خطر التّعصّب للمرجعيَّة
س: سنغتنم هذه الفرصة بوجود سماحتكم، لننقل إليكم بعض الهواجس الَّتي نعيشها، والَّتي كانت سابقًا في لبنان وانتقلت إلى الخارج. في لبنان، نعتقد أنَّنا ربّما وصلنا إلى مرحلةٍ تخطّاها الزَّمن، ولكن في الغرب، وخصوصًا في أستراليا، ما زالت هناك بعض الهواجس الموجودة على الأرض.
لا يوجد خوفٌ على الإخوة من ناحية الإيمان، لأنَّ الإيمان موجودٌ بالفطرة، وهناك محاولةٌ لحمايته أكثر ممّا هو موجودٌ في هذا البلد، ولكنَّ الخوف، كلّ الخوف، هو من بعض الهواجس والمهاترات. فمثلًا، مسألة ما سُمّي سابقًا "خلاف المرجعيَّة"، وبعض القضايا الَّتي تحوَّلت على السَّاحة هنا إلى "قميص عثمان"، وكما قلت، قد تكون السَّاحة تخطَّتها، ولكنّي أحبُّ أن يكون هناك رسالة إلى الإخوان من حفيد الحسين (ع) الأصيل بالحقّ، على أساس الهواجس والمهاترات الموجودة على صعيد السَّاحات الاغترابيَّة، والّتي لا تمثّل الإسلام المحمّديّ الأصيل، ولا تمثّل الموقف الصّحيح لإعلاء كلمة "لا إله إلّا الله محمّد رسول الله" بشرطها وشروطها. علينا أن نفهم أنَّ الخطر، كلّ الخطر، ليس من الخارج، بل من المهاترات الدَّاخليَّة.
نودّ أن توجّه رسالة إلى الإخوة بعد أن وصلت هذه المهاترات إلى مرحلة خطيرة، وأن تطلب منهم أن يكونوا رُسلًا في أستراليا لإنهاء هذه الحالة المعشّشة بيننا.
ج: هذا العنوان الَّذي ذكرته عنوانٌ جيّدٌ وكبيرٌ. وأنا منذ أن بدأتُ عملي، ربّما قبل خمسين سنةً تقريبًا وحتّى الآن، كانت دعوتي كلّها أن لا نتوقّف عند الجزئيّات، بل أن ننفتح على الكلّيّات، أن لا نقف عند القضايا الصّغيرة، بل أن نظلّ مع القضايا الكبيرة، ولا سيَّما إذا كانت التّحدّيات في هذا المستوى. أنا في تصوّري أنَّ الإخوة يخرجون عن تكليفهم الشّرعيّ ويأثمون عندما تحصل هناك مهاتراتٌ حول مسألة المرجعيّة.
فكما قلنا، بالنّسبة إلى التّاريخ الشّيعيّ كلّه، كان معروفًا بتعدّد المرجعيّات؛ هذا يقتنع بهذا المرجع فيقلّده، وذاك يقتنع بمرجعٍ آخر فيقلّده. فلم تكن عندنا مشكلةٌ في ذلك؛ فقد كان هناك المرحوم السّيّد الخوئيّ (قده)، والمرحوم السّيّد الخمينيّ (قده)، والسيّد الكلبيكاني، وغيرهم، كلّهم كانوا في صعيدٍ واحدٍ، ومع ذلك، كان هذا المقلّد مقتنعًا بمرجعه، وذاك مقتنعًا بمرجعه الآخر، وإن شاء الله كلّهم مبرأو الذّمّة. لا يوجد أيّ أساسٍ شرعيٍّ لأن يتكلَّم أحدٌ على أحدٍ بحجَّة أنّه يقلّد فلانًا أو فلانًا. نحن لا نريد أن نحوّل مسألة التَّقليد والعمل المرجعيّ إلى ما يشبه عمل الزّعامات الإقطاعيَّة الموجودة في السّياسة (أسعديّ، وعسيرانيّ، وما إلى ذلك)، فهذا قمّة التّخلّف.
كما أنَّ هذا الأمر يجعل الإنسان يقع في غيبةٍ من أكبر الغيبات، فلكي يسجّل نقطةً على الطّرف الآخر، يجلس ليغتاب المرجع ويشوّه صورته! مرجعٌ مجتهدٌ وكبيرٌ، قضى حياته في العلم، وتأتي أنت - الّذي لا تعرفه ولا تفهم رسالته - لتتحدّث عنه بهذه الطّريقة! أو يأتي الآخر ليتحدَّث عن المرجع الآخر! هذا يدلّ، أوّلًا، على وجود تخلّفٍ في الذّهنيّة، ويدلّ على عدم التّقوى، وعدم التّديّن. لكلّ إنسانٍ حقّ الاختيار، تمامًا كما تذهب إلى طبيبٍ وتقتنع به، وآخر يذهب إلى طبيبٍ آخر ويقتنع به. هل تتقاتلان لفرض طبيبٍ معيّنٍ؟! كلّ شخصٍ مقتنعٌ بخياره. صحيح أنّ القضيَّة أكبر من هذا الحجم، لكنّ الطّريقة هي نفسها.
الدّعوة إلى وحدة إسلاميّة
كذلك المهاترات الَّتي تُعاش نتيجة اختلاف الاتّجاهات؛ لنفرض الآن أنَّ هذا ابن «أمل» وذاك ابن «حزب الله»، وكلاهما شيعيٌّ. إذا كنت ترى أنَّ هذا الخطّ منحرفٌ، أو ذاك الخطّ منحرفٌ، فلا بأس، اجتمعوا أوّلًا على حبّ أهل البيت (ع)، وعلى الإسلام الَّذي يمثّله أهل البيت (ع)، ثمّ بعد ذلك تناقشوا فيما بينكم حول أيّ الخطّين أفضل.
نحن ندعو في هذه الأيّام إلى وحدةٍ إسلاميّةٍ سنّيّةٍ شيعيّةٍ، ونقول للنَّاس: تعالوا ليتّفق السنّة والشّيعة على ما التقوا عليه، وليتحاوروا فيما اختلفوا فيه. وندعو إلى جبهةٍ وطنيّةٍ وحوارٍ إسلاميٍّ مسيحيٍّ، فالقرآن يقول: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}(آل عمران: 64). فهل يُعقل أن لا نستطيع نحن أن نتَّفق، فقط لأنَّ هذا شيعيٌّ مقلّدٌ لهذا، وذاك شيعيٌّ مقلّدٌ لذاك؟! أو لأنَّ هذا لديه خطٌّ سياسيٌّ في السّياسة اللّبنانيّة، وذاك لديه خطٌّ سياسيٌّ آخر؟!
قد يكون أحدهما على حقٍّ والآخر ليس على حقٍّ، لكنَّ هذا لا يفرض علينا أن نتقاتل. لدينا الكثير ممّا نلتقي عليه، والقليل ممّا نختلف فيه، فعلينا أن نوظّف ما التقينا عليه في سبيل حلّ مشكلة ما اختلفنا فيه.
لذلك، نحن نضيّع جهدًا كبيرًا في هذه الخلافات الَّتي لا ترتكز على حوارٍ علميٍّ، بل على عصبيَّاتٍ وأحقادٍ، وهذه تأكل ديننا من حيث لا نشعر.
الإمام عليّ (ع) يقول في بعض كلماته: "احْصُدِ الشَّرَّ مِنْ صَدْرِ غَيْرِكَ بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ"، اجعل قلبك مفتوحًا للنَّاس الّذين من حولك، حتّى الّذين هم ضدّك؛ افتح قلبك لهم، وفي النّهاية ستنفتح قلوبهم لك.
دور المخابرات في إذكاء الفتن
لذلك، أرجو أن نعمل جميعًا في سبيل تخفيف هذا الشَّيء. قد لا يكون واقعيًّا أن نلغيه دفعةً واحدةً، لأنَّ الشَّرّ وصل من هنا إلى هناك. يُقال للشَّخص هناك: قاطع فلانًا، لا تحضر مجلسه، لا تتكلَّم معه، اشتمه! إذا أقام حفلًا أو تعزيةً فلا تحضر!... هذا كلّه - للأسف - انتقل من هنا إلى هناك...
أودُّ أن أؤكّد لكم أمرًا مهمًّا جدًّا، وهو أنَّه في كلّ بلدٍ تعيشون فيه، تعمل المخابرات، سواء الأميركيّة أو الإسرائيليّة أو غيرهما، من أجل أن تستفيد من نقاط الضّعف. أنا لا أقول إنَّ شبابنا هم مخابراتٌ، لا، بل هم ضحيَّة المخابرات، لأنّنا عندما نعيش في القضايا الصَّغيرة، تحاول المخابرات إثارة الحسّاسيّات الحزبيّة والسّياسيّة، وحتّى الحساسيّات المناطقيّة والضّيعويّة. إذا كانت هناك حسّاسيّاتٌ بين قريةٍ وأخرى هنا، يثيرونها هناك أيضًا، ويذكّرونهم كيف يتقاتل أهل هذه القرية مع أهل تلك القرية، ليغذّوا هذه العقليّات.
أنا أقول: إنَّنا اليوم نعيش في هذا الجوّ الواسع، فبعد أن كان كلّ منَّا في السَّابق يعيش في قريته أو في بيته، صرنا الآن في عالَمٍ آخر ودنيا واسعةٍ فيها قضايا كبرى، العالَم يتقدَّم وينطلق نحو الفضاء ليكتشفه، ونحن مصرّون على البقاء في هذا الإطار الضّيّق جدًّا: فلانٌ وفلانٌ، وأنا من جماعة فلانٍ، وأنت من جماعة فلانٍ! أنا أقول: نحن لسنا من جماعة لا فلانٍ ولا علّانٍ، نحن جماعة الله، وجماعة النَّبيّ (ص)، وجماعة أهل البيت (ع). لا يجوز لأحدٍ أن يكون "جماعةً" لبشرٍ، إلَّا إذا كان هذا البشر يمثّل قيمةً إسلاميّةً، بحيث يكون انتماؤك له انتماءً إلى القيمة الإسلاميَّة.
هذه النّقاط أحبّ دائمًا أن تتذاكروا فيها، وأن تحاولوا البحث عن أفضل الطّرق لحلّها والوصول إلى نتيجةٍ في هذا المجال.
ردٌّ على الانتقادات
س: نودّ توضيحًا أكثر حول الانتقادات الّتي وُجّهت إلى شخصكم، والّتي حصلت في أستراليا وفي بعض دول الاغتراب، وربّما كانت غير متوقّعةً؟
ج: هذا الموضوع له عدّة نقاطٍ سأختصرها لكم:
أوّلًا: الموضوع بدأ في أجواء مخابراتيّةٍ، ونتيجة مواقفي الأولى في مواجهة الاستكبار منذ البداية. أيّام الحرب بين حركة «أمل» و«حزب الله»، حمَّلني الكثير من النَّاس مسؤوليَّة ذلك، في الوقت الَّذي لا أتحمَّل فيه أيَّ مسؤوليَّةٍ. صحيحٌ أنّني ربّيت هذا الجيل كلّه منذ ثلاثين أو واحدٍ وثلاثين سنةً، وصحيحٌ أنّ كلّ شباب «حزب الله» هم أبناؤنا وأحبّاؤنا، كما كنّا منفتحين على شباب «أمل»، لكنّني لست القيادة؛ فـ «أمل» لها قيادتها، و«حزب الله» له قيادته، والفتوى لم تكن تؤخذ منّي، بل إنَّ «حزب الله» كان يأخذ الفتوى من الإمام الخمينيّ (قده) في ذلك الوقت، والآن من السّيّد علي الخامنئي. أنا لم أشارك في أيّ فتوى تتَّصل بأيّ حربٍ، إلّا حرب إسرائيل؛ ولذلك أقول إنّني مرتاح الضّمير، في أنّي لا أتحمّل مسؤوليَّة نقطة دمٍ واحدةٍ سالت في لبنان.
نعم، أتحمَّل مسؤوليَّة قتال إسرائيل، وما زلت حتّى الآن أقول بوجوب قتالها ودعم المجاهدين، وربّما كلّفني دعمي للمجاهدين الكثير من قِبل المخابرات الإسرائيليَّة والأميركيَّة وحتّى اللّبنانيَّة.
دعم المقاومة مادّيًّا!
س: عفوًا سيّدنا، هناك سؤالٌ يُطرح - أو بالأحرى كلامٌ باطلٌ يُراد به باطلٌ - وهو أنَّ سماحة السّيّد لا يدعم المقاومة ماليًّا؟
ج: أنا لا أحتاج لأن أبيّن ذلك. من هم الموجودون في المبرّات؟ أليس فيها الأيتام؟ عندنا ما يقارب 2600 إلى 3000 يتيمٍ بحسب الإحصائيَّات، أليس هذا دعمًا للمقاومة؟ ثمّ إنَّ مكاتبنا للخدمات الاجتماعيَّة، سواء في البقاع أو في الجنوب، مفتوحةٌ للمقاومة، للتَّموين والمساعدات الماليّة.
عندما كانت لدينا سَعةٌ في المال، كنّا نساعد في الزّواج وفي كلّ شيءٍ، والآن بسبب نقص السّيولة في البلد، قلَّت إمكانيّاتنا، وانعكس ذلك على مكتب الخدمات الّذي اقتصر دعمه على التَّموين، لعدم توفّر الإمكانيّات الماليّة.
لذلك، أنا أسأل الله أن يغفر لهم، فالّذين يقولون هذا إمَّا غير مطّلعين، أو أنّه قيل لهم قولوا ذلك.
قضيَّة الزّهراء (ع)
ثانيًا: إثارة القضايا التَّاريخيَّة، ومنها قضيَّة الزّهراء (ع)، ومن الطّبيعيّ أن تجد ناسًا لديهم عُقدٌ نفسيّةٌ. لقد أُثيرت في السَّاحة مسألةٌ بشكلٍ فوق العادة من قِبل بعض الحاقدين (خليجيّين وغير خليجيّين، وبعض اللّبنانيّين)، وهي المسألة المتعلّقة بالسّيّدة الزَّهراء (ع) وما قيل عن كسر ضلعها.
في الواقع، لم تكن هذه القضيّة من اهتماماتي الفكريّة، لكن قبل حوالي ثماني سنواتٍ، جاءت فتياتٌ جامعيّاتٌ في جلسةٍ خاصّةٍ، وسألنني عن هذا الموضوع، قلت لهنَّ إنَّ الحديث ضعيفٌ، وأنا لا أتفاعل مع الموضوع، لأنَّ محبّة الزّهراء (ع) في نفوس المسلمين عظيمةٌ جدًّا، وتأتي مباشرةً بعد محبّتهم لرسول الله (ص)، وأنا أستبعد أن يجرؤوا على ذلك.
ذكرت هذا في سياق إثارة علامات استفهامٍ، ونسيت الموضوع، ولكنَّ أحدهم كان يسجّل الجلسة، فأخذ الشَّريط إلى (قمّ)، وهناك دبلجوا الشَّريط وقالوا: انظروا! السّيّد فضل الله يريد تبرئة عُمَر وأبي بكر!. واستُغلَّت القضيَّة بشكلٍ بشعٍ من قِبل جماعةٍ حاقدين. وأنا حاولت أن أبيّن وجهة نظري، أنّني لم أنفِ الموضوع، بل أثرت علامات استفهامٍ كقضيَّة تاريخيَّة، وتحدَّثت عن مسألة محبوبيّة الزّهراء (ع) عند المسلمين، ولماذا تفتح هي الباب بينما الإمام عليّ (ع) جالسٌ في البيت؟ وكيف لا يدافع عن زوجته؟ وحتّى لو أوصاه النَّبيّ (ص) بأن لا يثير فتنةً، فهل يمنعه ذلك من الدّفاع عن زوجته؟!
