الحجّ التزام دائمٌ بطاعة الله

الحجّ التزام دائمٌ بطاعة الله

الحجّ التزام دائمٌ بطاعة الله


ألقى سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله خطبتي صلاة الجمعة من على منبر مسجد الإمامين الحسنين (ع) في حارة حريك بحضور حشد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية وجمع غفير من المؤمنين ، ومما جاء في خطبته الأولى :

التسليم المطلق لله:

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين}. إن الله سبحانه وتعالى يريد للمسلمين في سائر أنحاء العالم أن يجتمعوا، حول بيته المحُرّم، الذي هو البيت الإسلامي العالمي، وليس هناك بيت عالمي لله إلاّ الكعبة، وأن يلتقوا عنده ليعيشوا معنى الإسلام في معنى الأمَّة، حيث يعيشون الإحساس بأنهم أمة جمعها الله في دينه، وأراد لها أن تلتقي وتعتصم بحبل الله جميعاً، وأن تتوحَّد في انفتاحها على الله، فالكلُّ يتوجَّه إلى الله بصوتٍ واحد، ليؤكّدوا طاعاتهم واستجابتهم: «لبيّك اللهمّ لبيّك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبّيك».

هذه الكلمات يؤكِّد فيها كلُّ مسلم، سواءٌ كان حاجّاً أو معتمراً، أنه يجيب الله تعالى، ولبّيك معناها إجابة بعد إجابة، أي يا ربّ أنا لا أجيبك مرّةً واحدة، ولكن كل حياتي تمثِّل الإجابة في ما أمرتنا به لنفعله، وفي ما نهيتنا عنه لنتركه، وفي ما حمّلتنا من مسؤولية المواقف والمواقع والعلاقات لنؤكّدها.

إنَّ الحاجّ عندما يبدأ هذا الإحرام بكلمة التّلبية، فإنّه يعطي لله عهداً بأن تكون كلُّ حياته طاعةً له، لأنَّ أيَّ انحرافٍ عن خطِّ الطّاعة يمثّل ابتعاداً عن هذه المعاهدة بينه وبين الله.

ثم يؤكِّد توحيد الله: «لبّيك لا شريك لك»، أي لن أتّجه، ولن أعبد وأطيع أيّ إله غيرك، لأنّك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لن أتوجّه إلى غيرك في كل ما يتعارفه المشركون من الناس من إلهٍ هنا وإلهٍ هناك، ثم يؤكد اعترافه وشكره وحمده لله: «إنَّ الحمد والنّعمة لك»، فلك الحمد وحدك ولا حمد لغيرك، ومنك النعمة وحدك ولا نعمة من غيرك: {وما بكم من نعمة فمن الله}. هذه المعاني تملأ عقل الإنسان وقلبه ووجدانه بالله، فيشعر بأن الله يدخل في كلِّ كيانه وأنّه حاضر في كلِّ حياته، وهكذا: «خفِ الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك».

ثم تنطلق وأنت تلبّي حتى تصل إلى مكّة، وفي مكّة مسؤوليّة جديدة، وهي أن تتطلَّع إلى البيت وقد استجبت لله في قوله: {وليطّوّفوا بالبيت العتيق}، هذا البيت الذي أراد الله للمسلمين أن يتوجّهوا إليه في شرق الأرض وغربها، ليشعروا بأنّهم يتوجّهون إلى قبلة واحدة. {فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره}. فالبيت هو القبلة وهو المطاف، وأنت تتّجه إلى البيت لتتلمَّس وحدة الإسلام من خلال وحدة القبلة.

وتنطلق إلى البيت لتطوف به سبعاً، والطّواف ليس عبادةً للبيت، والله لا يريد لنا أن نعبد الأحجار، سواءٌ كانت في صورة بيت أو مقام، أو في أية صورة أخرى، ولكنه بيت الله نطوف به، لأن الله أراد لهذا البيت أن تتمثَّل فيه طاعته ورحمته، ويتمثَّل فيه رضوانه.

أن تطوف بالبيت لتستوحي في طوافك أنَّ الذي يطوف ببيت الله في الكعبة لا بد أن يكون طوافه في كلِّ حياته ببيت الله، أن لا تطوف ببيوت الظالمين لتتقرَّب إليهم، وأن لا تطوف ببيوت الفاسقين لتعيش معهم، ولا ببيوت الكافرين لتنفتح على كفرهم، ولا ببيوت المستكبرين لتعمل في خدمتهم بعد أن ترجع من الحجّ، لأنَّ الطواف ببيت الله إعلانٌ عن توحيده، ولذلك فإنَّ الطّواف في أيِّ بيتٍ غيره، يستغرق في معانيه المنحرفة نوعاً من الشّرك العملي.

الإسلام مسؤولّيتنا:

وهكذا يعيشُ الإنسان معنى الطّواف، وهو يدعو ربَّه: {ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار} أن تعيش هذا الجوَّ الروحي الذي تلتفت فيه إلى سماوات الله، لتعيش القرب من الله سبحانه وتعالى، ثم تصلِّي خلف مقام النبي إبراهيم، {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلَّى} لتتذكَّر هذا النبي العظيم الذي {الّذين قال له ربه أسلم قال أسلمت لربِّ العالمين* ووصَّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب} الّذين أراد لهم أن يكونوا المسلمين {ملّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين}.

