مقدّمة المجلَّة:
يقول الحقّ سبحانه وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً}[الروم: 54]. صدق الله العظيم.
لقد ركبت بعض وسائل الإعلام المقروء والمرئي موجة الاحتياج الإنساني للعلاج، وسعي الإنسان للشّفاء من أمراض عضويَّة ونفسيَّة، واستعداد البعض للمتاجرة بذلك، لتساهم في الترويج لظاهرة ما يسمَّى بـ "العلاج بالقرآن"، من خلال سعيها لزيادة مبيعاتها الكاسدة، وبلوغًا لهدف الإثارة بمزيد من اللَّغط حول أولئك المدَّعين للقدرة على شفاء كلّ الأمراض.
وفي مجال الإعلام المرئي، جعلت إحدى المذيعات عبر برامجها الَّتي تبثّها إحدى المحطّات الفضائيَّة، من أولئك المدَّعين، فرسانًا يتبارزون بآيات الله عزَّ وجلَّ؛ أحدهم يدَّعي قدرته على تثبيت يد الآخر مرفوعة لا يقدر على تحريكها، ويقوم بقراءة آيات من القرآن الكريم، في مشهد تمثيليّ سخيف يتمّ عرضه على جمهور المشاهدين، وسط تهريج لا أخلاقي داخل استديو التَّهريج الدَّائم!
ولا تكتفي الإعلاميَّة بتلك المشاهد الهزليَّة، بل إنّها تقدّم شهادتها إلى هؤلاء الدجَّالين، وتدعهم يمارسون دجلهم عليها شخصيًّا أمام كاميرات التَّصوير الَّتي نقلت إلى المشاهدين تلك الصّور الهزليَّة والأصوات المنكرة الَّتي لا تعي حرمة كلام الله وعظمته، لتقدّمهم عبر الإعلام المرئي الفضائي فرادى ومجتمعين لتضليل النَّاس وخداعهم!
مجلَّة "الفضائيَّة"، ورغبةً منها في استجلاء الموقف، حملت تساؤلات حول هذا الملفّ الّذي يكتنفه الغموض، وتوجَّهت بها إلى سماحة العلَّامة السيّد محمَّد حسين فضل الله، الَّذي يمتلك سعة معرفة واطّلاعًا عميقًا في الأمور الدينيَّة والدنيويَّة، ويشكّل موسوعة في العلم والمعرفة، للإجابة عن هذه التّساؤلات:
التبرّك بالقرآن
س: ما رأيكم فيما نطالعه اليوم حول العلاج بالقرآن؟
ج: التبرّك بالقرآن، بحيث يلجأ الإنسان في الحالات الصعبة إلى كلام الله للتبرك به وتوسّل الشفاء، جائز، وليست المسألة مسألة علاقة عضويَّة بين الآية القرآنيَّة الَّتي يعتبرها بعض النَّاس سببًا للشّفاء، وبين المرض، لأنَّ مسألة المرض هي مسألة طبيعيَّة في جسد الإنسان ناشئة عن أسباب طبيعيَّة، والله سبحانه وتعالى عندما خلق الدَّاء خلق الدَّواء. لكن يمكن للإنسان المؤمن أن يلجأ إلى خالقه ويتوسَّل بكلامه الكريم ليدفع عنه المرض، وليست المسألة مسألة علاج، بل هي مسألة دعاء وتوسّل إلى الله بما يحبّه من كلامه، أو بمن يحبّه من خلقه.
العلاج النّفسي بالقرآن؟!
س: هل العلاج بالقرآن الكريم هو علاج نفسي؟
ج: إذا كنَّا نعتبر أنَّ الإيحاء الروحيّ الَّذي يشعر به الإنسان من الإحساس بقداسة القرآن لأنَّه كلام الله، بحيث يعتقد جازمًا أنَّ الله سيشفيه إذا قرأ هذه الآية أو تلك أو حمل القرآن، فإنَّ ذلك يعتبر مؤثّرًا نفسيًّا تتحرَّك فيه حركة العلاج النفسي. فالقضيَّة من هذا الجانب تتَّصل بالثّقة النفسيَّة وبالثّقة الإنسانيَّة بالآيات القرآنيَّة كوسيلة من وسائل المداواة، وهي في ذلك ككلّ الأشياء الإيمانيَّة الَّتي يمكن للإنسان أن يعيشها، حتَّى إنَّ الإنسان ربما يعيش الوهم الَّذي قد يتحوّل إلى حالة من الإيحاء النفسي، فيُشفى من خلال ذلك، لأنَّ بعض الأمراض النفسيَّة تنشأ من تفاعلات شعوريَّة أو من تفاعلات نفسيَّة، الأمر الَّذي يجعل اعتقاد الإنسان بأيّ وسيلة من الوسائل دواءً لمشكلته النفسيَّة.
نحن لا نريد أن نقول إنَّ مسألة الثقة بالآيات القرآنيَّة من قبيل الوهم، لكن من قبيل الحالات النفسيَّة التي تكوّن حالات روحيَّة، وقد تكوّن حالات عاطفيَّة أو ما إلى ذلك، مما يمكن للإنسان أن يُشفى بها. لكنَّنا نعود ونؤكّد عدم وجود ارتباط عضويّ بين هذه الآيات والمرض، كما يكون الارتباط بين الأشياء ومسبّباتها، إذ إنَّنا لا نجد دليلًا فقهيًّا على ذلك.
الخرافة والضّعف الإنسانيّ
س: نلاحظ أنَّ المجتمعات "المتخلّفة" أكثر تأثّرًا من المجتمعات "المتحضّرة" بهذا النَّوع من البدع؟
ج: لا أتصوَّر أنَّ المسألة مسألة تقدّم أو تخلّف، إذ إنَّنا نجد، مثلًا، أنَّ المجتمعات المسمَّاة متقدّمة، غالبًا ما تستخدم مسألة الأبراج الَّتي تفرض نفسها بشكل كبير على صفحات المجلَّات والجرائد، ونحن نعرف أنَّ مسألة الأبراج ليس لها أيُّ أساس علميّ أو دينيّ، ولكنَّ الكثير من النَّاس يعتمدون عليها، وبعضهم يؤمن بها. كما أننا نرى كثيرًا من الناس في أمريكا، وهم من مستويات عالية من الثقافة، يخضعون لتأثير شخص يأتي من الهند بصرعة روحيَّة، ويلتفّ حوله رهطٌ كبير من النَّاس قد يصل عددهم إلى عشرات الألوف. إضافةً إلى ذلك، نجد أنَّ العديد من السياسيّين والمثقَّفين يقصدون العرَّافين وقارئات الحظّ أو ضاربات المندل، ونحن نعرف أنَّ هذا يحدث مع بعض السياسيّين في لبنان الَّذين يزورون البصّارات، وهذه الظَّاهرة تندرج في سلسلة قضايا الضّعف الإنساني.
نحن ندرك أنَّ الإنسان الَّذي يعيش الضعف أمام بعض الآلام أو بعض المشكلات، يحاول أن يلجأ إلى أيّ شيء مما هو خارج الواقع المادّيّ، مما يمكن أن يساهم في حلّ الكثير من المشكلات النَّفسيَّة، وقد يساهم في حلّ بعض المشكلات الَّتي لها جانب نفسيّ، إضافةً إلى الجانب العضوي، لكنَّ ذلك يتمّ بقدرة الله.
وقد يلجأ النَّاس إلى الخرافة، وهذا ما نلاحظه لدى الَّذين يعيشون التقدّم، فقضيَّة التَّقدّم أو التخلّف لا تقاس بحجم العلم الَّذي يختزنه الإنسان في فكره، بل بحجم الوعي الَّذي يتمتَّع به هذا الإنسان في محيطه. إنَّ الكثيرين ممَّن بلغوا المرتبة العليا من العلم، يتحوَّلون إلى أشخاص عاديّين عندما يعيشون بعض الآلام أو بعض المشكلات الَّتي تُسقط أوضاعهم، وما إلى ذلك. إنَّ المسألة إذًا هي الضّعف الإنسانيّ، وليست مسألة ما يختزنه الإنسان من علم.
هل يتلبَّس الجنّ الإنسان؟!
س: ما رأيكم في الصّور الَّتي نشاهدها عبر وسائل الإعلام عن الَّذين يقومون بالعلاج، حيث تتضمَّن هذه الصّور عرضًا لبعض المرضى قبل العلاج وبعد الشّفاء إثباتًا لصحَّة ادّعاءاتهم؟
ج: إنَّني أتصوَّر أنَّ الحديث عن أنَّ الجنَّ يتلبّس الإنسان أو يؤذيه هو حديث ليس له أساس ديني؛ فنحن نؤمن بوجود الجنّ لأنَّ الله حدَّثنا عنه، ولكنَّنا لا نجد أنَّ هناك أساسًا لتسليط الجنّ على الإنسان بهذه الطَّريقة. ولو دقَّقنا في الحالة التي يقال إنّ الجنّ يتلبّسها أو يمسّها أو يؤذيها، لوجدنا أنَّ هناك أسبابًا حقيقيَّة في الواقع دفعت بها إلى هذه الحالة، مثل صدمة نفسيَّة تهزّ الكيان العصبيّ لهذا الإنسان، أو بعض المشكلات الواقعيَّة الَّتي يربطها الإنسان بالجنّ قبل أن يدرس أساسها في حركة الواقع.
وربما يكون هؤلاء الَّذين يتحرّكون بعنوان إخراج الجنّ من هذه الحالة أو تلك، إنّما يستعملون الجانب النَّفسي أو الإيحائي، لأنَّ الشَّخص الَّذي يعاني هذه الحالة، إذا اعتقد أنَّ جنّيًّا قد تلبَّسه أو أصبح يسيطر عليه - وهناك بعض النِّساء اللَّواتي يعتقدن أنَّ جنّيًّا تزوَّجهنّ أو ما شابه ذلك - يأتي إلى أحد هؤلاء المعالجين وهو يحمل ثقةً كبيرةً به، باعتباره القادر على معالجته والتَّخلّص ممّا يعانيه. وعند ذلك، قد يلجأ المعالج إلى بعض الحيل أو الخدع، أو إلى أساليب أخرى، ثمَّ يقول له: "قد شُفيتَ"، فيشعر بأنّه شُفي بالفعل، لا لأنَّ هناك جنّيًّا خرج من جسده، بل لأنَّ الوهم الَّذي كان يسيطر عليه قد خرج منه. فتلك هي المسألة، وليس الأمر حقيقيًّا بالمعنى الَّذي يتصوّره. وأنا أقول للنَّاس دائمًا: "لا تبيعوا عقولكم لأحد".
إنَّنا لو درسنا حالة هؤلاء الَّذين يبيعون للنَّاس أوهامًا، والَّذين يدَّعون أنَّهم ينقذونهم من الجنّ أو القرينة أو ما شابه ذلك، لرأينا أنَّهم عندما يعانون تلك المشكلات، فإنَّهم يلجأون إلى الطَّبيب، ولا يستخدمون ما عندهم مما يستخدمونه مع النّاس! إنَّها مسألة مهنة يعيشون منها، معتمدين على ذهنيَّة متخلّفة موجودة لدى النَّاس، وعلى الآلام الَّتي يعيشها هؤلاء الَّذين يبحثون عن أيّ شيء للتخلّص منها. ونحن نعتقد أنَّ المسألة هي أنَّ الله جعل رزق هؤلاء على النَّاس الجهلة والواهمين.
استغلال الدّين لتسويق الأوهام
س: ما رأيكم بالهالة التي أحاطت بهذا الموضوع في الآونة الأخيرة، وإظهاره بشكلٍ وكأنَّه مخرج لأيّ أزمة أو حالة سياسيَّة مثلًا؟
ج: إنَّ لهذه الفكرة بعدين:
البعد الأوَّل: واقعيّ، يجعل مسألة القرآن دواءً كما هو الدَّواء بالنّسبة إلى المرضى من الناحية المادية، وهذا أمر ننفيه، لأنَّ ما ورد في القرآن أنَّه {وشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ}[يونس: 57] هو شفاءٌ روحي وشفاءٌ عقليّ، وليس المراد شفاءً ماديًّا.
البعد الثَّاني: هو البعد الرّوحيّ الَّذي يجعل الإنسان يبتهل إلى الله ويتوسَّل به ويطلب منه أن يشفيه، وهذا موجود في القرآن، فقد قال الله عزَّ وجلّ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}[غافر: 60]، و{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}[البقرة: 186]. فمن الممكن جدًّا أن يعيش الإنسان أجواء القرآن والأجواء الروحيَّة ليتوسَّل إلى الله سبحانه وتعالى بكلامه ليشفيه. إنَّ هذه المسألة تتَّصل بالجانب الإيماني والوعي الإيماني والثّقة بالله، وعدم اليأس من رَوْح الله ورحمته والأمل به، أكثر مما تتَّصل بالجانب المادّيّ في علاقة الآية بهذا المرض. ونحن لسنا سلبيّين أمام مسألة أن يلجأ الإنسان إلى الله من باب اللّجوء إلى آياته.
وإنَّني أعتقد أنَّ المسألة تتَّصل بحالة سياسيَّة معقَّدة، وإن كنَّا لا نمانع القول بأنَّ هناك تخطيطًا لإشغال النَّاس ببعض الأمور الَّتي تبعدهم عن الواقع، كما أنَّني أتصوَّر أنَّ الصحافة تتطرَّق إلى هذا الموضوع من باب الصَّرعات الصحافيَّة، باعتبار أنَّها تعتمد على الخبر المثير.
ومن هنا، فإنَّ هذه الأمور، مثل صفحة الأبراج والأشياء الخفيَّة الَّتي تعالج الظَّواهر الخارقة وغير العاديَّة، تجتذب القارئ، وكذلك هو حال أجهزة الإعلام الإذاعيَّة والتلفزيونيَّة مع المستمع أو المشاهد.
فمشكلتنا هي هذه الفوضى أو هذا الركام من الفوضى الثقافيَّة الَّتي نعيشها في واقعنا، والَّتي تتحرَّك فيها بعض القضايا غير الدينيَّة بعنوان أنَّها دينيَّة، أو غير العلميَّة بعنوان أنَّها علميَّة. ومشكلتنا أنَّنا نعيش في متاهات الخرافة باسم الحقيقة، ونرفض الحقيقة باسم الخرافة، وليس هناك من يقف ويملك القوَّة لكي يفرّق بين الحقيقة والخرافة، فقد يتعصَّب النَّاس للخرافة ويرفضون كلَّ ما يمتّ إلى الحقيقة.
إنَّني أقول لكلّ هؤلاء النَّاس: إنَّ الله خلق لنا عقلًا، وأراد منَّا أن نعرفه بالعقل، وأن نطيعه بالعقل، وجعل الرسالة رديفة للعقل، والله لم ينزل القرآن ليكون دواءً لما هو في الجسد، بل أنزله ليكون دواءً للعقل والروح والإحساس والشّعور.
إنَّ على الإنسان أن يحترم عقله وعلمه، فمن أين يعرف هؤلاء النَّاس الغيب، والله هو وحده العالم بالغيب، وهو الَّذي أعطى أنبياءه وأولياءه بعض المعرفة بأمور الغيب مما يحتاجونه في رسالاتهم؟! وما هي القوَّة الروحيَّة أو الماديَّة الَّتي يتمتَّع بها هؤلاء، والَّتي تصلهم بالجنّ أو ما إلى ذلك، كصرعة تحضير الأرواح أو الجنّ، وصرعة التَّحرك مع الجنّ؟ إنَّ هذه مسائل ليس لها أساس في الحقيقة الدينيَّة، بل هي أمور يستغلون فيها الناس المتألمين اليائسين من أجل أن يتاجروا بأحلامهم ومشكلاتهم.
إنَّني أقول للنَّاس: إنَّ الله خلق الداء وخلق معه الدواء، فعليهم في أيّ حالة صرع أن يلجأوا إلى العلم الَّذي يعرف مسبّبات هذه الحالة، لا أن يقصدوا "أصدقاء الجنّ"، وإذا وصلتم إلى حالة من الإحباط أمام الدَّواء، فالجأوا إلى الله سبحانه وتعالى، وابتهلوا إليه، ولعلَّ الله يستجيب لكم، فهو يحيي العظام وهي رميم. والله لا يريد لعبده أن ييأس، حتَّى لو لم يكن هناك دواء، لأنَّه يمكن أن يكتشف أحدهم الدَّواء في اللَّحظة التّالية، فـ{لَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}[يوسف: 87].
إنَّ علينا أن نفهم أنَّ الحياة تتَّصل بالواقع الَّذي خلقه الله سبحانه وتعالى، وأنَّ الغيب هو في علمه وحده، وأنّه ليس هناك من يملك معرفة الغيب من البشر، وأنَّ القدرات الخفيَّة الَّتي يتوهَّمها النَّاس لدى البعض هي من دون أساس.
* مقابلة أجرتها مجلَّة الفضائيّة بتاريخ: 1-12-1998، مع العلَّامة المرجع السيّد محمَّد حسين فضل الله (رض).
* أجرت المقابلة: غنوة خليل.