يقول الله سبحانه في كتابه المجيد: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(الأحزاب: 36).
ويقول سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(النساء: 65).
توحيد الطَّاعة
يؤكّد الله سبحانه في هاتين الآيتين حقيقة التَّوحيد في الطَّاعة، لأنَّ هناك توحيدًا في العقيدة يدفع الإنسان لأن يعتقد أنَّ الله تعالى وحده هو الإله الَّذي لا شريك له، وتوحيدًا في العبادة يطلب من الإنسان أن يعبد الله ولا يعبد غيره، وهناك التَّوحيد في الطَّاعة، وهو قمَّة التَّوحيد، لأنَّ التَّوحيد في الطَّاعة هو أن يطيع الإنسانُ الله وحده ولا يطيع غيرَه في كلِّ ما أمر به ونهى عنه، وأن لا يطلب رضا النَّاس بمعصية الله، لأنّ ذلك يمثّل نوعًا من أنواع الشّرك، بحيث إنَّ الإنسان عندما يتحرّك في حياته ليوازن بين رضا الله عليه، وبين رضا النَّاس عنه، فقد تتغلّب لديه الرغبة في رضا النَّاس عنه على الرغبة في رضا الله، فيبادر إلى فعل ما يريده الناس منه، ويترك ما يريد الله منه، وهذا يعني أنّه يحب النَّاس أكثر مما يحبّ الله.
وقد قال الله لنا في كتابه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}(البقرة: 165). وورد عن الإمام الصَّادق (ع) الَّذي مرَّت علينا ذكرى وفاته في الخامس والعشرين من شهر شوَّال أنَّه قال: "قال رسول الله (ص): مَنْ طلب مرضاة النَّاس بما يُسخط اللّه، كان حامده من النَّاس ذامًّا"(1)، يعني أنّك إذا أردت أن تنال رضا النَّاس من خلال ارتكاب معصية الله، وفعل ما يحبّون منك أن تفعله، ليمدحوك على ذلك أو ليرضوا عنك، فإنّ الله يعطيك عكس ما تريد، فبدلًا من أن تحصل على حمد النَّاس لك، فإنَّك تحصل على ذمّهم بشكلٍ أو بآخر.
رضا الله أوَّلًا وأخيرًا
وقد ورد في الحديث عن الإمام الباقر (ع) قال: "مَنْ طلبَ مرضاة النَّاس بما يُسخط الله، كان حامدهُ من النَّاس ذامًّا، ومَنْ آثَرَ طاعة الله بغضب النّاس، كفاه الله عداوة كلِّ عدوّ، وحسدَ كلّ حاسدٍ، وبغيَ كلّ باغٍ، وكان الله عزَّ وجلَّ له ناصرًا وظهيرًا"(2). فالَّذي لا يهمّه أَرَضِيَ النَّاس عنه أم لم يرضوا، بل كان هدفه في الحياة أن يرضى الله عنه، فيبادر إلى طاعته وحده تعالى، فإنَّ الله يكفيه كلّ النَّتائج السلبيَّة الَّتي تحصل من ذلك، سواء من بغي الباغين أو حسد الحاسدين أو عداوة المعادين، ويكون سبحانه له ناصرًا وظهيرًا.
وقد جاء في بعض الأحاديث: "لا دين لمن دانَ بطاعة مَنْ عصى الله - إذا كنت تريد أن تعرف نفسك، هل أنت صاحب دين أم لا، فإنّك إذا التزمت بطاعة مَنْ عصى الله؛ بطاعة ظالم أو منحرف أو مستكبر، وجعلت حياتك مرهونةً لخطِّ طاعته بعيدًا من طاعة الله سبحانه، فإنَّه لا دين لك، لأنَّ الدّين هو الالتزام، فأن يكون لك دين، يعني أن تدين بالله وبطاعته، ولا يمكن أن يجتمع في حياتك الالتزام بطاعة الله وفي الوقت نفسه الالتزام بطاعة مَنْ عصى الله - ولا دين لمن دان بفرية باطل على الله - فلا دين أيضًا لمن يلتزم بباطل، سواء كان باطلًا في العقيدة أو الشَّريعة أو باطلًا في كلِّ شؤون الحياة - ولا دين لمن دان بجحود شيء من آيات الله"(3).
من هذه الأحاديث الشَّريفة، نعرف أنَّ الإنسان الَّذي يريد أن يحصل على رضا الله، لا بدَّ أن يطيعه سبحانه وإن غضب النَّاس عليه، وأن لا يلتزم طاعة العاصين لله والمنحرفين عن طاعته، ولا طاعة المستكبرين على عباده، لأنَّه سبحانه يرفض للإنسان كلّ ذلك.
مقياس الإيمان
وعلى هذا الأساس، لا بدَّ للإنسان أن يدرس انتماءاته السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، ليسأل نفسَه، هل إنّه إذا وقف بين رضا النَّاس ورضا الله، يقدِّم رضا النَّاس على رضا الله، أم يقدّم رضا الله على رضا النَّاس؟ هذا هو المقياس الَّذي يعرف به الإنسان نفسه، هل هو صاحب دين أم ليس بصاحب دين.
قد يُبتلى الإنسان في بيته، عندما تطلب الزَّوجة من زوجها أمرًا على خلاف طاعة الله، أو يطلب الزَّوج من زوجته شيئًا فيه معصية الله، أو عندما يطلب الأب أو الأمّ شيئًا من ولدهما على غير ما يُرضي الله. وهكذا، قد يُبتلى في الواقع الاجتماعي، عندما تطلب العائلة أو العشيرة أن يسلك سلوكًا معيَّنًا مُغايرًا لرضا الله. إنَّ عليه هنا أن يُوازن بين طاعة العشيرة والعائلة والزوجة وبين طاعة الله، فهل يقدّم طاعة هؤلاء على طاعة الله؟ وهكذا في الجوانب السياسيّة، فقد يكون الإنسان منتميًا إلى خطٍّ سياسيّ، ويطلب منه المشرفون على هذا الخطّ أن يعمل على خلاف طاعة الله سبحانه، ليرضوا عنه، وليمنحوه موقعًا متقدّمًا، فهل يراعي طاعة الله أم طاعة هؤلاء؟
إنَّ الإنسان الرّساليّ هو الَّذي يجعل أعماله كلّها منطلقةً من طاعة الله لا من معصيته، لأنَّه بذلك يتحرَّر من الخضوع لكلِّ الَّذين يريدون فرض أنفسهم وطاعتهم وخطِّهم عليه. ومن هنا، يقول تبارك وتعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ - إنَّ الله سبحانه يُقسم بنفسه، وهو يخاطب رسوله (ص)، ليؤكِّد أنَّهم لن يكونوا مؤمنين بما يقتضيه الإيمان من التزامٍ وطاعة، إلَّا إذا عندما يختلفون فيما بينهم، حكَّموك - يا محمَّد - وجعلوا شريعتك ودينك مرجعًا للفصل فيما اختلفوا فيه - ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ - أي أنَّهم لا يشعرون بأيِّ ضيقٍ أو تحفُّظٍ إزاء ما قضيتَ به، بل يتقبَّلونه برحابة صدر - وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(النّساء: 65)؛ فينقادون إلى حكمك انقيادًا كاملًا، من دون تردُّدٍ أو اعتراض.
لذلك، يجب علينا أن نفحص أنفسنا فحصًا دقيقًا في هذا الجانب من التَّوحيد في الطَّاعة، والتَّوحيد في الحبِّ لله؛ هل نحن من الَّذين نريد أن يرضى الله عنَّا وإن غضب النّاس، أو أنَّنا نريد للنَّاس أن يرضوا عنَّا حتَّى لو غضب الله؟ هذه هي معادلة الإيمان وعدم الإيمان، ومعادلة الدّين وعدم الدّين.
الخطبة الثّانية
عبادَ الله، اتَّقوا الله في كلّ ما عهد إليكم من أوامره ونواهيه، فأطيعوه واتَّقوه في كلّ ما حمّلكم من مسؤوليَّات، واتَّقوه في أموركم الخاصَّة والعامَّة، حتى تقفوا غدًا بين يديه وأنتم تائبون، ليس عليكم من ذنب، ومخلصون من خلال ما تعيشونه من إخلاصكم له.
عبادَ الله، اتَّقوا الله، فإنَّ التَّقوى بابٌ واسعٌ لا بدَّ للنَّاس أن يدخلوه، فما من موقع في الحياة إلَّا وله تقوى، وما من موقع في الحياة إلَّا وهناك أمرٌ لله يريد للنَّاس أن يأتمروا به، ونهيٌ يريد لهم أن ينتهوا عنه. لذلك، لا نستطيع أن نحصر التَّقوى في دائرة العبادة، بل إنّ للسياسة تقواها، وللحرب تقواها، وللسّلم تقواه، لأنَّ الله أراد للإنسان أن لا يقدّم رِجْلًا ولا يؤخّر أخرى حتى يعلم أنَّ في ذلك لله رضا.
ومن التّقوى أن يهتمَّ الإنسان بأمور المسلمين ويحمل همّهم ويقف ليدعم مواقفهم، فيؤيّد مَنْ أراد الله له أن يؤيّده، ويرفض مَنْ أراد الله له أن يرفضه.
المرحلة الصَّعبة
ونحن في هذه المرحلة الصعبة نعيش أحداثًا هي أشدُّ ما مرَّ علينا من أحداث، لأنّ المستكبرين من أعداء الله وأعداء الإسلام من الأمريكيين والإسرائيليين، يعملون على إذلالنا ومصادرة أراضينا وإسقاط إرادتنا وتقييد حرياتنا وسرقة ثرواتنا، والله يريد لنا أن تكون لنا العزَّة، فنرفض كلّ ذلك باليد إن استطعنا، وبالكلمة إن استطعنا، وأن نرفضه بالقلب إذا لم نستطع تغيير ذلك. المهم ألاّ نستسلم وألاّ يتحوّل الحقُّ عندنا إلى باطل، والباطل إلى حقّ، وألاّ نتصوّر الذلّ عزًّا والعزّ ذُلًا، وهذا ما ينبغي لنا أن نواجهه فيما نواجه من أحداث.
تهويدٌ للقدس.. والتغطية الأمريكيّة
لا تزال حكومة العدوّ ماضية في عمليَّات تهويد القدس، غير آبهة بما يصدر من كلمات الأسف الَّتي تنطلق من العواصم الغربيَّة أو العربيَّة، وهي تستبطن الموافقة على مرور المشروع الجديد مرور الكرام.
إنَّ الأصوات الحيِّية الخجولة الَّتي انطلقت من أوروبَّا أو من الولايات المتحدة الأمريكيَّة، تؤكّد عدم وجود أيّ استعداد عملي على المستوى الدولي لمنع العدوّ من الاستمرار في الاستيطان وعزل القدس وتهويدها وإلغاء هويَّتها، كما أنَّ هناك تأييدًا أمريكيًّا خفيًّا لما يحصل من إدارة هي يهوديَّة في قراراتها بالمطلق، ويهوديَّة في الأسماء باستثناء اثنين، وكيف يمكن لإدارة يهوديَّة أن تتدخَّل بشكل حاسم ضدّ إسرائيل، ولا سيّما في مسألة كان الكونغرس الأمريكي من أوائل المشجّعين عليها، عندما أعلن الموافقة على أن تكون القدس عاصمة أبديَّة لإسرائيل، ولا يبتعد ذلك عن الضّغوط الَّتي بدأتها هذه الإدارة لمنع مجلس الأمن من استصدار قرار يُلزم العدوّ بالتراجع عن مشروعه الجديد، والتَّهديد باستخدام الفيتو إذا حصل ذلك.
الدبلوماسيّة العاجزة
لقد أظهرت زيارة عرفات إلى العاصمة الأمريكيَّة مدى الإخفاق الذي حصل عليه لوقف عمليات التهويد الإسرائيلية، كما أظهرت أنَّ الدبلوماسية "الهادئة" التي يحاول أن يستخدمها في موضوع حارّ كموضوع القدس، لن تجلب له شيئًا سوى المزيد من الإطراء من عواصم العالم، والمزيد من تمكين العدوّ من تحقيق ما يخطّط له. ثمّ إنَّ سعي عرفات لتهدئة الساحة الفلسطينيَّة الداخليَّة والساحة الدوليَّة، لن يفضي إلى أيّ نتيجة، وقد علَّمتنا التجارب أنَّ اليهود لا يتراجعون عن قراراتهم التي يعتبرونها تاريخيّة ومصيريَّة لمجرَّد أنَّ هناك عظات دوليَّة.
إنَّ البديل الطبيعي من الجولات العالمية واللغة الدبلوماسية هو العمل لإعادة الروح إلى الانتفاضة. والسؤال الذي يطرح نفسه هذه الأيام هو: إذا لم يتحرك الفلسطينيون الآن لوقف ما يحصل، فمتى يتحركون؟! على الأقل هناك الآن بعض المواقف الدولية المعترضة على القرارات الصهيونية، ولكن في المستقبل، ربما يقف العالم ليقول للفلسطينيين والعرب إنَّ "القدس أصبحت يهودية بفعل الأمر الواقع، فليس عليكم إلَّا القبول"، كما يقال لنا ذلك اليوم بالحديث عن فلسطين كلّها..
ونحن في الوقت الذي نقدّر بعض المواقف الدوليَّة، ولا سيّما الموقف الذي أعلنه وزير الخارجيّة الفرنسي بأنَّ فرنسا تعتبر الموقف الإسرائيلي مخالفًا للقانون الدولي، فإننا نسأل: متى تتحوَّل هذه المواقف إلى أفعال؟ لقد تحدَّى العراق القانون الدولي باجتياحه للكويت، فوقف التحالف الدولي ليمنعه من ذلك بالقوَّة، فأين المواقف العملية المماثلة ضدّ إسرائيل؟!
حرص المقاومة على اللّبنانيين
لقد عاد الحديث مؤخَّرًا عن انسحابات جزئية على طريقة "جزين أوَّلًا" وغيرها، ونحن في الوقت الَّذي نلاحظ أنَّ حديثًا هكذا يتكرَّر كلَّما تعاظم مأزق العدوّ بفعل ضربات المقاومة، فإنَّنا نؤكّد أنَّ هذه المسألة يطرحها العدوّ كـ"بالونات اختبار" ليعرف ردود الفعل عليها.
ثمَّ إنَّ الحديث عن صراعات قد تحدث بين اللّبنانيّين تعقب أيَّ انسحاب إسرائيلي، هو حديث غير بريء، ويوحي بأنَّ إسرائيل الَّتي كانت السَّبب في مآسي اللّبنانيّين، هي الضَّامن لعدم وقوع فتن فيما بينهم، بينما الواقع هو على العكس من ذلك، فلينسحب العدوّ دون قيد أو شرط، ولن يحدث هنا شيء بين اللّبنانيين، فالمقاومة الَّتي أخذت على عاتقها تحرير الأرض وحماية أهلها، لا يمكن أن تسلك طريقًا يؤدّي إلى أذيَّتهم.
ونحن في الوقت الَّذي نشعر بالاعتزاز والفخر بهذه الطَّلائع من المجاهدين التي تقوم بدورها على أكمل وجه في ملاحقة العدوّ، وتبذل في ذلك أغلى ما تملك، وتستمرّ في المواجهة والتَّحدّي له كلَّما ازداد عتوًّا وعدوانًا، فإنَّنا نؤكّد على العلاقة الجيّدة بين الجيش والمقاومة، والتي تبقى عائقًا أمام العدوّ وأمام ما يخطّط له لزعزعة السّلم الأهلي في لبنان.
إنَّ علينا أن نراقب السَّاحة جيّدًا، وأن نظلّ على حذر مما يخطّط له العدوّ، وأن ندعم المقاومة بكلّ ما نستطيع، لأنَّها اليد الَّتي نلجم بها اندفاعات العدوّ ومشاريعه وأطماعه.
* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الإمامين الحسنين (ع)، بتاريخ: 07/03/1997م.
***
1- الكافي، الشّيخ الكليني، ج2، ص372.
2- الكافي، ج2، ص329.
3- الكافي، ج4، ص 118.
يقول الله سبحانه في كتابه المجيد: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(الأحزاب: 36).
ويقول سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(النساء: 65).
توحيد الطَّاعة
يؤكّد الله سبحانه في هاتين الآيتين حقيقة التَّوحيد في الطَّاعة، لأنَّ هناك توحيدًا في العقيدة يدفع الإنسان لأن يعتقد أنَّ الله تعالى وحده هو الإله الَّذي لا شريك له، وتوحيدًا في العبادة يطلب من الإنسان أن يعبد الله ولا يعبد غيره، وهناك التَّوحيد في الطَّاعة، وهو قمَّة التَّوحيد، لأنَّ التَّوحيد في الطَّاعة هو أن يطيع الإنسانُ الله وحده ولا يطيع غيرَه في كلِّ ما أمر به ونهى عنه، وأن لا يطلب رضا النَّاس بمعصية الله، لأنّ ذلك يمثّل نوعًا من أنواع الشّرك، بحيث إنَّ الإنسان عندما يتحرّك في حياته ليوازن بين رضا الله عليه، وبين رضا النَّاس عنه، فقد تتغلّب لديه الرغبة في رضا النَّاس عنه على الرغبة في رضا الله، فيبادر إلى فعل ما يريده الناس منه، ويترك ما يريد الله منه، وهذا يعني أنّه يحب النَّاس أكثر مما يحبّ الله.
وقد قال الله لنا في كتابه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}(البقرة: 165). وورد عن الإمام الصَّادق (ع) الَّذي مرَّت علينا ذكرى وفاته في الخامس والعشرين من شهر شوَّال أنَّه قال: "قال رسول الله (ص): مَنْ طلب مرضاة النَّاس بما يُسخط اللّه، كان حامده من النَّاس ذامًّا"(1)، يعني أنّك إذا أردت أن تنال رضا النَّاس من خلال ارتكاب معصية الله، وفعل ما يحبّون منك أن تفعله، ليمدحوك على ذلك أو ليرضوا عنك، فإنّ الله يعطيك عكس ما تريد، فبدلًا من أن تحصل على حمد النَّاس لك، فإنَّك تحصل على ذمّهم بشكلٍ أو بآخر.
رضا الله أوَّلًا وأخيرًا
وقد ورد في الحديث عن الإمام الباقر (ع) قال: "مَنْ طلبَ مرضاة النَّاس بما يُسخط الله، كان حامدهُ من النَّاس ذامًّا، ومَنْ آثَرَ طاعة الله بغضب النّاس، كفاه الله عداوة كلِّ عدوّ، وحسدَ كلّ حاسدٍ، وبغيَ كلّ باغٍ، وكان الله عزَّ وجلَّ له ناصرًا وظهيرًا"(2). فالَّذي لا يهمّه أَرَضِيَ النَّاس عنه أم لم يرضوا، بل كان هدفه في الحياة أن يرضى الله عنه، فيبادر إلى طاعته وحده تعالى، فإنَّ الله يكفيه كلّ النَّتائج السلبيَّة الَّتي تحصل من ذلك، سواء من بغي الباغين أو حسد الحاسدين أو عداوة المعادين، ويكون سبحانه له ناصرًا وظهيرًا.
وقد جاء في بعض الأحاديث: "لا دين لمن دانَ بطاعة مَنْ عصى الله - إذا كنت تريد أن تعرف نفسك، هل أنت صاحب دين أم لا، فإنّك إذا التزمت بطاعة مَنْ عصى الله؛ بطاعة ظالم أو منحرف أو مستكبر، وجعلت حياتك مرهونةً لخطِّ طاعته بعيدًا من طاعة الله سبحانه، فإنَّه لا دين لك، لأنَّ الدّين هو الالتزام، فأن يكون لك دين، يعني أن تدين بالله وبطاعته، ولا يمكن أن يجتمع في حياتك الالتزام بطاعة الله وفي الوقت نفسه الالتزام بطاعة مَنْ عصى الله - ولا دين لمن دان بفرية باطل على الله - فلا دين أيضًا لمن يلتزم بباطل، سواء كان باطلًا في العقيدة أو الشَّريعة أو باطلًا في كلِّ شؤون الحياة - ولا دين لمن دان بجحود شيء من آيات الله"(3).
من هذه الأحاديث الشَّريفة، نعرف أنَّ الإنسان الَّذي يريد أن يحصل على رضا الله، لا بدَّ أن يطيعه سبحانه وإن غضب النَّاس عليه، وأن لا يلتزم طاعة العاصين لله والمنحرفين عن طاعته، ولا طاعة المستكبرين على عباده، لأنَّه سبحانه يرفض للإنسان كلّ ذلك.
مقياس الإيمان
وعلى هذا الأساس، لا بدَّ للإنسان أن يدرس انتماءاته السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، ليسأل نفسَه، هل إنّه إذا وقف بين رضا النَّاس ورضا الله، يقدِّم رضا النَّاس على رضا الله، أم يقدّم رضا الله على رضا النَّاس؟ هذا هو المقياس الَّذي يعرف به الإنسان نفسه، هل هو صاحب دين أم ليس بصاحب دين.
قد يُبتلى الإنسان في بيته، عندما تطلب الزَّوجة من زوجها أمرًا على خلاف طاعة الله، أو يطلب الزَّوج من زوجته شيئًا فيه معصية الله، أو عندما يطلب الأب أو الأمّ شيئًا من ولدهما على غير ما يُرضي الله. وهكذا، قد يُبتلى في الواقع الاجتماعي، عندما تطلب العائلة أو العشيرة أن يسلك سلوكًا معيَّنًا مُغايرًا لرضا الله. إنَّ عليه هنا أن يُوازن بين طاعة العشيرة والعائلة والزوجة وبين طاعة الله، فهل يقدّم طاعة هؤلاء على طاعة الله؟ وهكذا في الجوانب السياسيّة، فقد يكون الإنسان منتميًا إلى خطٍّ سياسيّ، ويطلب منه المشرفون على هذا الخطّ أن يعمل على خلاف طاعة الله سبحانه، ليرضوا عنه، وليمنحوه موقعًا متقدّمًا، فهل يراعي طاعة الله أم طاعة هؤلاء؟
إنَّ الإنسان الرّساليّ هو الَّذي يجعل أعماله كلّها منطلقةً من طاعة الله لا من معصيته، لأنَّه بذلك يتحرَّر من الخضوع لكلِّ الَّذين يريدون فرض أنفسهم وطاعتهم وخطِّهم عليه. ومن هنا، يقول تبارك وتعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ - إنَّ الله سبحانه يُقسم بنفسه، وهو يخاطب رسوله (ص)، ليؤكِّد أنَّهم لن يكونوا مؤمنين بما يقتضيه الإيمان من التزامٍ وطاعة، إلَّا إذا عندما يختلفون فيما بينهم، حكَّموك - يا محمَّد - وجعلوا شريعتك ودينك مرجعًا للفصل فيما اختلفوا فيه - ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ - أي أنَّهم لا يشعرون بأيِّ ضيقٍ أو تحفُّظٍ إزاء ما قضيتَ به، بل يتقبَّلونه برحابة صدر - وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(النّساء: 65)؛ فينقادون إلى حكمك انقيادًا كاملًا، من دون تردُّدٍ أو اعتراض.
لذلك، يجب علينا أن نفحص أنفسنا فحصًا دقيقًا في هذا الجانب من التَّوحيد في الطَّاعة، والتَّوحيد في الحبِّ لله؛ هل نحن من الَّذين نريد أن يرضى الله عنَّا وإن غضب النّاس، أو أنَّنا نريد للنَّاس أن يرضوا عنَّا حتَّى لو غضب الله؟ هذه هي معادلة الإيمان وعدم الإيمان، ومعادلة الدّين وعدم الدّين.
الخطبة الثّانية
عبادَ الله، اتَّقوا الله في كلّ ما عهد إليكم من أوامره ونواهيه، فأطيعوه واتَّقوه في كلّ ما حمّلكم من مسؤوليَّات، واتَّقوه في أموركم الخاصَّة والعامَّة، حتى تقفوا غدًا بين يديه وأنتم تائبون، ليس عليكم من ذنب، ومخلصون من خلال ما تعيشونه من إخلاصكم له.
عبادَ الله، اتَّقوا الله، فإنَّ التَّقوى بابٌ واسعٌ لا بدَّ للنَّاس أن يدخلوه، فما من موقع في الحياة إلَّا وله تقوى، وما من موقع في الحياة إلَّا وهناك أمرٌ لله يريد للنَّاس أن يأتمروا به، ونهيٌ يريد لهم أن ينتهوا عنه. لذلك، لا نستطيع أن نحصر التَّقوى في دائرة العبادة، بل إنّ للسياسة تقواها، وللحرب تقواها، وللسّلم تقواه، لأنَّ الله أراد للإنسان أن لا يقدّم رِجْلًا ولا يؤخّر أخرى حتى يعلم أنَّ في ذلك لله رضا.
ومن التّقوى أن يهتمَّ الإنسان بأمور المسلمين ويحمل همّهم ويقف ليدعم مواقفهم، فيؤيّد مَنْ أراد الله له أن يؤيّده، ويرفض مَنْ أراد الله له أن يرفضه.
المرحلة الصَّعبة
ونحن في هذه المرحلة الصعبة نعيش أحداثًا هي أشدُّ ما مرَّ علينا من أحداث، لأنّ المستكبرين من أعداء الله وأعداء الإسلام من الأمريكيين والإسرائيليين، يعملون على إذلالنا ومصادرة أراضينا وإسقاط إرادتنا وتقييد حرياتنا وسرقة ثرواتنا، والله يريد لنا أن تكون لنا العزَّة، فنرفض كلّ ذلك باليد إن استطعنا، وبالكلمة إن استطعنا، وأن نرفضه بالقلب إذا لم نستطع تغيير ذلك. المهم ألاّ نستسلم وألاّ يتحوّل الحقُّ عندنا إلى باطل، والباطل إلى حقّ، وألاّ نتصوّر الذلّ عزًّا والعزّ ذُلًا، وهذا ما ينبغي لنا أن نواجهه فيما نواجه من أحداث.
تهويدٌ للقدس.. والتغطية الأمريكيّة
لا تزال حكومة العدوّ ماضية في عمليَّات تهويد القدس، غير آبهة بما يصدر من كلمات الأسف الَّتي تنطلق من العواصم الغربيَّة أو العربيَّة، وهي تستبطن الموافقة على مرور المشروع الجديد مرور الكرام.
إنَّ الأصوات الحيِّية الخجولة الَّتي انطلقت من أوروبَّا أو من الولايات المتحدة الأمريكيَّة، تؤكّد عدم وجود أيّ استعداد عملي على المستوى الدولي لمنع العدوّ من الاستمرار في الاستيطان وعزل القدس وتهويدها وإلغاء هويَّتها، كما أنَّ هناك تأييدًا أمريكيًّا خفيًّا لما يحصل من إدارة هي يهوديَّة في قراراتها بالمطلق، ويهوديَّة في الأسماء باستثناء اثنين، وكيف يمكن لإدارة يهوديَّة أن تتدخَّل بشكل حاسم ضدّ إسرائيل، ولا سيّما في مسألة كان الكونغرس الأمريكي من أوائل المشجّعين عليها، عندما أعلن الموافقة على أن تكون القدس عاصمة أبديَّة لإسرائيل، ولا يبتعد ذلك عن الضّغوط الَّتي بدأتها هذه الإدارة لمنع مجلس الأمن من استصدار قرار يُلزم العدوّ بالتراجع عن مشروعه الجديد، والتَّهديد باستخدام الفيتو إذا حصل ذلك.
الدبلوماسيّة العاجزة
لقد أظهرت زيارة عرفات إلى العاصمة الأمريكيَّة مدى الإخفاق الذي حصل عليه لوقف عمليات التهويد الإسرائيلية، كما أظهرت أنَّ الدبلوماسية "الهادئة" التي يحاول أن يستخدمها في موضوع حارّ كموضوع القدس، لن تجلب له شيئًا سوى المزيد من الإطراء من عواصم العالم، والمزيد من تمكين العدوّ من تحقيق ما يخطّط له. ثمّ إنَّ سعي عرفات لتهدئة الساحة الفلسطينيَّة الداخليَّة والساحة الدوليَّة، لن يفضي إلى أيّ نتيجة، وقد علَّمتنا التجارب أنَّ اليهود لا يتراجعون عن قراراتهم التي يعتبرونها تاريخيّة ومصيريَّة لمجرَّد أنَّ هناك عظات دوليَّة.
إنَّ البديل الطبيعي من الجولات العالمية واللغة الدبلوماسية هو العمل لإعادة الروح إلى الانتفاضة. والسؤال الذي يطرح نفسه هذه الأيام هو: إذا لم يتحرك الفلسطينيون الآن لوقف ما يحصل، فمتى يتحركون؟! على الأقل هناك الآن بعض المواقف الدولية المعترضة على القرارات الصهيونية، ولكن في المستقبل، ربما يقف العالم ليقول للفلسطينيين والعرب إنَّ "القدس أصبحت يهودية بفعل الأمر الواقع، فليس عليكم إلَّا القبول"، كما يقال لنا ذلك اليوم بالحديث عن فلسطين كلّها..
ونحن في الوقت الذي نقدّر بعض المواقف الدوليَّة، ولا سيّما الموقف الذي أعلنه وزير الخارجيّة الفرنسي بأنَّ فرنسا تعتبر الموقف الإسرائيلي مخالفًا للقانون الدولي، فإننا نسأل: متى تتحوَّل هذه المواقف إلى أفعال؟ لقد تحدَّى العراق القانون الدولي باجتياحه للكويت، فوقف التحالف الدولي ليمنعه من ذلك بالقوَّة، فأين المواقف العملية المماثلة ضدّ إسرائيل؟!
حرص المقاومة على اللّبنانيين
لقد عاد الحديث مؤخَّرًا عن انسحابات جزئية على طريقة "جزين أوَّلًا" وغيرها، ونحن في الوقت الَّذي نلاحظ أنَّ حديثًا هكذا يتكرَّر كلَّما تعاظم مأزق العدوّ بفعل ضربات المقاومة، فإنَّنا نؤكّد أنَّ هذه المسألة يطرحها العدوّ كـ"بالونات اختبار" ليعرف ردود الفعل عليها.
ثمَّ إنَّ الحديث عن صراعات قد تحدث بين اللّبنانيّين تعقب أيَّ انسحاب إسرائيلي، هو حديث غير بريء، ويوحي بأنَّ إسرائيل الَّتي كانت السَّبب في مآسي اللّبنانيّين، هي الضَّامن لعدم وقوع فتن فيما بينهم، بينما الواقع هو على العكس من ذلك، فلينسحب العدوّ دون قيد أو شرط، ولن يحدث هنا شيء بين اللّبنانيين، فالمقاومة الَّتي أخذت على عاتقها تحرير الأرض وحماية أهلها، لا يمكن أن تسلك طريقًا يؤدّي إلى أذيَّتهم.
ونحن في الوقت الَّذي نشعر بالاعتزاز والفخر بهذه الطَّلائع من المجاهدين التي تقوم بدورها على أكمل وجه في ملاحقة العدوّ، وتبذل في ذلك أغلى ما تملك، وتستمرّ في المواجهة والتَّحدّي له كلَّما ازداد عتوًّا وعدوانًا، فإنَّنا نؤكّد على العلاقة الجيّدة بين الجيش والمقاومة، والتي تبقى عائقًا أمام العدوّ وأمام ما يخطّط له لزعزعة السّلم الأهلي في لبنان.
إنَّ علينا أن نراقب السَّاحة جيّدًا، وأن نظلّ على حذر مما يخطّط له العدوّ، وأن ندعم المقاومة بكلّ ما نستطيع، لأنَّها اليد الَّتي نلجم بها اندفاعات العدوّ ومشاريعه وأطماعه.
* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الإمامين الحسنين (ع)، بتاريخ: 07/03/1997م.
***
1- الكافي، الشّيخ الكليني، ج2، ص372.
2- الكافي، ج2، ص329.
3- الكافي، ج4، ص 118.