ومع ذلك، أُخِذَتِ القضيَّة بشكل حاقد، حتَّى تدخَّل مشايخ وعلماء وكبّروا القضيَّة وهي صغيرةٌ جدًّا. وحتّى الآن، تُقام مجالس تعزيةٍ عندي، ويأتي قرّاءٌ يتحدَّثون عن الموضوع، فأقول لهم: طيّب الله أنفاسكم، ليست هذه هي المشكلة، المشكلة الكبرى والجريمة الكبرى في نظري هي غصب الخلافة وإبعاد الإمام عليّ (ع) عنها، وتهون كلّ القضايا أمام ذلك.
المقصود أنَّ هذا الموضوع أُثير ولا يزال يُثار بطريقةٍ أو بأخرى، دون أن يكون هناك أيّ مصلحةٍ للإسلام والمسلمين في إثارة هذه القضايا.
مسألةُ المرجعيَّة والتَّقليد
ثالثًا: مسألة المرجعيَّة والتَّقليد، أنا شخصيًّا لا أعتبر مسألة المرجعيَّة من طموحاتي، وخصوصًا أنَّ مركز المرجعيَّة ليس في لبنان، بل في (النَّجف) أو (قمّ). لكن يعلم الله أنَّ كثيرًا من النّاس في العالَم رجعوا إليَّ في التّقليد دون أن أطرح نفسي لذلك. كنت أقول لهم: لست مرشَّحًا للتّقليد، وعملي هو العمل الإسلاميّ أينما كان. لكنَّ الاستفتاءات بدأت تتوالى من سائر أنحاء العالَم، ووجدت نفسي أمام أمرٍ واقعٍ، ورأيت أنَّ المراجع الموجودين، وأغلبهم رفقائي، ليسوا أعلم منّي، ولا أقول إنّني أعلم منهم، لكنّني لا أعتبرهم أعلم منّي، وربّما أعتبر نفسي أوعى في بعض الجوانب، فقبلت من دون أن أسعى إلى ذلك. فمَن يقلّدني وهو مقتنع بي فلا مشكلة، ومَن ليس مقتنعًا بي فلا أقول له: تعال واقتنع، ولا أبعث إليه مَن يقنعه.
حربُ تشويه!
صراع المرجعيّات خَلَقَ حالة حربٍ، سواء في (قمّ) أو هنا في لبنان، حتّى وصلت إليكم في أستراليا، ووصلت إلى أوروبَّا وغيرها. وأنا أقول للنَّاس: يا جماعة، هناك مَن يُدبلج الأشرطة! يأتون بشريطٍ مجتزأ، كما لو أنَّ أحدهم يقول: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ}(الماعون: 4) ويسكت. مثلًا، أرسلوا شريطًا إلى أستراليا يسجّل إقامتي للصَّلاة، ليقولوا: لاحظوا أنّه لا يذكر الشَّهادة الثّالثة (الولاية) في الإقامة، إذًا هو لا يقول بالولاية! هل يُعقل هذا؟ أنا في خطبة الجمعة وقبل الزّيارة، أقرأ دعاء الافتتاح، وأزور المعصومين الأربعة عشر منذ ثلاثين سنةً! هل يأتي أحدٌ ليقول إنَّني لا أقول بالولاية لمجرّد أنَّني لا أذكر الشَّهادة الثَّالثة في الإقامة؟! علمًا أنَّه لا يوجد عالِمٌ من علماء الشّيعة يعتبرها جزءًا من الأذان أو الإقامة، فإذا استشكلت في ذكرها في الإقامة، فأنا أذكرها في الأذان.
وهكذا يأخذون كلمةً يقتطعونها من هنا، وكلمةً من هناك، فعندما تسمع الكلام تقول: كيف يقول السّيّد هذا الكلام؟! كيف يتكلّم هكذا؟! وبدأت حرب أشرطة تسجيلٍ، وحرب بياناتٍ، وحرب كتبٍ حول هذا الموضوع، وأغلبها، للأسف، غير مبنيّةٍ على تقوى من الله.
