"خميني لبنان يتكلَّم"، هذا كان عنوان الغلاف الخارجيّ لمجلَّة النَّهار العربي والدّولي الَّتي كانت تصدر في ثمانينيات القرن الماضي، يومها أجرى جبران تويني وزملاؤه أوسع حوار مع العلَّامة السيّد محمَّد حسين فضل الله.
لم يكن تشبيهه له بالخميني لمجرَّد استفزاز القارئ والترويج لمجلَّته، فهو وإن لم يقُد ثورة شعبيَّة كما فعل الإمام الخميني في إيران، إلَّا أنَّه قاد ثورة فكريَّة على مستوى لبنان والمنطقة العربيَّة، أرست قواعد ثقافيَّة وسياسيَّة لأكثر من جيل على مدى ما يزيد على أربعين عامًا. لقد فتح العلَّامة السيّد فضل الله أبواب الحوار على مصاريعها مع كلّ أطياف المجتمع العربي، مع تنوّع انتماءاتهم السياسيَّة والعقائديَّة والفكريَّة.
كان يؤمن بقوَّة الفكر الَّذي يحمله الدّين الإسلاميّ، وخصوصًا الفكر الإماميّ، لذا لم يخشَ محاورة أيّ مجلَّة أو إذاعة أو قناة تلفزيونيَّة لبنانيَّة أو عربيَّة أو أجنبيَّة. ويمكن وصف ردوده وكلماته بالسَّهل الممتنع الَّذي يفهمه الجميع، وهو يُمرّر من خلاله رسائله السياسيَّة والدينيَّة الَّتي يؤمن بها. ولطالما زارته وفود وشخصيَّات عربيَّة وأوروبيَّة وأمريكيَّة، وإسلاميَّة ومسيحيَّة، لتنهل من فكره العلميّ، وتستقي منه رؤيته الدّينيَّة والسياسيَّة والفكريَّة الَّتي أذهلت الجميع بعمقها وسلاسة بيانها وقوَّة منطقها.
لقد شكَّل العلَّامة فضل الله حالة دينيَّة وسياسيَّة وفكريَّة جعلته مقصدًا لكلّ من أراد فهم الفكر الإسلاميّ ومنطلقاته الأصيلة في مواجهة قضايا المجتمع المعاصر. وبينما كانت محاضراته تتَّسم بالدعوة إلى الفهم الحقيقي للدين، كان يربط ذلك كلّه بالدور الأهمّ للدين، وهو خدمة النَّاس وبناء الإنسان الصالح. لذا كان يُشدّد في كلماته على الإنسان بغضّ النظر عن طائفته ودينه، فشكّل حالة فريدة أحبَّها الناس جميعًا بمختلف اتجاهاتهم الدينيَّة.
ومع دعوته إلى الحوار والانفتاح على الآخر الديني والسياسي والاجتماعي، فقد كان موقفه صريحًا وواضحًا ضدّ العدو الصهيوني، وساند حركة مقاومته منذ اليوم الأوَّل للاجتياح عام 1982. وكانت المجموعات الأولى التي تصدّت للاحتلال على أطراف بيروت والضَّاحية من الشباب الَّذين تربّوا على محاضراته وكلماته وأقواله. وهو لم يخفِ يومًا وقوفه إلى جانب كلّ المقاومين بكلّ أطيافهم، وكان المرجع والسَّند لهم. وأصبح مسجد الإمام الرّضا في بئر العبد، الَّذي كان يؤمّ الصلاة فيه يوميًّا، مركزًا لتخريج المقاومين وملتقاهم. لذا كان الإعلام الغربي كثيرًا ما يُطلق عليه صفة المرشد الروحيّ للمقاومة. كذلك رفع الصَّوت ضدّ نظام القمع والظّلم اللّبناني برئاسة أمين الجميّل، وبعد توقيع اتفاق الذلّ مع العدوّ الصهيوني في 17 أيَّار من العام 1983، كان من القلائل الذين صدح صوتهم ضدّ هذا الاتفاق. ويومها أعلن رفضه له، ودعا إلى اعتصام في مسجد الإمام الرّضا، وألقى كلمة حقّ بوجه كلّ الظَّالمين المحلّيّين والخارجيّين. وكانت المواجهة التي أطلق فيها جيش أمين الجميّل النار على المعتصمين، وأدَّت إلى استشهاد الشَّهيد محمَّد نجدي وإصابة العشرات، فكان هذا الاعتصام الشَّرارة الَّتي أطلقت موجة من الرفض على مستوى لبنان، وما لبثت أن أسقطت هذا الاتّفاق المشؤوم.
كان العلَّامة فضل الله ينظر إلى أمريكا باعتبارها مصدر مآسي المنطقة العربيَّة، وجهد دومًا في تبيان مواقفها المعادية للمسلمين، مع التفريق بين السلطة والحكم فيها وبين الشعب الأمريكي الذي يكنّ له كلّ احترام وودّ ومحبَّة. وكان السند والدَّاعم القوي لثورة الإمام الخميني في إيران، وصوتها النّاطق في الإعلام العربّي، ولم يتوقَّف يومًا عن الدفاع عنها أثناء الحرب الظَّالمة عليها من قبل صدَّام حسين وحلفائه، وأمريكا والدول الأوروبيَّة الدَّاعمة له. وبقي على هذا النهج حتَّى رحيله، مساندًا وناصحًا ومؤيّدًا. لكن كعادة الظّلاميّين الَّذين لا يتحمّلون نور الفكر المشعّ على أرجاء العالم العربي، حاولوا اغتياله بسيَّارة مفخَّخة أودت بحياة حوالي مئة شهيد، ونجا منها بعناية ولطف من الله تعالى ودعاء المؤمنين.
لقد عمد العلَّامة فضل الله إلى إنشاء مجموعة من المؤسَّسات التربوية والتعليمية والاستشفائية والحوزويَّة والاجتماعية، فحضن الأيتام، وساعد المحتاجين، وكان عونًا للفقراء، يوصل ليله بنهاره للسَّهر على المجتمع الَّذي طالما سعى لنهضته ومنعته واقتداره، كما ترك إرثًا علميًّا ضخمًا في مختلف مجالات العلوم الإسلاميَّة كرفاقه من المراجع العلميَّة والمجتهدين.
إذا ما نظرنا اليوم إلى المتصدّين للشَّأن العام السياسي والاجتماعي، نجد أنَّ جلّهم من خرّيجي مدرسته الفكريَّة، سواء من العلماء أو النواب أو الوزراء أو مؤسّسي الدور العلميَّة والثَّقافيَّة والفكريَّة.
في ذكرى رحيله، لبنان بأمسّ الحاجة إلى من يحمل فكره، ويسير على نهجه المقاوم للاحتلال، الدَّاعي إلى الحوار بين أبناء الوطن الواحد، المنفتح بأفكاره لجمع شمل اللّبنانيّين وتوحيدهم لما فيه مصلحة وطنهم وشعبهم.
* موقع الحوارنيوز، بتاريخ: 3 تمّوز 2026م.
"خميني لبنان يتكلَّم"، هذا كان عنوان الغلاف الخارجيّ لمجلَّة النَّهار العربي والدّولي الَّتي كانت تصدر في ثمانينيات القرن الماضي، يومها أجرى جبران تويني وزملاؤه أوسع حوار مع العلَّامة السيّد محمَّد حسين فضل الله.
لم يكن تشبيهه له بالخميني لمجرَّد استفزاز القارئ والترويج لمجلَّته، فهو وإن لم يقُد ثورة شعبيَّة كما فعل الإمام الخميني في إيران، إلَّا أنَّه قاد ثورة فكريَّة على مستوى لبنان والمنطقة العربيَّة، أرست قواعد ثقافيَّة وسياسيَّة لأكثر من جيل على مدى ما يزيد على أربعين عامًا. لقد فتح العلَّامة السيّد فضل الله أبواب الحوار على مصاريعها مع كلّ أطياف المجتمع العربي، مع تنوّع انتماءاتهم السياسيَّة والعقائديَّة والفكريَّة.
كان يؤمن بقوَّة الفكر الَّذي يحمله الدّين الإسلاميّ، وخصوصًا الفكر الإماميّ، لذا لم يخشَ محاورة أيّ مجلَّة أو إذاعة أو قناة تلفزيونيَّة لبنانيَّة أو عربيَّة أو أجنبيَّة. ويمكن وصف ردوده وكلماته بالسَّهل الممتنع الَّذي يفهمه الجميع، وهو يُمرّر من خلاله رسائله السياسيَّة والدينيَّة الَّتي يؤمن بها. ولطالما زارته وفود وشخصيَّات عربيَّة وأوروبيَّة وأمريكيَّة، وإسلاميَّة ومسيحيَّة، لتنهل من فكره العلميّ، وتستقي منه رؤيته الدّينيَّة والسياسيَّة والفكريَّة الَّتي أذهلت الجميع بعمقها وسلاسة بيانها وقوَّة منطقها.
لقد شكَّل العلَّامة فضل الله حالة دينيَّة وسياسيَّة وفكريَّة جعلته مقصدًا لكلّ من أراد فهم الفكر الإسلاميّ ومنطلقاته الأصيلة في مواجهة قضايا المجتمع المعاصر. وبينما كانت محاضراته تتَّسم بالدعوة إلى الفهم الحقيقي للدين، كان يربط ذلك كلّه بالدور الأهمّ للدين، وهو خدمة النَّاس وبناء الإنسان الصالح. لذا كان يُشدّد في كلماته على الإنسان بغضّ النظر عن طائفته ودينه، فشكّل حالة فريدة أحبَّها الناس جميعًا بمختلف اتجاهاتهم الدينيَّة.
ومع دعوته إلى الحوار والانفتاح على الآخر الديني والسياسي والاجتماعي، فقد كان موقفه صريحًا وواضحًا ضدّ العدو الصهيوني، وساند حركة مقاومته منذ اليوم الأوَّل للاجتياح عام 1982. وكانت المجموعات الأولى التي تصدّت للاحتلال على أطراف بيروت والضَّاحية من الشباب الَّذين تربّوا على محاضراته وكلماته وأقواله. وهو لم يخفِ يومًا وقوفه إلى جانب كلّ المقاومين بكلّ أطيافهم، وكان المرجع والسَّند لهم. وأصبح مسجد الإمام الرّضا في بئر العبد، الَّذي كان يؤمّ الصلاة فيه يوميًّا، مركزًا لتخريج المقاومين وملتقاهم. لذا كان الإعلام الغربي كثيرًا ما يُطلق عليه صفة المرشد الروحيّ للمقاومة. كذلك رفع الصَّوت ضدّ نظام القمع والظّلم اللّبناني برئاسة أمين الجميّل، وبعد توقيع اتفاق الذلّ مع العدوّ الصهيوني في 17 أيَّار من العام 1983، كان من القلائل الذين صدح صوتهم ضدّ هذا الاتفاق. ويومها أعلن رفضه له، ودعا إلى اعتصام في مسجد الإمام الرّضا، وألقى كلمة حقّ بوجه كلّ الظَّالمين المحلّيّين والخارجيّين. وكانت المواجهة التي أطلق فيها جيش أمين الجميّل النار على المعتصمين، وأدَّت إلى استشهاد الشَّهيد محمَّد نجدي وإصابة العشرات، فكان هذا الاعتصام الشَّرارة الَّتي أطلقت موجة من الرفض على مستوى لبنان، وما لبثت أن أسقطت هذا الاتّفاق المشؤوم.
كان العلَّامة فضل الله ينظر إلى أمريكا باعتبارها مصدر مآسي المنطقة العربيَّة، وجهد دومًا في تبيان مواقفها المعادية للمسلمين، مع التفريق بين السلطة والحكم فيها وبين الشعب الأمريكي الذي يكنّ له كلّ احترام وودّ ومحبَّة. وكان السند والدَّاعم القوي لثورة الإمام الخميني في إيران، وصوتها النّاطق في الإعلام العربّي، ولم يتوقَّف يومًا عن الدفاع عنها أثناء الحرب الظَّالمة عليها من قبل صدَّام حسين وحلفائه، وأمريكا والدول الأوروبيَّة الدَّاعمة له. وبقي على هذا النهج حتَّى رحيله، مساندًا وناصحًا ومؤيّدًا. لكن كعادة الظّلاميّين الَّذين لا يتحمّلون نور الفكر المشعّ على أرجاء العالم العربي، حاولوا اغتياله بسيَّارة مفخَّخة أودت بحياة حوالي مئة شهيد، ونجا منها بعناية ولطف من الله تعالى ودعاء المؤمنين.
لقد عمد العلَّامة فضل الله إلى إنشاء مجموعة من المؤسَّسات التربوية والتعليمية والاستشفائية والحوزويَّة والاجتماعية، فحضن الأيتام، وساعد المحتاجين، وكان عونًا للفقراء، يوصل ليله بنهاره للسَّهر على المجتمع الَّذي طالما سعى لنهضته ومنعته واقتداره، كما ترك إرثًا علميًّا ضخمًا في مختلف مجالات العلوم الإسلاميَّة كرفاقه من المراجع العلميَّة والمجتهدين.
إذا ما نظرنا اليوم إلى المتصدّين للشَّأن العام السياسي والاجتماعي، نجد أنَّ جلّهم من خرّيجي مدرسته الفكريَّة، سواء من العلماء أو النواب أو الوزراء أو مؤسّسي الدور العلميَّة والثَّقافيَّة والفكريَّة.
في ذكرى رحيله، لبنان بأمسّ الحاجة إلى من يحمل فكره، ويسير على نهجه المقاوم للاحتلال، الدَّاعي إلى الحوار بين أبناء الوطن الواحد، المنفتح بأفكاره لجمع شمل اللّبنانيّين وتوحيدهم لما فيه مصلحة وطنهم وشعبهم.
* موقع الحوارنيوز، بتاريخ: 3 تمّوز 2026م.