وهكذا، أن تتذكَّر صاحب هذا المقام الذي بنى الكعبة مع ولده إسماعيل، وأراد أن يأتي الناس إليها، فعندما تصلِّي خلف مقام النبي إبراهيم وأنت تستحضر الله بالمطلق، حاول أن تفكر بأن يكون إسلامك كإسلام إبراهيم(ع)، فتكون المسلم الذي يوصي أولاده بأن يكونوا مسلمين، {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذا قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون}.

هذا الإسلام المنفتح على الله بكلِّ ما تشتمل عليه حياتنا، هو أمانة الله عندنا، وعلينا أن ننقلها من جيل إلى جيل، فنجعل كلَّ همّنا أن يكون أولادنا مسلمين، ولا نعتبر أنَّ مسألة الإسلام على هامش ما نفكر فيه من مستقبل أولادنا، بل علينا أن نهتمّ أن يكون مستقبلهم مع الله قبل أن يكون مع هذا الزعيم أو ذاك، أو مع هذا الغني أو ذاك، لأن الجميع يذهبون {ويبقى وجه ربِّك ذو الجلال والإكرام}، الكلُّ ينفصلون عن بعضهم البعض، وتبقى العلاقة بالله. ولذلك فإن الصلاة في مقام إبراهيم هي رمز لتتذكَّر وأنت تعبد الله، أنَّ إبراهيم كان في هذا المكان يبتهل إلى الله ويشهده على إسلامه، وهذا معنى يملأك بالإسلام.

السّعي في طاعة الله:

{ثم إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حجَّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما ومن تطوّع خيراً}، فعندما تسعى بين الصّفا والمروة، تذكّر أنك تسعى لأنَّ الله أمرك بالسّعي، أن تسعى بينهما قربةً إلى الله، والسعي رمزه أن يكون كلُّ تحركنا في الدنيا بأمر الله، كالسّعي في الإصلاح بين النّاس لمساعدتهم، ولحلِّ مشكلاتهم، لا أن يكون السَّعي للفتنة أو الإغراء بهم أو القتال بينهم، فكما أنك تحرِّك رجليك في الصّفا والمروة في طاعة الله، فكّر وأنت تدعى إلى أيِّ مسعى أو إلى أيِّ موقع، هل إنَّ الله يرضى بذلك؟ كما عندما تستجيب مثلاً إلى مهرجان ما يدعو إليه مستكبر أو فاسق، حيث تكون كلُّ خطوة تخطوها في غير طاعة الله سيئةً يعاقبك الله عليها، ولكنّك عندما تسعى في سبيل الخير، فكلُّ خطوة تخطوها هي حسنة يثيبك الله عليها.

من صفات المؤمن في بعض الكلمات أنّه ممّن يكون «في ظلِّ عرش الله يوم لا ظلّ إلا ظلّه، رجل لم يقدِّم رجلاً ولم يؤخر أخرى حتى يعلم أن ذلك لله رضى».

وعلى هذا الأساس، فإنك عندما تنهي السّعي، تذكّر أنك سعيت في طاعة الله، ليكون كلُّ سعيك في طاعته. وبعد ذلك، ففي عمرة التمتّع الأولى، تقصِّر وتحلّ من إحرامك، والتقصير معناه أن تقصَّ بعض الشعرات التي نمت على المعصية، وكأنك بذلك تقصُّ ذنوبك، وتنتهي المرحلة الأولى من الحجِّ وهي العمرة.

ثم تبدأ مرحلة ثانية، فتحرم للحج من جديد، وتُلبي من جديد، وتقف في عرفات من الزوال إلى الغروب، لتدعو الله ولتبتهل إليه ولتحاسب نفسك هناك، لأن عرفة موقف، وعرفة هي الساحة التي يأمل الإنسان فيها أن يغفر الله له، وقد ورد أنه من كان يتصوَّر أن الله لا يغفر له في هذا الموقف فلن يغفر له.

ثم تنطلق من عرفات إلى المشعر الحرام، المزدلفة، حيث تذكر الله عند المشعر الحرام، {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكراً}، وهناك لا تدعوه لما يتعلّق بالدنيا فقط، بل استحضروا الدّنيا والآخرة، {فمن النّاس من يقول ربّنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خِلاق* ومنهم من يقول ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار* أولئك لهم نصيب مما كسبوا}، أن تقضي وقتك هناك بالدعاء، وليس بالأمور الدنيوية، لأنك مهاجرٌ إلى الله، وبعد أن تقف في المشعر الحرام من الفجر إلى طلوع الشّمس، تنطلق إلى منى لترمي جمرة العقبة، وتذبح وتحلق أو تقصِّر، وتنطلق إلى مكة لتطوف بالبيت وتسعى، ثم تطوف طواف النّساء، وتنتهي من حجك، بعد ذلك ترمي الجمرات في منى وتبيت فيه.

بداية عمرٍ جديد:

لذلك، فإنَّ من يحج وفق قواعد الحجّ، وأصوله وروحانيته، فإنه جاء أنَّ الإنسان إذا خرج من حجِّه، يقال له استأنف العمل من جديد، وفي بعض الأحاديث: «يخرج الحاجّ من حجّه كيوم ولدته أمه». هذا لمن يعيش الحج بأصوله وروحانيته، فلا يكذب، ولا يتكلم بكلام غير جائز. في هذه الحال، يبدأ الإنسان عمراً جديداً في طاعة الله، فيقال له: إنَّ الله غفر لك ما تقدَّم من ذنبك، فاعرف كيف تبدأ عمرك الجديد في هذا المجال.

