في ذكرى استشهاد عليّ (ع): دروس من وصاياه الأخيرة

في ذكرى استشهاد عليّ (ع): دروس من وصاياه الأخيرة

في التَّاسع عشر من شهر رمضان المبارك، تمرّ علينا ذكرى من أقسى ما مرَّت على المسلمين من الذّكريات بعد وفاة رسول الله (ص)، وهي ذكرى استشهاد الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، حيث برز إليه عبد الرّحمن بن ملجم، وهو يؤدّي الصَّلاة في محراب مسجد الكوفة، وضربه على رأسه وهو بين يدي ربّه، وصاح عليّ (ع): "بسم الله وبالله، وعلى ملّة رسول الله، فزت وربّ الكعبة". وكما أطلق آخر صوتٍ بين يدي الله في المسجد، كذلك كانت حياته كلّها سجوداً لله في مواقع السّجود على الأرض، وسجوداً لله في جهاده وعطائه، وفي مواقفه، وفي رعايته للإسلام والمسلمين، وفي تحمّله كلّ الصّعاب من أجل الإسلام والمسلمين.

لقد كان عليّ (ع) الإنسان الّذي لم يفهمه العالم كما هو حتَّى الآن، ولذلك فإنّنا لا نستطيع أن نجري مقارنةً بين عليّ وبين أيّ شخص آخر، لأنَّ عظمة عليٍّ (ع) تكمن في معرفته بالله وحبّه له، وفي معرفته لرسول الله (ص) وحبّه له، وفي معرفته بالإسلام وجهاده في سبيله، وفي كلّ حركة المسؤوليَّة الّتي عاشها في حياته، وفي فكره الَّذي لا يزال العالم بالرّغم من كلِّ تقدّمه وتطوّره الفكريّ، يشعر بأنَّ عليه أن يتعلَّم منه الكثير، كما لو كان عليّ (ع) يعيش في هذا العصر، لأنَّ فكره لا يختلف فيه عصر عن عصر، لأنّه فكر الحقيقة، وفكر الحقيقة للحياة كلّها.

عليّ (ع) معيار الحقّ

ولذلك، من حقّ عليٍّ (ع) علينا أن ندرسه وأن نفهمه وأن نقتدي به، وأن لا ندخله في كلِّ العصبيَّات الَّتي يستهلكها النّاس، وفي كلّ الطائفيّات والمذهبيّات الّتي يجترّونها، فعليّ فوق ذلك كلّه، وهذا الرّسول (ص) يقول: "لأعطينَّ الرَّاية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله - كان يحبّ الله ورسوله، ويفنى في سبيل الله ورسوله - ويحبّه الله ورسوله"، لأنّه أعطى كلَّ حياته وذاته لله.

وقد كان عليّ (ع) يعيش مع النَّاس، ولكنَّه كان في عيشه معهم يرتفع إلى الله دائماً، فيفكّر فيهم من خلال الله لا من خلال نفسه، كان لا يريد النّاس لنفسه، ولذلك قال لهم: "لَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِدًا؛ إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ"، وكان مع الحقّ في الله، ومع الحقّ في رسول الله، ومع الحقّ في الإسلام، ومع الحقّ في إدارة شؤون النَّاس، وقد قال رسول الله (ص): "عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ، وَالْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ، يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ".

ولذلك، في ذكرى عليّ (ع)، ينبغي لنا أن نكون مع الحقّ، أن لا نكون مع الباطل مهما أغرانا بماله وبسلطته وبعصبيَّته، لأنَّ الباطل سوف يزول في الدّنيا قبل الآخرة، وسيبقى الحقّ، {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}[الحجّ: 62].

 إذاً، لا بدَّ لنا من أن نكون مع الحقّ، لأنَّ ذلك هو الّذي يقرّبنا إلى الله، وهو الّذي يجعلنا من الأتباع الحقيقيّين لمحمّد وعليّ والصَّفوة الطيّبة من أهل بيته، وهذا ما لاحظناه في وصيّة عليّ في آخر لحظات حياته، فيما ينقله الشّريف الرّضي في "نهج البلاغة"، من كلامٍ له قاله في هذه الأيّام الثّلاثة الَّتي كان ينزف فيها ويحتضر، وأراد أحد أصحابه أن يدخل عليه، فمنعه أهله من ذلك، ولكنَّه بعد أن صرخ وبكى أذن له، فوجده كما قال (الأصبغ بن نباته): "فإذا هو مستند معصوب الرَّأس بعصابة صفراء، قد نزف دمه واصفرّ وجهه، فما أدري أوجهه أشدّ اصفراراً أم العمامة، فأقبلت عليه فقبَّلته، فبكيت، فقال لي: لا تبك يا أصبغ، فإنَّها والله الجنَّة. فقلت له: جعلت فداك، أعلم والله إنَّك لتسير إلى الجنَّة، وأنا أبكي لفقداني إيّاك يا أمير المؤمنين".

العلم المخزون

وينقل عن أحد أصحابه، وهو (صعصعة بن صلحان العبدي)، أنّه استأذن على عليّ، فلم يؤذن له لشدَّة حالة الإمام، فقال صعصعة للآذن: "قل له: يرحمك الله يا أمير المؤمنين حيّاً وميتاً، فلقد كان الله في صدرك عظيماً، ولقد كنت بذات الله عليماً". فبلّغه الآذن بعد أن نقل الكلام للإمام، فقال (ع): "قل له: وأنت يرحمك الله، لقد كنت خفيف المؤونة، كثير المعونة".

من وصاياه الأخيرة

وفي كلامٍ له (ع) قبل موته، وكان لا يترك الموعظة حتَّى في هذه الحالة الصَّعبة الّتي كان فيها ينزف بشدَّة، يقول: "أيّها النّاس، كلّ امرئٍ لاقٍ ما يفرُّ منه في فراره، والأجل مساق النَّفس إليه - أي أنَّ النَّفس تسوق صاحبها إلى أجله - والهرب منه موافاته - أي أنّك تهرب من الأجل إليه، لأنّك ستوافي أجلك - كما اطَّردت الأيَّام أبحثها عن مكنون هذا الأمر - الموت - فأبى الله إلَّا إخفاءه، هيهات! علمٌ مخزون - وكأنّه يشير إلى نفسه - أمَّا وصيَّتي - وعليّ لا يوصي النّاس في تلك المرحلة وحسب، وإنما يوصي كلَّ الأجيال - فالله لا تشركوا به شيئاً - في العقيدة، في العبادة، وفي الطّاعة - ومحمَّداً (ص) فلا تضيّعوا سنَّته - وسنّته هي كلّ ما قاله وما فعله وما أقرّه {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً}[الأحزاب: 21]، {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}[الحشر: 7]، {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ}[النّساء: 80] - أقيموا هذين العمودين - يعني توحيد الله وسنّة رسول الله، لأنَّهما العمودان اللّذان يرتكز عليهما كلّ بنائكم في كلّ كيانكم - وأوقدوا هذين المصباحين - فالمصباح الأوَّل هو توحيد الله، لأنّه يضيء للإنسان عقله وقلبه وحياته من خلال كتاب الله، وأمّا النّور الثّاني، فهو سنَّة رسول الله - وخلاكم ذمّ - لم يصبكم ذنب - ما لم تشردوا. حُمـِّل كلُّ امرئٍ منكم مجهوده - بحيث يحمل كلّ إنسانٍ منكم قدر طاقته في تكاليفه ومسؤوليَّاته - وخفَّف عن الجهلة ربٌّ رحيم، ودين قويم، وإمام عليم".

ثم قال لهم: "أنا بالأمس صاحبكم - عندما كنت معكم - وأنا اليوم عبرة لكم - عندما أحتضر - وغداً - عندما يحلُّ بي الموت - مفارقكم. غفر الله لي ولكم - وهو المعصوم في كلِّ فعله وفي كلِّ قوله - إن تثبت الوطأة في هذه المزلَّة فذاك - إذا ثبتت القدم في مواقع الزَّلل، وهي الموقع الَّذي يسير فيه الإنسان على الصِّراط ويُقبل على الله - وإن تدحض القدم - تسقط - فإنّا كنّا في أفياء أغصان، ومهابّ رياح، وتحت ظلِّ غمام. اضمحلّ في الجوِّ متلفّقها، وعفا في الأرض مخطّها - كناية عن زوالها - وإنّما كنت جاراً جاوركم بدني أيّاماً، وستعقبون منّي جثّةً - سأتحوّل إلى جثّة - خلاءً، ساكنةً بعد حراك، وصامتةً بعد نطق، ليعظكم هدوّي وخفوت إطراقي، وسكون أطرافي، فإنّه أوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ والقول المسموع - لأنَّ النظرة إلى الميت أكثر وعظاً من ألف خطابٍ ومن ألف موعظة، لأنَّ الحقيقة تتمثّل موعظةً للإنسان في ذلك كلّه - وداعي لكم - أودِّعكم - وداع امرئٍ مرصدٍ للتَّلاقي. غداً ترون أيّامي، ويكشف لكم عن سرائري - في حياتي لم تكونوا تعرفون أسراري، وما أظهره لكم ليس كلّ الحقيقة من الخير ومن العدل - وتعرفونني بعد خلوّ مكاني وقيام غيري مقامي"، لأنَّ الإنسان في مستوى عليّ (ع)، لا يعرفه النّاس في حياته حقَّ المعرفة، لأنهم يثيرون حوله الكثير من الضَّباب، ولأنهم يتحركون حوله بعصبيَّاتهم وذاتيَّاتهم وأهوائهم، كما أثاروا ذلك في حياته (ع)، ولم يعرفوه إلَّا بعد فقدانه، وفتّشوا عنه فلم يجدوه، وعاشوا مع غيره، فلحقهم من المعاناة ما لحقهم.

وفي وصيّةٍ أخرى له: "أنا بالأمس صاحبكم، وأنا اليوم عبرة لكم، وغداً مفارقكم، إن أبق فأنا وليّ دمي - أنا المسؤول عن دمي - وإن أفن فالفناء ميعادي - لأنَّ كلّ نفس ذائقة الموت - وإن أعف، فالعفو لي قربة وهو لكم حسنة. فاعفوا، ألا تحبّون أن يغفر الله لكم. والله ما فجأني من الموت واردٌ كرهته، ولا طالعٌ أنكرته، وما كنت إلَّا كقارب وردٍ وطالب وجدٍ، وما عند الله خير للأبرار".

الاقتداء بعليّ (ع)

ولذلك، أيّها الأحبَّة، علينا ونحن نعيش ذكرى عليّ (ع) في هذا اليوم الَّذي استقبل به ربّه في مسجد الكوفة، أن نرتفع إلى مستواه (ع)، أن نحفظ الإسلام كما حفظه، وأن نخلص لله ولرسوله كما أخلص لهما، وأن يكون رضى الله كلَّ همِّنا، وأن نبتعد عن كلِّ العصبيَّات والحساسيَّات، لأنّه يريد للّذين يلتزمون خطَّه ويسيرون معه، أن يكونوا في مستوى المسؤوليَّة، أن يعيش المؤمن مع أخيه المؤمن، وأن يهتمَّ بما يصيب المؤمن الآخر.

ابتعدوا عن كلِّ ما يفرّقكم، ابتعدوا عن كلّ عصبيّاتكم، ولا سيَّما في هذا الشّهر المبارك الّذي أراده الله أن يكون شهراً للمغفرة والرّحمة، يغفر لنا فيه ذنوبنا ويرحمنا. فتعالوا ليغفر بعضنا لبعض، وليرحم بعضنا بعضاً، ولنرحم الواقع الصَّعب الّذي نعيشه، فلا نثقله بكلِّ ما لدينا من عصبيّات طائفيّة ومذهبيّة وحزبيّة. تعالوا نرتفع إلى الله لنطلب رضاه، ولا شيء إلَّا رضاه، لنحبّه كما أحبّه عليّ (ع): "فهبني يا إلهي صبرت على عذابك، فكيف أصبر على فراقك، وهبني يا إلهي صبرت على حرِّ نارك، فكيف أصبر عن النَّظر إلى كرامتك، أم كيف أسكن في النّار ورجائي عفوك". تعالوا لنسير مع عليٍّ إلى الله، لنكون القريبين إليه.

والحمد لله ربّ العالمين.

*من محاضرة لسماحته، بتاريخ 19 رمضان 1421 ه- / ١٥- ١٢-٢٠٠٠م.

 

في التَّاسع عشر من شهر رمضان المبارك، تمرّ علينا ذكرى من أقسى ما مرَّت على المسلمين من الذّكريات بعد وفاة رسول الله (ص)، وهي ذكرى استشهاد الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، حيث برز إليه عبد الرّحمن بن ملجم، وهو يؤدّي الصَّلاة في محراب مسجد الكوفة، وضربه على رأسه وهو بين يدي ربّه، وصاح عليّ (ع): "بسم الله وبالله، وعلى ملّة رسول الله، فزت وربّ الكعبة". وكما أطلق آخر صوتٍ بين يدي الله في المسجد، كذلك كانت حياته كلّها سجوداً لله في مواقع السّجود على الأرض، وسجوداً لله في جهاده وعطائه، وفي مواقفه، وفي رعايته للإسلام والمسلمين، وفي تحمّله كلّ الصّعاب من أجل الإسلام والمسلمين.

لقد كان عليّ (ع) الإنسان الّذي لم يفهمه العالم كما هو حتَّى الآن، ولذلك فإنّنا لا نستطيع أن نجري مقارنةً بين عليّ وبين أيّ شخص آخر، لأنَّ عظمة عليٍّ (ع) تكمن في معرفته بالله وحبّه له، وفي معرفته لرسول الله (ص) وحبّه له، وفي معرفته بالإسلام وجهاده في سبيله، وفي كلّ حركة المسؤوليَّة الّتي عاشها في حياته، وفي فكره الَّذي لا يزال العالم بالرّغم من كلِّ تقدّمه وتطوّره الفكريّ، يشعر بأنَّ عليه أن يتعلَّم منه الكثير، كما لو كان عليّ (ع) يعيش في هذا العصر، لأنَّ فكره لا يختلف فيه عصر عن عصر، لأنّه فكر الحقيقة، وفكر الحقيقة للحياة كلّها.

عليّ (ع) معيار الحقّ

ولذلك، من حقّ عليٍّ (ع) علينا أن ندرسه وأن نفهمه وأن نقتدي به، وأن لا ندخله في كلِّ العصبيَّات الَّتي يستهلكها النّاس، وفي كلّ الطائفيّات والمذهبيّات الّتي يجترّونها، فعليّ فوق ذلك كلّه، وهذا الرّسول (ص) يقول: "لأعطينَّ الرَّاية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله - كان يحبّ الله ورسوله، ويفنى في سبيل الله ورسوله - ويحبّه الله ورسوله"، لأنّه أعطى كلَّ حياته وذاته لله.

وقد كان عليّ (ع) يعيش مع النَّاس، ولكنَّه كان في عيشه معهم يرتفع إلى الله دائماً، فيفكّر فيهم من خلال الله لا من خلال نفسه، كان لا يريد النّاس لنفسه، ولذلك قال لهم: "لَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِدًا؛ إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ"، وكان مع الحقّ في الله، ومع الحقّ في رسول الله، ومع الحقّ في الإسلام، ومع الحقّ في إدارة شؤون النَّاس، وقد قال رسول الله (ص): "عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ، وَالْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ، يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ".

ولذلك، في ذكرى عليّ (ع)، ينبغي لنا أن نكون مع الحقّ، أن لا نكون مع الباطل مهما أغرانا بماله وبسلطته وبعصبيَّته، لأنَّ الباطل سوف يزول في الدّنيا قبل الآخرة، وسيبقى الحقّ، {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}[الحجّ: 62].

 إذاً، لا بدَّ لنا من أن نكون مع الحقّ، لأنَّ ذلك هو الّذي يقرّبنا إلى الله، وهو الّذي يجعلنا من الأتباع الحقيقيّين لمحمّد وعليّ والصَّفوة الطيّبة من أهل بيته، وهذا ما لاحظناه في وصيّة عليّ في آخر لحظات حياته، فيما ينقله الشّريف الرّضي في "نهج البلاغة"، من كلامٍ له قاله في هذه الأيّام الثّلاثة الَّتي كان ينزف فيها ويحتضر، وأراد أحد أصحابه أن يدخل عليه، فمنعه أهله من ذلك، ولكنَّه بعد أن صرخ وبكى أذن له، فوجده كما قال (الأصبغ بن نباته): "فإذا هو مستند معصوب الرَّأس بعصابة صفراء، قد نزف دمه واصفرّ وجهه، فما أدري أوجهه أشدّ اصفراراً أم العمامة، فأقبلت عليه فقبَّلته، فبكيت، فقال لي: لا تبك يا أصبغ، فإنَّها والله الجنَّة. فقلت له: جعلت فداك، أعلم والله إنَّك لتسير إلى الجنَّة، وأنا أبكي لفقداني إيّاك يا أمير المؤمنين".

العلم المخزون

وينقل عن أحد أصحابه، وهو (صعصعة بن صلحان العبدي)، أنّه استأذن على عليّ، فلم يؤذن له لشدَّة حالة الإمام، فقال صعصعة للآذن: "قل له: يرحمك الله يا أمير المؤمنين حيّاً وميتاً، فلقد كان الله في صدرك عظيماً، ولقد كنت بذات الله عليماً". فبلّغه الآذن بعد أن نقل الكلام للإمام، فقال (ع): "قل له: وأنت يرحمك الله، لقد كنت خفيف المؤونة، كثير المعونة".

من وصاياه الأخيرة

وفي كلامٍ له (ع) قبل موته، وكان لا يترك الموعظة حتَّى في هذه الحالة الصَّعبة الّتي كان فيها ينزف بشدَّة، يقول: "أيّها النّاس، كلّ امرئٍ لاقٍ ما يفرُّ منه في فراره، والأجل مساق النَّفس إليه - أي أنَّ النَّفس تسوق صاحبها إلى أجله - والهرب منه موافاته - أي أنّك تهرب من الأجل إليه، لأنّك ستوافي أجلك - كما اطَّردت الأيَّام أبحثها عن مكنون هذا الأمر - الموت - فأبى الله إلَّا إخفاءه، هيهات! علمٌ مخزون - وكأنّه يشير إلى نفسه - أمَّا وصيَّتي - وعليّ لا يوصي النّاس في تلك المرحلة وحسب، وإنما يوصي كلَّ الأجيال - فالله لا تشركوا به شيئاً - في العقيدة، في العبادة، وفي الطّاعة - ومحمَّداً (ص) فلا تضيّعوا سنَّته - وسنّته هي كلّ ما قاله وما فعله وما أقرّه {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً}[الأحزاب: 21]، {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}[الحشر: 7]، {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ}[النّساء: 80] - أقيموا هذين العمودين - يعني توحيد الله وسنّة رسول الله، لأنَّهما العمودان اللّذان يرتكز عليهما كلّ بنائكم في كلّ كيانكم - وأوقدوا هذين المصباحين - فالمصباح الأوَّل هو توحيد الله، لأنّه يضيء للإنسان عقله وقلبه وحياته من خلال كتاب الله، وأمّا النّور الثّاني، فهو سنَّة رسول الله - وخلاكم ذمّ - لم يصبكم ذنب - ما لم تشردوا. حُمـِّل كلُّ امرئٍ منكم مجهوده - بحيث يحمل كلّ إنسانٍ منكم قدر طاقته في تكاليفه ومسؤوليَّاته - وخفَّف عن الجهلة ربٌّ رحيم، ودين قويم، وإمام عليم".

ثم قال لهم: "أنا بالأمس صاحبكم - عندما كنت معكم - وأنا اليوم عبرة لكم - عندما أحتضر - وغداً - عندما يحلُّ بي الموت - مفارقكم. غفر الله لي ولكم - وهو المعصوم في كلِّ فعله وفي كلِّ قوله - إن تثبت الوطأة في هذه المزلَّة فذاك - إذا ثبتت القدم في مواقع الزَّلل، وهي الموقع الَّذي يسير فيه الإنسان على الصِّراط ويُقبل على الله - وإن تدحض القدم - تسقط - فإنّا كنّا في أفياء أغصان، ومهابّ رياح، وتحت ظلِّ غمام. اضمحلّ في الجوِّ متلفّقها، وعفا في الأرض مخطّها - كناية عن زوالها - وإنّما كنت جاراً جاوركم بدني أيّاماً، وستعقبون منّي جثّةً - سأتحوّل إلى جثّة - خلاءً، ساكنةً بعد حراك، وصامتةً بعد نطق، ليعظكم هدوّي وخفوت إطراقي، وسكون أطرافي، فإنّه أوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ والقول المسموع - لأنَّ النظرة إلى الميت أكثر وعظاً من ألف خطابٍ ومن ألف موعظة، لأنَّ الحقيقة تتمثّل موعظةً للإنسان في ذلك كلّه - وداعي لكم - أودِّعكم - وداع امرئٍ مرصدٍ للتَّلاقي. غداً ترون أيّامي، ويكشف لكم عن سرائري - في حياتي لم تكونوا تعرفون أسراري، وما أظهره لكم ليس كلّ الحقيقة من الخير ومن العدل - وتعرفونني بعد خلوّ مكاني وقيام غيري مقامي"، لأنَّ الإنسان في مستوى عليّ (ع)، لا يعرفه النّاس في حياته حقَّ المعرفة، لأنهم يثيرون حوله الكثير من الضَّباب، ولأنهم يتحركون حوله بعصبيَّاتهم وذاتيَّاتهم وأهوائهم، كما أثاروا ذلك في حياته (ع)، ولم يعرفوه إلَّا بعد فقدانه، وفتّشوا عنه فلم يجدوه، وعاشوا مع غيره، فلحقهم من المعاناة ما لحقهم.

وفي وصيّةٍ أخرى له: "أنا بالأمس صاحبكم، وأنا اليوم عبرة لكم، وغداً مفارقكم، إن أبق فأنا وليّ دمي - أنا المسؤول عن دمي - وإن أفن فالفناء ميعادي - لأنَّ كلّ نفس ذائقة الموت - وإن أعف، فالعفو لي قربة وهو لكم حسنة. فاعفوا، ألا تحبّون أن يغفر الله لكم. والله ما فجأني من الموت واردٌ كرهته، ولا طالعٌ أنكرته، وما كنت إلَّا كقارب وردٍ وطالب وجدٍ، وما عند الله خير للأبرار".

الاقتداء بعليّ (ع)

ولذلك، أيّها الأحبَّة، علينا ونحن نعيش ذكرى عليّ (ع) في هذا اليوم الَّذي استقبل به ربّه في مسجد الكوفة، أن نرتفع إلى مستواه (ع)، أن نحفظ الإسلام كما حفظه، وأن نخلص لله ولرسوله كما أخلص لهما، وأن يكون رضى الله كلَّ همِّنا، وأن نبتعد عن كلِّ العصبيَّات والحساسيَّات، لأنّه يريد للّذين يلتزمون خطَّه ويسيرون معه، أن يكونوا في مستوى المسؤوليَّة، أن يعيش المؤمن مع أخيه المؤمن، وأن يهتمَّ بما يصيب المؤمن الآخر.

ابتعدوا عن كلِّ ما يفرّقكم، ابتعدوا عن كلّ عصبيّاتكم، ولا سيَّما في هذا الشّهر المبارك الّذي أراده الله أن يكون شهراً للمغفرة والرّحمة، يغفر لنا فيه ذنوبنا ويرحمنا. فتعالوا ليغفر بعضنا لبعض، وليرحم بعضنا بعضاً، ولنرحم الواقع الصَّعب الّذي نعيشه، فلا نثقله بكلِّ ما لدينا من عصبيّات طائفيّة ومذهبيّة وحزبيّة. تعالوا نرتفع إلى الله لنطلب رضاه، ولا شيء إلَّا رضاه، لنحبّه كما أحبّه عليّ (ع): "فهبني يا إلهي صبرت على عذابك، فكيف أصبر على فراقك، وهبني يا إلهي صبرت على حرِّ نارك، فكيف أصبر عن النَّظر إلى كرامتك، أم كيف أسكن في النّار ورجائي عفوك". تعالوا لنسير مع عليٍّ إلى الله، لنكون القريبين إليه.

والحمد لله ربّ العالمين.

*من محاضرة لسماحته، بتاريخ 19 رمضان 1421 ه- / ١٥- ١٢-٢٠٠٠م.

 

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية