في هذه المقابلة الَّتي أُجريت مع سماحته بتاريخ 13 نيسان/أبريل 2009م، يجيب سماحة المرجع السيّد محمَّد حسين فضل الله (رض) عن أسئلة طلَّاب المعهد العربيّ. يتحدَّث عن نشأته في النَّجف، حيث تأثَّر ببيئة علميَّة وثقافيَّة غنيَّة، وعن اهتمامه بقضايا لبنان، كما يجيب عن أسئلة تتعلَّق بطبيعة العلاقة بين الدّين والسياسة، طارحًا رؤيته حول الوحدة الإسلاميَّة والمواطنة، وصولًا إلى الحديث عن دور المرأة في المجتمع...
وهذا نصّ المقابلة:
تأثير البيئة في النَّشأة
س: ما تأثير البيئة العائليَّة والجنوبيَّة في نشأتكم ونزوعكم للعلوم الدينيَّة؟
ج: أنا من عائلة لبنانيَّة جنوبيَّة من بلدة عيناثا التَّابعة لقضاء بنت جبيل، ومن عائلة علميَّة، فأبي وأجدادي كانوا من علماء الدّين الَّذين يملكون الامتداد الفقهي والديني في مجتمعاتهم.
وقد وُلدت في النجف الأشرف في العراق، لأنَّ والدي بقي مدَّة ثلاثين سنة في النَّجف. والنَّجف تمثّل الحوزة العلميَّة الشيعيَّة الَّتي يتلقَّى فيها علماء الشيعة دراساتهم الفقهيَّة والفلسفيَّة من سائر أنحاء العالم، وكان والدي أيضًا من مدرّسي هذه الحوزة ومن العلماء المجتهدين.
ومن الطبيعي أنَّ هذه البيئة العامَّة والخاصَّة تركت تأثيرها على تطلّعاتي، ولذلك بدأت دراساتي في الحوزة العلميَّة في وقت مبكر، وكنت في الثَّانية عشرة من عمري.
وفي الوقت نفسه، كانت النَّجف تمثّل المركز الثقافيَّ الأدبيَّ الَّذي يتنفَّس فيه الإنسان الشّعر والأدب. ومن هنا، كانت انطلاقتي من البيئة العراقيَّة النَّجفيَّة الَّتي خرَّجت كثيرًا من الشّعراء الكبار، كمحمَّد مهدي الجواهري، ومحمَّد سعيد الحبوبي، والشَّيخ علي الشَّرقي، وغيرهم.
كما أنَّ عائلتي، عائلة فضل الله، أيضًا عائلة شاعرة، ولذلك بدأت نظم الشّعر في سنّ العاشرة، حتّى إنَّني في سنّ الثّانية عشرة، كانت لي قصيدة في فلسطين في العام 1947، أقول فيها:
دافعوا عن حقّنا المغتصَبِ في فلسطين بحدّ القُضُبِ
واذكروا عهدَ صلاحٍ حينما هبّ فيها طاردًا للأجنبي
وقد كنت أشارك مبكرًا في النَّوادي النجفيَّة والاحتفالات، وألقي فيها الشّعر. وهكذا كنت، إلى جانب دراساتي الفقهيَّة، أشارك في الحركة الثقافيَّة الأدبيَّة، لأنَّني كنت في ذلك الوقت منفتحًا على العصر، حيث كنت أقرأ المجلَّات الثَّقافيَّة المصريَّة، كمجلَّة "الكاتب المصري" لطه حسين، وإصدارات عادل الغضبان، ومجلّة "الرسالة" لأحمد حسن الزّيَّات، وكنت أيضًا أتابع الحركة الشّعريَّة في مصر وفي لبنان كما في العراق.
ولذلك نشأت في النَّجف داخل الحوزة نشأة معاصرة، ولم أكن تقليديًّا في ذلك الوقت. كما أنَّني كنت أيضًا، من الناحية الإسلاميَّة، وحدويًّا، وأذكر أنَّ أوَّل سفرة جئت فيها إلى لبنان كانت سنة 1952، وشاركت فيها بقصيدتي في ذكرى أربعين المرحوم السيّد محسن الأمين، دعوت فيها إلى الوحدة الإسلاميَّة، وما زلت من دعاة الوحدة الإسلاميَّة حتَّى الآن.