لذلك، فإنَّ الحجَّ مطهرٌ يتطهَّر به الإنسان، وهو مدرسةٌ يتعلَّم فيها، وهو تجربة يعيش فيها المسلمون روح الوحدة، بحيث إنَّهم لا يستحضرون خلافاتهم وسلبيّاتهم وأمورهم، بل يشعرون أنهم أمَّةٌ واحدة، وهكذا يقول الإمام الباقر(ع) وهو يشير إلى من يحصل على معنى الحج: «ما يعبأ بمن أمّ هذا البيت إذا لم يكن فيه خصال ثلاث: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يملك به غضبه، وحسن الصّحبة لمن صحبه».

ويقول الإمام الصادق(ع): «إذا أحرمت فعليك بتقوى الله، وذكر الله كثيراً، وقلة الكلام إلاّ بخير، فإن من تمام الحج والعمرة أن يحفظ المرء لسانه إلاّ من خير، كما قال الله، فإنّ الله عز وجلّ يقول: {فمن فرض فيهنّ الحجّ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج».

أيُّها الأحبّة، إن الحجَّ هو وفادةٌ إلى الله وانفتاحٌ عليه، فعلينا أن نحسن حجّنا عندما نحجّ، وأن نُبقي حجَّنا في أنفسنا بعدما نرجع، حتى لا نكون كما ورد في كلام الإمام الصادق(ع): «ما أكثر الضّجيج وما أقلَّ الحجيج»، لأن الحاجَّ الذي لا يعيش أسرار الحج ومعناه كأنه لم يحجّ. نسأل الله أن يتقبل حجّنا وعملنا وعمرتنا وكلَّ طاعتنا له، ونسأله أن يحفظ الذين يحجّون الآن، وأن يسهِّل الحجّ لمن قصدوا الحجّ ولم يحجّوا.

الخطبة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

عباد الله.. اتقوا الله واعملوا على نظم أمركم وصلاح ذات بينكم، والانفتاح على الأمَّة كلّها في كلِّ قضاياها، وفي كل التحديات التي تواجهها، وابتعدوا عن الفتنة التي تأكل الأخضر واليابس في واقع الأمة، وابتعدوا عمّن يحاول إثارة الفتنة بين المسلمين، وواجهوا الموقف الذي نواجه فيه التحدّي من موقع واحد على أساس الأمة الواحدة، وعلى أساس الاعتصام بحبل الله جميعاً، وانفتحوا على المشاكل التي تعيش في واقع الأمة لتعرفوا كيف تبادرون إلى حلّها بكل الوسائل الشرعية:

تقاعس عربي في مواجهة المشروع الصهيوني:

فلسطين في المتاهات الدولية، وفي دوّامة التبريكات للانتخابات الرئاسية، وفي التصريحات الأمريكية التي تدعو إلى سياسة فلسطينية متوازنة في محاربة الإرهاب _ كما تسمّيه _ بتفكيك منظّمات الانتفاضة ونزع سلاحها، والقبول بما وافق عليه الرئيس بوش في رسالته إلى شارون بمنع حقِّ العودة وإبقاء المستوطنات الكبرى، وتأكيد الصفة اليهودية للدّولة، وربما تهويد القدس، ما يجعل من صورة الدولة الفلسطينية مسألةً لا تمثِّل كياناً مستقلاً حرّاً قابلاً للحياة، هذا إضافةً إلى كلمات عربية لا معنى لها من خلال أكثر من مسؤول عربي يلهث وراء الحلّ الأمريكي الإسرائيلي، ولا سيّما أن أكثر هؤلاء دخل في مرحلة التطبيع مع العدوّ قبل العلاقات الديبلوماسية، منتهكاً قرارات القمم العربية، لأن الرئيس الأمريكي وإدارته الصهيونية يفرض عليهم ذلك، ولم يحرك أيُّ مسؤول منهم ساكناً حتى على مستوى الاحتجاج الشكلي ضد مجزرة تدمير المنازل التي تعتزم إسرائيل القيام بها في منطقة الحدود مع مصر، في إطار مخطَّط لحفر خندق بحجَّة منع تهريب أسلحة للفلسطينيين.

كما أن إسرائيل طلبت من الأمريكيين تمويل جزء من مشروع جديد قيمته 450 مليون دولار لإنشاء معابر جديدة وتطوير المعابر الأخرى على طول جدار الفصل، الذي تقيمه في الأراضي المحتلّة، والذي اعتبرته محكمة العدل الدولية غير شرعي ومخالفاً للقانون الدولي، ما يعني أنّ الجدار الذي اجتاح الكثير من أراضي الفلسطينيين سوف يبقى على حاله من دون أي رفض أمريكي أو عربي، لأنه تحوّل إلى ما يشبه الأمر الواقع. وإذا كانت الأمم المتَّحدة تعلن من خلال أمينها العام عن خطوة أولى نحو إيجاد سجلٍ بالأضرار الناتجة من بناء الجدار العنصري يستند إلى ادّعاءات يتقدَّم بها الفلسطينيون، فإن ذلك لن يحقِّق شيئاً ما دام مجلس الأمن ممنوعاً من قرار ملزم لإسرائيل في إزالة الجدار نفسه باعتباره مشكلةً للشعب الفلسطيني في أصل بقائه.

فلسطين: الوعي للخلفيات السياسية:

إننا نقول للفلسطينيين في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ القضية، أن يرتفعوا إلى مستوى الوعي للخلفيّات السياسيّة، التي تريد أن تزرع حركتهم المستقلة بالألغام، التي يراد لها تفجير المجتمع الفلسطيني في وجه فصائل الانتفاضة من خلال برامج السّلطة لتحقيق الشروط الإسرائيلية _ الأمريكية... وأن ينفتحوا على كل الخطط الخفية، بتأكيد الثّوابت السياسيّة من جهة، وإبقاء البندقية الفلسطينية المقاومة موجَّهة إلى العدو في مواقعه العسكرية والاستيطانية من جهة أخرى.

إنَّ ذلك يمكن أن يشكِّل المنطلق لوحدةٍ داخلية، من خلال الحوار الموضوعي العقلاني المسؤول، بما لا يقبل الاهتزاز، وبما يرفض التقاتل والاشتباك أو السجال الذي لا يجدي شيئاً مما قد يدفع بالأمور إلى ما يريده الاحتلال.

العراق: المطالبة بزوال الاحتلال:

أما العراق، فلا يزال غارقاً في دوَّامة الفوضى الأمنية الدموية التي يسقط فيها الأبرياء، وتهتزُّ فيها الأوضاع السياسية، بين رأيٍ يؤيّد الانتخابات ورأيٍ يقاطعها، من دون أيِّ حوار موضوعي عقلاني بين الطرفين، ما يبعد تسليط الضوء على المشكلة الأم، وهي الاحتلال الأمريكي للعراق، المسؤول عن التردّي السياسي والأمني الذي يضرب العراق من أقصاه، إلى أقصاه والسائر في عوامل الإثارة التي تثير أكثر من حديثٍِ عن فتنة مذهبية أو حرب أهلية، وهو ما نأمل أن يواجهه العراقيون بمسؤولية رافضة مرتكزة على أساس الالتزام بالوحدة الإسلامية والوطنية الشاملة، مهما اختلفت الآراء في خصوصيات الخطوط السياسية، حتَّى على مستوى الاختلاف في مسألة الانتخاب.

وعلى الجميع أن يقرأوا تصريح الرئيس الأمريكي في إغلاق ملفّ أسلحة الدّمار الشامل في العراق لعدم العثور على شيء منها، على الرغم من شمولية البحث عنها، ليعرفوا الكذبة الكبرى على العالم في تبرير احتلال العراق، الأمر الذي يؤكِّد أنَّ السياسة الأمريكية والبريطانية لا تنطلق في شعاراتها ومبرراتها من موقع الصّدق للشّعوب، بل ترتكز على أساس الأكاذيب التي تحمي مصالحها وأطماعها الاستراتيجية... وإذا كان الاحتلال قد أسقط النظام الطاغي الذي كان صنيعة أمريكية، فإنه كان بفعل المرحلة الجديدة للمصالح الأمريكية، لا لتحرير الشعب العراقي...

ولذلك، فإنّنا ندعو الشّعب العراقي إلى أن يرفع الصوت عالياً لزوال الاحتلال، ومطالبته بوضع جدول زمني لانسحابه، كما ندعو الدول المجاورة للعراق إلى عدم المساهمة في صب الزيت الإعلامي والسياسي على النار المشتعلة في الداخل، وأن لا يُدخِلوا العراق في حساباتٍ طائفية وسياسيّة لا تفيده، بل قد تفيد الاحتلال بشكلٍ غير مباشر، وربّما يحاول الاحتلال وعملاؤه توجيه الاتّهام إلى بعض هذه الدّول للضّغط عليها، لتسهيل أمره في العراق وتنفيذ خططه، ما يفرض عليها الانتباه والحذر أمام ذلك.

لبنان: الحرية والاستقلال وعيٌ وإرادة:

أما لبنان الغارق في أزماته المعيشية ومشاكله السياسية وتمزّقاته الطّائفية، فإنَّ المفروض في مواطنيه أن لا يتخدّروا بالأساليب المتحرّكة في الدّوائر المغلقة التي يختنق فيها النّاس من أجل الابتعاد عن القضايا الحيوية والمصيرية لمصلحة القضايا الهامشية، وأن يدرسوا جيّداً الشخصيات السياسية التي تقدِّم نفسها على أساس المواقع القيادية، والتي تعمل على الدخول في النّادي السياسي لمصلحة أجهزة داخلية أو خارجية، وأن يلتفتوا جيداً إلى خلفيّات التصريحات المتعلّقة بأوضاع البلد السياسية بما فيها الداخلية، من خلال ممثّلي بعض الدّول التي تخطّط للتدخّل في الواقع اللبناني بطريقة سلبية، في خططٍ سياسية مرتبطة بأكثر من وضع في المنطقة، بما قد يربك لبنان في قضاياه الحيوية والمصيرية باسم الحفاظ عليه وعلى استقلاله.

إنَّ الحريّة والاستقلال بحاجة إلى مواجهة التدخّلات الخارجية والفوضى الداخلية التي تضع الوطن كلَّه في اتجاه المتاهات التي يفقد فيها المواطن قاعدة الأمان. إنّ الحرية وعي وحذر وإرادة ومواجهة في حركة الاستراتيجية والتكتيك، فكيف يواجه اللبنانيون ذلك كله في لعبة الأمم؟

الحجّ التزام دائمٌ بطاعة الله


ألقى سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله خطبتي صلاة الجمعة من على منبر مسجد الإمامين الحسنين (ع) في حارة حريك بحضور حشد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية وجمع غفير من المؤمنين ، ومما جاء في خطبته الأولى :

التسليم المطلق لله:

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين}. إن الله سبحانه وتعالى يريد للمسلمين في سائر أنحاء العالم أن يجتمعوا، حول بيته المحُرّم، الذي هو البيت الإسلامي العالمي، وليس هناك بيت عالمي لله إلاّ الكعبة، وأن يلتقوا عنده ليعيشوا معنى الإسلام في معنى الأمَّة، حيث يعيشون الإحساس بأنهم أمة جمعها الله في دينه، وأراد لها أن تلتقي وتعتصم بحبل الله جميعاً، وأن تتوحَّد في انفتاحها على الله، فالكلُّ يتوجَّه إلى الله بصوتٍ واحد، ليؤكّدوا طاعاتهم واستجابتهم: «لبيّك اللهمّ لبيّك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبّيك».

هذه الكلمات يؤكِّد فيها كلُّ مسلم، سواءٌ كان حاجّاً أو معتمراً، أنه يجيب الله تعالى، ولبّيك معناها إجابة بعد إجابة، أي يا ربّ أنا لا أجيبك مرّةً واحدة، ولكن كل حياتي تمثِّل الإجابة في ما أمرتنا به لنفعله، وفي ما نهيتنا عنه لنتركه، وفي ما حمّلتنا من مسؤولية المواقف والمواقع والعلاقات لنؤكّدها.

إنَّ الحاجّ عندما يبدأ هذا الإحرام بكلمة التّلبية، فإنّه يعطي لله عهداً بأن تكون كلُّ حياته طاعةً له، لأنَّ أيَّ انحرافٍ عن خطِّ الطّاعة يمثّل ابتعاداً عن هذه المعاهدة بينه وبين الله.

ثم يؤكِّد توحيد الله: «لبّيك لا شريك لك»، أي لن أتّجه، ولن أعبد وأطيع أيّ إله غيرك، لأنّك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لن أتوجّه إلى غيرك في كل ما يتعارفه المشركون من الناس من إلهٍ هنا وإلهٍ هناك، ثم يؤكد اعترافه وشكره وحمده لله: «إنَّ الحمد والنّعمة لك»، فلك الحمد وحدك ولا حمد لغيرك، ومنك النعمة وحدك ولا نعمة من غيرك: {وما بكم من نعمة فمن الله}. هذه المعاني تملأ عقل الإنسان وقلبه ووجدانه بالله، فيشعر بأن الله يدخل في كلِّ كيانه وأنّه حاضر في كلِّ حياته، وهكذا: «خفِ الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك».

ثم تنطلق وأنت تلبّي حتى تصل إلى مكّة، وفي مكّة مسؤوليّة جديدة، وهي أن تتطلَّع إلى البيت وقد استجبت لله في قوله: {وليطّوّفوا بالبيت العتيق}، هذا البيت الذي أراد الله للمسلمين أن يتوجّهوا إليه في شرق الأرض وغربها، ليشعروا بأنّهم يتوجّهون إلى قبلة واحدة. {فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره}. فالبيت هو القبلة وهو المطاف، وأنت تتّجه إلى البيت لتتلمَّس وحدة الإسلام من خلال وحدة القبلة.

وتنطلق إلى البيت لتطوف به سبعاً، والطّواف ليس عبادةً للبيت، والله لا يريد لنا أن نعبد الأحجار، سواءٌ كانت في صورة بيت أو مقام، أو في أية صورة أخرى، ولكنه بيت الله نطوف به، لأن الله أراد لهذا البيت أن تتمثَّل فيه طاعته ورحمته، ويتمثَّل فيه رضوانه.

أن تطوف بالبيت لتستوحي في طوافك أنَّ الذي يطوف ببيت الله في الكعبة لا بد أن يكون طوافه في كلِّ حياته ببيت الله، أن لا تطوف ببيوت الظالمين لتتقرَّب إليهم، وأن لا تطوف ببيوت الفاسقين لتعيش معهم، ولا ببيوت الكافرين لتنفتح على كفرهم، ولا ببيوت المستكبرين لتعمل في خدمتهم بعد أن ترجع من الحجّ، لأنَّ الطواف ببيت الله إعلانٌ عن توحيده، ولذلك فإنَّ الطّواف في أيِّ بيتٍ غيره، يستغرق في معانيه المنحرفة نوعاً من الشّرك العملي.

الإسلام مسؤولّيتنا:

وهكذا يعيشُ الإنسان معنى الطّواف، وهو يدعو ربَّه: {ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار} أن تعيش هذا الجوَّ الروحي الذي تلتفت فيه إلى سماوات الله، لتعيش القرب من الله سبحانه وتعالى، ثم تصلِّي خلف مقام النبي إبراهيم، {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلَّى} لتتذكَّر هذا النبي العظيم الذي {الّذين قال له ربه أسلم قال أسلمت لربِّ العالمين* ووصَّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب} الّذين أراد لهم أن يكونوا المسلمين {ملّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين}.

