{إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}(سورة الزلزلة).
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}(الحجّ:1 - 2).
إيمان الشَّدائد
عندما يعيش النّاس، كما عشنا بعض اللَّحظات زلزال الأرض في بعض الثَّواني، يهرعون إلى الله ويذكرونه بعد غفلة طويلة طويلة، يعصونه فيها ويتمرّدون عليه ويبتعدون عنه سبحانه. وهم في مثل هذه الظَّاهرة الكونيَّة البسيطة التي تتحرّك من خلال ما أودعه الله في الأرض من عناصر تحرّكها، يشعرون بأنّهم لا يملكون أمام هذه الظَّاهرة أيّ وسيلة للدفاع.. فعندما يكون هناك قصفٌ، وقد جرّبناه، فهناك أكثر من وسيلة للدفاع والاختباء، ولكن إذا زُلزلت الأرض زلزالها، فأيُّ وسيلة للدفاع في هذا المجال؟ ليس للناس إلَّا العودة إلى الله تعالى.
وقد اعتدنا أن نهرع إلى الله في أوقات الشدّة ونتضرّع إليه ونتوسَّله، ونستحضر التَّوبة، ونقول: يا ربَّنا، نجّنا من هذه الشّدّة وسنشكرك ونطيعك.. ولكن عندما تزول الشّدّة، نرجع إلى غفلتنا ولهونا وعبثنا وعلاقاتنا، وننسى الله كما كنَّا نسيناه قبل وقوع الشدّة.
وقد حدّثنا الله تعالى عن هذه الحالة البشريَّة في مسألة نسيان الله وقت الرّخاء، والإقبال عليه وقت الشدّة: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ - يشعرون بالخطر حيث السَّفينة تهتزُّ بفعل الأمواج الهائلة والرياح العاصفة، وعند ذلك - دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ - من كُلِّ قلوبهم - لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}(يونس: 22)، نجّنا يا ربّ من هذا الخطر، وسوف نشكرك بأقوالنا وأفعالنا.
{فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ - نسوا الله، فبغوا واعتدوا وانحرفوا، وهم يظنّون أنَّهم يخدعون الله، وأنَّ الشّدَّة زالت، وأصبحت لهم الحريَّة في أن يفعلوا ما يشاؤون - يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ - إلى أين تذهبون؟ - مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}(يونس: 23).
الاستعدادُ للزّلزالِ الأكبر
وعلى هذا، فإنّ الله تعالى بهذا الزلزال الصَّغير، يذكّرنا بذلك الزلزال الكبير يوم القيامة، لنعيش التَّقوى والطَّاعة والشّكر له {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ - وأنتم تعرفون علاقة المرضعة بوليدها - وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى}، لم يشربوا خمرًا ليسكروا، ولكنَّها سكرة الهول والرَّهبة والخوف من ذلك الموقف العظيم.
وهكذا يحدّثنا الله في القرآن عن زلزال الأرض كلِّ الأرض {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا}، وهذا هو يوم الخروج الكبير، لا يبقى ميت تحت التراب إلَّا ويخرج {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}(يس:51 - 54). ويحضر الجميع بين يدي الله.. وهذا هو الموقف الَّذي يجب أن نتذكَّره.
إذًا، {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ - وهُوَ يتطلّع يمينًا وشمالًا - مَا لَهَا *- يتساءَل، ما الَّذي حدث؟ - يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا}، يوحي الله سبحانه إليها في هذا اليوم الَّذي يشهد هذا الزلزال العظيم، بأن تُخرج الأثقالَ من داخلها، حيث ورد في الحديث عن رسول الله (ص): "إنَّ الأرضَ لتخبرُ يومَ القيامةِ بِكلِّ عملٍ عُمِلَ على ظَهرِها"، فكما أنّ أعضاء الإنسان تشهد عليه، فإنّ الأرض كذلك تُخبر بما فُعِل على ظهرها.
وهكذا ورد في الحديث عن رسول الله (ص) وهو ينبّهنا من خلال هذه السورة (الزلزلة) إلى يوم القيامة: "إنَّ الدُّنيا عَرَضٌ حاضر - شيءٌ تحسّون به الآن، ولكنَّه غير ثابت - يأكل منها البَرُّ والفاجِر. ألَا إن الآخِرَة وَعْدٌ صادقٌ، يحكمُ فيها مَلِكٌ قادرٌ، يُحقُّ فيها الحقَّ ويبطل الباطل. أيُّها النَّاس، كونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإنَّ كُلَّ أمّ يتبعها ولدُها - فلنعمل الآن، ولنكن على حذرٍ من غضب الله وسخطه - فاعملوا وأنتم من اللهِ على حذرٍ، واعلموا أنَّكم معروضونَ على أعمالِكم، وأنَّكم مُلاقُو اللهِ، لا بدَّ لكم من ذلك".
لا بدَّ لنا أن نعيش هذه اليقظة الروحيَّة التي ننفتح فيها على الله، عندما نعيش مثلَ هذا الزلزال الأرضي، لنستحضر زلزال يوم القيامة، وكيف يكون موقفنا هناك، عندما نخرج من الأجداث كالجراد المنتشر لنقف بين يدي الله {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}[الزّلزلة: 7 - 8]. وعلينا أن ننظر فيما قدّمنا لغدنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(الحشر: 18).
زلازلُ الإيمانِ والمواقف
وكما أنَّ علينا أن ننتبه إلى زلزال الأرض، علينا أن ننتبه جيّدًا إلى زلزال العقل والقلب والواقع، لأنّ الإنسان قد يكون في حال الرّخاء في ثبات من إيمانه، وقد يكون في حال السّلم في قوَّة من موقفه، ولكن عندما تهتزّ الأمور والأوضاع والأطماع، عند ذلك، قد يخرج عن إيمانه وتوازنه ومواقفه.
وهذا ما حدَّثنا القرآن الكريم عنه: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}(الأحزاب: 10 - 11). كان هذا الزلزال النَّفسيّ الَّذي عاشه المسلمون من خلال الحصار الّذي فرضته القوى الشّركيّة واليهوديّة في موقعة الأحزاب، والَّذي أحاط بالمسلمين من كلِّ جانب، حيث عرف المشركون واليهود ما أصاب بعض المسلمين من وَهْن وخوف {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}(الأحزاب: 12).
الثَّبات سبيل النَّجاة
من هنا، لا بدَّ للإنسان من أن يؤكّد إيمانه وموقفه في داخل عقله وقلبه، حتَّى إذا جاءت الزلازل السياسيَّة والأمنيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، لم تخرجه عن توازنه، كما هو موقف المؤمنين الَّذين قد يعيشون الزلزال، ولكنَّ الله، وبسبب ثبات موقفهم، ينقذهم في نهاية المطاف {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}(البقرة: 214).
ولذلك، ينبغي أن نهتمَّ بما قد يحدث من زلزال نفسيّ أمام بعض الهزّات الاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والغريزيَّة، لأنَّ الإنسان إذا لم يثبت، وعاش الزلزالَ النفسيَّ والإيمانيَّ، فقد يفقد إيمانه ويخسر مصيره. وفي هذه الحالة، لا بدَّ أن نستعين بالله، لنعرف كيف نثبّت أقدامنا وقلوبنا {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}(إبراهيم:27).
ونحن في عالمنا هذا، نواجه الكثير من الزلازل الاجتماعيَّة والنفسيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة، كما نواجه بين وقت وآخر الزلازل الأرضيَّة. ولذلك، علينا أن نعيش الثَّبات بالله، والقوّة بالله، والأمل بالله، وهذا ما يجعلنا ننفتح على مصيرنا بين يديه سبحانه في رضوانه وخطِّ طاعته.
* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 28/03/1997م.
{إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}(سورة الزلزلة).
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}(الحجّ:1 - 2).
إيمان الشَّدائد
عندما يعيش النّاس، كما عشنا بعض اللَّحظات زلزال الأرض في بعض الثَّواني، يهرعون إلى الله ويذكرونه بعد غفلة طويلة طويلة، يعصونه فيها ويتمرّدون عليه ويبتعدون عنه سبحانه. وهم في مثل هذه الظَّاهرة الكونيَّة البسيطة التي تتحرّك من خلال ما أودعه الله في الأرض من عناصر تحرّكها، يشعرون بأنّهم لا يملكون أمام هذه الظَّاهرة أيّ وسيلة للدفاع.. فعندما يكون هناك قصفٌ، وقد جرّبناه، فهناك أكثر من وسيلة للدفاع والاختباء، ولكن إذا زُلزلت الأرض زلزالها، فأيُّ وسيلة للدفاع في هذا المجال؟ ليس للناس إلَّا العودة إلى الله تعالى.
وقد اعتدنا أن نهرع إلى الله في أوقات الشدّة ونتضرّع إليه ونتوسَّله، ونستحضر التَّوبة، ونقول: يا ربَّنا، نجّنا من هذه الشّدّة وسنشكرك ونطيعك.. ولكن عندما تزول الشّدّة، نرجع إلى غفلتنا ولهونا وعبثنا وعلاقاتنا، وننسى الله كما كنَّا نسيناه قبل وقوع الشدّة.
وقد حدّثنا الله تعالى عن هذه الحالة البشريَّة في مسألة نسيان الله وقت الرّخاء، والإقبال عليه وقت الشدّة: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ - يشعرون بالخطر حيث السَّفينة تهتزُّ بفعل الأمواج الهائلة والرياح العاصفة، وعند ذلك - دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ - من كُلِّ قلوبهم - لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}(يونس: 22)، نجّنا يا ربّ من هذا الخطر، وسوف نشكرك بأقوالنا وأفعالنا.
{فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ - نسوا الله، فبغوا واعتدوا وانحرفوا، وهم يظنّون أنَّهم يخدعون الله، وأنَّ الشّدَّة زالت، وأصبحت لهم الحريَّة في أن يفعلوا ما يشاؤون - يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ - إلى أين تذهبون؟ - مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}(يونس: 23).
الاستعدادُ للزّلزالِ الأكبر
وعلى هذا، فإنّ الله تعالى بهذا الزلزال الصَّغير، يذكّرنا بذلك الزلزال الكبير يوم القيامة، لنعيش التَّقوى والطَّاعة والشّكر له {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ - وأنتم تعرفون علاقة المرضعة بوليدها - وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى}، لم يشربوا خمرًا ليسكروا، ولكنَّها سكرة الهول والرَّهبة والخوف من ذلك الموقف العظيم.
وهكذا يحدّثنا الله في القرآن عن زلزال الأرض كلِّ الأرض {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا}، وهذا هو يوم الخروج الكبير، لا يبقى ميت تحت التراب إلَّا ويخرج {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}(يس:51 - 54). ويحضر الجميع بين يدي الله.. وهذا هو الموقف الَّذي يجب أن نتذكَّره.
إذًا، {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ - وهُوَ يتطلّع يمينًا وشمالًا - مَا لَهَا *- يتساءَل، ما الَّذي حدث؟ - يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا}، يوحي الله سبحانه إليها في هذا اليوم الَّذي يشهد هذا الزلزال العظيم، بأن تُخرج الأثقالَ من داخلها، حيث ورد في الحديث عن رسول الله (ص): "إنَّ الأرضَ لتخبرُ يومَ القيامةِ بِكلِّ عملٍ عُمِلَ على ظَهرِها"، فكما أنّ أعضاء الإنسان تشهد عليه، فإنّ الأرض كذلك تُخبر بما فُعِل على ظهرها.
وهكذا ورد في الحديث عن رسول الله (ص) وهو ينبّهنا من خلال هذه السورة (الزلزلة) إلى يوم القيامة: "إنَّ الدُّنيا عَرَضٌ حاضر - شيءٌ تحسّون به الآن، ولكنَّه غير ثابت - يأكل منها البَرُّ والفاجِر. ألَا إن الآخِرَة وَعْدٌ صادقٌ، يحكمُ فيها مَلِكٌ قادرٌ، يُحقُّ فيها الحقَّ ويبطل الباطل. أيُّها النَّاس، كونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإنَّ كُلَّ أمّ يتبعها ولدُها - فلنعمل الآن، ولنكن على حذرٍ من غضب الله وسخطه - فاعملوا وأنتم من اللهِ على حذرٍ، واعلموا أنَّكم معروضونَ على أعمالِكم، وأنَّكم مُلاقُو اللهِ، لا بدَّ لكم من ذلك".
لا بدَّ لنا أن نعيش هذه اليقظة الروحيَّة التي ننفتح فيها على الله، عندما نعيش مثلَ هذا الزلزال الأرضي، لنستحضر زلزال يوم القيامة، وكيف يكون موقفنا هناك، عندما نخرج من الأجداث كالجراد المنتشر لنقف بين يدي الله {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}[الزّلزلة: 7 - 8]. وعلينا أن ننظر فيما قدّمنا لغدنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(الحشر: 18).
زلازلُ الإيمانِ والمواقف
وكما أنَّ علينا أن ننتبه إلى زلزال الأرض، علينا أن ننتبه جيّدًا إلى زلزال العقل والقلب والواقع، لأنّ الإنسان قد يكون في حال الرّخاء في ثبات من إيمانه، وقد يكون في حال السّلم في قوَّة من موقفه، ولكن عندما تهتزّ الأمور والأوضاع والأطماع، عند ذلك، قد يخرج عن إيمانه وتوازنه ومواقفه.
وهذا ما حدَّثنا القرآن الكريم عنه: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}(الأحزاب: 10 - 11). كان هذا الزلزال النَّفسيّ الَّذي عاشه المسلمون من خلال الحصار الّذي فرضته القوى الشّركيّة واليهوديّة في موقعة الأحزاب، والَّذي أحاط بالمسلمين من كلِّ جانب، حيث عرف المشركون واليهود ما أصاب بعض المسلمين من وَهْن وخوف {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}(الأحزاب: 12).
الثَّبات سبيل النَّجاة
من هنا، لا بدَّ للإنسان من أن يؤكّد إيمانه وموقفه في داخل عقله وقلبه، حتَّى إذا جاءت الزلازل السياسيَّة والأمنيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، لم تخرجه عن توازنه، كما هو موقف المؤمنين الَّذين قد يعيشون الزلزال، ولكنَّ الله، وبسبب ثبات موقفهم، ينقذهم في نهاية المطاف {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}(البقرة: 214).
ولذلك، ينبغي أن نهتمَّ بما قد يحدث من زلزال نفسيّ أمام بعض الهزّات الاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والغريزيَّة، لأنَّ الإنسان إذا لم يثبت، وعاش الزلزالَ النفسيَّ والإيمانيَّ، فقد يفقد إيمانه ويخسر مصيره. وفي هذه الحالة، لا بدَّ أن نستعين بالله، لنعرف كيف نثبّت أقدامنا وقلوبنا {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}(إبراهيم:27).
ونحن في عالمنا هذا، نواجه الكثير من الزلازل الاجتماعيَّة والنفسيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة، كما نواجه بين وقت وآخر الزلازل الأرضيَّة. ولذلك، علينا أن نعيش الثَّبات بالله، والقوّة بالله، والأمل بالله، وهذا ما يجعلنا ننفتح على مصيرنا بين يديه سبحانه في رضوانه وخطِّ طاعته.
* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 28/03/1997م.