امتحان الإيمان أمام الزَّلازل والهزّات

امتحان الإيمان أمام الزَّلازل والهزّات

{إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}(سورة الزلزلة).

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}(الحجّ:1 - 2).

إيمان الشَّدائد

عندما يعيش النّاس، كما عشنا بعض اللَّحظات زلزال الأرض في بعض الثَّواني، يهرعون إلى الله ويذكرونه بعد غفلة طويلة طويلة، يعصونه فيها ويتمرّدون عليه ويبتعدون عنه سبحانه. وهم في مثل هذه الظَّاهرة الكونيَّة البسيطة التي تتحرّك من خلال ما أودعه الله في الأرض من عناصر تحرّكها، يشعرون بأنّهم لا يملكون أمام هذه الظَّاهرة أيّ وسيلة للدفاع.. فعندما يكون هناك قصفٌ، وقد جرّبناه، فهناك أكثر من وسيلة للدفاع والاختباء، ولكن إذا زُلزلت الأرض زلزالها، فأيُّ وسيلة للدفاع في هذا المجال؟ ليس للناس إلَّا العودة إلى الله تعالى.

وقد اعتدنا أن نهرع إلى الله في أوقات الشدّة ونتضرّع إليه ونتوسَّله، ونستحضر التَّوبة، ونقول: يا ربَّنا، نجّنا من هذه الشّدّة وسنشكرك ونطيعك.. ولكن عندما تزول الشّدّة، نرجع إلى غفلتنا ولهونا وعبثنا وعلاقاتنا، وننسى الله كما كنَّا نسيناه قبل وقوع الشدّة.

وقد حدّثنا الله تعالى عن هذه الحالة البشريَّة في مسألة نسيان الله وقت الرّخاء، والإقبال عليه وقت الشدّة: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ - يشعرون بالخطر حيث السَّفينة تهتزُّ بفعل الأمواج الهائلة والرياح العاصفة، وعند ذلك - دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ - من كُلِّ قلوبهم - لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}(يونس: 22)، نجّنا يا ربّ من هذا الخطر، وسوف نشكرك بأقوالنا وأفعالنا.

{فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ - نسوا الله، فبغوا واعتدوا وانحرفوا، وهم يظنّون أنَّهم يخدعون الله، وأنَّ الشّدَّة زالت، وأصبحت لهم الحريَّة في أن يفعلوا ما يشاؤون - يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ - إلى أين تذهبون؟ - مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}(يونس: 23).

الاستعدادُ للزّلزالِ الأكبر

وعلى هذا، فإنّ الله تعالى بهذا الزلزال الصَّغير، يذكّرنا بذلك الزلزال الكبير يوم القيامة، لنعيش التَّقوى والطَّاعة والشّكر له {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ - وأنتم تعرفون علاقة المرضعة بوليدها - وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى لم يشربوا خمرًا ليسكروا، ولكنَّها سكرة الهول والرَّهبة والخوف من ذلك الموقف العظيم.

وهكذا يحدّثنا الله في القرآن عن زلزال الأرض كلِّ الأرض {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وهذا هو يوم الخروج الكبير، لا يبقى ميت تحت التراب إلَّا ويخرج {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}(يس:51 - 54). ويحضر الجميع بين يدي الله.. وهذا هو الموقف الَّذي يجب أن نتذكَّره.

إذًا، {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ - وهُوَ يتطلّع يمينًا وشمالًا - مَا لَهَا *- يتساءَل، ما الَّذي حدث؟ - يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَايوحي الله سبحانه إليها في هذا اليوم الَّذي يشهد هذا الزلزال العظيم، بأن تُخرج الأثقالَ من داخلها، حيث ورد في الحديث عن رسول الله (ص): "إنَّ الأرضَ لتخبرُ يومَ القيامةِ بِكلِّ عملٍ عُمِلَ على ظَهرِها"، فكما أنّ أعضاء الإنسان تشهد عليه، فإنّ الأرض كذلك تُخبر بما فُعِل على ظهرها.

وهكذا ورد في الحديث عن رسول الله (ص) وهو ينبّهنا من خلال هذه السورة (الزلزلة) إلى يوم القيامة: "إنَّ الدُّنيا عَرَضٌ حاضر - شيءٌ تحسّون به الآن، ولكنَّه غير ثابت - يأكل منها البَرُّ والفاجِر. ألَا إن الآخِرَة وَعْدٌ صادقٌ، يحكمُ فيها مَلِكٌ قادرٌ، يُحقُّ فيها الحقَّ ويبطل الباطل. أيُّها النَّاس، كونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإنَّ كُلَّ أمّ يتبعها ولدُها - فلنعمل الآن، ولنكن على حذرٍ من غضب الله وسخطه - فاعملوا وأنتم من اللهِ على حذرٍ، واعلموا أنَّكم معروضونَ على أعمالِكم، وأنَّكم مُلاقُو اللهِ، لا بدَّ لكم من ذلك".

لا بدَّ لنا أن نعيش هذه اليقظة الروحيَّة التي ننفتح فيها على الله، عندما نعيش مثلَ هذا الزلزال الأرضي، لنستحضر زلزال يوم القيامة، وكيف يكون موقفنا هناك، عندما نخرج من الأجداث كالجراد المنتشر لنقف بين يدي الله {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}[الزّلزلة: 7 - 8]. وعلينا أن ننظر فيما قدّمنا لغدنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(الحشر: 18).

زلازلُ الإيمانِ والمواقف

وكما أنَّ علينا أن ننتبه إلى زلزال الأرض، علينا أن ننتبه جيّدًا إلى زلزال العقل والقلب والواقع، لأنّ الإنسان قد يكون في حال الرّخاء في ثبات من إيمانه، وقد يكون في حال السّلم في قوَّة من موقفه، ولكن عندما تهتزّ الأمور والأوضاع والأطماع، عند ذلك، قد يخرج عن إيمانه وتوازنه ومواقفه.

وهذا ما حدَّثنا القرآن الكريم عنه: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}(الأحزاب: 10 - 11). كان هذا الزلزال النَّفسيّ الَّذي عاشه المسلمون من خلال الحصار الّذي فرضته القوى الشّركيّة واليهوديّة في موقعة الأحزاب، والَّذي أحاط بالمسلمين من كلِّ جانب، حيث عرف المشركون واليهود ما أصاب بعض المسلمين من وَهْن وخوف {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}(الأحزاب: 12).

الثَّبات سبيل النَّجاة

من هنا، لا بدَّ للإنسان من أن يؤكّد إيمانه وموقفه في داخل عقله وقلبه، حتَّى إذا جاءت الزلازل السياسيَّة والأمنيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، لم تخرجه عن توازنه، كما هو موقف المؤمنين الَّذين قد يعيشون الزلزال، ولكنَّ الله، وبسبب ثبات موقفهم، ينقذهم في نهاية المطاف {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}(البقرة: 214).

ولذلك، ينبغي أن نهتمَّ بما قد يحدث من زلزال نفسيّ أمام بعض الهزّات الاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والغريزيَّة، لأنَّ الإنسان إذا لم يثبت، وعاش الزلزالَ النفسيَّ والإيمانيَّ، فقد يفقد إيمانه ويخسر مصيره. وفي هذه الحالة، لا بدَّ أن نستعين بالله، لنعرف كيف نثبّت أقدامنا وقلوبنا {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}(إبراهيم:27).

ونحن في عالمنا هذا، نواجه الكثير من الزلازل الاجتماعيَّة والنفسيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة، كما نواجه بين وقت وآخر الزلازل الأرضيَّة. ولذلك، علينا أن نعيش الثَّبات بالله، والقوّة بالله، والأمل بالله، وهذا ما يجعلنا ننفتح على مصيرنا بين يديه سبحانه في رضوانه وخطِّ طاعته.

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الخطبة الثَّانية

عباد الله، اتَّقوا الله في مواقع الاهتزاز، حتَّى لا تسقطوا أمام هزّةٍ روحيّة هنا، وهزّة فكريّة هناك، وهزّة اجتماعيَّة أو سياسيَّة هنالك.

اتَّقوا الله، فإنَّ تقوى الله تمنحكم الثباتَ في العقل، واليقظةَ في القلب، والتحرّك في الخطِّ المستقيم عندما تتحرّك خطاكم نحو الأهداف.

اتَّقوا الله، وواجهوا كلَّ ما يصنعه الكفر والاستكبار من زلازل سياسيّة تتحدّى مواقفكم في الحرية والعزّة والكرامة، ومن محاولاتٍ لاحتلال أرضكم، ومصادرة ثرواتكم، واستغلال خيراتكم، حتى تبقوا بفعل ذلك في مواقع الفقر، وينطلقوا هم في مواقع الغنى.

اتَّقوا الله، ولا يفكّر أحدٌ منكم فرديًّا، ليقول: "أنا وبعدي الطوفان"، "أنا ولتهتزّ كلّ الأرض خارج أرضي"، لأنَّ الطّوفان عندما يأتي، يغمرُ كلَّ شيء، وعندما يأتي الاهتزاز، فإنه يشمل كلّ الأراضي.

وحدة الأمّة مصدر القوّة

لا تكن فرديًّا، وفكّر أنّك لن تستطيع أن تحصل على القوَّة إلَّا بقوَّة أمَّتك، ولن تحصل على العزة إلَّا بعزة أمَّتك.. لذلك، علينا أن لا نكون الأنانيّين الَّذين يفكّرون في أنفسهم ولا يفكّرون في من حولهم وما حولهم.. انظروا إلى كلِّ الشّعوب في العالم، فإنّها تتجمّع من كلّ مكان من أجل أن تشعر بقوَّتها وحريتها.. انظروا إلى هؤلاء الصهاينة الذين كانوا متفرِّقين في أصقاع الأرض ممزَّقين متناثرين، ولكنّهم عملوا على أن يكون لهم موقع، فصادروا أرضًا واستولوا عليها وأقاموا دولة، ووقف معهم كلُّ يهوديّ من أجل أن يعزّزوا هذا الموقع الَّذي اغتصبوه منّا بفعل الأسطورة.. أمَّا نحن، فكلُّ دولة تحارب دولة أخرى من أشقَّائها، كلُّ حزبٍ يحارب الحزب الآخر، وكلّ مذهب يكفّر المذهب الآخر، والعدوّ يتوحَّد أكثر ويقوى ويسيطر أكثر، وتبقى الجرّافات الإسرائيليَّة تجرف الأرض في جبل "أبي غنيم" في القدس لإقامة المستوطنات، وأمَّا نحن، فإنَّنا نجرف بعضنا بعضًا.