لذلك، هذا المزيج من التَّأثير العلمي الدّيني الثَّقافي الإسلامي في الأفق المعاصر، ساهم في بناء شخصيَّتي الَّتي بدأت تزداد من خلال التجربة الَّتي أعيشها، لأنَّني أرى أنَّ الإنسان عندما يكون داعية إسلاميًّا ومسؤولًا إسلاميًّا، فلا بدَّ له أن يتطلَّع إلى العالم الإسلاميّ بكلّ خطوطه السياسيَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة والأمنيَّة، لأنَّ الإسلام ينفتح على العالم كلّه في هذا المجال.
أرض العلم والعلماء
س: لماذا كان جبل عامل ولا يزال موطن علماء الدين والأدب والشّعر والثقافة العامَّة؟
ج: كانت منطقة جبل عامل هي المنطقة الَّتي أثبتت أصالتها وحضورها العلميّ الفقهيّ والأدبيّ. ولذلك، فقد كانت مسألة تخصّص علماء الدّين في جبل عامل منفتحة على أكثر من قرية من قراه، وكانت هناك مدارس دينيّة في أكثر من بلدة، في بنت جبيل وحناويه وعيناتا وغيرها.
وقد تخرَّج منها كبار العلماء، وكان العلماء يتحركون في البلاد الإسلاميَّة الأخرى، فمنهم من كان يسافر إلى مصر، وإلى إيران والعراق، ليتلمّذ على علمائها. وقد استطاعت الحركة العلميَّة في جبل عامل أن تنتج علماء كبارًا تركوا تأثيرًا واسعًا في إيران، كالشَّيخ البهائي، والشَّيخ الحرّ العاملي، والمحقّق الكركي، وغيرهم، وأيضًا كانوا يسافرون الى العراق ليتخصّصوا فيها، وقد استطاعت الحوزة النجفيَّة أن تنتج علماء كبارًا في الماضي والحاضر.
علوم الدّين وعلوم الدّنيا
س: هل يمكن المواءمة بين علوم الدين وعلوم الدنيا؟
ج: أنا لا أعتقد أنَّ قضيَّة العلم تعيش في دائرة ضيّقة، فالدّين يمثّل في امتداداته الثَّقافة المنفتحة على العقيدة والشَّريعة، وعلى المفاهيم الإسلاميَّة للحياة. وقد أكَّد القرآن الكريم قيمة العلم والعقل كقيمة إسلاميَّة وإنسانيَّة، وذلك قوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}[الزّمر: 9]. وكذلك أكَّد القرآن الكريم ضرورة أن لا يقتصر الإنسان على درجة معيَّنة من العلم، بل أن يتصاعد من درجة إلى أخرى، وهذا قول الله: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}[طه: 114].
فالإنسان لا بدَّ أن يستزيد من العلم كلما انطلق إلى موقع من مواقعه. ونحن نعرف أنَّ الإنسان لا يستطيع أن يعرف عظمة الله إلَّا من خلال معرفة عظمة الخلق وأسراره، وهذا يجعله ينفتح على كلّ أسرار الحياة، وكلّ قضايا الواقع وقضايا الإنسان، ما يجعله ينفتح على الواقع العلمي.
لذلك، يشجّع الإسلام الإنسان على أن يأخذ بعلوم الدّين كما يأخذ بعلوم الحياة، باعتبار مسؤوليَّة الإنسان المسلم عن الحياة كلّها، ولا يستطيع أن يقوم بهذه المسؤوليَّة إلَّا إذا كان مثقَّفًا بكلّ خطوطها ومفرداتها.
الدّين والسّياسة
س: لماذا يُؤخذ على رجال الدّين التّدخّل في السّياسة؟
ج: السّياسة هي دين، والدّين سياسة، فنحن نقرأ في القرآن الكريم: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}[الحديد: 25]. فأساس الرّسالات كلّها في كلّ حركة الأنبياء هو إقامة العدل بين النَّاس. وعندما نريد أن نقيم العدل بين النَّاس، فهل يمكن أن يكون العدل بدون سياسة؛ عدل الحاكم مع النَّاس، عدل النَّاس بعضهم مع بعض، عدل القانون...؟
والسّياسة تتمثّل بهذه العناوين، لأنَّ السّياسة في أصالتها الإنسانيّة تمثّل الوسيلة الّتي يُراد من خلالها تدبير أمور النَّاس، ورفع مستواهم، وحفظ نظام الحياة عندهم، وحفظ علاقاتهم بعضهم مع بعض، وحفظ حرّيّاتهم، والأخذ أيضاً بأسباب العزّة والكرامة وما إلى ذلك، وهذا لا يمكن أن يتحقَّق بدون سياسة.
أمَّا سياسة اللّعب على الحبال، فهذه ليست سياسة، هذه شيطنة. ولذلك نحن نقول: السّياسة بالمعنى الإنسانيّ هي في عمق الدّين، ولكنَّ السّياسة بالمعنى الشّيطانيّ بعيدة من الدّين. وكلّ مَن يأخذ بالسّياسة الّتي تغشّ النّاس وتخدعهم وتستغلّ سذاجتهم وحاجاتهم، فإنّه يأخذ بالسياسة الشيطانيّة، وصاحبها شيطان.
مشكلة الطّائفيّة في لبنان
س: كيف يمكن تحقيق المواءمة في لبنان بين السياسة وتعدّد الأديان والمذاهب؟
ج: مشكلة لبنان أنّه لا دين له، بل هو طائفيّ، والطّائفيَّة عشائريّة؛ فهناك عشيرة المسلمين، وعشيرة المسيحيّين، وعشيرة السنَّة، وعشيرة الشّيعة، وعشيرة الموارنة، وعشيرة الكاثوليك، إلى آخره... إنَّ بعض المسلمين أو المسيحيّين قد يكونون ملحدين، ولكنَّهم يستغلّون الإسلام أو المسيحيّة كلافتة، كما يستغلّ البعض التّشيّع كلافتة، والتّسنّن كلافتة أيضاً، وهكذا الأمر في الكاثوليكيّة والبروتستانتيّة والأرثوذكس.
أنا كنت أقول إنَّ الطّائفيّة طبل منفوخ، يدقّ عليه الطّائفيّون ليجتمعوا عليه، عندما تدقّ طبول الطّوائف وطبول المذاهب الّتي تثير العصبيّات في هذا المجال.
بعض النّاس يقولون إنَّ مشكلة لبنان هي الدّين، وأنا أقول إنَّ مشكلة لبنان هي اللّادين، لأنّه - مع الأسف - هناك بعض المشايخ وبعض القسس يتحرّكون من خلال أطماعهم، ومن خلال تبعيّتهم للسّياسيّين، لا من خلال القيم الرّوحيّة الأخلاقيّة الدّينيّة.
ولذلك نحن نقول إنَّ علينا أن ننقل لبنان من النّظام الطّائفيّ إلى نظام المواطنة، لأنَّ النّظام الطّائفي هو سرّ مشاكل لبنان وسرّ تدخّل الآخرين فيه، حتّى إنّني قلت بأنَّ النّظام الطّائفيّ الّذي جعل كلّ طائفة مستقلّة في مناطقها، وفي رجال دينها، وفي رجال سياستها واقتصادها، جعل من لبنان "ولايات غير متَّحدة". ولذا نحن ندعو إلى المواطنة، بمعنى أن يأخذ اللّبنانيّ حقوقه كمواطن، ويتحمَّل مسؤوليّته كمواطن.
دور المرأة في السياسة
س: لماذا لا تُعطى المرأة حقّها بالمشاركة في العمل السّياسيّ، طالما أنَّ هناك نساء يترأّسن الدّول، ويستلمن وزارات ومناصب عالية في السّياسة والعلوم والإدارة والدّفاع؟
ج: لقد أفتينا بأنَّ من حقّ المرأة أن يكون لها كلّ الأدوار، سواء كانت سياسيّة، أو ثقافيّة، أو تربويّة، أو اجتماعيّة، أو اقتصاديّة، وحتّى الأمنيّة في بعض الحالات. إنَّ الأمومة تمثّل دوراً حيويّاً للمرأة، كما أنَّ الأبوّة تمثّل دوراً حيويّاً للرّجل، ولكن كما أنَّ الرّجل لا يقتصر في دوره على الأبوَّة، كذلك المرأة لا تقتصر في دورها على الأمومة. للمرأة الحقّ في أن تشارك في كلّ النّشاط الّذي يفرضه الوطن أو تفرضه الأمَّة على الشّعب الّذي يتحرّك من أجل بناء شخصيَّته وبناء حياته على الأساس القويّ الثّابت الحرّ العزيز الكريم.
الوحدة وتجاوز الخلافات
س: إنّ الاختلاط الاجتماعيّ بين السنّة والشّيعة ازداد منذ نصف قرن حتّى الآن، بما جعل هاتين الكتلتين المذهبيّتين كتلة اجتماعيّة واحدة في الزّيجات والتّجاور والعمل والفكر السّياسيّ والاقتصاد، ومع ذلك، لم نشعر بهذا الشّرخ السّياسيّ في الماضي كما نشعر به الآن، فما السَّبب؟
ج: عندما نتحدَّث عن لبنان، نجد أنَّ هناك بعض الزّعامات السّياسيّة تحاول أن تستفيد من إثارة المذهبيَّة في الدّاخل الإسلاميّ، من أجل تحريك عصبيّات النّاس المذهبيَّة، ليجتمع النّاس حول هذا أو حول ذاك، باعتبار أنّه هو الّذي يدافع عن السنّة أو يدافع عن الشّيعة في هذا الموضوع، ما يؤدّي إلى خلق عصبيّة طائفيّة سوداء، يستحلّ الشّيعيّ فيها الإضرار بالسّنيّ، ويستحلّ السّنيّ الإضرار بالشّيعيّ.
في سنة 1985، ألقيتُ محاضرةً في جمعيّة خرّيجي المقاصد الإسلاميّة بعنوان: "الوحدة الإسلاميّة بين الواقع والمثال"، وذكرتُ فيها أنّ من الوسائل الّتي يمكن أن تسهم في تخفيف الاحتقان بين المذهبين، انتشار الزّيجات المختلطة بين السنّة والشّيعة، لأنّ الإنسان عندما يصبح صهرًا لعائلة من المذهب الآخر، يقترب من واقعها، ويطّلع على حقيقة حياتها وتفاصيلها، فيكتشف بنفسه زيف كثيرٍ من الأكاذيب والصّور النَّمطيّة الّتي تُروَّج عن هذه الطّائفة أو تلك، فلا يعود يصدّقها، لأنّه يصبح جزءًا من هذه البيئة ويعرف حقيقتها معرفةً ميدانيّة مباشرة. وأعتقد أنّ لبنان يتميّز بأنَّ المصاهرات المختلطة بين السنّة والشّيعة بلغت حدًّا جعلها تمثّل ظاهرةً إسلاميّةً لافتةً في هذا المجال.
المشكلة هي العصبيّة السياسيّة الّتي تحاول أن تجعل من المذهبيّة نهجًا سياسيًّا، ولهذا نجد مثلاً أنّ بعض الشّيعة يسيئون إلى الصّحابة، وبعض السنّة يكفّرون الشّيعة.. وهكذا تتحرَّك هذه المسائل في المناسبات الدّينيّة في هذا المجتمع أو ذاك المجتمع، لأنَّ المشكلة عندنا أنّنا نعيش في الماضي ولا نعيش في الحاضر، والله تعالى يقول: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[البقرة: 134]. هم كانت لهم تكاليفهم ومسؤوليّاتهم الّتي يتحمّلونها أمام الله، وعليكم أن تكون لكم مسؤوليّاتكم، هم صنعوا النّصر فاصنعوا نصركم، وصنعوا الهزيمة فتجاوزوا هزيمتكم في هذا المجال.
فالمشكلة أنّنا نعيش في الماضي، ونحاول أن ننقل خلافاته إلى الواقع الحاضر والمستقبل.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإنَّ الاستكبار العالميّ، وفي مقدّمه أمريكا وأوروبَّا، وبعض الأنظمة الحاكمة في البلاد العربيّة والإسلاميّة، يحاولون أن يثيروا العصبيّات السنيّة والشّيعيّة تحت عنوان "فرّق تسد"، من أجل أن لا يبقى العالم العربيّ والعالم الإسلاميّ مستقرًّا، بل تحكمه خلافات الماضي، حتّى ينسى تحدّيات الحاضر والمستقبل.
حرّيّة المرأة
س: لقد أطلقتم سماحتكم مواقف متجدّدة لتحرير الإنسان، ولا سيّما المرأة، ونحن نشعر أنّكم تملكون من القناعة الاجتماعيّة والشّرعيّة والأخلاقيّة ما يجعلكم قادرين على إطلاق المزيد من المواقف المتقدّمة حول حرّيّة المرأة؟
ج: نحن نحدّد الحرّيّة بما يجعل من المرأة إنسانًا، بحيث يرتفع بإنسانيّته إلى أن يكون عقله كبيراً، وقلبه منفتحاً على الخير، وطاقته منفتحة على العدل وعلى ما يغني الإنسان في الحياة، لأنَّ للمرأة شخصيّتين: شخصيّة الإنسان، وشخصيّة الأنثى. ولذلك نحن نريد للمرأة أن تنطلق كإنسان له عقلٌ يفكّر، وله قلبٌ ينبض بالخير، وله طاقةٌ تتحرَّك من أجل رفع مستوى المجتمع. أمَّا شخصيّة الأنثى، فهي شخصيَّة في دائرة معيَّنة، في دائرة الحياة الزّوجيَّة، أو في دائرة المجتمعات النّسائيّة الخاصَّة. أمَّا دور الأنثى في المجتمع المختلط، فأنتنّ تعرفن أنَّ المجتمع ينظر إلى المرأة كجسد، ولا ينظر إليها كعقل. ومن هنا فإنَّ الحجاب في الإسلام ليس انتقاصاً من كرامة المرأة، بل هو نوع من أنواع احترامها، أن تتحرَّك في المجتمع من دون أن تكون عنصراً من عناصر الإثارة والاشتهاء وما إلى ذلك، كما تعرفونه حتّى على المستوى الجامعيّ، وحتّى على المستويات العامّة في هذا المجال. كما أنَّ الرّجل له شخصيّتان: شخصيّة الإنسان الَّذي ينفتح فيها عقله وقلبه وطاقاته، وشخصيّة الذّكر، والّتي هي شخصيّة خاصّة في الحياة الزّوجيَّة. أمَّا شخصيّة الإنسان، فهي عامَّة للحياة كلّها.
ولذلك فنحن نؤكّد أنَّ المرأة إنسان كالرّجل؛ عقلها كعقله، وطاقاتها كطاقاته، بل ربّما تتفوّق عليه في طاقاتها عندما تحرّكها في سبيل العلم.
ولذلك نحن نؤمن بحرّيّة المرأة، ولكن في الأطر الأخلاقيّة، تماماً كما نؤمن بحرّيّة الرّجل في الأطر الأخلاقيّة. إنَّ الأخلاق ليست ضريبة مفروضة على المرأة، بل هي منفتحة على المرأة والرّجل، لأنّها للإنسان كلّه، وإنَّ القيم الرّوحيَّة والأخلاقيّة هي قيمٌ من أجل تأصيل إنسانيَّة الإنسان.
* مقابلة طلّاب المعهد العربي مع سماحته، بتاريخ: 13/04/2009م.