أنا أقول لهم: إذا كان النَّبيّ محمَّد (ص)، وهو نبيّ الله الّذي نحن تراب قدميه، قد اتّهمه النَّاس بالجنون، وإذا كان أمير المؤمنين (ع) قد سُبَّ على المنابر سبعين سنة، فليست المشكلة عندي أن يتّهموني أو يسبّوني، فأنا واقعًا لا أتأزّم نفسيًّا من هذه الأمور، لكنَّني أتألّم لإرباك السَّاحة الإسلاميَّة وإحداث الفتنة؛ هذا يتكلَّم بطريقةٍ، وذاك بأخرى، في الوقت الَّذي نخوض معركةً مع إسرائيل، ومع الاستكبار العالَميّ، ومعارك في قضايانا الدَّاخليَّة لتأكيد وجودنا، ومعركةً مع الكفر كلّه!
أنا أقول لكلّ النَّاس، حتّى لكثيرٍ من المشايخ هنا: يا جماعة، مَن لديه إشكالٌ فليتفضَّل، وأنا بكلّ رحابة صدرٍ أجيبه. أنا أجيب النَّاس في درس يوم الثُّلاثاء الّذي يُذاع على "صوت الإيمان"، حتّى إنَّ بعض النَّاس يسألونني: من أين لك هذا؟ من أين اشتريت سيّاراتك وبيتك؟ وأجيبهم بشكلٍ واضحٍ وصريح، لأنّني أعتبر أنَّ الإنسان العام من مسؤوليّته أن يجيب النَّاس حتّى عن خصوصيّاته. عندما تكون شخصًا عاملًا في الحقل العامّ، فمن حقّ النّاس أن تمنحهم الثّقة بنفسك. ولكن كما أقول دائمًا - والحمد لله - إنَّ حساباتي ليست معكم، بل حسابي مع الله، وإذا كان الله راضيًا، فكلّ هذا الكلام ليس مشكلةً، والحمد لله، أنّي أرى من لطف الله تعالى، ما يجعل كلَّ هذا كـ"هواءٍ في شبكٍ"...
في ذلك اليوم، سألني أحدهم، وقال إنَّ هناك أناسًا يتكلّمون عنّي، فقلت له: كلّهم أولادي، وكلّهم إخواني، وأنا أحبّهم وأقول: اللَّهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون.
س: يُشاع خبرٌ أنّه وصلت أموالٌ إلى سماحتكم باسم المقاومة، ولم تصل إلى المقاومة. فما حقيقة ذلك؟
ج: أوّلًا، من أستراليا، أنا لم يصلني شيءٌ. ربّما في بعض الأوقات، كان السّيّد هاشم يبعث مبالغ صغيرةً (مئة دولارٍ، عشرين دولارًا) من الصّدقات والكفَّارات، وبعضها كان للمقاومة، وكانت تعطى لها أو تصرف عليها؛ فنحن لدينا مَصرِفٌ للمقاومة كما بيَّنت لكم. أمَّا قضيّة أنّه أُرسلت إليّ أموالٌ من أستراليا أو أوروبّا أو الخليج أو أيّ مكانٍ آخر باسم المقاومة، ولم تُدفع لها أو لم تُصرف عليها، فهذا غير صحيحٍ إطلاقًا.
وأنا أطلب - ربّما يكون الشَّخص ناسيًا - اسم الشَّخص الَّذي أرسل إلى مكتبنا أموالًا باسم المقاومة، وكم هو المبلغ، لكي أحقّق في الأمر.
وأنا أقول لكم: أنتم رُسلي إلى كلّ مَن يدَّعي ذلك، قولوا لهم: السيّد مستعدٌّ لفتح تحقيقٍ؛ مَن الّذي أرسل؟ ومتى؟ وما هو المبلغ؟ ولـمَن أعطاه؟ أنا مستعدٌّ للتَّحقيق بكلّ معنى الكلمة في هذا المجال.
* أسئلة توجّهت إلى سماحة المرجع السيّد محمَّد حسين فضل الله (رض) في لقائه مع الشَّباب المغترب في أستراليا، بتاريخ: 15/01/1997م.