مشروع تهويد القدس

إنَّ مشروع تهويد القدس ليس مشروعًا إسرائيليًّا فحسب، ولكنَّه - إلى جانب ذلك - مشروع أمريكي، لأنَّ أمريكا ملتزمة في خطتها السياسية بأنَّ القدس عاصمة إسرائيل الموحّدة الأبديَّة، ولذلك فإنها تخطّط لتسهيل مهمَّة نتنياهو في بناء المستوطنة اليهودية في جبل أبي غنيم، وتتدخَّل لمنع إدانة إسرائيل في مجلس الأمن باستخدام حقّ "الفيتو"، بحجَّة أنَّ المجلس المذكور ليس هو المكان الصَّالح لحلّ المشكلة الفلسطينيَّة - الإسرائيليَّة.

وهي - أمريكا - توجّه في الوقت نفسه نداءً إلى السلطة الفلسطينيّة من أجل إيقاف عمليات "الإرهاب" - كما تقول - وتندّد بـ"العنف" الفلسطينيّ، من دون أن تتحدّث بكلمة واحدة عن العنف الاستيطاني، وتسعى بدبلوماسيتها المتحركة من أجل منع انعقاد قمَّة عربيَّة، وإفراغ القرارات العربية الإسلامية - بما في ذلك لجنة القدس - من مضمونها الواقعي العملي، لتكون مجرَّد كلمات احتجاجية لا تحمل أيّ مصداقية في الواقع، لأنَّ المجتمعين لو كانوا جادّين، لبدأوا بتجميد علاقاتهم السياسية أو التَّطبيعيَّة بإسرائيل، ما قد يُشكّل صدمة كبرى للعنجهيَّة الإسرائيليَّة وللاستخفاف الأمريكي بالعرب وبالمسلمين.

وبذلك، نجد أنَّ المبعوث الأمريكي "روس" قد نجح في مهمته في الرباط، في إعادة لجنة القدس إلى دائرة الاعتدال، بحسب المفهوم الأمريكي الذي يرى أنَّ نجاح المشروع الإسرائيلي هو مظهر الاعتدال في السياسة العربية والإسلامية.. لقد كنَّا نودّ أن توجَّه الاحتجاجات إلى أمريكا التي تمثل القوة الكبيرة في الضغط على الواقع العربي بمختلف وسائلها، وفي دعم الكيان الصهيوني بكل مواقفها.

لا ثقة بالسياسة الأمريكيّة

إنَّ الإعلام الأمريكي يستعيد في هذه الأيَّام قرارات قمَّة "شرم الشيخ" التي مضى عليها عام، ويطالب الإدارة الأمريكيَّة بالوفاء بتعهداتها لإسرائيل في مواجهة الإرهاب الَّذي تختصره كلمة القوى المعارضة لإسرائيل وللسياسة الأمريكية.

إنَّ على العرب والمسلمين أن يتابعوا السياسة الأمريكية في حركتها الصهيونية والاستكبارية، ليعرفوا أن أمريكا دولة لا يمكن الوثوق بها وبمشاريعها، لأنَّها العدوّ الأوَّل للمستقبل العربي والإسلامي الذي يريد أن يجعل إسرائيل الأقوى في المنطقة، ليبقى الآخرون في حالة انعدام الوزن سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا.. إنَّ الأنظمة إذا سقطت في المشروع الأمريكي، فإنَّ الشعوب لا يمكن أن تسقط أمام الضغوط، للدّفاع عن قضاياها الحيوية ومستقبلها الكبير.

وحدة المواجهة

إنَّنا نقف باحترام أمام الشعب الفلسطيني المجاهد الذي يتصدّى بالحجارة وباللَّحم العاري للوحشيَّة الصهيونيَّة، ونريد للشعوب العربية والإسلامية أن تقف معه في عملية نهوض شاملة تؤكد الحقّ بكلّ قوَّة، وتفرض على حكوماتها الموقف القويّ الَّذي يتحدَّى الخطة الصهيونية - الأمريكية، لأنَّ القدس إذا ضاعت تحت تأثير الضَّغط الاستكباري، فسوف تضيع القضية المصيرية كلها.

وإننا نؤكد هذا التلاحم بين المجاهدين في فلسطين والمجاهدين في لبنان، ونريد العمل على التخطيط لإعادة الانتفاضة بروحية جديدة وعناصر جديدة، فذلك هو السبيل الوحيد للوصول إلى النتائج الحاسمة.. إنَّ الواقع الذي يتحرك الآن في المنطقة يدلّ على استحالة التعايش بين اليهود وبين العرب والمسلمين، ما يفرض العودة إلى نقطة الصفر في خطّ المواجهة للاحتلال اليهودي لفلسطين ولما حولها في سوريا ولبنان.

إيران وأمن الخليج

إننا نقدّر للجمهورية الإسلامية الإيرانية موقفها الاستراتيجي الإسلامي الحازم من القضية الفلسطينية في المؤتمر الإسلامي، وقد دفعت إيران الكثير من التضحيات كثمن لإخلاصها للقدس والتزامها بالحقّ الفلسطيني كاملًا.. كما أننا نشيد بالانفتاح السياسي والاقتصادي في العلاقة بين الجمهورية الإسلاميَّة الإيرانيَّة وبين لبنان، وندعو لبنان إلى الاستفادة من الموقع الاقتصادي والسياسي المهمّ لإيران في المنطقة، وبخاصَّة أنها دعمت القضايا العربية والإسلامية واللبنانية في مواجهة إسرائيل، ولا سيَّما في دعمها للمقاومة في الجنوب.

لقد صدرت دراسة عن أحد مراكز الأبحاث الأمريكيَّة تدعو إلى إشراك إسرائيل في أمن الخليج بحجَّة مواجهة إيران والعراق، ما يوحي بأنَّ أمريكا تعمل بكلّ قوَّة لمنع أيّ تقارب بين إيران والدول العربية والإسلامية، ولا سيَّما دول الخليج، في الوقت الَّذي تعمل إيران على الانفتاح على كل الواقع العربي والإسلامي، وتشدّد على أنَّ أمن الخليج لا تحميه إلَّا دول الخليج، وإيران هي أكبر دولة مطلة على الخليج.

إنَّنا نراقب الوضع المتأزم في السودان من خلال المؤامرة الاستكبارية لإسقاط النظام الإسلامي هناك، وندعو العرب والمسلمين إلى الوقوف مع السودان وضدّ هذا العدوان المتعدد الأبعاد والمواقع.

قرار حكوميّ مستنكَر

إننا ننظر بكلّ احتجاج إلى القرار الحكومي بشأن تدريس الدّين في المدارس الرسمية في يوم العطلة على نحو اختياري، ما يوحي بأن الخطة الحكومية تستهدف إلغاء التعليم الديني كليًّا، لأنَّ من الصعب على الأهالي الذين يريدون الاستمتاع بعطلتهم مع أولادهم أن يرسلوهم إلى المدارس للتعليم الديني.

إنَّ الدين في قيمه وشرائعه وإنسانيته هو الضمان للوحدة والاستقرار والعيش المشترك، فإذا أبعدناه عن ساحة الوجدان الإنسانيّ، وحرمنا الطلاب من التنشئة الدينيَّة، فإنَّنا نسير بالبلد إلى الاهتزاز الروحي والاجتماعي، مع الإشارة إلى أنَّ الطائفيَّة ليست دينًا، بل هي ضد الدين، ولا سيما في الدائرة الإسلامية.

لذلك، نريد للحكومة أن تُعيد النظر بقرارها، لأنَّه ضد تطلعات الشعب اللبناني، ونطلب منها أن تقوم باستفتاء لتعرف أنَّ أكثرية الشعب اللبناني تريد التَّعليم الديني كجزء أساسي في الدراسة، لا كشيء اختياري في أيام العطلة.

وعلينا أن لا ننسى الجامعة اللبنانيَّة الوطنيَّة التي لا ندري ماذا يُهيَّأ لها، لأنَّ هذه الجامعة هي الَّتي يمكنها أن تضمَّ اللبنانيّين في وحدة وطنيَّة وتخلّصهم من ضغوط الجامعات الأخرى.

نحن نريد من الدَّولة أن تعزز الجامعة اللّبنانيَّة، وأن تعزّز وضع أساتذتها، وأن لا تجعلها ورقة في مهبّ الرّيح وفي دائرة الصّراعات الشخصيَّة والسياسيَّة، ليكون هذا العميد من حصة هذا السياسي وذاك العميد من حصة مسؤول آخر بعيدًا من الكفاءة والنزاهة.. إننا نريدها جامعة ترتفع إلى أعلى مستوى في التنظيم وفي المستوى العلمي.

الحذر من الفتنة

وأخيرًا، ندعو الشَّعب اللّبنانيّ إلى أن لا يغرق في فتنة جديدة في هذه المرحلة التي تحفل بالتحديات الكبرى على مستوى المصير، ونؤكّد أنَّ علينا أن نقف جميعًا مع المقاومة في جهادها الكبير، ومع أهلنا في المنطقة الحدودية، ولا سيَّما "حولا"، في الحصار الوحشي الذي يفرضه العدوّ عليهم.

 

* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 28/03/1997م، الموافق: 19 ذو القعدة 1417هـ.

 

{إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}(سورة الزلزلة).

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}(الحجّ:1 - 2).

إيمان الشَّدائد

عندما يعيش النّاس، كما عشنا بعض اللَّحظات زلزال الأرض في بعض الثَّواني، يهرعون إلى الله ويذكرونه بعد غفلة طويلة طويلة، يعصونه فيها ويتمرّدون عليه ويبتعدون عنه سبحانه. وهم في مثل هذه الظَّاهرة الكونيَّة البسيطة التي تتحرّك من خلال ما أودعه الله في الأرض من عناصر تحرّكها، يشعرون بأنّهم لا يملكون أمام هذه الظَّاهرة أيّ وسيلة للدفاع.. فعندما يكون هناك قصفٌ، وقد جرّبناه، فهناك أكثر من وسيلة للدفاع والاختباء، ولكن إذا زُلزلت الأرض زلزالها، فأيُّ وسيلة للدفاع في هذا المجال؟ ليس للناس إلَّا العودة إلى الله تعالى.

وقد اعتدنا أن نهرع إلى الله في أوقات الشدّة ونتضرّع إليه ونتوسَّله، ونستحضر التَّوبة، ونقول: يا ربَّنا، نجّنا من هذه الشّدّة وسنشكرك ونطيعك.. ولكن عندما تزول الشّدّة، نرجع إلى غفلتنا ولهونا وعبثنا وعلاقاتنا، وننسى الله كما كنَّا نسيناه قبل وقوع الشدّة.

وقد حدّثنا الله تعالى عن هذه الحالة البشريَّة في مسألة نسيان الله وقت الرّخاء، والإقبال عليه وقت الشدّة: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ - يشعرون بالخطر حيث السَّفينة تهتزُّ بفعل الأمواج الهائلة والرياح العاصفة، وعند ذلك - دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ - من كُلِّ قلوبهم - لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}(يونس: 22)، نجّنا يا ربّ من هذا الخطر، وسوف نشكرك بأقوالنا وأفعالنا.

{فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ - نسوا الله، فبغوا واعتدوا وانحرفوا، وهم يظنّون أنَّهم يخدعون الله، وأنَّ الشّدَّة زالت، وأصبحت لهم الحريَّة في أن يفعلوا ما يشاؤون - يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ - إلى أين تذهبون؟ - مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}(يونس: 23).

الاستعدادُ للزّلزالِ الأكبر

وعلى هذا، فإنّ الله تعالى بهذا الزلزال الصَّغير، يذكّرنا بذلك الزلزال الكبير يوم القيامة، لنعيش التَّقوى والطَّاعة والشّكر له {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ - وأنتم تعرفون علاقة المرضعة بوليدها - وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى لم يشربوا خمرًا ليسكروا، ولكنَّها سكرة الهول والرَّهبة والخوف من ذلك الموقف العظيم.

وهكذا يحدّثنا الله في القرآن عن زلزال الأرض كلِّ الأرض {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وهذا هو يوم الخروج الكبير، لا يبقى ميت تحت التراب إلَّا ويخرج {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}(يس:51 - 54). ويحضر الجميع بين يدي الله.. وهذا هو الموقف الَّذي يجب أن نتذكَّره.

إذًا، {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ - وهُوَ يتطلّع يمينًا وشمالًا - مَا لَهَا *- يتساءَل، ما الَّذي حدث؟ - يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَايوحي الله سبحانه إليها في هذا اليوم الَّذي يشهد هذا الزلزال العظيم، بأن تُخرج الأثقالَ من داخلها، حيث ورد في الحديث عن رسول الله (ص): "إنَّ الأرضَ لتخبرُ يومَ القيامةِ بِكلِّ عملٍ عُمِلَ على ظَهرِها"، فكما أنّ أعضاء الإنسان تشهد عليه، فإنّ الأرض كذلك تُخبر بما فُعِل على ظهرها.

وهكذا ورد في الحديث عن رسول الله (ص) وهو ينبّهنا من خلال هذه السورة (الزلزلة) إلى يوم القيامة: "إنَّ الدُّنيا عَرَضٌ حاضر - شيءٌ تحسّون به الآن، ولكنَّه غير ثابت - يأكل منها البَرُّ والفاجِر. ألَا إن الآخِرَة وَعْدٌ صادقٌ، يحكمُ فيها مَلِكٌ قادرٌ، يُحقُّ فيها الحقَّ ويبطل الباطل. أيُّها النَّاس، كونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإنَّ كُلَّ أمّ يتبعها ولدُها - فلنعمل الآن، ولنكن على حذرٍ من غضب الله وسخطه - فاعملوا وأنتم من اللهِ على حذرٍ، واعلموا أنَّكم معروضونَ على أعمالِكم، وأنَّكم مُلاقُو اللهِ، لا بدَّ لكم من ذلك".

لا بدَّ لنا أن نعيش هذه اليقظة الروحيَّة التي ننفتح فيها على الله، عندما نعيش مثلَ هذا الزلزال الأرضي، لنستحضر زلزال يوم القيامة، وكيف يكون موقفنا هناك، عندما نخرج من الأجداث كالجراد المنتشر لنقف بين يدي الله {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}[الزّلزلة: 7 - 8]. وعلينا أن ننظر فيما قدّمنا لغدنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(الحشر: 18).

زلازلُ الإيمانِ والمواقف

وكما أنَّ علينا أن ننتبه إلى زلزال الأرض، علينا أن ننتبه جيّدًا إلى زلزال العقل والقلب والواقع، لأنّ الإنسان قد يكون في حال الرّخاء في ثبات من إيمانه، وقد يكون في حال السّلم في قوَّة من موقفه، ولكن عندما تهتزّ الأمور والأوضاع والأطماع، عند ذلك، قد يخرج عن إيمانه وتوازنه ومواقفه.

وهذا ما حدَّثنا القرآن الكريم عنه: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}(الأحزاب: 10 - 11). كان هذا الزلزال النَّفسيّ الَّذي عاشه المسلمون من خلال الحصار الّذي فرضته القوى الشّركيّة واليهوديّة في موقعة الأحزاب، والَّذي أحاط بالمسلمين من كلِّ جانب، حيث عرف المشركون واليهود ما أصاب بعض المسلمين من وَهْن وخوف {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}(الأحزاب: 12).

الثَّبات سبيل النَّجاة

من هنا، لا بدَّ للإنسان من أن يؤكّد إيمانه وموقفه في داخل عقله وقلبه، حتَّى إذا جاءت الزلازل السياسيَّة والأمنيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، لم تخرجه عن توازنه، كما هو موقف المؤمنين الَّذين قد يعيشون الزلزال، ولكنَّ الله، وبسبب ثبات موقفهم، ينقذهم في نهاية المطاف {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}(البقرة: 214).

ولذلك، ينبغي أن نهتمَّ بما قد يحدث من زلزال نفسيّ أمام بعض الهزّات الاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والغريزيَّة، لأنَّ الإنسان إذا لم يثبت، وعاش الزلزالَ النفسيَّ والإيمانيَّ، فقد يفقد إيمانه ويخسر مصيره. وفي هذه الحالة، لا بدَّ أن نستعين بالله، لنعرف كيف نثبّت أقدامنا وقلوبنا {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}(إبراهيم:27).

ونحن في عالمنا هذا، نواجه الكثير من الزلازل الاجتماعيَّة والنفسيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة، كما نواجه بين وقت وآخر الزلازل الأرضيَّة. ولذلك، علينا أن نعيش الثَّبات بالله، والقوّة بالله، والأمل بالله، وهذا ما يجعلنا ننفتح على مصيرنا بين يديه سبحانه في رضوانه وخطِّ طاعته.

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الخطبة الثَّانية

عباد الله، اتَّقوا الله في مواقع الاهتزاز، حتَّى لا تسقطوا أمام هزّةٍ روحيّة هنا، وهزّة فكريّة هناك، وهزّة اجتماعيَّة أو سياسيَّة هنالك.

اتَّقوا الله، فإنَّ تقوى الله تمنحكم الثباتَ في العقل، واليقظةَ في القلب، والتحرّك في الخطِّ المستقيم عندما تتحرّك خطاكم نحو الأهداف.

اتَّقوا الله، وواجهوا كلَّ ما يصنعه الكفر والاستكبار من زلازل سياسيّة تتحدّى مواقفكم في الحرية والعزّة والكرامة، ومن محاولاتٍ لاحتلال أرضكم، ومصادرة ثرواتكم، واستغلال خيراتكم، حتى تبقوا بفعل ذلك في مواقع الفقر، وينطلقوا هم في مواقع الغنى.

اتَّقوا الله، ولا يفكّر أحدٌ منكم فرديًّا، ليقول: "أنا وبعدي الطوفان"، "أنا ولتهتزّ كلّ الأرض خارج أرضي"، لأنَّ الطّوفان عندما يأتي، يغمرُ كلَّ شيء، وعندما يأتي الاهتزاز، فإنه يشمل كلّ الأراضي.

وحدة الأمّة مصدر القوّة

لا تكن فرديًّا، وفكّر أنّك لن تستطيع أن تحصل على القوَّة إلَّا بقوَّة أمَّتك، ولن تحصل على العزة إلَّا بعزة أمَّتك.. لذلك، علينا أن لا نكون الأنانيّين الَّذين يفكّرون في أنفسهم ولا يفكّرون في من حولهم وما حولهم.. انظروا إلى كلِّ الشّعوب في العالم، فإنّها تتجمّع من كلّ مكان من أجل أن تشعر بقوَّتها وحريتها.. انظروا إلى هؤلاء الصهاينة الذين كانوا متفرِّقين في أصقاع الأرض ممزَّقين متناثرين، ولكنّهم عملوا على أن يكون لهم موقع، فصادروا أرضًا واستولوا عليها وأقاموا دولة، ووقف معهم كلُّ يهوديّ من أجل أن يعزّزوا هذا الموقع الَّذي اغتصبوه منّا بفعل الأسطورة.. أمَّا نحن، فكلُّ دولة تحارب دولة أخرى من أشقَّائها، كلُّ حزبٍ يحارب الحزب الآخر، وكلّ مذهب يكفّر المذهب الآخر، والعدوّ يتوحَّد أكثر ويقوى ويسيطر أكثر، وتبقى الجرّافات الإسرائيليَّة تجرف الأرض في جبل "أبي غنيم" في القدس لإقامة المستوطنات، وأمَّا نحن، فإنَّنا نجرف بعضنا بعضًا.

مشروع تهويد القدس

إنَّ مشروع تهويد القدس ليس مشروعًا إسرائيليًّا فحسب، ولكنَّه - إلى جانب ذلك - مشروع أمريكي، لأنَّ أمريكا ملتزمة في خطتها السياسية بأنَّ القدس عاصمة إسرائيل الموحّدة الأبديَّة، ولذلك فإنها تخطّط لتسهيل مهمَّة نتنياهو في بناء المستوطنة اليهودية في جبل أبي غنيم، وتتدخَّل لمنع إدانة إسرائيل في مجلس الأمن باستخدام حقّ "الفيتو"، بحجَّة أنَّ المجلس المذكور ليس هو المكان الصَّالح لحلّ المشكلة الفلسطينيَّة - الإسرائيليَّة.

وهي - أمريكا - توجّه في الوقت نفسه نداءً إلى السلطة الفلسطينيّة من أجل إيقاف عمليات "الإرهاب" - كما تقول - وتندّد بـ"العنف" الفلسطينيّ، من دون أن تتحدّث بكلمة واحدة عن العنف الاستيطاني، وتسعى بدبلوماسيتها المتحركة من أجل منع انعقاد قمَّة عربيَّة، وإفراغ القرارات العربية الإسلامية - بما في ذلك لجنة القدس - من مضمونها الواقعي العملي، لتكون مجرَّد كلمات احتجاجية لا تحمل أيّ مصداقية في الواقع، لأنَّ المجتمعين لو كانوا جادّين، لبدأوا بتجميد علاقاتهم السياسية أو التَّطبيعيَّة بإسرائيل، ما قد يُشكّل صدمة كبرى للعنجهيَّة الإسرائيليَّة وللاستخفاف الأمريكي بالعرب وبالمسلمين.

وبذلك، نجد أنَّ المبعوث الأمريكي "روس" قد نجح في مهمته في الرباط، في إعادة لجنة القدس إلى دائرة الاعتدال، بحسب المفهوم الأمريكي الذي يرى أنَّ نجاح المشروع الإسرائيلي هو مظهر الاعتدال في السياسة العربية والإسلامية.. لقد كنَّا نودّ أن توجَّه الاحتجاجات إلى أمريكا التي تمثل القوة الكبيرة في الضغط على الواقع العربي بمختلف وسائلها، وفي دعم الكيان الصهيوني بكل مواقفها.

لا ثقة بالسياسة الأمريكيّة

إنَّ الإعلام الأمريكي يستعيد في هذه الأيَّام قرارات قمَّة "شرم الشيخ" التي مضى عليها عام، ويطالب الإدارة الأمريكيَّة بالوفاء بتعهداتها لإسرائيل في مواجهة الإرهاب الَّذي تختصره كلمة القوى المعارضة لإسرائيل وللسياسة الأمريكية.

إنَّ على العرب والمسلمين أن يتابعوا السياسة الأمريكية في حركتها الصهيونية والاستكبارية، ليعرفوا أن أمريكا دولة لا يمكن الوثوق بها وبمشاريعها، لأنَّها العدوّ الأوَّل للمستقبل العربي والإسلامي الذي يريد أن يجعل إسرائيل الأقوى في المنطقة، ليبقى الآخرون في حالة انعدام الوزن سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا.. إنَّ الأنظمة إذا سقطت في المشروع الأمريكي، فإنَّ الشعوب لا يمكن أن تسقط أمام الضغوط، للدّفاع عن قضاياها الحيوية ومستقبلها الكبير.

وحدة المواجهة

إنَّنا نقف باحترام أمام الشعب الفلسطيني المجاهد الذي يتصدّى بالحجارة وباللَّحم العاري للوحشيَّة الصهيونيَّة، ونريد للشعوب العربية والإسلامية أن تقف معه في عملية نهوض شاملة تؤكد الحقّ بكلّ قوَّة، وتفرض على حكوماتها الموقف القويّ الَّذي يتحدَّى الخطة الصهيونية - الأمريكية، لأنَّ القدس إذا ضاعت تحت تأثير الضَّغط الاستكباري، فسوف تضيع القضية المصيرية كلها.

وإننا نؤكد هذا التلاحم بين المجاهدين في فلسطين والمجاهدين في لبنان، ونريد العمل على التخطيط لإعادة الانتفاضة بروحية جديدة وعناصر جديدة، فذلك هو السبيل الوحيد للوصول إلى النتائج الحاسمة.. إنَّ الواقع الذي يتحرك الآن في المنطقة يدلّ على استحالة التعايش بين اليهود وبين العرب والمسلمين، ما يفرض العودة إلى نقطة الصفر في خطّ المواجهة للاحتلال اليهودي لفلسطين ولما حولها في سوريا ولبنان.

إيران وأمن الخليج

إننا نقدّر للجمهورية الإسلامية الإيرانية موقفها الاستراتيجي الإسلامي الحازم من القضية الفلسطينية في المؤتمر الإسلامي، وقد دفعت إيران الكثير من التضحيات كثمن لإخلاصها للقدس والتزامها بالحقّ الفلسطيني كاملًا.. كما أننا نشيد بالانفتاح السياسي والاقتصادي في العلاقة بين الجمهورية الإسلاميَّة الإيرانيَّة وبين لبنان، وندعو لبنان إلى الاستفادة من الموقع الاقتصادي والسياسي المهمّ لإيران في المنطقة، وبخاصَّة أنها دعمت القضايا العربية والإسلامية واللبنانية في مواجهة إسرائيل، ولا سيَّما في دعمها للمقاومة في الجنوب.

لقد صدرت دراسة عن أحد مراكز الأبحاث الأمريكيَّة تدعو إلى إشراك إسرائيل في أمن الخليج بحجَّة مواجهة إيران والعراق، ما يوحي بأنَّ أمريكا تعمل بكلّ قوَّة لمنع أيّ تقارب بين إيران والدول العربية والإسلامية، ولا سيَّما دول الخليج، في الوقت الَّذي تعمل إيران على الانفتاح على كل الواقع العربي والإسلامي، وتشدّد على أنَّ أمن الخليج لا تحميه إلَّا دول الخليج، وإيران هي أكبر دولة مطلة على الخليج.

إنَّنا نراقب الوضع المتأزم في السودان من خلال المؤامرة الاستكبارية لإسقاط النظام الإسلامي هناك، وندعو العرب والمسلمين إلى الوقوف مع السودان وضدّ هذا العدوان المتعدد الأبعاد والمواقع.

قرار حكوميّ مستنكَر

إننا ننظر بكلّ احتجاج إلى القرار الحكومي بشأن تدريس الدّين في المدارس الرسمية في يوم العطلة على نحو اختياري، ما يوحي بأن الخطة الحكومية تستهدف إلغاء التعليم الديني كليًّا، لأنَّ من الصعب على الأهالي الذين يريدون الاستمتاع بعطلتهم مع أولادهم أن يرسلوهم إلى المدارس للتعليم الديني.

إنَّ الدين في قيمه وشرائعه وإنسانيته هو الضمان للوحدة والاستقرار والعيش المشترك، فإذا أبعدناه عن ساحة الوجدان الإنسانيّ، وحرمنا الطلاب من التنشئة الدينيَّة، فإنَّنا نسير بالبلد إلى الاهتزاز الروحي والاجتماعي، مع الإشارة إلى أنَّ الطائفيَّة ليست دينًا، بل هي ضد الدين، ولا سيما في الدائرة الإسلامية.

لذلك، نريد للحكومة أن تُعيد النظر بقرارها، لأنَّه ضد تطلعات الشعب اللبناني، ونطلب منها أن تقوم باستفتاء لتعرف أنَّ أكثرية الشعب اللبناني تريد التَّعليم الديني كجزء أساسي في الدراسة، لا كشيء اختياري في أيام العطلة.

وعلينا أن لا ننسى الجامعة اللبنانيَّة الوطنيَّة التي لا ندري ماذا يُهيَّأ لها، لأنَّ هذه الجامعة هي الَّتي يمكنها أن تضمَّ اللبنانيّين في وحدة وطنيَّة وتخلّصهم من ضغوط الجامعات الأخرى.

نحن نريد من الدَّولة أن تعزز الجامعة اللّبنانيَّة، وأن تعزّز وضع أساتذتها، وأن لا تجعلها ورقة في مهبّ الرّيح وفي دائرة الصّراعات الشخصيَّة والسياسيَّة، ليكون هذا العميد من حصة هذا السياسي وذاك العميد من حصة مسؤول آخر بعيدًا من الكفاءة والنزاهة.. إننا نريدها جامعة ترتفع إلى أعلى مستوى في التنظيم وفي المستوى العلمي.

الحذر من الفتنة

وأخيرًا، ندعو الشَّعب اللّبنانيّ إلى أن لا يغرق في فتنة جديدة في هذه المرحلة التي تحفل بالتحديات الكبرى على مستوى المصير، ونؤكّد أنَّ علينا أن نقف جميعًا مع المقاومة في جهادها الكبير، ومع أهلنا في المنطقة الحدودية، ولا سيَّما "حولا"، في الحصار الوحشي الذي يفرضه العدوّ عليهم.

 

* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 28/03/1997م، الموافق: 19 ذو القعدة 1417هـ.

 
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية