توازن الخوف والرَّجاء في شخصيَّة المؤمن

توازن الخوف والرَّجاء في شخصيَّة المؤمن

قال الله في كتابه المجيد: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}(النازعات: 40 - 41).
وقال سبحانه في آيةٍ أخرى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا}(المائدة: 44).
ويقول تعالى: عن المؤمنين: {الَّذينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}(الأنفال: 2).
الخوف من الله
تؤكّد هذه الآيات وغيرها أنَّ على الإنسان المؤمن أن يعيش في نفسه الخوف من الله، وذلك من خلال إدراكه عظمة الله سبحانه؛ فهو الله الواحد الأحد الَّذي لا إله إلَّا هو، هو الرازق والمحيي والمميت والمهيمن على الأمر كلّه، هو كلُّ شيء في الكون، حيث الكون كلّه نتاج إرادته {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(يس: 82 - 83).
أن تخاف الله ليس كخوفك من الإنسان، لأنَّ خوفك من الإنسان الَّذي يملك قوّةً أو سطوة، إنّما يكون لأنّه يسحق إنسانيَّتك، ولكنَّ خوفك من الله يرتفع بإنسانيَّتك، فكلما خفت من الله أكثر، انفتحت عليه أكثر، وكلّما أحببته أكثر، اقتربت منه أكثر وأطعته أكثر.. فالخوف من الله تعالى ليس حالةً نفسيَّة تدفعك إلى الهرب، فأنت تستطيع أن تهرب من أيّ إنسانٍ أو حيوان تخافه، ولكن أين تهرب من الله، "هاربٌ منك إليك"، كما في الدعاء.. اصعد إلى الفضاء، فكلُّ الفضاء ملكُه، وانزلْ إلى أعماق البحار، فكلُّ البحار مُلكُه، وانطلق في كلّ متاهات الأرض، فإنّ الأرض ملكه.. ولذا، عليك أن تفهم معنى أنّك مخلوقٌ لله، أي أنّ الله لم يخلقك عبثًا {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}(المؤمنون: 115). فالله خلقك لتتحمّل مسؤوليَّتك في الأرض، ولتبنيها على الصّورة الَّتي يحبّها مما أوحى به إلى رسله من خلال رسالاته ليبلّغوها للنَّاس، خلقك من أجل أن تربّي نفسك وترتفع بإنسانيَّتك، لتكون الإنسان المسؤول في وجودك عن نفسك وعن النَّاس من حولك بحجم قوَّتك وقدراتك.
توازنُ الخوفِ والرَّجاء 
من خلال ذلك، لا بدَّ أن يربّي الإنسان في نفسه الخوف من الله، عبر تربية عظمة الله في نفسه، والله لا يريد للإنسان أن يخاف منه ليُصاب بالإحباط واليأس إذا عصاه وأسرف في عصيانه، إنّما يريد له أن يخاف منه سبحانه ليمنعه خوفه من الاستغراق في المعصية، ويريد له أن يرجوه ليمنعه ذلك من اليأس من روح الله.
وهذا ما ورد في أحاديث أئمَّة أهل البيت (ع)، حيث جاء في الحديث عن الإمام الصَّادق (ع)، قال بعض أصحابه: قلت له: ما كان في وصيّة لقمان؟ قال (ع): "كان فيها الأعاجيب، وكان أعجب ما كان فيها أن قال لابنه: خفِ الله عزَّ وجلَّ خيفَةً لو جئتَه ببرّ الثقلين لعذَّبك، وارجُ اللهَ رجاءً لو جئته بذنوب الثّقلين لرحمك - ليكن هناك توازنٌ بين الخوف والرَّجاء.. خف الله بالمستوى الَّذي لو جئت بكلِّ طاعة الإنس والجنّ، شعرت بأنَّك مقصّر مع الله، وأنَّك تستحقُّ العذاب.. وفي المقابل، ارجُ الله رجاءً من خلال لطفه وكرمه وعطائه ورحمته، بحيث لو أتيته بذنوب الإنس والجنّ لرحمك.
ثمَّ قال (ع) - كان أبي يقول: إنَّه ليس من عبد مؤمن إلَّا وفي قلبه نوران: نور خيفة، ونور رجاء - بحيث يخاف الله فيمنعه ذلك عن معصيته، ويرجو الله فيمنعه ذلك عن اليأس من روحه ورحمته، بحيث - لو وُزِنَ هذا لم يَزِد على هذا، ولو وُزِنَ هذا لم يَزِد على هذا"(1)
وهذا التَّوازن بين الخوف وبين الرَّجاء، يفرض على الإنسان أن يتصوّر الله في نقمته وفي مواقع رحمته، كما جاء في دعاء الافتتاح: "وَأَيْقَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فِي مَوْضِعِ العَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، وَأَشَدُّ المُعاقِبِينَ فِي مَوْضِعِ النِّكالِ وَالنَّقِمَةِ". 
استحضارُ رقابةِ الله 
وجاء عن الإمام الصَّادق (ع) أيضًا وهو يخاطب أحد أصحابه إسحاق بن عمَّار: "يَا إِسْحَاقُ، خَفِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، فَإِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّهُ لَا يَرَاكَ فَقَدْ كَفَرْتَ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاكَ ثُمَّ بَرَزْتَ لَهُ بِالْمَعْصِيَةِ، فَقَدْ جَعَلْتَهُ مِنْ أَهْوَنِ النَّاظِرِينَ إِلَيْكَ"(2).
الإمام (ع) يخاطب هذا الرَّجل ويخاطب كلّ واحدٍ منَّا في ذلك، يقول له، تصوّر لو أنَّ الله تجسّد أمامك، وتعالى الله سبحانه عن أن يكون جسدًا، لكن لو فُرِض هذا المحال، وتجسَّد الله بكلِّ عظمته في نفسك أمامك، فهل يمكن لك أن تواجهه مواجهة اللامبالاة؟ لأنَّ العظمة عندما تتجسّد أمام الإنسان، فإنَّه يتضاءل أمامها، أمَّا إذا ابتعدتْ عنه هذه العظمة، فإنّه يتحرّك بعنفوان وعنجهيّة ويمارس الانحراف، لكن عندما يكون وجهًا لوجه أمام عظمة الله سبحانه، فإنّه يشعر بالهيبة والخوف، فلا ينحرف عن إرادته.
ثم ينبّهنا الإمام (ع) بأنَّ الواحد منَّا إذا أقدم على المعصية، فلا يظنّ أبدًا أنَّ أحدًا لا يراه، وإن كان يرتكب هذه المعصية في غرفة مغلقة أو سرداب مظلم، لأنَّ الله يراه، فهو سبحانه "يُبْصِرُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مَا تَحْتَ سَبْعِ أَرَضِين"، وإذا اعتقد بهذا التَّفكير فهو كافر، لأنَّ من أوَّل علامات الإيمان وشروطه هو الاعتقاد بأنَّ الله يهمين على الأمر كلّه وعلى الكون كلّه. 
"وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاكَ"، بحيث إنَّك تعصي الله، فتسرق وتزني وتضرب إنسانًا وتقتل آخر بغير حقّ، وتتجسَّس على المؤمنين، وتعرف أنَّ الله يراك، ومع ذلك تمتدُّ في المعصية، فإنّ الإمام (ع) يعرّفك مدلول ذلك، وهو أنّك "جَعَلْتَهُ مِنْ أَهْوَنِ النَّاظِرِينَ إِلَيْكَ"، فتستهين به سبحانه، وذلك من الكبائر الكبيرة في موقف الإنسان من الله تعالى.
وفي حديثٍ آخر يقول (ع): "مَنْ خَافَ اللهَ، أَخَافَ اللهُ مِنْه كُلَّ شَيْءٍ"(3)، أي زرع الله الهيبة له في قلوب النَّاس، وقد ورد في الحديث: "من أراد عزًّا بلا عشيرة، وغنًى بلا مال، وهيبةً بلا سلطان، فلينتقلْ من ذلّ معصيةِ اللهِ إلى عزّ طاعته"، لأنَّ مَن خاف الله شعر بالثقة أمام النّاس جميعًا، ومَنْ خاف الله لم يخف من أحد، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}[آل عمران: 175].
نتائج الخوف من الله
وعن نتائج الخوف من الله سبحانه، يقول الإمام الصَّادق (ع): "ومَنْ لَمْ يَخَفِ اللهَ، أَخَافَه اللهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ". إنَّ خوفك من الله سبحانه لا بدَّ أن ينطلق من معرفتك به سبحانه، فكّر في السَّماوات والأرضين، فكّر في نفسك وفي نعَم الله وأسرار خلقه، فإنّ ذلك يربّي عظمة الله في نفسك، وإذا تربّت العظمة في نفسك عرفت الله، ولم تكن للدنيا قيمة عندك، لأنّك تفكّر في أن تنال ما عند الله يوم القيامة.
وعن بعض النَّاس، يسأله أحد أصحابه فيقول: قومٌ يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو، فلا يزالون كذلك حتَّى يأتيهم الموت، فقال الإمام الصَّادق (ع): "هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَتَرَجَّحُونَ فِي الأَمَانِيِّ - هؤلاء ليسوا واقعيّين أو عمليّين، يعيشون الأحلام الخياليّة ويسوّفون، ويقولون كما على الطريقة الشعبيَّة، "ليوم الله يهوّن الله"، واللهُ غفورٌ رحيم – كَذَبُوا، لَيْسُوا بِرَاجِينَ، إِنَّ مَنْ رَجَا شَيْئًا طَلَبَه - إن كنت تريد شيئًا، فإنّك تسعى للحصول عليه، أمَّا إنَّك تريد الجنَّة ولا تسعى نحوها بأن تخطو ولو خطوة واحدة، فكيف ذلك؟ - ومَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْه"، إن كنت تخاف من النّار وترتكب ما يُدخلك فيها، فما معنى ذلك؟ إذًا، أنت تكذب، لأنَّك عندما تقول أرجو دخول الجنَّة وأخاف من الله، ولا تسعى للجنّة، فأنت لست من الراجين والخائفين، لأنّ "مَنْ رَجَا شَيْئًا طَلَبَه، ومَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْه"(4).
تحصين النّفس 
ويحدّثنا الإمام زين العابدين (ع) عن الشّابّ الَّذي امتلأ قلبه بخوف الله، بحيث منعه ذلك عن المعاصي، فيقول لأبي حمزة الثَّمالي: "إنّ رجلًا ركب البحر بأهله، فَكُسِرَ بهم، فلم ينجُ ممّن كان في السَّفينة إلَّا امرأة الرّجل، فإنَّها نجت على لوحٍ من ألواح السَّفينة، حتّى لجأت إلى جزيرة من جزائر البحر؛ وكان في تلك الجزيرة رجلٌ يقطع الطَّريق، ولم يَدَعْ لله حرمةً إلَّا انتهكها، فلم يعلم إلَّا والمرأة قائمة على رأسه، فرفع رأسه إليها، فقال: إنسيَّة أم جنّيَّة؟ فقالت: إنسيّة، فلم يكلّمها كلمةً حتّى جلس منها مجلس الرَّجل من أهله - أي حاول الاعتداء عليها - فلمَّا أنْ هَمَّ بها اضطربت، فقال: ما لَكِ تضطربين؟ قالت: أَفْرُقُ من هذا - وأومأت بيدها إلى السَّماء - أي أنا أخاف الله من هذا العمل - قال: فصنعتِ من هذا شيئًا - هل لك عهدٌ بحالة الزنا - قالت: لا وعزّته - كلّ حياتي حياة طاعة وعفّة وخوف من الله - قال: فأنتِ تفرقين منه هذا الفَرَق ولم تصنعي من هذا شيئًا، وإنّما أسْتَكْرِهُكِ استكراهًا - مع أنّي بالإكراه أحاول فعل الفاحشة معك، ومع ذلك تخافين من الله، وأنتِ في ذلك معذورة - فأنا والله أولى بهذا الفَرَق والخوف - أنا مَنْ يجب أن أخاف من الله، لأنّني ما تركت معصية إلَّا وعملتها - وأحقُّ منكِ - موقف هذه المرأة هزَّ هذا الرَّجل من أعماقه. ونحن نقول دائمًا، إنّ في قلب الإنسان، مهما اقترف من المعاصي، نورًا يجب أي نكتشفه ونزيل عنه التراكمات ليهتدي إلى الحقّ. ولذلك - قام ولم يُحْدِثْ شيئًا - أي لم يباشر بفعل الزّنا مع المرأة، لأنّه عاد إلى الله وخاف منه - ورجع إلى أهله، وليست له همّةٌ إلَّا التَّوبة والمراجعة. فبينما هو يمشي، إذ صادفه راهبٌ يمشي في الطَّريق، فحميت عليهما الشَّمس، فقال الرَّاهب للشّابّ: ادعُ اللهَ يُظلّنا بغمامة، فقد حميت علينا الشَّمس، فقال الشّاب: ما أعلم أنّ لي عند ربّي حسنة فأتجاسر على أن أسأله شيئًا، قال: فأدعو أنا وتؤمّن أنت - أي تقول: آمين - قال: نعم، فأقبل الرَّاهب يدعو والشَّابّ يؤمّن، فما كان بأسرعَ من أن أظلّتهما غمامة، فمشيا تحتها مليًّا من النَّهار، فتفرّقت الجادة جادتين - فمشى الرَّاهب في طريق والشَّابّ في طريق آخر - فأخذ الشّابّ في واحدة، وأخذ الرَّاهب في واحدة، فإذا السَّحابة مع الشّابّ. فقال الرَّاهب: أنتَ خيرٌ منّي، لكَ اسْتُجِيب ولم يُسْتَجَبْ لي، فأخبرني ما قصَّتك؟ فأخبره بخبر المرأة، فقال: غُفِرَ لك ما مضى حيث دخلك الخوف، فانظر كيف تكون فيما تستقبل"(5)
رسالة إلى الشَّباب 
وهذه القصَّة الَّتي تروى عن الإمام زين العابدين (ع) هي رسالة لكلّ الشَّباب من الرجال والنساء الَّذين يبتليهم الله سبحانه بالمعاصي نتيجة نقاط الضّعف الموجودة في نفوسهم، ونتيجة البيئة الفاسدة الَّتي عاشوا فيها، ونتيجة ضغط النَّفس الأمّارة بالسوء. هذه القصَّة رسالة: أيّها الشَّباب، إذا أردتم أن ترجعوا إلى الله، وتخافوا مقام ربِّكم، وتنهوا أنفسكم عن الهوى، فإنَّ الله يغفر ذنوبكم، ويطلب منكم أن تستأنفوا العمل من جديد.. فأيّة فرصة أعظم من هذه الفرصة وأنتم الآن بين يدي الله سبحانه؟ فاعرفوا كيف تعيشون الخوف من الله، لتتوبوا إليه، ولتفكّروا في أن تستقبلوا الطَّاعة من جديد.
وفي حديثٍ للإمام الصَّادق (ع) يقول: "إنَّ مما حُفِظَ من خطب النَّبيّ (ص) أنَّه قال: أيّها النَّاس! إنَّ لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإنَّ لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، ألا إنّ المؤمن يعمل بين مخافتين: بين أجلٍ قد مضى لا يدري ما الله صانعٌ فيه، وبين أجل قد بقى لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليأخذ العبد المؤمن من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشَّبيبة قبل الكِبَر، وفي الحياة قبل الممات، فوالَّذي نفس محمَّد بيده، ما بعد الدّنيا من مُسَتعْتَب، وما بعدها من دار إلَّا الجنَّة أو النّار"(6).
هذه هي المسألة؛ أن نفكّر أنَّ هناك عمرًا فارقناه، وقد عملنا فيه ولا ندري ما هي نتائجه، وهناك عمرٌ باقٍ لا ندري ماذا نعمل فيه، والقضيَّة كلّ القضيَّة، هي أنّ عمرنا رأس مالنا، وسنَفِدُ على ربنا، "الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَاب، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَل".

 
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية

عباد الله، اتَّقوا الله، وخافوه خوفًا يجعلكم تتحرّكون من أجل أن تكونوا القريبين إليه، الأحبَّاء له، السَّائرين في خطّه المستقيم، العاملين مع الصَّادقين من عباده، ومع العادلين من أوليائه، والمنفتحين عليه في كلّ مرحلة من مراحلكم في الشباب وفي الكهولة والشيخوخة، بحيث "لا يقدّم أحدكم رجلًا ولا يؤخّر أخرى، حتى يعلم أنّ ذلك لله رضى".
اتَّقوا الله، ولتكن تقوى الله هي الأساس الَّذي تركّزون عليه قاعدة حياتكم في كلّ أموركم الصَّغيرة والكبيرة.. اتَّقوا الله، ولتكن تقوى الله حركةً في مسؤوليَّاتكم عن أنفسكم وعن النَّاس من حولكم وعن الحياة، وليضبط كلّ واحدٍ منكم حساباته، حتَّى إذا جاء يوم الحساب، عرف ما له وما عليه.
عباد الله، اتَّقوا الله في كلِّ الواقع الَّذي تعيشون فيه، سواء كان الواقع واقع عزّتكم وكرامتكم في قضايا أمَّتكم على مستوى العالم الإسلامي كلّه، وعلى مستوى عالم المستضعفين.. 
ونحن في هذه المرحلة، نواجه قضايا كثيرة تتَّصل بأمننا المحلّي والإقليمي والعالمي في مواجهتنا للاستكبار الَّذي انطلقت تحالفاته من أجل أن تحوّلنا فِرَقًا، لتفرض علينا مصالحها، ولتدمّر كلّ مصالحنا.. فماذا هناك؟ 
ضغط أمريكي إسرائيليّ
لقد قامت أمريكا بالردّ على قرارات الجامعة العربيَّة، للإجهاز عليها تمامًا، بالإعلان عن تقديم صفقة من الأسلحة المتنوّعة من الطَّائرات والصَّواريخ لإسرائيل، من أجل تطوير التفوق العسكري النَّوعي على العرب، كرسالة سياسيَّة بأنَّهم إذا لم يخضعوا للمطالب الإسرائيلية - الأمريكية في تقديم التنازلات، فإن إسرائيل قادرة على القيام بحرب كبيرة تنزل الهزيمة الجديدة بكل الَّذين يتمرّدون على الضّغط، بالتحالف مع أمريكا.
وقد أعلنت أمريكا بأنها سوف تساعد الكيان الصهيوني على مكافحة الإرهاب تطبيقًا لمقررات "شرم الشيخ"، ما يوحي بأنَّ هناك حربًا أمريكية جديدة في المنطقة ضد كل معارضي السياسية الأمريكية والإسرائيلية باسم محاربة "الإرهاب"، هذا إضافةً إلى إعلان رئيس وزراء العدوّ ووزير حربه بالإصرار على الاستمرار في بناء مستوطنة جبل أبي غنيم، وتوسيع المستوطنات في الضفَّة الغربيَّة بالآلاف من المساكن، ما يجعل من مفاوضات الحكم النهائي - كما يقال - ومن مشروع الدولة الفلسطينيَّة حبرًا على ورق، أو مجرد مشروع لا واقع له.
التّخاذل العربيّ
وفي الجانب الآخر، لا يزال الجدل العربي حول ما إذا كانت مقررات مؤتمر وزراء الخارجية العرب توصيات أو إلزاميات، وفي أنها مجرَّد رسالة لإسرائيل للضَّغط، وفي انتقاد بعض المسؤولين العرب لها لأنها لا تساعد على السَّلام.. وهكذا نلاحظ أنَّ إسرائيل تتحدَّى وتنفّذ وتعمل لحكومة وحدة وطنيَّة، والعرب يقررون ويتراجعون ويختلفون.. إنَّه الأسلوب المتخاذل الَّذي أضاع فلسطين، والَّذي يعمل الآن لإضاعة البقية الباقية منها.. إنَّ إسرائيل تعمل على إخضاع أمريكا لسياستها، أمَّا العرب، فإنَّ أمريكا تعمل على إخضاعهم لسياسة إسرائيل.. 
وتبقى التصريحات العربيَّة تشيد بالصداقة الأمريكية للعرب وبالثقة برعايتها للتسوية.. أيّ واقع عربي هو هذا الواقع العربي السيّئ؟! وأيّ زمن عربي هو هذا الزمن؟
قضيَّة الرهائن الإيرانيّين 
لا بدّ من إنتاج الشعوب العربية والإسلامية لمصلحة القضايا المصيرية، وفي مقدَّمها قضية فلسطين، ولا بدَّ من اعتبار الانتفاضة الجديدة حركة استراتيجية لانتفاضة مستقبلية شاملة على مستوى الواقع العربي والإسلامي كله، من أجل الضغط على الأنظمة المتخاذلة وعلى المصالح الأمريكية والأطماع الإسرائيلية في المنطقة كلّها.
ولا بدّ من مراقبة قضية الرهائن الإيرانيين الَّذي خُطفوا في لبنان، من خلال الأخبار القائلة بأنهم موجودون في سجون الاحتلال في فلسطين. والسؤال: إذا كانت هذه المعلومات صحيحة، فلماذا لا يتحدَّث العالم عن ضرورة إطلاق سراحهم، باعتبار أنَّ الاحتفاظ بهم يمثّل عملًا إرهابيًّا، بينما نجد أكثر من دولة في العالم تتحرَّك لإطلاق الطيار الإسرائيلي الَّذي كان في مهمة قصف اللبنانيّين؟ وهكذا نلاحظ أنَّه لم يتحرك أحد للمطالبة بإطلاق سراح السجناء اللّبنانيّين في سجون الاحتلال في فلسطين ولبنان، ولا سيَّما الشَّيخ عبد الكريم عبيد والأخ مصطفى الديراني؟ إنَّنا نريد لهذه القضيَّة الإنسانيَّة أن تثير الاهتمام في كل حركة حقوق الإنسان في العالم.
معنويّات العدوّ! 
لقد صرّح قائد ما يسمَّى وحدة الارتباط الإسرائيلية في المنطقة الحدودية المحتلة، في محاولته لرفع معنويات العملاء هناك، "أنَّ المقاومة أصيبت بهزيمة نكراء"، واعدًا العملاء بتزويدهم بأسلحة متطوّرة، مهدّدًا بتوجيه ضربات خارج المنطقة المحتلة.. 
إنَّ هذه التصريحات تأتي بعد العمليات الموفَّقة المتلاحقة للمقاومة ضدّ جيش العدو وعملائه الَّتي أنزلت بهم أكثر من خسارة عسكرية، هذا إضافةً إلى تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية الَّتي قالت إنَّ الوضع في لبنان لا يزال صعبًا وخطيرًا.
إنَّ السؤال الَّذي يجب أن نلاحقه: هل إنَّ هناك خطة أمريكية - إسرائيلية لتصعيد الوضع في الجنوب للتخفيف من حجم الضغوط الأمنية والسياسية الَّتي يواجهها العدوّ في فلسطين، وهل إنَّ زيارة نتنياهو إلى أمريكا مع وزير دفاعه ترمي إلى التَّخطيط لعدوان جديد، ولا سيَّما أنَّ عدوان نيسان بدأ يقترب في ذكراه الأولى؟
تعقيدات الوضع الدّاخليّ
إنَّ الوضع الدَّاخليّ يعيش أكثر من تعقيد سياسي واهتزاز شعبي بفعل الخلل الَّذي أصاب المسار الحكومي في معالجة القضايا بعيدًا من أيّ تخطيط متوازن، ما يجعل المسألة السياسية خاضعةً للعلاقات المتوترة بين المسؤولين، وفي التسويات المتحركة في أكثر من اتجاه، لترضي هذا أو ذاك.
إنَّ تأجيل الانتخابات البلدية، واستقالة رئيس المجلس الدستوري(7)، وأزمة الجامعة اللبنانية، والمتاهات الَّتي يتحرك فيها اقتصاد البلاد، والمعالجات الارتجاليَّة لأكثر من مشكلة، والخطاب المتوتر لأكثر من جهة، هو الدَّليل على أنَّ البلد يعيش في حالة الاهتزاز الَّتي قد لا تُسقط الهيكل على رؤوس الجميع، ولكنَّها تُبقي الواقع في مرحلة اللااستقرار واللاوحدة واللاتوازن على مستوى الأوضاع الرسمية والشعبية.
إنَّ المرحلة الَّتي تعيشها المنطقة، وتترك تأثيراتها على لبنان، تفرض المزيد من الارتفاع إلى مستوى المسؤوليَّة الكبرى في المحافظة على سلامة الوطن ومصلحة المواطنين، ومواجهة المستقبل بالخطَّة الواعية الَّتي تحسب حساب كلّ الأوضاع الداخليَّة والخارجيَّة بدقَّة وشموليَّة وعمق، لأنَّ الخطأ في الحساب قد يؤدّي إلى الانهيار الكامل. 

* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 04/04/1997م/ الموافق: 26 ذو القعدة 1417 هـ.

 
*** 
 
1- الكافي، ج2، ص73. 
2- الكافي، ج2، ص73.
3- الكافي، ج2، ص73. 
4- الكافي، ج2، ص74. 
5-الكافي، ج2، ص75. 
6-الكافي، ج2، ص75. 
7- وجدي الملاط. 
 

 

قال الله في كتابه المجيد: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}(النازعات: 40 - 41).
وقال سبحانه في آيةٍ أخرى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا}(المائدة: 44).
ويقول تعالى: عن المؤمنين: {الَّذينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}(الأنفال: 2).
الخوف من الله
تؤكّد هذه الآيات وغيرها أنَّ على الإنسان المؤمن أن يعيش في نفسه الخوف من الله، وذلك من خلال إدراكه عظمة الله سبحانه؛ فهو الله الواحد الأحد الَّذي لا إله إلَّا هو، هو الرازق والمحيي والمميت والمهيمن على الأمر كلّه، هو كلُّ شيء في الكون، حيث الكون كلّه نتاج إرادته {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(يس: 82 - 83).
أن تخاف الله ليس كخوفك من الإنسان، لأنَّ خوفك من الإنسان الَّذي يملك قوّةً أو سطوة، إنّما يكون لأنّه يسحق إنسانيَّتك، ولكنَّ خوفك من الله يرتفع بإنسانيَّتك، فكلما خفت من الله أكثر، انفتحت عليه أكثر، وكلّما أحببته أكثر، اقتربت منه أكثر وأطعته أكثر.. فالخوف من الله تعالى ليس حالةً نفسيَّة تدفعك إلى الهرب، فأنت تستطيع أن تهرب من أيّ إنسانٍ أو حيوان تخافه، ولكن أين تهرب من الله، "هاربٌ منك إليك"، كما في الدعاء.. اصعد إلى الفضاء، فكلُّ الفضاء ملكُه، وانزلْ إلى أعماق البحار، فكلُّ البحار مُلكُه، وانطلق في كلّ متاهات الأرض، فإنّ الأرض ملكه.. ولذا، عليك أن تفهم معنى أنّك مخلوقٌ لله، أي أنّ الله لم يخلقك عبثًا {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}(المؤمنون: 115). فالله خلقك لتتحمّل مسؤوليَّتك في الأرض، ولتبنيها على الصّورة الَّتي يحبّها مما أوحى به إلى رسله من خلال رسالاته ليبلّغوها للنَّاس، خلقك من أجل أن تربّي نفسك وترتفع بإنسانيَّتك، لتكون الإنسان المسؤول في وجودك عن نفسك وعن النَّاس من حولك بحجم قوَّتك وقدراتك.
توازنُ الخوفِ والرَّجاء 
من خلال ذلك، لا بدَّ أن يربّي الإنسان في نفسه الخوف من الله، عبر تربية عظمة الله في نفسه، والله لا يريد للإنسان أن يخاف منه ليُصاب بالإحباط واليأس إذا عصاه وأسرف في عصيانه، إنّما يريد له أن يخاف منه سبحانه ليمنعه خوفه من الاستغراق في المعصية، ويريد له أن يرجوه ليمنعه ذلك من اليأس من روح الله.
وهذا ما ورد في أحاديث أئمَّة أهل البيت (ع)، حيث جاء في الحديث عن الإمام الصَّادق (ع)، قال بعض أصحابه: قلت له: ما كان في وصيّة لقمان؟ قال (ع): "كان فيها الأعاجيب، وكان أعجب ما كان فيها أن قال لابنه: خفِ الله عزَّ وجلَّ خيفَةً لو جئتَه ببرّ الثقلين لعذَّبك، وارجُ اللهَ رجاءً لو جئته بذنوب الثّقلين لرحمك - ليكن هناك توازنٌ بين الخوف والرَّجاء.. خف الله بالمستوى الَّذي لو جئت بكلِّ طاعة الإنس والجنّ، شعرت بأنَّك مقصّر مع الله، وأنَّك تستحقُّ العذاب.. وفي المقابل، ارجُ الله رجاءً من خلال لطفه وكرمه وعطائه ورحمته، بحيث لو أتيته بذنوب الإنس والجنّ لرحمك.
ثمَّ قال (ع) - كان أبي يقول: إنَّه ليس من عبد مؤمن إلَّا وفي قلبه نوران: نور خيفة، ونور رجاء - بحيث يخاف الله فيمنعه ذلك عن معصيته، ويرجو الله فيمنعه ذلك عن اليأس من روحه ورحمته، بحيث - لو وُزِنَ هذا لم يَزِد على هذا، ولو وُزِنَ هذا لم يَزِد على هذا"(1)
وهذا التَّوازن بين الخوف وبين الرَّجاء، يفرض على الإنسان أن يتصوّر الله في نقمته وفي مواقع رحمته، كما جاء في دعاء الافتتاح: "وَأَيْقَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فِي مَوْضِعِ العَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، وَأَشَدُّ المُعاقِبِينَ فِي مَوْضِعِ النِّكالِ وَالنَّقِمَةِ". 
استحضارُ رقابةِ الله 
وجاء عن الإمام الصَّادق (ع) أيضًا وهو يخاطب أحد أصحابه إسحاق بن عمَّار: "يَا إِسْحَاقُ، خَفِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، فَإِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّهُ لَا يَرَاكَ فَقَدْ كَفَرْتَ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاكَ ثُمَّ بَرَزْتَ لَهُ بِالْمَعْصِيَةِ، فَقَدْ جَعَلْتَهُ مِنْ أَهْوَنِ النَّاظِرِينَ إِلَيْكَ"(2).
الإمام (ع) يخاطب هذا الرَّجل ويخاطب كلّ واحدٍ منَّا في ذلك، يقول له، تصوّر لو أنَّ الله تجسّد أمامك، وتعالى الله سبحانه عن أن يكون جسدًا، لكن لو فُرِض هذا المحال، وتجسَّد الله بكلِّ عظمته في نفسك أمامك، فهل يمكن لك أن تواجهه مواجهة اللامبالاة؟ لأنَّ العظمة عندما تتجسّد أمام الإنسان، فإنَّه يتضاءل أمامها، أمَّا إذا ابتعدتْ عنه هذه العظمة، فإنّه يتحرّك بعنفوان وعنجهيّة ويمارس الانحراف، لكن عندما يكون وجهًا لوجه أمام عظمة الله سبحانه، فإنّه يشعر بالهيبة والخوف، فلا ينحرف عن إرادته.
ثم ينبّهنا الإمام (ع) بأنَّ الواحد منَّا إذا أقدم على المعصية، فلا يظنّ أبدًا أنَّ أحدًا لا يراه، وإن كان يرتكب هذه المعصية في غرفة مغلقة أو سرداب مظلم، لأنَّ الله يراه، فهو سبحانه "يُبْصِرُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مَا تَحْتَ سَبْعِ أَرَضِين"، وإذا اعتقد بهذا التَّفكير فهو كافر، لأنَّ من أوَّل علامات الإيمان وشروطه هو الاعتقاد بأنَّ الله يهمين على الأمر كلّه وعلى الكون كلّه. 
"وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاكَ"، بحيث إنَّك تعصي الله، فتسرق وتزني وتضرب إنسانًا وتقتل آخر بغير حقّ، وتتجسَّس على المؤمنين، وتعرف أنَّ الله يراك، ومع ذلك تمتدُّ في المعصية، فإنّ الإمام (ع) يعرّفك مدلول ذلك، وهو أنّك "جَعَلْتَهُ مِنْ أَهْوَنِ النَّاظِرِينَ إِلَيْكَ"، فتستهين به سبحانه، وذلك من الكبائر الكبيرة في موقف الإنسان من الله تعالى.
وفي حديثٍ آخر يقول (ع): "مَنْ خَافَ اللهَ، أَخَافَ اللهُ مِنْه كُلَّ شَيْءٍ"(3)، أي زرع الله الهيبة له في قلوب النَّاس، وقد ورد في الحديث: "من أراد عزًّا بلا عشيرة، وغنًى بلا مال، وهيبةً بلا سلطان، فلينتقلْ من ذلّ معصيةِ اللهِ إلى عزّ طاعته"، لأنَّ مَن خاف الله شعر بالثقة أمام النّاس جميعًا، ومَنْ خاف الله لم يخف من أحد، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}[آل عمران: 175].
نتائج الخوف من الله
وعن نتائج الخوف من الله سبحانه، يقول الإمام الصَّادق (ع): "ومَنْ لَمْ يَخَفِ اللهَ، أَخَافَه اللهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ". إنَّ خوفك من الله سبحانه لا بدَّ أن ينطلق من معرفتك به سبحانه، فكّر في السَّماوات والأرضين، فكّر في نفسك وفي نعَم الله وأسرار خلقه، فإنّ ذلك يربّي عظمة الله في نفسك، وإذا تربّت العظمة في نفسك عرفت الله، ولم تكن للدنيا قيمة عندك، لأنّك تفكّر في أن تنال ما عند الله يوم القيامة.
وعن بعض النَّاس، يسأله أحد أصحابه فيقول: قومٌ يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو، فلا يزالون كذلك حتَّى يأتيهم الموت، فقال الإمام الصَّادق (ع): "هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَتَرَجَّحُونَ فِي الأَمَانِيِّ - هؤلاء ليسوا واقعيّين أو عمليّين، يعيشون الأحلام الخياليّة ويسوّفون، ويقولون كما على الطريقة الشعبيَّة، "ليوم الله يهوّن الله"، واللهُ غفورٌ رحيم – كَذَبُوا، لَيْسُوا بِرَاجِينَ، إِنَّ مَنْ رَجَا شَيْئًا طَلَبَه - إن كنت تريد شيئًا، فإنّك تسعى للحصول عليه، أمَّا إنَّك تريد الجنَّة ولا تسعى نحوها بأن تخطو ولو خطوة واحدة، فكيف ذلك؟ - ومَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْه"، إن كنت تخاف من النّار وترتكب ما يُدخلك فيها، فما معنى ذلك؟ إذًا، أنت تكذب، لأنَّك عندما تقول أرجو دخول الجنَّة وأخاف من الله، ولا تسعى للجنّة، فأنت لست من الراجين والخائفين، لأنّ "مَنْ رَجَا شَيْئًا طَلَبَه، ومَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْه"(4).
تحصين النّفس 
ويحدّثنا الإمام زين العابدين (ع) عن الشّابّ الَّذي امتلأ قلبه بخوف الله، بحيث منعه ذلك عن المعاصي، فيقول لأبي حمزة الثَّمالي: "إنّ رجلًا ركب البحر بأهله، فَكُسِرَ بهم، فلم ينجُ ممّن كان في السَّفينة إلَّا امرأة الرّجل، فإنَّها نجت على لوحٍ من ألواح السَّفينة، حتّى لجأت إلى جزيرة من جزائر البحر؛ وكان في تلك الجزيرة رجلٌ يقطع الطَّريق، ولم يَدَعْ لله حرمةً إلَّا انتهكها، فلم يعلم إلَّا والمرأة قائمة على رأسه، فرفع رأسه إليها، فقال: إنسيَّة أم جنّيَّة؟ فقالت: إنسيّة، فلم يكلّمها كلمةً حتّى جلس منها مجلس الرَّجل من أهله - أي حاول الاعتداء عليها - فلمَّا أنْ هَمَّ بها اضطربت، فقال: ما لَكِ تضطربين؟ قالت: أَفْرُقُ من هذا - وأومأت بيدها إلى السَّماء - أي أنا أخاف الله من هذا العمل - قال: فصنعتِ من هذا شيئًا - هل لك عهدٌ بحالة الزنا - قالت: لا وعزّته - كلّ حياتي حياة طاعة وعفّة وخوف من الله - قال: فأنتِ تفرقين منه هذا الفَرَق ولم تصنعي من هذا شيئًا، وإنّما أسْتَكْرِهُكِ استكراهًا - مع أنّي بالإكراه أحاول فعل الفاحشة معك، ومع ذلك تخافين من الله، وأنتِ في ذلك معذورة - فأنا والله أولى بهذا الفَرَق والخوف - أنا مَنْ يجب أن أخاف من الله، لأنّني ما تركت معصية إلَّا وعملتها - وأحقُّ منكِ - موقف هذه المرأة هزَّ هذا الرَّجل من أعماقه. ونحن نقول دائمًا، إنّ في قلب الإنسان، مهما اقترف من المعاصي، نورًا يجب أي نكتشفه ونزيل عنه التراكمات ليهتدي إلى الحقّ. ولذلك - قام ولم يُحْدِثْ شيئًا - أي لم يباشر بفعل الزّنا مع المرأة، لأنّه عاد إلى الله وخاف منه - ورجع إلى أهله، وليست له همّةٌ إلَّا التَّوبة والمراجعة. فبينما هو يمشي، إذ صادفه راهبٌ يمشي في الطَّريق، فحميت عليهما الشَّمس، فقال الرَّاهب للشّابّ: ادعُ اللهَ يُظلّنا بغمامة، فقد حميت علينا الشَّمس، فقال الشّاب: ما أعلم أنّ لي عند ربّي حسنة فأتجاسر على أن أسأله شيئًا، قال: فأدعو أنا وتؤمّن أنت - أي تقول: آمين - قال: نعم، فأقبل الرَّاهب يدعو والشَّابّ يؤمّن، فما كان بأسرعَ من أن أظلّتهما غمامة، فمشيا تحتها مليًّا من النَّهار، فتفرّقت الجادة جادتين - فمشى الرَّاهب في طريق والشَّابّ في طريق آخر - فأخذ الشّابّ في واحدة، وأخذ الرَّاهب في واحدة، فإذا السَّحابة مع الشّابّ. فقال الرَّاهب: أنتَ خيرٌ منّي، لكَ اسْتُجِيب ولم يُسْتَجَبْ لي، فأخبرني ما قصَّتك؟ فأخبره بخبر المرأة، فقال: غُفِرَ لك ما مضى حيث دخلك الخوف، فانظر كيف تكون فيما تستقبل"(5)
رسالة إلى الشَّباب 
وهذه القصَّة الَّتي تروى عن الإمام زين العابدين (ع) هي رسالة لكلّ الشَّباب من الرجال والنساء الَّذين يبتليهم الله سبحانه بالمعاصي نتيجة نقاط الضّعف الموجودة في نفوسهم، ونتيجة البيئة الفاسدة الَّتي عاشوا فيها، ونتيجة ضغط النَّفس الأمّارة بالسوء. هذه القصَّة رسالة: أيّها الشَّباب، إذا أردتم أن ترجعوا إلى الله، وتخافوا مقام ربِّكم، وتنهوا أنفسكم عن الهوى، فإنَّ الله يغفر ذنوبكم، ويطلب منكم أن تستأنفوا العمل من جديد.. فأيّة فرصة أعظم من هذه الفرصة وأنتم الآن بين يدي الله سبحانه؟ فاعرفوا كيف تعيشون الخوف من الله، لتتوبوا إليه، ولتفكّروا في أن تستقبلوا الطَّاعة من جديد.
وفي حديثٍ للإمام الصَّادق (ع) يقول: "إنَّ مما حُفِظَ من خطب النَّبيّ (ص) أنَّه قال: أيّها النَّاس! إنَّ لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإنَّ لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، ألا إنّ المؤمن يعمل بين مخافتين: بين أجلٍ قد مضى لا يدري ما الله صانعٌ فيه، وبين أجل قد بقى لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليأخذ العبد المؤمن من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشَّبيبة قبل الكِبَر، وفي الحياة قبل الممات، فوالَّذي نفس محمَّد بيده، ما بعد الدّنيا من مُسَتعْتَب، وما بعدها من دار إلَّا الجنَّة أو النّار"(6).
هذه هي المسألة؛ أن نفكّر أنَّ هناك عمرًا فارقناه، وقد عملنا فيه ولا ندري ما هي نتائجه، وهناك عمرٌ باقٍ لا ندري ماذا نعمل فيه، والقضيَّة كلّ القضيَّة، هي أنّ عمرنا رأس مالنا، وسنَفِدُ على ربنا، "الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَاب، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَل".

 
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية

عباد الله، اتَّقوا الله، وخافوه خوفًا يجعلكم تتحرّكون من أجل أن تكونوا القريبين إليه، الأحبَّاء له، السَّائرين في خطّه المستقيم، العاملين مع الصَّادقين من عباده، ومع العادلين من أوليائه، والمنفتحين عليه في كلّ مرحلة من مراحلكم في الشباب وفي الكهولة والشيخوخة، بحيث "لا يقدّم أحدكم رجلًا ولا يؤخّر أخرى، حتى يعلم أنّ ذلك لله رضى".
اتَّقوا الله، ولتكن تقوى الله هي الأساس الَّذي تركّزون عليه قاعدة حياتكم في كلّ أموركم الصَّغيرة والكبيرة.. اتَّقوا الله، ولتكن تقوى الله حركةً في مسؤوليَّاتكم عن أنفسكم وعن النَّاس من حولكم وعن الحياة، وليضبط كلّ واحدٍ منكم حساباته، حتَّى إذا جاء يوم الحساب، عرف ما له وما عليه.
عباد الله، اتَّقوا الله في كلِّ الواقع الَّذي تعيشون فيه، سواء كان الواقع واقع عزّتكم وكرامتكم في قضايا أمَّتكم على مستوى العالم الإسلامي كلّه، وعلى مستوى عالم المستضعفين.. 
ونحن في هذه المرحلة، نواجه قضايا كثيرة تتَّصل بأمننا المحلّي والإقليمي والعالمي في مواجهتنا للاستكبار الَّذي انطلقت تحالفاته من أجل أن تحوّلنا فِرَقًا، لتفرض علينا مصالحها، ولتدمّر كلّ مصالحنا.. فماذا هناك؟ 
ضغط أمريكي إسرائيليّ
لقد قامت أمريكا بالردّ على قرارات الجامعة العربيَّة، للإجهاز عليها تمامًا، بالإعلان عن تقديم صفقة من الأسلحة المتنوّعة من الطَّائرات والصَّواريخ لإسرائيل، من أجل تطوير التفوق العسكري النَّوعي على العرب، كرسالة سياسيَّة بأنَّهم إذا لم يخضعوا للمطالب الإسرائيلية - الأمريكية في تقديم التنازلات، فإن إسرائيل قادرة على القيام بحرب كبيرة تنزل الهزيمة الجديدة بكل الَّذين يتمرّدون على الضّغط، بالتحالف مع أمريكا.
وقد أعلنت أمريكا بأنها سوف تساعد الكيان الصهيوني على مكافحة الإرهاب تطبيقًا لمقررات "شرم الشيخ"، ما يوحي بأنَّ هناك حربًا أمريكية جديدة في المنطقة ضد كل معارضي السياسية الأمريكية والإسرائيلية باسم محاربة "الإرهاب"، هذا إضافةً إلى إعلان رئيس وزراء العدوّ ووزير حربه بالإصرار على الاستمرار في بناء مستوطنة جبل أبي غنيم، وتوسيع المستوطنات في الضفَّة الغربيَّة بالآلاف من المساكن، ما يجعل من مفاوضات الحكم النهائي - كما يقال - ومن مشروع الدولة الفلسطينيَّة حبرًا على ورق، أو مجرد مشروع لا واقع له.
التّخاذل العربيّ
وفي الجانب الآخر، لا يزال الجدل العربي حول ما إذا كانت مقررات مؤتمر وزراء الخارجية العرب توصيات أو إلزاميات، وفي أنها مجرَّد رسالة لإسرائيل للضَّغط، وفي انتقاد بعض المسؤولين العرب لها لأنها لا تساعد على السَّلام.. وهكذا نلاحظ أنَّ إسرائيل تتحدَّى وتنفّذ وتعمل لحكومة وحدة وطنيَّة، والعرب يقررون ويتراجعون ويختلفون.. إنَّه الأسلوب المتخاذل الَّذي أضاع فلسطين، والَّذي يعمل الآن لإضاعة البقية الباقية منها.. إنَّ إسرائيل تعمل على إخضاع أمريكا لسياستها، أمَّا العرب، فإنَّ أمريكا تعمل على إخضاعهم لسياسة إسرائيل.. 
وتبقى التصريحات العربيَّة تشيد بالصداقة الأمريكية للعرب وبالثقة برعايتها للتسوية.. أيّ واقع عربي هو هذا الواقع العربي السيّئ؟! وأيّ زمن عربي هو هذا الزمن؟
قضيَّة الرهائن الإيرانيّين 
لا بدّ من إنتاج الشعوب العربية والإسلامية لمصلحة القضايا المصيرية، وفي مقدَّمها قضية فلسطين، ولا بدَّ من اعتبار الانتفاضة الجديدة حركة استراتيجية لانتفاضة مستقبلية شاملة على مستوى الواقع العربي والإسلامي كله، من أجل الضغط على الأنظمة المتخاذلة وعلى المصالح الأمريكية والأطماع الإسرائيلية في المنطقة كلّها.
ولا بدّ من مراقبة قضية الرهائن الإيرانيين الَّذي خُطفوا في لبنان، من خلال الأخبار القائلة بأنهم موجودون في سجون الاحتلال في فلسطين. والسؤال: إذا كانت هذه المعلومات صحيحة، فلماذا لا يتحدَّث العالم عن ضرورة إطلاق سراحهم، باعتبار أنَّ الاحتفاظ بهم يمثّل عملًا إرهابيًّا، بينما نجد أكثر من دولة في العالم تتحرَّك لإطلاق الطيار الإسرائيلي الَّذي كان في مهمة قصف اللبنانيّين؟ وهكذا نلاحظ أنَّه لم يتحرك أحد للمطالبة بإطلاق سراح السجناء اللّبنانيّين في سجون الاحتلال في فلسطين ولبنان، ولا سيَّما الشَّيخ عبد الكريم عبيد والأخ مصطفى الديراني؟ إنَّنا نريد لهذه القضيَّة الإنسانيَّة أن تثير الاهتمام في كل حركة حقوق الإنسان في العالم.
معنويّات العدوّ! 
لقد صرّح قائد ما يسمَّى وحدة الارتباط الإسرائيلية في المنطقة الحدودية المحتلة، في محاولته لرفع معنويات العملاء هناك، "أنَّ المقاومة أصيبت بهزيمة نكراء"، واعدًا العملاء بتزويدهم بأسلحة متطوّرة، مهدّدًا بتوجيه ضربات خارج المنطقة المحتلة.. 
إنَّ هذه التصريحات تأتي بعد العمليات الموفَّقة المتلاحقة للمقاومة ضدّ جيش العدو وعملائه الَّتي أنزلت بهم أكثر من خسارة عسكرية، هذا إضافةً إلى تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية الَّتي قالت إنَّ الوضع في لبنان لا يزال صعبًا وخطيرًا.
إنَّ السؤال الَّذي يجب أن نلاحقه: هل إنَّ هناك خطة أمريكية - إسرائيلية لتصعيد الوضع في الجنوب للتخفيف من حجم الضغوط الأمنية والسياسية الَّتي يواجهها العدوّ في فلسطين، وهل إنَّ زيارة نتنياهو إلى أمريكا مع وزير دفاعه ترمي إلى التَّخطيط لعدوان جديد، ولا سيَّما أنَّ عدوان نيسان بدأ يقترب في ذكراه الأولى؟
تعقيدات الوضع الدّاخليّ
إنَّ الوضع الدَّاخليّ يعيش أكثر من تعقيد سياسي واهتزاز شعبي بفعل الخلل الَّذي أصاب المسار الحكومي في معالجة القضايا بعيدًا من أيّ تخطيط متوازن، ما يجعل المسألة السياسية خاضعةً للعلاقات المتوترة بين المسؤولين، وفي التسويات المتحركة في أكثر من اتجاه، لترضي هذا أو ذاك.
إنَّ تأجيل الانتخابات البلدية، واستقالة رئيس المجلس الدستوري(7)، وأزمة الجامعة اللبنانية، والمتاهات الَّتي يتحرك فيها اقتصاد البلاد، والمعالجات الارتجاليَّة لأكثر من مشكلة، والخطاب المتوتر لأكثر من جهة، هو الدَّليل على أنَّ البلد يعيش في حالة الاهتزاز الَّتي قد لا تُسقط الهيكل على رؤوس الجميع، ولكنَّها تُبقي الواقع في مرحلة اللااستقرار واللاوحدة واللاتوازن على مستوى الأوضاع الرسمية والشعبية.
إنَّ المرحلة الَّتي تعيشها المنطقة، وتترك تأثيراتها على لبنان، تفرض المزيد من الارتفاع إلى مستوى المسؤوليَّة الكبرى في المحافظة على سلامة الوطن ومصلحة المواطنين، ومواجهة المستقبل بالخطَّة الواعية الَّتي تحسب حساب كلّ الأوضاع الداخليَّة والخارجيَّة بدقَّة وشموليَّة وعمق، لأنَّ الخطأ في الحساب قد يؤدّي إلى الانهيار الكامل. 

* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 04/04/1997م/ الموافق: 26 ذو القعدة 1417 هـ.

 
*** 
 
1- الكافي، ج2، ص73. 
2- الكافي، ج2، ص73.
3- الكافي، ج2، ص73. 
4- الكافي، ج2، ص74. 
5-الكافي، ج2، ص75. 
6-الكافي، ج2، ص75. 
7- وجدي الملاط. 
 

 

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية