قال الله في كتابه المجيد: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}(النازعات: 40 - 41).
وقال سبحانه في آيةٍ أخرى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا}(المائدة: 44).
ويقول تعالى: عن المؤمنين: {الَّذينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}(الأنفال: 2).
الخوف من الله
تؤكّد هذه الآيات وغيرها أنَّ على الإنسان المؤمن أن يعيش في نفسه الخوف من الله، وذلك من خلال إدراكه عظمة الله سبحانه؛ فهو الله الواحد الأحد الَّذي لا إله إلَّا هو، هو الرازق والمحيي والمميت والمهيمن على الأمر كلّه، هو كلُّ شيء في الكون، حيث الكون كلّه نتاج إرادته {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(يس: 82 - 83).
أن تخاف الله ليس كخوفك من الإنسان، لأنَّ خوفك من الإنسان الَّذي يملك قوّةً أو سطوة، إنّما يكون لأنّه يسحق إنسانيَّتك، ولكنَّ خوفك من الله يرتفع بإنسانيَّتك، فكلما خفت من الله أكثر، انفتحت عليه أكثر، وكلّما أحببته أكثر، اقتربت منه أكثر وأطعته أكثر.. فالخوف من الله تعالى ليس حالةً نفسيَّة تدفعك إلى الهرب، فأنت تستطيع أن تهرب من أيّ إنسانٍ أو حيوان تخافه، ولكن أين تهرب من الله، "هاربٌ منك إليك"، كما في الدعاء.. اصعد إلى الفضاء، فكلُّ الفضاء ملكُه، وانزلْ إلى أعماق البحار، فكلُّ البحار مُلكُه، وانطلق في كلّ متاهات الأرض، فإنّ الأرض ملكه.. ولذا، عليك أن تفهم معنى أنّك مخلوقٌ لله، أي أنّ الله لم يخلقك عبثًا {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}(المؤمنون: 115). فالله خلقك لتتحمّل مسؤوليَّتك في الأرض، ولتبنيها على الصّورة الَّتي يحبّها مما أوحى به إلى رسله من خلال رسالاته ليبلّغوها للنَّاس، خلقك من أجل أن تربّي نفسك وترتفع بإنسانيَّتك، لتكون الإنسان المسؤول في وجودك عن نفسك وعن النَّاس من حولك بحجم قوَّتك وقدراتك.
توازنُ الخوفِ والرَّجاء
من خلال ذلك، لا بدَّ أن يربّي الإنسان في نفسه الخوف من الله، عبر تربية عظمة الله في نفسه، والله لا يريد للإنسان أن يخاف منه ليُصاب بالإحباط واليأس إذا عصاه وأسرف في عصيانه، إنّما يريد له أن يخاف منه سبحانه ليمنعه خوفه من الاستغراق في المعصية، ويريد له أن يرجوه ليمنعه ذلك من اليأس من روح الله.
وهذا ما ورد في أحاديث أئمَّة أهل البيت (ع)، حيث جاء في الحديث عن الإمام الصَّادق (ع)، قال بعض أصحابه: قلت له: ما كان في وصيّة لقمان؟ قال (ع): "كان فيها الأعاجيب، وكان أعجب ما كان فيها أن قال لابنه: خفِ الله عزَّ وجلَّ خيفَةً لو جئتَه ببرّ الثقلين لعذَّبك، وارجُ اللهَ رجاءً لو جئته بذنوب الثّقلين لرحمك - ليكن هناك توازنٌ بين الخوف والرَّجاء.. خف الله بالمستوى الَّذي لو جئت بكلِّ طاعة الإنس والجنّ، شعرت بأنَّك مقصّر مع الله، وأنَّك تستحقُّ العذاب.. وفي المقابل، ارجُ الله رجاءً من خلال لطفه وكرمه وعطائه ورحمته، بحيث لو أتيته بذنوب الإنس والجنّ لرحمك.
ثمَّ قال (ع) - كان أبي يقول: إنَّه ليس من عبد مؤمن إلَّا وفي قلبه نوران: نور خيفة، ونور رجاء - بحيث يخاف الله فيمنعه ذلك عن معصيته، ويرجو الله فيمنعه ذلك عن اليأس من روحه ورحمته، بحيث - لو وُزِنَ هذا لم يَزِد على هذا، ولو وُزِنَ هذا لم يَزِد على هذا"(1).
وهذا التَّوازن بين الخوف وبين الرَّجاء، يفرض على الإنسان أن يتصوّر الله في نقمته وفي مواقع رحمته، كما جاء في دعاء الافتتاح: "وَأَيْقَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فِي مَوْضِعِ العَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، وَأَشَدُّ المُعاقِبِينَ فِي مَوْضِعِ النِّكالِ وَالنَّقِمَةِ".
استحضارُ رقابةِ الله
وجاء عن الإمام الصَّادق (ع) أيضًا وهو يخاطب أحد أصحابه إسحاق بن عمَّار: "يَا إِسْحَاقُ، خَفِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، فَإِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّهُ لَا يَرَاكَ فَقَدْ كَفَرْتَ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاكَ ثُمَّ بَرَزْتَ لَهُ بِالْمَعْصِيَةِ، فَقَدْ جَعَلْتَهُ مِنْ أَهْوَنِ النَّاظِرِينَ إِلَيْكَ"(2).
الإمام (ع) يخاطب هذا الرَّجل ويخاطب كلّ واحدٍ منَّا في ذلك، يقول له، تصوّر لو أنَّ الله تجسّد أمامك، وتعالى الله سبحانه عن أن يكون جسدًا، لكن لو فُرِض هذا المحال، وتجسَّد الله بكلِّ عظمته في نفسك أمامك، فهل يمكن لك أن تواجهه مواجهة اللامبالاة؟ لأنَّ العظمة عندما تتجسّد أمام الإنسان، فإنَّه يتضاءل أمامها، أمَّا إذا ابتعدتْ عنه هذه العظمة، فإنّه يتحرّك بعنفوان وعنجهيّة ويمارس الانحراف، لكن عندما يكون وجهًا لوجه أمام عظمة الله سبحانه، فإنّه يشعر بالهيبة والخوف، فلا ينحرف عن إرادته.
ثم ينبّهنا الإمام (ع) بأنَّ الواحد منَّا إذا أقدم على المعصية، فلا يظنّ أبدًا أنَّ أحدًا لا يراه، وإن كان يرتكب هذه المعصية في غرفة مغلقة أو سرداب مظلم، لأنَّ الله يراه، فهو سبحانه "يُبْصِرُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مَا تَحْتَ سَبْعِ أَرَضِين"، وإذا اعتقد بهذا التَّفكير فهو كافر، لأنَّ من أوَّل علامات الإيمان وشروطه هو الاعتقاد بأنَّ الله يهمين على الأمر كلّه وعلى الكون كلّه.
"وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاكَ"، بحيث إنَّك تعصي الله، فتسرق وتزني وتضرب إنسانًا وتقتل آخر بغير حقّ، وتتجسَّس على المؤمنين، وتعرف أنَّ الله يراك، ومع ذلك تمتدُّ في المعصية، فإنّ الإمام (ع) يعرّفك مدلول ذلك، وهو أنّك "جَعَلْتَهُ مِنْ أَهْوَنِ النَّاظِرِينَ إِلَيْكَ"، فتستهين به سبحانه، وذلك من الكبائر الكبيرة في موقف الإنسان من الله تعالى.
وفي حديثٍ آخر يقول (ع): "مَنْ خَافَ اللهَ، أَخَافَ اللهُ مِنْه كُلَّ شَيْءٍ"(3)، أي زرع الله الهيبة له في قلوب النَّاس، وقد ورد في الحديث: "من أراد عزًّا بلا عشيرة، وغنًى بلا مال، وهيبةً بلا سلطان، فلينتقلْ من ذلّ معصيةِ اللهِ إلى عزّ طاعته"، لأنَّ مَن خاف الله شعر بالثقة أمام النّاس جميعًا، ومَنْ خاف الله لم يخف من أحد، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}[آل عمران: 175].
نتائج الخوف من الله
وعن نتائج الخوف من الله سبحانه، يقول الإمام الصَّادق (ع): "ومَنْ لَمْ يَخَفِ اللهَ، أَخَافَه اللهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ". إنَّ خوفك من الله سبحانه لا بدَّ أن ينطلق من معرفتك به سبحانه، فكّر في السَّماوات والأرضين، فكّر في نفسك وفي نعَم الله وأسرار خلقه، فإنّ ذلك يربّي عظمة الله في نفسك، وإذا تربّت العظمة في نفسك عرفت الله، ولم تكن للدنيا قيمة عندك، لأنّك تفكّر في أن تنال ما عند الله يوم القيامة.
وعن بعض النَّاس، يسأله أحد أصحابه فيقول: قومٌ يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو، فلا يزالون كذلك حتَّى يأتيهم الموت، فقال الإمام الصَّادق (ع): "هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَتَرَجَّحُونَ فِي الأَمَانِيِّ - هؤلاء ليسوا واقعيّين أو عمليّين، يعيشون الأحلام الخياليّة ويسوّفون، ويقولون كما على الطريقة الشعبيَّة، "ليوم الله يهوّن الله"، واللهُ غفورٌ رحيم – كَذَبُوا، لَيْسُوا بِرَاجِينَ، إِنَّ مَنْ رَجَا شَيْئًا طَلَبَه - إن كنت تريد شيئًا، فإنّك تسعى للحصول عليه، أمَّا إنَّك تريد الجنَّة ولا تسعى نحوها بأن تخطو ولو خطوة واحدة، فكيف ذلك؟ - ومَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْه"، إن كنت تخاف من النّار وترتكب ما يُدخلك فيها، فما معنى ذلك؟ إذًا، أنت تكذب، لأنَّك عندما تقول أرجو دخول الجنَّة وأخاف من الله، ولا تسعى للجنّة، فأنت لست من الراجين والخائفين، لأنّ "مَنْ رَجَا شَيْئًا طَلَبَه، ومَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْه"(4).
تحصين النّفس
ويحدّثنا الإمام زين العابدين (ع) عن الشّابّ الَّذي امتلأ قلبه بخوف الله، بحيث منعه ذلك عن المعاصي، فيقول لأبي حمزة الثَّمالي: "إنّ رجلًا ركب البحر بأهله، فَكُسِرَ بهم، فلم ينجُ ممّن كان في السَّفينة إلَّا امرأة الرّجل، فإنَّها نجت على لوحٍ من ألواح السَّفينة، حتّى لجأت إلى جزيرة من جزائر البحر؛ وكان في تلك الجزيرة رجلٌ يقطع الطَّريق، ولم يَدَعْ لله حرمةً إلَّا انتهكها، فلم يعلم إلَّا والمرأة قائمة على رأسه، فرفع رأسه إليها، فقال: إنسيَّة أم جنّيَّة؟ فقالت: إنسيّة، فلم يكلّمها كلمةً حتّى جلس منها مجلس الرَّجل من أهله - أي حاول الاعتداء عليها - فلمَّا أنْ هَمَّ بها اضطربت، فقال: ما لَكِ تضطربين؟ قالت: أَفْرُقُ من هذا - وأومأت بيدها إلى السَّماء - أي أنا أخاف الله من هذا العمل - قال: فصنعتِ من هذا شيئًا - هل لك عهدٌ بحالة الزنا - قالت: لا وعزّته - كلّ حياتي حياة طاعة وعفّة وخوف من الله - قال: فأنتِ تفرقين منه هذا الفَرَق ولم تصنعي من هذا شيئًا، وإنّما أسْتَكْرِهُكِ استكراهًا - مع أنّي بالإكراه أحاول فعل الفاحشة معك، ومع ذلك تخافين من الله، وأنتِ في ذلك معذورة - فأنا والله أولى بهذا الفَرَق والخوف - أنا مَنْ يجب أن أخاف من الله، لأنّني ما تركت معصية إلَّا وعملتها - وأحقُّ منكِ - موقف هذه المرأة هزَّ هذا الرَّجل من أعماقه. ونحن نقول دائمًا، إنّ في قلب الإنسان، مهما اقترف من المعاصي، نورًا يجب أي نكتشفه ونزيل عنه التراكمات ليهتدي إلى الحقّ. ولذلك - قام ولم يُحْدِثْ شيئًا - أي لم يباشر بفعل الزّنا مع المرأة، لأنّه عاد إلى الله وخاف منه - ورجع إلى أهله، وليست له همّةٌ إلَّا التَّوبة والمراجعة. فبينما هو يمشي، إذ صادفه راهبٌ يمشي في الطَّريق، فحميت عليهما الشَّمس، فقال الرَّاهب للشّابّ: ادعُ اللهَ يُظلّنا بغمامة، فقد حميت علينا الشَّمس، فقال الشّاب: ما أعلم أنّ لي عند ربّي حسنة فأتجاسر على أن أسأله شيئًا، قال: فأدعو أنا وتؤمّن أنت - أي تقول: آمين - قال: نعم، فأقبل الرَّاهب يدعو والشَّابّ يؤمّن، فما كان بأسرعَ من أن أظلّتهما غمامة، فمشيا تحتها مليًّا من النَّهار، فتفرّقت الجادة جادتين - فمشى الرَّاهب في طريق والشَّابّ في طريق آخر - فأخذ الشّابّ في واحدة، وأخذ الرَّاهب في واحدة، فإذا السَّحابة مع الشّابّ. فقال الرَّاهب: أنتَ خيرٌ منّي، لكَ اسْتُجِيب ولم يُسْتَجَبْ لي، فأخبرني ما قصَّتك؟ فأخبره بخبر المرأة، فقال: غُفِرَ لك ما مضى حيث دخلك الخوف، فانظر كيف تكون فيما تستقبل"(5).
رسالة إلى الشَّباب
وهذه القصَّة الَّتي تروى عن الإمام زين العابدين (ع) هي رسالة لكلّ الشَّباب من الرجال والنساء الَّذين يبتليهم الله سبحانه بالمعاصي نتيجة نقاط الضّعف الموجودة في نفوسهم، ونتيجة البيئة الفاسدة الَّتي عاشوا فيها، ونتيجة ضغط النَّفس الأمّارة بالسوء. هذه القصَّة رسالة: أيّها الشَّباب، إذا أردتم أن ترجعوا إلى الله، وتخافوا مقام ربِّكم، وتنهوا أنفسكم عن الهوى، فإنَّ الله يغفر ذنوبكم، ويطلب منكم أن تستأنفوا العمل من جديد.. فأيّة فرصة أعظم من هذه الفرصة وأنتم الآن بين يدي الله سبحانه؟ فاعرفوا كيف تعيشون الخوف من الله، لتتوبوا إليه، ولتفكّروا في أن تستقبلوا الطَّاعة من جديد.
وفي حديثٍ للإمام الصَّادق (ع) يقول: "إنَّ مما حُفِظَ من خطب النَّبيّ (ص) أنَّه قال: أيّها النَّاس! إنَّ لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإنَّ لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، ألا إنّ المؤمن يعمل بين مخافتين: بين أجلٍ قد مضى لا يدري ما الله صانعٌ فيه، وبين أجل قد بقى لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليأخذ العبد المؤمن من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشَّبيبة قبل الكِبَر، وفي الحياة قبل الممات، فوالَّذي نفس محمَّد بيده، ما بعد الدّنيا من مُسَتعْتَب، وما بعدها من دار إلَّا الجنَّة أو النّار"(6).
هذه هي المسألة؛ أن نفكّر أنَّ هناك عمرًا فارقناه، وقد عملنا فيه ولا ندري ما هي نتائجه، وهناك عمرٌ باقٍ لا ندري ماذا نعمل فيه، والقضيَّة كلّ القضيَّة، هي أنّ عمرنا رأس مالنا، وسنَفِدُ على ربنا، "الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَاب، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَل".
* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 04/04/1997م.
1-2-3-4-5-6: الكافي، ج2، ص73.
قال الله في كتابه المجيد: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}(النازعات: 40 - 41).
وقال سبحانه في آيةٍ أخرى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا}(المائدة: 44).
ويقول تعالى: عن المؤمنين: {الَّذينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}(الأنفال: 2).
الخوف من الله
تؤكّد هذه الآيات وغيرها أنَّ على الإنسان المؤمن أن يعيش في نفسه الخوف من الله، وذلك من خلال إدراكه عظمة الله سبحانه؛ فهو الله الواحد الأحد الَّذي لا إله إلَّا هو، هو الرازق والمحيي والمميت والمهيمن على الأمر كلّه، هو كلُّ شيء في الكون، حيث الكون كلّه نتاج إرادته {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(يس: 82 - 83).
أن تخاف الله ليس كخوفك من الإنسان، لأنَّ خوفك من الإنسان الَّذي يملك قوّةً أو سطوة، إنّما يكون لأنّه يسحق إنسانيَّتك، ولكنَّ خوفك من الله يرتفع بإنسانيَّتك، فكلما خفت من الله أكثر، انفتحت عليه أكثر، وكلّما أحببته أكثر، اقتربت منه أكثر وأطعته أكثر.. فالخوف من الله تعالى ليس حالةً نفسيَّة تدفعك إلى الهرب، فأنت تستطيع أن تهرب من أيّ إنسانٍ أو حيوان تخافه، ولكن أين تهرب من الله، "هاربٌ منك إليك"، كما في الدعاء.. اصعد إلى الفضاء، فكلُّ الفضاء ملكُه، وانزلْ إلى أعماق البحار، فكلُّ البحار مُلكُه، وانطلق في كلّ متاهات الأرض، فإنّ الأرض ملكه.. ولذا، عليك أن تفهم معنى أنّك مخلوقٌ لله، أي أنّ الله لم يخلقك عبثًا {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}(المؤمنون: 115). فالله خلقك لتتحمّل مسؤوليَّتك في الأرض، ولتبنيها على الصّورة الَّتي يحبّها مما أوحى به إلى رسله من خلال رسالاته ليبلّغوها للنَّاس، خلقك من أجل أن تربّي نفسك وترتفع بإنسانيَّتك، لتكون الإنسان المسؤول في وجودك عن نفسك وعن النَّاس من حولك بحجم قوَّتك وقدراتك.
توازنُ الخوفِ والرَّجاء
من خلال ذلك، لا بدَّ أن يربّي الإنسان في نفسه الخوف من الله، عبر تربية عظمة الله في نفسه، والله لا يريد للإنسان أن يخاف منه ليُصاب بالإحباط واليأس إذا عصاه وأسرف في عصيانه، إنّما يريد له أن يخاف منه سبحانه ليمنعه خوفه من الاستغراق في المعصية، ويريد له أن يرجوه ليمنعه ذلك من اليأس من روح الله.
وهذا ما ورد في أحاديث أئمَّة أهل البيت (ع)، حيث جاء في الحديث عن الإمام الصَّادق (ع)، قال بعض أصحابه: قلت له: ما كان في وصيّة لقمان؟ قال (ع): "كان فيها الأعاجيب، وكان أعجب ما كان فيها أن قال لابنه: خفِ الله عزَّ وجلَّ خيفَةً لو جئتَه ببرّ الثقلين لعذَّبك، وارجُ اللهَ رجاءً لو جئته بذنوب الثّقلين لرحمك - ليكن هناك توازنٌ بين الخوف والرَّجاء.. خف الله بالمستوى الَّذي لو جئت بكلِّ طاعة الإنس والجنّ، شعرت بأنَّك مقصّر مع الله، وأنَّك تستحقُّ العذاب.. وفي المقابل، ارجُ الله رجاءً من خلال لطفه وكرمه وعطائه ورحمته، بحيث لو أتيته بذنوب الإنس والجنّ لرحمك.
ثمَّ قال (ع) - كان أبي يقول: إنَّه ليس من عبد مؤمن إلَّا وفي قلبه نوران: نور خيفة، ونور رجاء - بحيث يخاف الله فيمنعه ذلك عن معصيته، ويرجو الله فيمنعه ذلك عن اليأس من روحه ورحمته، بحيث - لو وُزِنَ هذا لم يَزِد على هذا، ولو وُزِنَ هذا لم يَزِد على هذا"(1).
وهذا التَّوازن بين الخوف وبين الرَّجاء، يفرض على الإنسان أن يتصوّر الله في نقمته وفي مواقع رحمته، كما جاء في دعاء الافتتاح: "وَأَيْقَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فِي مَوْضِعِ العَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، وَأَشَدُّ المُعاقِبِينَ فِي مَوْضِعِ النِّكالِ وَالنَّقِمَةِ".
استحضارُ رقابةِ الله
وجاء عن الإمام الصَّادق (ع) أيضًا وهو يخاطب أحد أصحابه إسحاق بن عمَّار: "يَا إِسْحَاقُ، خَفِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، فَإِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّهُ لَا يَرَاكَ فَقَدْ كَفَرْتَ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاكَ ثُمَّ بَرَزْتَ لَهُ بِالْمَعْصِيَةِ، فَقَدْ جَعَلْتَهُ مِنْ أَهْوَنِ النَّاظِرِينَ إِلَيْكَ"(2).
الإمام (ع) يخاطب هذا الرَّجل ويخاطب كلّ واحدٍ منَّا في ذلك، يقول له، تصوّر لو أنَّ الله تجسّد أمامك، وتعالى الله سبحانه عن أن يكون جسدًا، لكن لو فُرِض هذا المحال، وتجسَّد الله بكلِّ عظمته في نفسك أمامك، فهل يمكن لك أن تواجهه مواجهة اللامبالاة؟ لأنَّ العظمة عندما تتجسّد أمام الإنسان، فإنَّه يتضاءل أمامها، أمَّا إذا ابتعدتْ عنه هذه العظمة، فإنّه يتحرّك بعنفوان وعنجهيّة ويمارس الانحراف، لكن عندما يكون وجهًا لوجه أمام عظمة الله سبحانه، فإنّه يشعر بالهيبة والخوف، فلا ينحرف عن إرادته.
ثم ينبّهنا الإمام (ع) بأنَّ الواحد منَّا إذا أقدم على المعصية، فلا يظنّ أبدًا أنَّ أحدًا لا يراه، وإن كان يرتكب هذه المعصية في غرفة مغلقة أو سرداب مظلم، لأنَّ الله يراه، فهو سبحانه "يُبْصِرُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مَا تَحْتَ سَبْعِ أَرَضِين"، وإذا اعتقد بهذا التَّفكير فهو كافر، لأنَّ من أوَّل علامات الإيمان وشروطه هو الاعتقاد بأنَّ الله يهمين على الأمر كلّه وعلى الكون كلّه.
"وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاكَ"، بحيث إنَّك تعصي الله، فتسرق وتزني وتضرب إنسانًا وتقتل آخر بغير حقّ، وتتجسَّس على المؤمنين، وتعرف أنَّ الله يراك، ومع ذلك تمتدُّ في المعصية، فإنّ الإمام (ع) يعرّفك مدلول ذلك، وهو أنّك "جَعَلْتَهُ مِنْ أَهْوَنِ النَّاظِرِينَ إِلَيْكَ"، فتستهين به سبحانه، وذلك من الكبائر الكبيرة في موقف الإنسان من الله تعالى.
وفي حديثٍ آخر يقول (ع): "مَنْ خَافَ اللهَ، أَخَافَ اللهُ مِنْه كُلَّ شَيْءٍ"(3)، أي زرع الله الهيبة له في قلوب النَّاس، وقد ورد في الحديث: "من أراد عزًّا بلا عشيرة، وغنًى بلا مال، وهيبةً بلا سلطان، فلينتقلْ من ذلّ معصيةِ اللهِ إلى عزّ طاعته"، لأنَّ مَن خاف الله شعر بالثقة أمام النّاس جميعًا، ومَنْ خاف الله لم يخف من أحد، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}[آل عمران: 175].
نتائج الخوف من الله
وعن نتائج الخوف من الله سبحانه، يقول الإمام الصَّادق (ع): "ومَنْ لَمْ يَخَفِ اللهَ، أَخَافَه اللهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ". إنَّ خوفك من الله سبحانه لا بدَّ أن ينطلق من معرفتك به سبحانه، فكّر في السَّماوات والأرضين، فكّر في نفسك وفي نعَم الله وأسرار خلقه، فإنّ ذلك يربّي عظمة الله في نفسك، وإذا تربّت العظمة في نفسك عرفت الله، ولم تكن للدنيا قيمة عندك، لأنّك تفكّر في أن تنال ما عند الله يوم القيامة.
وعن بعض النَّاس، يسأله أحد أصحابه فيقول: قومٌ يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو، فلا يزالون كذلك حتَّى يأتيهم الموت، فقال الإمام الصَّادق (ع): "هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَتَرَجَّحُونَ فِي الأَمَانِيِّ - هؤلاء ليسوا واقعيّين أو عمليّين، يعيشون الأحلام الخياليّة ويسوّفون، ويقولون كما على الطريقة الشعبيَّة، "ليوم الله يهوّن الله"، واللهُ غفورٌ رحيم – كَذَبُوا، لَيْسُوا بِرَاجِينَ، إِنَّ مَنْ رَجَا شَيْئًا طَلَبَه - إن كنت تريد شيئًا، فإنّك تسعى للحصول عليه، أمَّا إنَّك تريد الجنَّة ولا تسعى نحوها بأن تخطو ولو خطوة واحدة، فكيف ذلك؟ - ومَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْه"، إن كنت تخاف من النّار وترتكب ما يُدخلك فيها، فما معنى ذلك؟ إذًا، أنت تكذب، لأنَّك عندما تقول أرجو دخول الجنَّة وأخاف من الله، ولا تسعى للجنّة، فأنت لست من الراجين والخائفين، لأنّ "مَنْ رَجَا شَيْئًا طَلَبَه، ومَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْه"(4).
تحصين النّفس
ويحدّثنا الإمام زين العابدين (ع) عن الشّابّ الَّذي امتلأ قلبه بخوف الله، بحيث منعه ذلك عن المعاصي، فيقول لأبي حمزة الثَّمالي: "إنّ رجلًا ركب البحر بأهله، فَكُسِرَ بهم، فلم ينجُ ممّن كان في السَّفينة إلَّا امرأة الرّجل، فإنَّها نجت على لوحٍ من ألواح السَّفينة، حتّى لجأت إلى جزيرة من جزائر البحر؛ وكان في تلك الجزيرة رجلٌ يقطع الطَّريق، ولم يَدَعْ لله حرمةً إلَّا انتهكها، فلم يعلم إلَّا والمرأة قائمة على رأسه، فرفع رأسه إليها، فقال: إنسيَّة أم جنّيَّة؟ فقالت: إنسيّة، فلم يكلّمها كلمةً حتّى جلس منها مجلس الرَّجل من أهله - أي حاول الاعتداء عليها - فلمَّا أنْ هَمَّ بها اضطربت، فقال: ما لَكِ تضطربين؟ قالت: أَفْرُقُ من هذا - وأومأت بيدها إلى السَّماء - أي أنا أخاف الله من هذا العمل - قال: فصنعتِ من هذا شيئًا - هل لك عهدٌ بحالة الزنا - قالت: لا وعزّته - كلّ حياتي حياة طاعة وعفّة وخوف من الله - قال: فأنتِ تفرقين منه هذا الفَرَق ولم تصنعي من هذا شيئًا، وإنّما أسْتَكْرِهُكِ استكراهًا - مع أنّي بالإكراه أحاول فعل الفاحشة معك، ومع ذلك تخافين من الله، وأنتِ في ذلك معذورة - فأنا والله أولى بهذا الفَرَق والخوف - أنا مَنْ يجب أن أخاف من الله، لأنّني ما تركت معصية إلَّا وعملتها - وأحقُّ منكِ - موقف هذه المرأة هزَّ هذا الرَّجل من أعماقه. ونحن نقول دائمًا، إنّ في قلب الإنسان، مهما اقترف من المعاصي، نورًا يجب أي نكتشفه ونزيل عنه التراكمات ليهتدي إلى الحقّ. ولذلك - قام ولم يُحْدِثْ شيئًا - أي لم يباشر بفعل الزّنا مع المرأة، لأنّه عاد إلى الله وخاف منه - ورجع إلى أهله، وليست له همّةٌ إلَّا التَّوبة والمراجعة. فبينما هو يمشي، إذ صادفه راهبٌ يمشي في الطَّريق، فحميت عليهما الشَّمس، فقال الرَّاهب للشّابّ: ادعُ اللهَ يُظلّنا بغمامة، فقد حميت علينا الشَّمس، فقال الشّاب: ما أعلم أنّ لي عند ربّي حسنة فأتجاسر على أن أسأله شيئًا، قال: فأدعو أنا وتؤمّن أنت - أي تقول: آمين - قال: نعم، فأقبل الرَّاهب يدعو والشَّابّ يؤمّن، فما كان بأسرعَ من أن أظلّتهما غمامة، فمشيا تحتها مليًّا من النَّهار، فتفرّقت الجادة جادتين - فمشى الرَّاهب في طريق والشَّابّ في طريق آخر - فأخذ الشّابّ في واحدة، وأخذ الرَّاهب في واحدة، فإذا السَّحابة مع الشّابّ. فقال الرَّاهب: أنتَ خيرٌ منّي، لكَ اسْتُجِيب ولم يُسْتَجَبْ لي، فأخبرني ما قصَّتك؟ فأخبره بخبر المرأة، فقال: غُفِرَ لك ما مضى حيث دخلك الخوف، فانظر كيف تكون فيما تستقبل"(5).
رسالة إلى الشَّباب
وهذه القصَّة الَّتي تروى عن الإمام زين العابدين (ع) هي رسالة لكلّ الشَّباب من الرجال والنساء الَّذين يبتليهم الله سبحانه بالمعاصي نتيجة نقاط الضّعف الموجودة في نفوسهم، ونتيجة البيئة الفاسدة الَّتي عاشوا فيها، ونتيجة ضغط النَّفس الأمّارة بالسوء. هذه القصَّة رسالة: أيّها الشَّباب، إذا أردتم أن ترجعوا إلى الله، وتخافوا مقام ربِّكم، وتنهوا أنفسكم عن الهوى، فإنَّ الله يغفر ذنوبكم، ويطلب منكم أن تستأنفوا العمل من جديد.. فأيّة فرصة أعظم من هذه الفرصة وأنتم الآن بين يدي الله سبحانه؟ فاعرفوا كيف تعيشون الخوف من الله، لتتوبوا إليه، ولتفكّروا في أن تستقبلوا الطَّاعة من جديد.
وفي حديثٍ للإمام الصَّادق (ع) يقول: "إنَّ مما حُفِظَ من خطب النَّبيّ (ص) أنَّه قال: أيّها النَّاس! إنَّ لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإنَّ لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، ألا إنّ المؤمن يعمل بين مخافتين: بين أجلٍ قد مضى لا يدري ما الله صانعٌ فيه، وبين أجل قد بقى لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليأخذ العبد المؤمن من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشَّبيبة قبل الكِبَر، وفي الحياة قبل الممات، فوالَّذي نفس محمَّد بيده، ما بعد الدّنيا من مُسَتعْتَب، وما بعدها من دار إلَّا الجنَّة أو النّار"(6).
هذه هي المسألة؛ أن نفكّر أنَّ هناك عمرًا فارقناه، وقد عملنا فيه ولا ندري ما هي نتائجه، وهناك عمرٌ باقٍ لا ندري ماذا نعمل فيه، والقضيَّة كلّ القضيَّة، هي أنّ عمرنا رأس مالنا، وسنَفِدُ على ربنا، "الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَاب، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَل".
* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 04/04/1997م.
1-2-3-4-5-6: الكافي، ج2، ص73.