين بقرب أجله.
وقام (ص) في المسلمين مرّةً أخرى في مسجده وقال لهم: " إِنَّي لسْتُ أخشَى عليكم أنْ تُشْرِكُوا بعدي - أي أنا لا أخشى عليكم من أن تعودوا إلى الشّرك - ولكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُم الدّنيا، أن تَنافَسُوا فيها وتقْتَتِلُوا". كان يخاف على أمَّته أن تستغرق في الدّنيا؛ في لذَّاتها وشهواتها وأطماعها، وفي كلّ مواقعها ومراكزها، أن يتنافسوا فيها، ليضرب بعضهم بعضًا، وليكفّر بعضهم بعضًا، وليلعن بعضهم بعضًا، وليقتل بعضهم بعضًا.
مسؤوليَّة القائد أمام الأمَّة
ثمّ بعد ذلك، وقف (ص) خطيبًا بالمسلمين ليقدّم إليهم حسابه؛ حساب كلّ تاريخه، لأنَّ رسول الله (ص) قدَّم إلى النَّاس الرّسالة في حلالها وحرامها، وقد عاش معهم من أجل تبليغها وتطبيقها، حتّى إنّه أراد أن يبيّن لهم أنّه طبّق الرّسالة في كلّ كلمة قالها، وفي كلّ عمل عمله، فقد كانت كلّ حياته تتحرَّك في خطّ حلال الله، وتبتعد عن حرامه. وقد أراد بذلك أن يعلّمهم أن يقدّم المسؤول حسابه في كلّ ما يدعو إليه أمَّته، بحيث يطلب منهم أن يتابعوه، وأن يحاسبوه، وأن يسألوه، لأنَّ الإنسان عندما يكون شخصيّة عامَّة، فإنَّه لا يعود يمثّل نفسه، بل تكون كلّ حياته ملك النَّاس، ومعنى ذلك، أنَّ عليه أن يوازن في حركته في الحياة بين موقعه ورسالته.
وهكذا وقف النَّبيّ (ص) وقال للنَّاس: "أيُّها النّاس، إنّكم لا تعلّقون عليّ بشيء - وفي رواية: لا تمسكون عليّ بشيء - إنّي ما أحللت إلَّا ما أحلّ الله، وما حرّمت إلّا ما حرّم الله". فهو يريد أن يقول لهم: اقرأوا كلّ كلماتي، وتابعوا كلّ سيرتي، فإنَّ كلَّ ما أحللته هو ما أمرتكم أن تلتزموه في خطِّ الحلال، وكلَّ ما حرَّمته هو ما نهيتكم عنه في خطِّ الحرام.
ونحن نعرف أنَّ النّبيّ محمّدًا (ص) ليس مسؤولًا أمام الأمَّة، لأنّه لم يكن يستمدّ شرعيّته منها ومن خلال تأييدها له، فقد أرسله الله نبيًّا وليس معه أحد، أرسله الله نبيًّا وكلّ النّاس يرفضونه. لم تنطلق نبوّته من مدٍّ شعبيّ يعطيها الشّرعيَّة، كما يتحدّث النّاس في هذه الأيّام، من أنّ الإنسان يأخذ شرعيّته من تأييد النّاس له والتفافهم حوله، بل إنَّ الله أرسله نبيًّا، فإرادة الله هي الَّتي أعطته الشَّرعيَّة. حتّى إنَّ البيعة الَّتي كان النَّاس يبايعونه بها، لم تكن تمثّل أساس الشّرعيَّة للنّبوَّة أو الولاية، بل كانت تمثّل التزام النَّاس بتلك الشَّرعيَّة، إذ كان يريد أن يأخذ على النَّاس العهد بالالتزام بخطّ الإيمان وأن يتحرّكوا فيه.
لكنَّه أراد أن يعلّم الأمَّة من جهة، والقيادة من جهة أخرى؛ أن يعلّم الأمَّة أن تبقى في حالة مراقبة للقيادة ومساءلة لها ومحاسبة، فلا تندفع وراء أيّة قيادة اندفاعًا أعمى، بحيث تبرّر للقائد - أيًّا كان - أخطاءه وانحرافاته، وأراد للقيادة أن تتحمّل مسؤوليّة الخطّ الّذي تنطلق فيه، حتّى تقدّم حسابها إلى الأمَّة، وحتّى لا تتعقَّد من نقد الأمَّة لها عندما تنقدها، ولا تتعقَّد من حسابها لها إذا أرادت أن تحاسبها.
إنَّ النّبيّ (ص) يريد أن يترك لنا هذا النَّهج الّذي بدأه، في الوقت الَّذي كان المعصومَ في أقواله وأفعاله، والمسؤولَ أمام ربّه وليس أمام النّاس، حتّى يعطينا الخطّ والنّهج. وقد قال الله سبحانه وتعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}(الأحزاب: 21). وهذا ما ينبغي لنا أن نسير عليه، وما ينبغي لنا أن نترسَّمه في كلّ مواقع حياتنا، حتّى لا تطغى القيادات في الاتّباع الأعمى لها، وحتّى لا تبتعد الأمَّة عن تلمّس ما يجب أن تتحرَّك فيه، فيما يمثّل سداد أمورها، وصواب رأيها، واستقامة طريقها.
وصيّته (ص) بعدم الاستعلاء
وكان (ص) يتحدَّث في آخر كلماته، كما يُنقل، وهو يوصي النَّاس الّذين اجتمعوا إليه في بيته. وعندما يوصي النّبيّ (ص) النّاس بوصيّة في مثل هذه الحال، فإنَّ معنى ذلك أنَّ هذه الوصيّة تمثّل الاهتمامات الكبرى له، وإلَّا لما جعلها محور وصيَّته الأخيرة.
قال (ص) في كلمات الوداع: "أوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم - لأنّه يعتبر أنَّ أمَّته تمامًا كما هي عائلته، وهو يوصيهم كما يوصي الإنسان عائلته في أواخر أيّامه - وأستخلفه عليكم، وأحذّركم الله، إنّي لكم نذير مبين - أحذّركم الله لا تستهينوا بطاعته، أحذّركم الله لا تندفعوا في معصيته، أحذّركم الله لا تنسوه ولا تغفلوا عن ذكره. أحذّركم الله - ألّا تعلوا على الله في عباده وبلاده - يعني لا تتحرّكوا من موقع الاستعلاء والتّكبّر والتَّجبّر على النَّاس، كونوا متواضعين معهم، تحسَّسوا إنسانيّتكُم في إنسانيَّتهم.. لا تعلوا على النّاس بمالٍ تملكونه، أو بنسبٍ تنتمون إليه، أو بموقع من مواقع الجاه في أيّ محلٍّ وفي أيّ موقع من المواقع، لا تعلوا على الله في عباده وبلاده - فإنَّه قال لي ولكم: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}(القصص: 83). وقال: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ}(الزّمر: 60)".
الوصيَّة بالصّلاة
وفي رواية أنَّ آخر كلمة قالها رسول الله (ص)، وكان يكرّرها حتّى فاضت روحه: "الصَّلاة الصَّلاة". وهذه رواية يرويها عليّ (ع)، لأنَّ عليًّا (ع) كان آخر النّاس عهدًا به، فكان يقول: "أسندته إلى صدري، فوضعت رأسه على منكبي وقال: الصَّلاة الصَّلاة"، وكانت آخر كلمة قالها رسول الله (ص).
وعلينا أن نعرف من خلال ذلك قيمة الصّلاة في الإسلام، باعتبار أنَّ "الصّلاة عمود الدّين؛ إنْ قُبلِتَ قُبِلَ ما سِواها، وإِنْ رُدَّتْ رُدَّ ما سواها".
ولماذا ذلك؟ قد يتساءل إنسان: إنَّ الدّين واسع، وفيه قوانين ومفاهيم ومناهج وخطط للحياة، فكيف تكون الصَّلاة هي العمود للدّين؟ وكيف تحظى المسألة بهذا المستوى من الاهتمام عند رسول الله (ص)؟
والجواب واضح - أيُّها الأحبَّة - لأنَّ قيمة الصَّلاة تكمن في أنّها "معراجُ روحِ المؤمنِ إلى الله"، وأنّها العبادة الّتي تقف فيها بين يديه سبحانه، وتنفتح فيها عليه، وتشعر بالرّابطة بينك وبينه. فقيمة الدّين بمقدار ما يكون الإنسان قريبًا من الله، لذلك حدَّثنا الله عن العبادة: {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}(البيّنة: 5). فقيمة الدّين وسرّه وجوهره، هو تقوى الله وذكره والانفتاح عليه. وقيمة الصَّلاة أنّها تذكّرك بالله كلَّما غفلت، وتجعلك تعي معنى الله في نفسك..
فعندما تنطلق في النَّاس ليكون هذا كبيرًا عندك، وهذا عظيمًا، وهذا عاليًا، عندما تقول فلان الكبير وفلان العظيم وفلان الأعلى، تأتي الصَّلاة لتقول لك: أيُّها الإنسان، لا تستغرق في النّاس من حولك لتجد هذا كبيرًا فتنسى الله الأكبر، ولتجد هذا عظيمًا فتنسى الله العظيم، ولتجد هذا عاليًا فتنسى الله الأعلى.. استحضر دائمًا أنَّ "الله أكبر"؛ في بداية الصّلاة في أذانك: "الله أكبر"، وفي إقامتك: "الله أكبر"، وفي تكبيرة إحرامك: "الله أكبر". وعندما تنتقل من ركن في الصَّلاة إلى ركن آخر؛ تريد أن تركع فتقول: "الله أكبر"، وتريد أن تسجد فتقول: "الله أكبر". وهكذا تستمرّ معك كلمة التَّكبير في كلّ موضع من مواضع الصَّلاة، حتّى تعيش في داخل نفسك معنى أنَّ الله في وجدانك لا يمكن أن يقترب منه أحد، ولا يمكن أن يساويه أحد.
لذلك، فإنّ الصَّلاة تمنحك حركة دائمة تثقّفك في مقام ربّك، وفي موقع ربّك منك، وفي موقعك منه. وبذلك، تتحرَّك الصّلاة لتحمي إيمانك من كلّ ما يمكن أن يُضعفه، ولتجعلك في خطّ الاستقامة عندما يريد النَّاس أن ينحرفوا بك. فعندما تسجد، لا تلتفت إلَّا إلى أنَّ الله هو الأعلى، وعندما تركع، لا تلتفت إلَّا إلى أنَّ الله هو العظيم، وعندما تقف مكرّرًا التَّكبير، فإنَّك تلتفت إلى أنَّ الله هو الأكبر. إنَّ قيمة الصَّلاة أنّها تحرّك في داخل نفسك الإحساس بحضور الله ورقابته وعظمته ونعمته، ما يجعلك ترتبط به أكثر، وبمسؤوليَّتك عن عباده وبلاده أكثر، وبمسؤوليَّتك عن نفسك أكثر.
عاقبة ترك الصَّلاة
لهذا، فإنَّ الّذين لا يصلّون هم الَّذين قطعوا علاقتهم بالله. يقول تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}(المدثّر: 38 - 42)؛ أي كنتم أصحابنا وجيراننا ومن عائلتنا، فكيف نحن في الجنَّة وأنتم في النَّار؟ {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ}(المدثّر: 43 - 48). لأنَّنا عندما لا تكون من المصلّين، فستنفرط المسبحة، لأنَّك إذا كنت لا تصلّي، فلن تستحضر الله، ولن تشعر بضرورة أن تطعم المسكين، ولا بضرورة أن تنضبط عندما يخوض النَّاس في الباطل، ولا بأنّ عليك أن تنفتح على اليوم الآخر.
وهذا ما ينبغي لنا - أيُّها الأحبَّة - أن نتذكّره عندما نستحضر يوم وفاة رسول الله (ص)، أنّ آخر وصيّة له كانت: "الصَّلاة الصَّلاة".
الوصيّة بالنّساء
وكان من وصاياه (ص) للرّجال: "اتّقوا الله، واستوصوا بالنّساء خيرًا"؛ فلا تظلموهنّ، ولا تعاملوهنّ بسوء. وهذا ما يجعل الإنسان عندما يعيش مع النّساء، ابنةً كانت، أو أختًا، أو زوجةً، أو قريبةً، أو بعيدةً، أن لا يشعر أمامهنّ بذهنيّة القوّة الّتي تضطهد إنسانيّتهنّ، وتهين كرامتهنّ، وتشعرهنّ بالاحتقار. إنَّ النّبيّ (ص) أراد أن يقول لنا جميعًا: إنَّ المرأة إنسان كما أنَّ الرّجل إنسان، {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}(البقرة: 228). لذلك، لا بدَّ للرّجل أن يعرف أنَّ له حقًّا على المرأة لا بدَّ أن تؤدّيه، وأنَّ للمرأة عليه حقًّا لا بدَّ أن يؤدّيه إليها، لأنَّ الله سبحانه وتعالى سيسأل كلَّ إنسان عن الحقوق الّتي للآخرين عليه {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}(المطفّفين: 6). فالضّعف لا يبرّر لك الظّلم، ولا يعطيك شرعيّةً لتسلّط قوّتك على الضّعفاء. وقد رُوي عن الأئمّة (ع): "إيَّاكَ وظُلمَ مَن لا يَجِدُ عليكَ ناصرًا إلَّا الله".
|
تنامُ عينُكَ والمظلومُ منتبِهٌ
|
يدعو عليْكَ وعينُ اللهِ لم تَنَمِ
|
معيار النّجاة
وهناك كلمات قالها رسول الله (ص) وهو في حالة مرضه، وكانت ابنته فاطمة (ع) إلى جانبه، وعمّته صفيّة إلى جانبه، والعبّاس بن عبد المطّلب عمّه إلى جانبه. فقد التفت (ص) وقال لهم: "يا فاطمة بنت محمَّد، يا بنت رسول الله، اعملي لما عند الله، فإنّي لا أُغني عنكِ من الله شيئًا". ثمّ التفت إلى عمّته ليقول لها: "يا صفيّة بنت عبد المطَّلب، يا عمّة رسول الله، اعملي لما عند الله، فإنّي لا أُغني عنكِ من الله شيئًا". ثمّ التفت إلى عمّه وقال: "يا عبّاس بن عبد المطّلب، يا عمّ رسول الله، اعمل لما عند الله، فإنّي لا أُغني عنك من الله شيئًا".
إنَّ المسألة هي ما يحدّثنا الله عنه في كتابه الكريم: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}(النّساء: 123). فالقضيَّة أنَّه ليس بين الله وبين أحد قرابة. وقد أكَّد الإمام زين العابدين (ع) ذلك عندما سأله بعض أصحابه: لماذا تبكي وترهق نفسك بالعبادة؟ فجدّك رسول الله، وجدّك عليّ، وعمّك الحسن، وجدّتك فاطمة، وأبوك الحسين! فأجابه (ع): "دع عنّي ذكر أبي وعمّي وجدّي؛ خلق الله الجنَّة لمن أطاعه ولو كان عبدًا حبشيًّا، وخلق النّار لمن عصاه ولو كان سيّدًا قرشيًّا".
لقد أراد النّبيّ (ص) أن يبيّن أنّ مجرّد القرابة لا تعطي الإنسان ضمانة عند الله؛ فقرابة أبي لهب لرسول الله (ص) لم تعطه أيّة ضمانة عند الله، بل أنزل الله فيه قرآنًا يتحدَّث عنه بطريقة سلبيّة، ولم ينزل قرآنًا في غيره هكذا. لقد أراد النَّبيّ (ص) لفاطمة ولصفيَّة وللعبَّاس، أراد لهم جميعًا أن ينطلقوا في سعيهم للقرب من الله، لا من خلال العلاقة به، بل من خلال العمل، لأنّ رسول الله نفسه كان عظيمًا عند الله بعمله وجهاده ورسالته.
ولذلك، قال رسول الله (ص) في أواخر حياته: "أيُّها النَّاس، لا يدّعِ مُدّعٍ، ولا يتمنَّ متمنٍّ؛ والَّذي بعثني بالحقّ نبيًّا، لا ينجي إلَّا عمل مع رحمةٍ، ولو عصيت لهويت".
بهذا، نحن نؤمن بالشّفاعة، ولكن الشّفاعة لمن ارتضى الله وأذن بها.
الإيمان موقف والتزام
لذلك، لا بدَّ لنا أن ننطلق في خطّ العمل، وأن نؤكّد إيماننا في مواقفنا، وأن نؤكّد إسلامنا في التزاماتنا، أن ننفتح على كلّ ساحات الصّراع بين الحقّ والباطل، لنكون مع الحقّ ضدّ الباطل، وأن ننفتح على ساحة الصّراع بين العدل والظّلم، لنكون مع العدل ضدّ الظّلم؛ أن لا نكون حياديّين بين الحقّ والباطل، ولا بين العدل والظّلم، فالمؤمن لا يمكن أن يكون حياديًّا بين الله والشَّيطان، ولا بين أولياء الله وأعدائه، ولا بين الحقّ والباطل. لا بدَّ أن يكون لكلّ مؤمن موقفه ورأيه والتزاماته في كلّ قضايا الصّراع الّتي يعيشها النّاس، لأنَّ الله أراد للمؤمنين جميعًا أن يكونوا مع الحقّ دائمًا، وأن يكونوا ضدّ الباطل دائمًا، في شؤون العقيدة، وفي شؤون الشَّريعة، وفي شؤون السّياسة، وفي شؤون الاجتماع، وفي شؤون الحرب والسّلم كلّها.
لذلك، لا ينبغي للإنسان المؤمن أن يقول إنَّه لا دخل لي بالصّراعات الّتي تحدث في واقع المسلمين؛ نحن في الواقع الإسلاميّ لسنا حياديّين، ونحن في واقع المستضعفين لسنا حياديّين، لأنَّ الله أمرنا بأن نهتمّ بأمور المسلمين كلّهم، وأن نساعدهم، وأن نلاحق كلّ قضايا الحقّ والعدل في العالم، حتّى لو كانت تلك القضايا لمصلحة غير المسلمين، لأنَّ الله يريد للعدل أن يكون هو الحاكم، فلا يريد لأحد أن يظلم أحدًا؛ لا يريد للمسلم أن يظلم الكافر، ولا يريد للمسلم أن يظلم المسلم، كما لا يريد للكافر أن يظلم المسلم أو كافرًا مثله إذا كان له حقّ في ذلك.
القضيّة هي أنَّ علينا - ونحن نعيش بعد وفاة رسول الله (ص) بما يزيد على الأربعة عشر قرنًا - عندما نواجه واقعنا الّذي نعيشه من الأوضاع الإسلاميَّة في العالم، أن نفكّر: لو كان رسول الله (ص) موجودًا بيننا الآن في ساحة الصّراع، فكيف كان ليفكّر؟ هل يقبل للمسلمين بأن يقاتلوا بعضهم بعضًا؟ هل يقبل لهم أن يتمزَّقوا ويتفرَّقوا ويكفّروا بعضهم بعضًا؟
لقد قال لهم في حجّة الوداع عندما سأل: "أيّ شهر هذا؟"، قالوا: الشّهر الحرام. "وأيّ بلد هذا؟"، قالوا: البلد الحرام. "وأيّ يوم هذا؟"، قالوا: اليوم الحرام - وهو يوم الأضحى - فقال رسول الله (ص) بعد ذلك: "إِنَّ دِمَاءَكُم وَأَموَالَكُم وَأَعرَاضَكُم عَلَيكُم حَرَامٌ إِلَى أَن تَلقَوا رَبَّكُم، كَحُرمَةِ يَومِكُم هَذَا، فِي شَهرِكُم هَذَا، فِي بَلَدِكُم هَذَا... لا تَرجِعوا بَعدي كُفَّارًا، يَضرِبُ بَعضُكُم رِقابَ بَعضٍ".
الوحدة في مواجهة الأخطار
لقد أراد رسول الله (ص) للمسلمين أن يتحرّكوا بهذا الخطّ، وأن ينطلقوا من بعده ليكونوا الأمَّة الواحدة، حتّى لو اختلفوا في مذاهبهم واتّجاهاتهم، لأنَّ الوحدة الإسلاميَّة عندما تُطرح، لا يُراد منها أن يتنازل الشّيعيّ عن شيعيّته بدون معنى، أو يتنازل السنّيّ عن سنّيّته بدون معنى، لكنّنا نقول: هناك عقيدة مشتركة، وهناك فقه مشترك، وهناك مصالح مشتركة، وهناك أخطار مشتركة، وعلينا أن نقف في كلّ السّاحات الّتي يشترك المسلمون فيها لنواجه الأخطار القادمة من الآخرين، ثمّ بعد ذلك، عندما يدفعون عن أنفسهم أخطار الاستكبار السّياسيّ، والاستكبار الاقتصاديّ، والاستكبار العسكريّ، والاستكبار الثّقافي، فإنّهم يستطيعون أن يفرغوا لخلافاتهم، سواء في مجال تفاصيل العقيدة، أو في مجال تفاصيل الشّريعة والفقه. أمّا عندما يكون الخطر داهمًا، فإنَّ على المسلمين أن يقفوا على الكلمة السّواء، لأنَّ الله إذا أراد منّا أن ندعو أهل الكتاب إلى الكلمة السّواء، أفلا يريد منّا أن ندعو المسلمين إلى الكلمة السّواء؟
مخطَّط إضعاف المسلمين!
إنَّ الواقع الإسلاميّ الّذي نعيشه الآن هو واقعٌ يقف فيه الاستكبار العالميّ بكلّ ما لديه من قوَّة من أجل أن يُضعِفَ المسلمين، ومن أجل أن لا يكون الإسلام قوَّة في العالم. لقد كانوا يتحدّثون سابقًا عن "الإسلام السنّيّ" و"الإسلام الشّيعيّ"، ليثيروا الفرقة بين المسلمين على هذا الأساس، وقد وظّفوا لهذا كثيرًا من الأنظمة الموجودة في العالم الإسلاميّ ليكونوا حرّاسًا للفتنة، وحرّاسًا للتّمزّق بين المسلمين. أمَّا الآن، فيتحدَّثون عن "الإسلام الأصوليّ المتطرّف"، و"الإسلام المعتدل الواقعيّ"؛ من أجل أن يعزلوا حركة الإسلام في مواجهة الظّلم والاستعباد والضَّلال، أن يعزلوا الحركة الإسلاميّة الّتي تريد لكلمة الله أن تكون قوّة في الأرض، وتريد لدين الله أن يكون حاكمًا في الأرض، أن يعزلوها عن بقيّة المسلمين، ليقولوا لبقيّة المسلمين: إنّكم عقلاء، وإنّكم مهذّبون، وإنّكم معتدلون، أمّا هؤلاء فهم المتطرّفون! ما هو تطرّفهم؟ إنّهم يريدون تطبيق الشّريعة الإسلاميّة، وذلك هو الكفر العظيم عند كثير من ملوك المسلمين ورؤسائهم، فضلًا عن ملوك الكفر ورؤسائه! ولماذا هم متطرّفون؟ لأنّهم لا يقبلون بوجود "إسرائيل" كدولة، فهم يعتبرون أنَّ هذا الرّفض يمثّل التّطرّف ولا يمثّل الواقعيَّة. يقولون: هل تريدوننا أن نُلقي اليهود في البحر؟ إنّنا واقعيّون جدًّا، كما يقولون!
ولكن عندما يأتي إنسانٌ له بيت في مكان ويغصب بيتي، فعندما أقول له: اخرج من بيتي وعُد إلى بيتك، وبعد ذلك عندما تجلس أنت في بيتك، وأجلس أنا في بيتي، يمكن أن نتفاهم، فهل يكون هذا تطرّفًا؟
إنَّ الإسلاميّين لا يقولون غير هذا؛ إنّهم يقولون إنَّ الفلسطينيّين قد أُخرجوا من ديارهم بغير حقّ، وإنَّ اللّبنانيّين قد أُخرجوا من ديارهم بغير حقّ، وإنَّ الكثيرين من النّاس أُخرجوا من ديارهم بغير حقّ.. أيّها النّاس، أعيدوا النّاس إلى بيوتهم وارجعوا إلى بيوتكم، ويمكن أن نتفاهم عالميًّا وإقليميًّا وما إلى ذلك.
ولكنّهم يسمّون هذا تطرّفًا، لأنّهم يريدون للنَّاس أن يستسلموا لكلّ نتائج القوّة الظّالمة. لا يريدون لنا أن يرتفع لنا صوت في مواجهة أيّ ظلم، لأنّهم يريدون أن يكون للظّلم العالميّ حرّيّته، وأن يكون للظّلم الإقليميّ حرّيّته، وأن يكون للظّلم الصّهيونيّ حرّيّته.
إنَّ كلّ هجمة "إسرائيل" على المدنيّين والمجاهدين في لبنان تنطلق من فكرة واحدة؛ هي أنَّها تريد أن تأخذ حرّيّتها في المنطقة المحتلّة من لبنان، لتعبث كيف تشاء، وتتصرَّف كيف تشاء، وتجمع عملاءها كيف تشاء، ولا تريد لأحد أن يتعرَّض لجنودها الّذين يحتلّون الأرض، ولا لعملائها الّذين يدعمون الاحتلال.
القصّة الموجودة في العالم الإسلاميّ هي أنَّ المستكبرين - سواء كانوا مستكبرين كبارًا أو صغارًا - يقولون للمستضعفين، ولا سيَّما المسلمين منهم: إنّ دوركم هو أن تسكتوا، وأن تسلّموا وتستسلموا، ودوركم أن لا تزعجوا المصالح الغربيَّة في بلادكم، حتّى لو كانت على حساب مصالحكم! ليس لكم أن تقفوا ضدّ حرّيّة الغرب في كلّ ما يريده من العبث ببلادكم، لأنّه ليس عليكم إلَّا الطَّاعة والخضوع. تلك هي المسألة: إذا لم تخضع فأنت مخرّب، وإذا جاهدت فأنت متطرّف، وإذا طالبت بحقّك البسيط في إنسانيَّتك فأنت متطرّف!
مصادرة الحقّ الفلسطينيّ
الفلسطينيّون يطلبون أن يعودوا إلى أرضهم فلسطين، ولكنَّ هذا يمثّل خطًّا أحمر. الفلسطينيّون يقولون: إنّنا نريد أن نعيش في أرضنا. لقد تنازل الفلسطينيّون عن فلسطين كلّها إلَّا عن الضّفّة الغربيّة وغزّة، لأنَّ الواقع الفلسطينيّ السّياسيّ تنازل عن الأرض كلّها بفعل الواقعيّة السّياسيّة كما يقولون! إنّه يريد أن يرجع إلى القدس الشّرقيَّة، ويريد أن لا يستوطن اليهود في الضّفّة الغربيّة وغزّة على الأقلّ. ولكنّ "إسرائيل" تقول لهم: هذه الأرض ليست أرضكم، لكم أن تعيشوا فيها، وأن تدبّروا أموركم في بلديّاتكم، ولكن ليس لكم أن تمنعوا المستوطنات، وليس لكم أن ترجعوا لتسيطروا على القدس، ليس لكم إلّا أن تأكلوا وتشربوا وتعيشوا وتسبّحوا بحمد "إسرائيل"!
المسألة هي هذه؛ ما هي عقدة المفاوضات في المسألة الفلسطينيَّة؟ إنّ المسألة هي أنّ "إسرائيل" لا تعترف بأنَّ الضّفّة الغربيّة وغزّة هي أرض محتلّة، وأميركا في خطابها الأخير تتحدَّث عن الضّفّة الغربيّة وغزّة كأرض متنازع عليها لا كأرض محتلّة. ولذلك، فإنَّ من الممكن أن تنطلق المفاوضات بعد ذلك، لتكتشف أنَّ هذه الأرض هي أرض إسرائيليَّة، لأنّها مذكورة في التّوراة، أو مذكورة في أسفار أخرى، وما إلى ذلك!
عندما يقول الفلسطينيّون: نريد القدس الشّرقيَّة، أو عندما يقولون: نريد أن نعيش كدولة مستقلّة ولو في الضّفّة الغربيّة وغزّة، فإنَّ هذا يُسمّى تطرّفًا! والمنتفضون عندما ينتفضون في وجه الجيش الإسرائيليّ، فإنّهم يسمّون عملهم إرهابًا! والمجاهدون في لبنان، عندما ينطلقون من أجل إخراج المحتلّ من أرضهم، فإنّهم يُسمَّوْن إرهابيّين ومتطرّفين.
اختزال قضايا الشّعوب
وهكذا نجد أنّهم - كما في كثير من الدّول العربيَّة وغير العربيَّة - يتحدَّثون عن جهاد المجاهدين على أنّه مسألة إيرانيّة، وأنّ إيران تريد أن تأخذ حصّة في الجنوب، وتريد أن تأخذ حصّة في السّاحة العربيّة! يعني كأنّهم يقولون: لا يمكن أن يجاهد مجاهد إلّا من خلال الخارج، لأنّ مشكلة هؤلاء النّاس أنّهم لا يقاتلون إلّا إذا صدرت لهم قرارات من الخارج، ولهذا يتصوّرون أنّ النّاس كلّهم مثلهم.
والقضيّة الّتي نعرفها جميعًا هي أنّ هناك شعبًا يريد أن يتحرّر، ومجاهدين يريدون أن لا يتركوا المحتلّ يأخذ حرّيّته وراحته في هذا المجال.
التّحالف الأمريكيّ الإسرائيليّ
وعلينا - أيُّها الإخوة - أن نلتفت، ونحن نتحمَّل جميعًا مسؤوليَّة الإسلام في غياب رسول الله (ص)، لأنّه حمّلنا هذه الأمانة. فقد قال لنا: "مَن لم يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم"، وقال لنا: "مَن سمع رجلًا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم".
إنَّ علينا أن نفهم حقيقةً أساسيّةً لا نزال نركّز عليها ونكرّرها ونؤكّدها، وهي أنَّ مشكلتنا مع "إسرائيل" هي في الوقت نفسه مشكلتنا مع أميركا، باعتبار أنَّ هناك تحالفًا بين "إسرائيل" وأميركا على مستوى الاستراتيجيَّة في كلّ قضايا المنطقة. وهذا يعني أنَّ النّظرة السّياسيّة الإسرائيليّة إلى المنطقة هي نفسها النّظرة السّياسيَّة الأميركيَّة إليها؛ فإذا ضُربنا إسرائيليًّا فإنّنا نُضرَب أميركيًّا، وإذا شُرّدْنا إسرائيليًّا فإنّنا نُشرَّد أميركيًّا.
وعلينا أن لا نُخدع مرّةً أخرى بأنَّ أميركا يمكن أن تجامل العرب على حساب "إسرائيل". وقد تحدّث بعض السّياسيّين عن هذه المرحلة، ولا سيَّما بعد العدوان الإسرائيليّ الأخير على لبنان، أنَّ هناك تغيّرًا في الموقف الأميركيّ، باعتبار أنَّ هناك نوعًا من التّنافر بين مصالح أميركا في المنطقة وبين مصالح "إسرائيل"، لأنَّ الحرب امتدَّت إلى مستوى لا تقبل به أميركا! فعندما صرَّح رئيس وزراء العدوّ بأنَّ الهدف من الحملة هو تهجير عشرات الآلاف من اللّبنانيّين ليضغطوا على حكومتهم ليمكن لها أن تنزع سلاح المقاومة الإسلاميّة، ادَّعى أولئك المحلّلون أنَّ أميركا تدخَّلت للضّغط على إسرائيل لمنع ذلك، على أساس أنَّ ذلك لا يتناسب مع أخلاقيّة أميركا المزعومة بأنّها ترفض تهجير النّاس، ولا يتناسب مع مصلحة السَّلام الّتي يمكن أن تتأثّر بفعل هذا الواقع!
الواقع أنّ أميركا دولة بلا أخلاق، لأنّها دولة براغماتيّة تتحرّك من خلال لغة الواقع والمصالح. ونحن نعرف أنَّ أميركا هي الّتي أعطت الضّوء الأخضر في سنة 82 لاجتياح لبنان، وهي الّتي أعطت الضّوء الأخضر في سنة 93 فيما يشبه الاجتياح من التَّدمير الّذي نعرفه جميعًا، وذلك من خلال أحاديث كلّ المسؤولين الأميركيّين الّذين كانوا يبرّرون لـ "إسرائيل" هجومها على لبنان. ونحن نعرف أنَّ هذه الحركة الإسرائيليّة كانت بتنسيق مباشر مع أميركا، من أجل إنضاج طبخة التّسويات والمفاوضات. ثمّ لاحظنا أنَّ وزير خارجيّة أميركا - الّذي كان يريد أن يأتي إلى المنطقة من أجل متابعة قضايا المفاوضات - أخّر زيارته عدّة أيّام حتّى تستكمل "إسرائيل" تدميرها وخطّتها.
فالقضيَّة ليست اختلافًا بينهما، بل هي مجرَّد توزيع للأدوار بين أميركا و"إسرائيل"، فأميركا تأخذ دورًا، و"إسرائيل" تأخذ دورًا، ولكنّ الدّورين كليهما يتكاملان في الخطّة الموضوعة.
أزمة الموقف العربيّ
ومشكلة العرب هي مشكلة كلّ ضعيف؛ أنّه يرتاح لكلّ كلمة حلوة، ولكلّ مبادرة تمنحه الأمل. هذه هي القضيّة. لقد كانوا يقولون إنَّ هذا العدوان سوف يضرّ بالسَّلام، ولكنَّنا رأينا - وكنّا نقول ذلك - إنَّ هذا العدوان كان خطوة متقدّمة نحو إزالة كلّ الحواجز من أجل المفاوضات. ولذلك، عندما جاء وزير خارجيّة أميركا إلى المنطقة، رأى ما لم يحلم به من الأجواء الإيجابيَّة في مسألة المفاوضات، تمامًا كما لو لم يكن هناك عدوان إسرائيليّ، ولم يكن هناك تدمير وتشريد للشَّعب اللّبنانيّ! وقد أثّر الضّغط الأمريكيّ - الإسرائيليّ عربيًّا، عندما هدَّد وزير خارجيّة أميركا بأنَّ المفاوضات إذا توقّفت، فإنَّ معنى ذلك أن تكون الحرب، وأعطى ما حدث في لبنان كنموذج لما يمكن أن يحدث في المستقبل.
الحذر من الخداع السّياسيّ
لذلك، علينا أن لا نُخدع - أيُّها الأحبَّة - عندما يُتحدَّث إلينا عن تنازلات أميركيّة، وعن اختلافات أميركيّة إسرائيليّة. ونحن نسمع أيضًا في هذه الأيّام - من باب خداعنا - أنَّ "رابين" قد خرج قويًّا من خلال هذه الحرب في مجتمعه اليهوديّ في الدّاخل، ولذلك فإنّه يستطيع أن يقدّم تنازلات من موقع القوّة، لأنّه كان لا يستطيع ذلك قبل حرب لبنان! تمامًا كأنّهم يقولون: إنّنا فسحنا المجال لـ "رابين" أن يدمّر بيوت اللّبنانيّين، وأن يهجّرهم، وأن يقتل أطفالهم ونساءهم، ليكون قويًّا في الدّاخل، حتّى يستطيع أن يكون قويًّا في المفاوضات فيقدّم التّنازلات! إنّهم يضحكون على عقولنا، ويعرفون أنّنا شعب تُسقطه الكلمات وترفعه الكلمات. إنّهم يتحرّكون مع "إسرائيل" من خلال المواقف، ويتحرّكون معنا من خلال العواطف والكلمات. لذلك نحن لا نستطيع أن نأمن مكرهم، وكما يقول الشَّاعر:
|
إذا رأيت نيوب اللّيث بارزةً
|
فلا تظنَّنَّ أنَّ اللّيث يبتسمُ
|
إنَّ علينا أن نتفهّم حقيقة العدوّ وحقيقة الصّديق، حتّى نستطيع أن نرتّب أمورنا على هذا الأساس، لأنَّ القضيّة الّتي تواجهنا تتّصل بكلّ الواقع الّذي نعيشه في حرّيّتنا وعزّتنا وكرامتنا.
أزمة البوسنة والهرسك
ثمّ نحبّ أن نثير في هذا المجال عدَّة نقاط سريعة.
النّقطة الأولى: هي أنَّ مسألة البوسنة والهرسك لا تزال تفرض نفسها على الضَّمير الإنسانيّ والضَّمير الإسلاميّ. ونحن نلاحظ أنَّ هناك لعبة أوروبيّة - أميركيّة تحاول أن تُعطي الفرصة للصّرب حتّى يضغطوا أكثر، وحتّى يستولوا على أرض أكثر، باعتبار أنّهم يريدون للمسلمين أن يقدّموا التّنازلات على أساس أنّهم المهزومون. ولذلك، إذا انطلقت كلمة تتحرّك من محور دوليّ بأنَّ هناك فكرة لقصف مواقع الصّرب حتّى يرفعوا الحصار عن العاصمة البوسنيَّة، يكون هناك أكثر من محور دوليّ يتحدَّث عن المشاكل وعن النّتائج السّلبيّة لذلك. وهكذا رأينا أنَّ المسألة تسير بطريقة السّلحفاة، ليس فيها أيّ أمل لأن يتوازن الوضع السّياسيّ هناك.
إنّنا نجد أنَّ هناك حملة صليبيَّة - بالمعنى السّياسيّ للصّليبيّة - ضدّ المسلمين، لأنّه لا يُراد للمسلمين أن يكونوا قوّة في أوروبا. ونلاحظ أيضًا، في أكثر من موقع من مواقع الاتّحاد السّوفياتيّ السّابق، أنَّ هناك حملة على المسلمين في هذا الموقع وذاك. ونجد أنَّ هناك حركة في مواجهة الواقع الأفغانيّ من جديد، من أجل تدخّل روسيا من جديد في أموره بعنوان الحفاظ على حدودها وما إلى ذلك. إنَّ الواقع الإسلاميّ هو واقع يتحرَّك بالكثير من التّعقيد.
عنف الأنظمة ضدّ المجاهدين
فإذا أضفنا إلى ذلك، الواقع الَّذي يعيشه المسلمون في بعض البلدان الإسلاميَّة، والَّذين تلاحقهم الأنظمة بكلّ ما عندها من قوَّة ومن سلاح ومن جُند.. فإنّنا نقول لهذه الأنظمة إنّ عنف الدّولة لا يمكن أن يحطّم عنف الشّعب، لأنَّ الشّعب عندما يواجه الضَّغط على حرّيّته، والضَّغط على مصالحه، والضَّغط على إنسانيّته، فإنّه سوف يحوّل الواقع إلى ما يشبه الفوضى، ونحن لا نريد للمسلمين في أيّ بلد من بلدانهم أن يعيشوا هذه الفوضى، بل نريد لهم أن يتحاوروا.
إنّنا نطالب هذه الأنظمة - إذا كانت تريد استقرار بلدانها، وإذا كانت تريد التّوازن فيها - أن تنطلق في الحوار مع الإسلاميّين، حتّى يمكن الوصول إلى نتيجة إيجابيَّة تحفظ للبلاد استقرارها، وتحفظ للمسلمين عنفوانهم وعزَّتهم، وتحفظ لتلك المناطق استقرارها في كلّ المجالات.
لا فتنة بين الجيش والمقاومة
ثمّ بعد ذلك، نحبّ أن نطلّ على الواقع الدّاخليّ بشكل سريع جدًّا: لقد أُثير حديث في مسألة دخول الجيش إلى الجنوب في مناطق الطّوارئ، وحاول الكثيرون من النّاس أن يتحدّثوا عن فتنة بين الجيش والمقاومة، كما حاول بعض النَّاس أن يتحدّثوا عن فتنة شعبيّة بين الجنوبيّين، وكأنّهم يريدون أن يسوّقوا إيحاءات الفتنة في الواقع.
إنّنا نحبّ أن نقول إنّ كلّ الّذين يتحدّثون بهذه الطّريقة، سواء الّذين يتحدّثون عن الفتنة فيما بين النّاس في الجنوب، أو الّذين يتحدَّثون عن الفتنة فيما بين الجيش والمقاومة، إنّما يتحدَّثون عن تمنّياتهم ولا يتحدَّثون عن الواقع، إنّهم يحبّون أن تكون هناك فتنة، لأنّهم لا يريدون للبلد أن يستقرّ، ولا يريدون للّبنانيّين أن يتكاملوا جيشًا ومقاومةً.
ونقول لهم، إنّ الواقع الآن يختلف عمّا كان سابقًا؛ إنّ الجيش يفهم جيّدًا دور المقاومة وضرورتها في حماية البلد، وفي مواجهة الاحتلال الّذي يفرض نفسه عليه. ولذلك، فإنَّ ما نعرفه من الخطّ الّذي يتحرّك في واقع الجيش الآن، هو أنَّه - من ناحية استراتيجيَّة - لن يصطدم بالمقاومة، كما أنَّ المقاومة تعرف جيّدًا ظروف الجيش في القرار السّياسيّ في مسألة المواجهة، وتعرف ظروفه فيما يملكه من قوّة. وقد عاشت المقاومة تجربة ناجحة مع الجيش عندما دخل إلى مناطق المقاومة في "إقليم التّفّاح" وفي منطقة "النّبطيّة" بشكل عامّ، فلم يحدث أيّ صراع بينهما.. ربّما كانت تحدث أشياء بسيطة جدًّا، وكانت تُحلّ بأفضل الطُّرق.
لذلك، مَن يتحدَّث عن دخول الجيش إلى منطقة الطَّوارئ بأنَّ هناك مشكلة سوف تحدث بينه وبين المقاومة، وأنَّ الجيش دخل من أجل أن ينزع سلاح المقاومة، فإنَّ الّذين يتحدّثون بهذه الطّريقة، إمّا أنّه لا يعجبهم التَّكامل بين الجيش والمقاومة، وإمَّا أنّهم لا يفهمون الواقع السّياسيّ الَّذي تتحرّك فيه المسألة السّياسيّة في المنطقة، وأنَّه ليست هناك أيّة ظروف سياسيَّة لحدوث مثل هذه الأمور. فعليهم أن يرتاحوا، لأنَّ المقاومة تملك رُشدًا سياسيًّا وعقلًا جهاديًّا لا يمكن أن يورّطها في الاصطدام بأحد، كما أنَّ للجيش عقلانيّته ووعيه للسّاحة جيّدًا.
وهكذا نقول إنَّ النَّاس استطاعوا - بفعل التّجارب المؤلمة الّتي مرّوا بها - أن يتمرَّدوا على الفتنة. ولذلك، فإنّنا نتصوَّر أنَّه ليست هناك أيّة ظروف حقيقيّة واقعيَّة في وجود فتنة كبيرة. قد تكون هناك بعض الحسّاسيّات الّتي تحدث بين فريق وفريق، تمامًا كما تحدث بين عائلة وعائلة، وكما تحدث بين بلد وبلد، ويمكن أن تُحلّ بالحُسنى.
المساعدات.. وكرامات النَّاس
وفي نهاية المطاف، نتحدَّث عن مسألة المساعدات للنَّاس. إنّنا نطالب كلّ الّذين يتولّون تقديم المساعدات إلى النّاس - سواء كانت مساعدات عينيّة، أو نقديّة، أو إعماريَّة - أن تُحفظ للنَّاس كرامتهم في طريقة التَّوزيع، لأنَّنا نلاحظ في بعض الوسائل وفي بعض الأساليب، أنَّ النّاس تفقد كرامتها وتفقد إنسانيّتها في هذا الاتّجاه، بحيث تُصوَّر تمامًا كما لو كانت في حفلة تسوّل! إنّنا لا نريد فقط للإنسان في "جبل عامل" وفي "البقاع الغربيّ" أن تُحلّ مشكلته الغذائيَّة والعمرانيَّة، بل أن تحفظ كرامته وعزَّته أيضًا في هذا المجال.
كما أنّنا نطالب أيضًا بالدّقّة في التّقديرات، والدّقّة في التّوزيع، لأنَّ كلّ هذه المساعدات الّتي جاءت من أنحاء العالم، وكلّ هذه المساعدات الّتي قدَّمها المؤمنون من حقوقهم الشّرعيَّة، إنّما قُدّمت للمنكوبين والمتضرّرين والمهجّرين. لذلك، لا يجوز أن تتدخَّل الحسابات السّياسيّة الفئويّة في مسألة التَّوزيع، ولا أن تدخل العلاقات الشّخصيَّة فيها.
إنّنا نقولها للدَّولة الّتي تحمّلت مسؤوليّتها في توزيع هذه المساعدات: إنَّ عليها أن تقدّم إلى النّاس إدارةً مؤتمنةً على أموالهم، ومؤتمنةً على القضيّة كلّها. إنّنا لا نريد أن تُقدّم المساعدات بمقدار معيّن ليصل إلى النَّاس منها الرّبع أو الثّلث أو ما أشبه ذلك. إنَّ هذه المساعدات لا بدَّ أن تكون لكلّ النَّاس الّذين تضرّروا، ولكلّ النَّاس الّذين نُكبوا، ولكلّ النَّاس الّذين شُرّدوا.
إنّنا نريد للدّولة أن تكون واعيةً لذلك، إذا كانت تريد أن تعبّر عن مصداقيَّة حقيقيَّة بأنّها دولة تحترم نفسها وتحترم شعبها. وإنَّ على النَّاس أن يرفعوا أصواتهم إذا رأوا هناك خللًا في هذه المسألة، وانحرافًا عن هذا الخطّ، لأنَّ علينا أن لا نتاجر بنكبة المنكوبين ليعيش على حسابها أناس آخرون لم يُنكبوا في بيوتهم ولا في حياتهم. إنّنا لا نريد للمساعدات أن تذهب إلى الأغنياء الّذين يملكون مواقع سياسيّة أو اجتماعيّة في المجتمع، بل نريد أن تذهب إلى الفقراء، كلّ الفقراء.
والحمد لله ربّ العالمين.
* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، للرّجال، بتاريخ: 13/08/1993م.