وهكذا، أن تتذكَّر صاحب هذا المقام الذي بنى الكعبة مع ولده إسماعيل، وأراد أن يأتي الناس إليها، فعندما تصلِّي خلف مقام النبي إبراهيم وأنت تستحضر الله بالمطلق، حاول أن تفكر بأن يكون إسلامك كإسلام إبراهيم(ع)، فتكون المسلم الذي يوصي أولاده بأن يكونوا مسلمين، {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذا قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون}.

هذا الإسلام المنفتح على الله بكلِّ ما تشتمل عليه حياتنا، هو أمانة الله عندنا، وعلينا أن ننقلها من جيل إلى جيل، فنجعل كلَّ همّنا أن يكون أولادنا مسلمين، ولا نعتبر أنَّ مسألة الإسلام على هامش ما نفكر فيه من مستقبل أولادنا، بل علينا أن نهتمّ أن يكون مستقبلهم مع الله قبل أن يكون مع هذا الزعيم أو ذاك، أو مع هذا الغني أو ذاك، لأن الجميع يذهبون {ويبقى وجه ربِّك ذو الجلال والإكرام}، الكلُّ ينفصلون عن بعضهم البعض، وتبقى العلاقة بالله. ولذلك فإن الصلاة في مقام إبراهيم هي رمز لتتذكَّر وأنت تعبد الله، أنَّ إبراهيم كان في هذا المكان يبتهل إلى الله ويشهده على إسلامه، وهذا معنى يملأك بالإسلام.

السّعي في طاعة الله:

{ثم إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حجَّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما ومن تطوّع خيراً}، فعندما تسعى بين الصّفا والمروة، تذكّر أنك تسعى لأنَّ الله أمرك بالسّعي، أن تسعى بينهما قربةً إلى الله، والسعي رمزه أن يكون كلُّ تحركنا في الدنيا بأمر الله، كالسّعي في الإصلاح بين النّاس لمساعدتهم، ولحلِّ مشكلاتهم، لا أن يكون السَّعي للفتنة أو الإغراء بهم أو القتال بينهم، فكما أنك تحرِّك رجليك في الصّفا والمروة في طاعة الله، فكّر وأنت تدعى إلى أيِّ مسعى أو إلى أيِّ موقع، هل إنَّ الله يرضى بذلك؟ كما عندما تستجيب مثلاً إلى مهرجان ما يدعو إليه مستكبر أو فاسق، حيث تكون كلُّ خطوة تخطوها في غير طاعة الله سيئةً يعاقبك الله عليها، ولكنّك عندما تسعى في سبيل الخير، فكلُّ خطوة تخطوها هي حسنة يثيبك الله عليها.

من صفات المؤمن في بعض الكلمات أنّه ممّن يكون «في ظلِّ عرش الله يوم لا ظلّ إلا ظلّه، رجل لم يقدِّم رجلاً ولم يؤخر أخرى حتى يعلم أن ذلك لله رضى».

وعلى هذا الأساس، فإنك عندما تنهي السّعي، تذكّر أنك سعيت في طاعة الله، ليكون كلُّ سعيك في طاعته. وبعد ذلك، ففي عمرة التمتّع الأولى، تقصِّر وتحلّ من إحرامك، والتقصير معناه أن تقصَّ بعض الشعرات التي نمت على المعصية، وكأنك بذلك تقصُّ ذنوبك، وتنتهي المرحلة الأولى من الحجِّ وهي العمرة.

ثم تبدأ مرحلة ثانية، فتحرم للحج من جديد، وتُلبي من جديد، وتقف في عرفات من الزوال إلى الغروب، لتدعو الله ولتبتهل إليه ولتحاسب نفسك هناك، لأن عرفة موقف، وعرفة هي الساحة التي يأمل الإنسان فيها أن يغفر الله له، وقد ورد أنه من كان يتصوَّر أن الله لا يغفر له في هذا الموقف فلن يغفر له.

ثم تنطلق من عرفات إلى المشعر الحرام، المزدلفة، حيث تذكر الله عند المشعر الحرام، {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكراً}، وهناك لا تدعوه لما يتعلّق بالدنيا فقط، بل استحضروا الدّنيا والآخرة، {فمن النّاس من يقول ربّنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خِلاق* ومنهم من يقول ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار* أولئك لهم نصيب مما كسبوا}، أن تقضي وقتك هناك بالدعاء، وليس بالأمور الدنيوية، لأنك مهاجرٌ إلى الله، وبعد أن تقف في المشعر الحرام من الفجر إلى طلوع الشّمس، تنطلق إلى منى لترمي جمرة العقبة، وتذبح وتحلق أو تقصِّر، وتنطلق إلى مكة لتطوف بالبيت وتسعى، ثم تطوف طواف النّساء، وتنتهي من حجك، بعد ذلك ترمي الجمرات في منى وتبيت فيه.

بداية عمرٍ جديد:

لذلك، فإنَّ من يحج وفق قواعد الحجّ، وأصوله وروحانيته، فإنه جاء أنَّ الإنسان إذا خرج من حجِّه، يقال له استأنف العمل من جديد، وفي بعض الأحاديث: «يخرج الحاجّ من حجّه كيوم ولدته أمه». هذا لمن يعيش الحج بأصوله وروحانيته، فلا يكذب، ولا يتكلم بكلام غير جائز. في هذه الحال، يبدأ الإنسان عمراً جديداً في طاعة الله، فيقال له: إنَّ الله غفر لك ما تقدَّم من ذنبك، فاعرف كيف تبدأ عمرك الجديد في هذا المجال.

لذلك، فإنَّ الحجَّ مطهرٌ يتطهَّر به الإنسان، وهو مدرسةٌ يتعلَّم فيها، وهو تجربة يعيش فيها المسلمون روح الوحدة، بحيث إنَّهم لا يستحضرون خلافاتهم وسلبيّاتهم وأمورهم، بل يشعرون أنهم أمَّةٌ واحدة، وهكذا يقول الإمام الباقر(ع) وهو يشير إلى من يحصل على معنى الحج: «ما يعبأ بمن أمّ هذا البيت إذا لم يكن فيه خصال ثلاث: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يملك به غضبه، وحسن الصّحبة لمن صحبه».

ويقول الإمام الصادق(ع): «إذا أحرمت فعليك بتقوى الله، وذكر الله كثيراً، وقلة الكلام إلاّ بخير، فإن من تمام الحج والعمرة أن يحفظ المرء لسانه إلاّ من خير، كما قال الله، فإنّ الله عز وجلّ يقول: {فمن فرض فيهنّ الحجّ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج».

أيُّها الأحبّة، إن الحجَّ هو وفادةٌ إلى الله وانفتاحٌ عليه، فعلينا أن نحسن حجّنا عندما نحجّ، وأن نُبقي حجَّنا في أنفسنا بعدما نرجع، حتى لا نكون كما ورد في كلام الإمام الصادق(ع): «ما أكثر الضّجيج وما أقلَّ الحجيج»، لأن الحاجَّ الذي لا يعيش أسرار الحج ومعناه كأنه لم يحجّ. نسأل الله أن يتقبل حجّنا وعملنا وعمرتنا وكلَّ طاعتنا له، ونسأله أن يحفظ الذين يحجّون الآن، وأن يسهِّل الحجّ لمن قصدوا الحجّ ولم يحجّوا.

الخطبة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

عباد الله.. اتقوا الله واعملوا على نظم أمركم وصلاح ذات بينكم، والانفتاح على الأمَّة كلّها في كلِّ قضاياها، وفي كل التحديات التي تواجهها، وابتعدوا عن الفتنة التي تأكل الأخضر واليابس في واقع الأمة، وابتعدوا عمّن يحاول إثارة الفتنة بين المسلمين، وواجهوا الموقف الذي نواجه فيه التحدّي من موقع واحد على أساس الأمة الواحدة، وعلى أساس الاعتصام بحبل الله جميعاً، وانفتحوا على المشاكل التي تعيش في واقع الأمة لتعرفوا كيف تبادرون إلى حلّها بكل الوسائل الشرعية:

تقاعس عربي في مواجهة المشروع الصهيوني:

فلسطين في المتاهات الدولية، وفي دوّامة التبريكات للانتخابات الرئاسية، وفي التصريحات الأمريكية التي تدعو إلى سياسة فلسطينية متوازنة في محاربة الإرهاب _ كما تسمّيه _ بتفكيك منظّمات الانتفاضة ونزع سلاحها، والقبول بما وافق عليه الرئيس بوش في رسالته إلى شارون بمنع حقِّ العودة وإبقاء المستوطنات الكبرى، وتأكيد الصفة اليهودية للدّولة، وربما تهويد القدس، ما يجعل من صورة الدولة الفلسطينية مسألةً لا تمثِّل كياناً مستقلاً حرّاً قابلاً للحياة، هذا إضافةً إلى كلمات عربية لا معنى لها من خلال أكثر من مسؤول عربي يلهث وراء الحلّ الأمريكي الإسرائيلي، ولا سيّما أن أكثر هؤلاء دخل في مرحلة التطبيع مع العدوّ قبل العلاقات الديبلوماسية، منتهكاً قرارات القمم العربية، لأن الرئيس الأمريكي وإدارته الصهيونية يفرض عليهم ذلك، ولم يحرك أيُّ مسؤول منهم ساكناً حتى على مستوى الاحتجاج الشكلي ضد مجزرة تدمير المنازل التي تعتزم إسرائيل القيام بها في منطقة الحدود مع مصر، في إطار مخطَّط لحفر خندق بحجَّة منع تهريب أسلحة للفلسطينيين.

كما أن إسرائيل طلبت من الأمريكيين تمويل جزء من مشروع جديد قيمته 450 مليون دولار لإنشاء معابر جديدة وتطوير المعابر الأخرى على طول جدار الفصل، الذي تقيمه في الأراضي المحتلّة، والذي اعتبرته محكمة العدل الدولية غير شرعي ومخالفاً للقانون الدولي، ما يعني أنّ الجدار الذي اجتاح الكثير من أراضي الفلسطينيين سوف يبقى على حاله من دون أي رفض أمريكي أو عربي، لأنه تحوّل إلى ما يشبه الأمر الواقع. وإذا كانت الأمم المتَّحدة تعلن من خلال أمينها العام عن خطوة أولى نحو إيجاد سجلٍ بالأضرار الناتجة من بناء الجدار العنصري يستند إلى ادّعاءات يتقدَّم بها الفلسطينيون، فإن ذلك لن يحقِّق شيئاً ما دام مجلس الأمن ممنوعاً من قرار ملزم لإسرائيل في إزالة الجدار نفسه باعتباره مشكلةً للشعب الفلسطيني في أصل بقائه.

فلسطين: الوعي للخلفيات السياسية:

إننا نقول للفلسطينيين في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ القضية، أن يرتفعوا إلى مستوى الوعي للخلفيّات السياسيّة، التي تريد أن تزرع حركتهم المستقلة بالألغام، التي يراد لها تفجير المجتمع الفلسطيني في وجه فصائل الانتفاضة من خلال برامج السّلطة لتحقيق الشروط الإسرائيلية _ الأمريكية... وأن ينفتحوا على كل الخطط الخفية، بتأكيد الثّوابت السياسيّة من جهة، وإبقاء البندقية الفلسطينية المقاومة موجَّهة إلى العدو في مواقعه العسكرية والاستيطانية من جهة أخرى.

إنَّ ذلك يمكن أن يشكِّل المنطلق لوحدةٍ داخلية، من خلال الحوار الموضوعي العقلاني المسؤول، بما لا يقبل الاهتزاز، وبما يرفض التقاتل والاشتباك أو السجال الذي لا يجدي شيئاً مما قد يدفع بالأمور إلى ما يريده الاحتلال.

العراق: المطالبة بزوال الاحتلال:

أما العراق، فلا يزال غارقاً في دوَّامة الفوضى الأمنية الدموية التي يسقط فيها الأبرياء، وتهتزُّ فيها الأوضاع السياسية، بين رأيٍ يؤيّد الانتخابات ورأيٍ يقاطعها، من دون أيِّ حوار موضوعي عقلاني بين الطرفين، ما يبعد تسليط الضوء على المشكلة الأم، وهي الاحتلال الأمريكي للعراق، المسؤول عن التردّي السياسي والأمني الذي يضرب العراق من أقصاه، إلى أقصاه والسائر في عوامل الإثارة التي تثير أكثر من حديثٍِ عن فتنة مذهبية أو حرب أهلية، وهو ما نأمل أن يواجهه العراقيون بمسؤولية رافضة مرتكزة على أساس الالتزام بالوحدة الإسلامية والوطنية الشاملة، مهما اختلفت الآراء في خصوصيات الخطوط السياسية، حتَّى على مستوى الاختلاف في مسألة الانتخاب.

وعلى الجميع أن يقرأوا تصريح الرئيس الأمريكي في إغلاق ملفّ أسلحة الدّمار الشامل في العراق لعدم العثور على شيء منها، على الرغم من شمولية البحث عنها، ليعرفوا الكذبة الكبرى على العالم في تبرير احتلال العراق، الأمر الذي يؤكِّد أنَّ السياسة الأمريكية والبريطانية لا تنطلق في شعاراتها ومبرراتها من موقع الصّدق للشّعوب، بل ترتكز على أساس الأكاذيب التي تحمي مصالحها وأطماعها الاستراتيجية... وإذا كان الاحتلال قد أسقط النظام الطاغي الذي كان صنيعة أمريكية، فإنه كان بفعل المرحلة الجديدة للمصالح الأمريكية، لا لتحرير الشعب العراقي...

ولذلك، فإنّنا ندعو الشّعب العراقي إلى أن يرفع الصوت عالياً لزوال الاحتلال، ومطالبته بوضع جدول زمني لانسحابه، كما ندعو الدول المجاورة للعراق إلى عدم المساهمة في صب الزيت الإعلامي والسياسي على النار المشتعلة في الداخل، وأن لا يُدخِلوا العراق في حساباتٍ طائفية وسياسيّة لا تفيده، بل قد تفيد الاحتلال بشكلٍ غير مباشر، وربّما يحاول الاحتلال وعملاؤه توجيه الاتّهام إلى بعض هذه الدّول للضّغط عليها، لتسهيل أمره في العراق وتنفيذ خططه، ما يفرض عليها الانتباه والحذر أمام ذلك.

لبنان: الحرية والاستقلال وعيٌ وإرادة:

أما لبنان الغارق في أزماته المعيشية ومشاكله السياسية وتمزّقاته الطّائفية، فإنَّ المفروض في مواطنيه أن لا يتخدّروا بالأساليب المتحرّكة في الدّوائر المغلقة التي يختنق فيها النّاس من أجل الابتعاد عن القضايا الحيوية والمصيرية لمصلحة القضايا الهامشية، وأن يدرسوا جيّداً الشخصيات السياسية التي تقدِّم نفسها على أساس المواقع القيادية، والتي تعمل على الدخول في النّادي السياسي لمصلحة أجهزة داخلية أو خارجية، وأن يلتفتوا جيداً إلى خلفيّات التصريحات المتعلّقة بأوضاع البلد السياسية بما فيها الداخلية، من خلال ممثّلي بعض الدّول التي تخطّط للتدخّل في الواقع اللبناني بطريقة سلبية، في خططٍ سياسية مرتبطة بأكثر من وضع في المنطقة، بما قد يربك لبنان في قضاياه الحيوية والمصيرية باسم الحفاظ عليه وعلى استقلاله.

إنَّ الحريّة والاستقلال بحاجة إلى مواجهة التدخّلات الخارجية والفوضى الداخلية التي تضع الوطن كلَّه في اتجاه المتاهات التي يفقد فيها المواطن قاعدة الأمان. إنّ الحرية وعي وحذر وإرادة ومواجهة في حركة الاستراتيجية والتكتيك، فكيف يواجه اللبنانيون ذلك كله في لعبة الأمم؟

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية