قبل حوالي سبعين سنة، خطّ المرجع السيّد محمَّد حسين فضل الله في شِعْرِهِ الَّذي كان يفيض وجدانًا وحبًّا:
أنا مالي وللمحيط فكم يجني على فكرتي ويقسو عليَّا...
ربّي رحماكَ أنتَ قدَّرْت لي ذاكَ فهبْ لي إنْ شئْتَ قلبًا رضيَّا...
خفقةً خفقةً ويهوي معَ الرّوحِ فيلقَى هدوءَهُ الأبديَّا.
خفقت روح السيّد وهامت في تجوالها" الأبديَّا".. ولكنَّ "المحيط" من القساة بقي.. وظلَّ يلفُّ ويدور وهو "يبحث عن قافية"..
واستمرَّ في ملاحقة هذا الفكر النوّار، وإن تعدَّد القساة وتوزَّعوا ضمن فئات: فئة آثرت المشاكسة مع هذا الفكر منذ البداية، ووضعته في خانة "الرَّجعيَّة"، وتصدَّت لمحاولاته التَّنويريَّة الأولى من النَّجف، ولم تقبل أن تنازله في "حوار الشّجعان"، واستمرَّت في محاولاتها لإطفاء جذوته حتَّى بعد عودة السيّد إلى لبنان، حيث ارتفع منسوب خطابها إلى مستوى التَّهديد بالقتل، ولهؤلاء قال السيّد ذات لقاء: "... إذا أردتم الحوار فنحن أهله.. أمَّا إذا رفضتم، فعليكم أن تعرفوا.. أنا جلدي سميك...". وفي رحم هذا الاشتباك، وعلى ضفافه، أطلق السيّد شعاره الحواريَّ العابر للمحطَّات الدينيَّة والحزبيَّة والطَّائفيَّة: "ليس هناك سؤال محرج، وليس هناك سؤال تافه؛ الحقيقة بنت الحوار".
أمَّا الفئة الَّتي تفطّنت للسيّد أكثر، فتمثّلت في الأعداء والخصوم الَّذين رصدوا تأثيره السَّاحق في البيئة المقاومة من بداية الثَّمانينات، فوضعوا الخطط للاغتيال الجسديّ، وكانت مجزرة بئر العبد في الثَّامن من آذار عام ١٩٨٥، والَّتي كانت بتدبير وإشراف من المخابرات المركزيَّة الأميركيَّة، كما ذكرت "الواشنطن بوست"، ونقل الصحافي الأميركي بوب ودورد في كتابه "الحجاب"، نقلًا عن مدير المخابرات المركزية الأميركية آنذاك ويليام كايسي، قوله: "لقد أصبح فضل الله مزعجًا للسياسة الأميركيَّة وعليه أن يرحل".. وشاء الله أن يبقى السيّد ويرحل المشروع المضادّ. وقال سيّدنا في تلك الأيَّام: "هذه مرحلة صنعناها، ولو تقاعسنا لصنعها الآخرون".
وثمَّة فئة كانت قاسية على السيّد في "الأيَّام السود" وأوقات الفتنة الداخليَّة، حيث حاولت إدخال اسمه في معطيات وخلفيات وقرارات تلك الفتنة، وتعرَّضت له بشتَّى أساليب التَّشويه والتَّهديد وغيرها، وقال حينها السيّد: "لقد تعرّضت لحملات أميركيَّة وإسرائيليَّة وفرنسيَّة، وما ضرّ أن نضيف إليهم هؤلاء".
وهناك فئة أخرى كانت تترّصد الأحداث الَّتي تترى على المستوى الإسلاميّ الشّيعيّ ورحيل "المرجعيات الكبرى"، والاسم الأكثر ترشيحًا لملء هذا الفراغ على المستويات الفقهيَّة والسياسيَّة والمستجدَّات المعاصرة، فكمنت خلف الفواصل، وأعدّت مسبقًا ملفّات تشويهيَّة تعمل على قطع الطَّريق... قال الإمام عليّ (ع): "فلمَّا نهضت بالأمر، نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون"، ووجدت هذه "الطائفة" أو هذه الفئة محضنًا في أكثر من موقع، أو قل عند الكثيرين ممن تقاطعت مصالحهم على ضرب هذا الحصن، ومحاولة تدمير قلعة الوعي هذه...
ثمَّة فئة – هنا - آثرت أن تلزم الصَّمت، وقال السيّد يومها لبعضهم: "قصَّتي معكم كقصَّة الإمام عليّ مع أولئك الَّذين قال لهم: "خذلتم الحقَّ ولم تنصروا الباطل"..
المسألة تطول في فئات "القساة"، وأخطرهم على الإطلاق، أولئك الَّذين حاولوا التَّضبيب وتغييب مرحلة بكاملها هي من صياغة فكر السيّد وصناعته، وهي مرحلة التَّأسيس الفعليَّة للحركة الإسلاميَّة الواعية المنفتحة على قضايا الحياة، والَّتي يعرف الجميع أنَّ السيّد كان أباها وأمَّها وعائلتها وبيتها وشجرتها وكلّ أفنانها، ومصداق قول المتنبي:
|
وأنت الَّذي ربّيت ذا الملك مرضعًا
|
وليس له أمٌّ سواك ولا أبُ
|
ولكنَّ "المصلحة" هنا اقتضت التَّغييب بعد التَّضبيب، وتناسي الاسم حتَّى في جملة الأسماء، لأنَّه ثقيل حتَّى على أولئك الَّذين تتلمذوا ودرسوا وترّبوا على الحرف والكلمة والفكرة في كلّ شيء!!!.
أعرف أنَّ هذا "التَّلميح" يثير الكثيرين الَّذين غالبًا ما يعملون للمباغتة تحت عنوان "المرحلة"، أو يقولون لك : لماذا تنبش التَّاريخ؟! وقد قلت لبعضهم: "غريب، تنكشون كلّ التَّاريخ الماضي، وتسترجعون ألفًا وأربعمائة ونيّفًا من السّنين، ولا تقبلون لأحد أن يضيء على مرحلة لم تطو آثارها.. والأغرب من ذلك، أنَّ كلَّ ما أضاء عليه السيّد وحذَّر منه، حصل وبات حقيقة تستدعي المراجعة على كلّ المستويات"..
مع تقديري لكلّ مَنْ يكتب عن مرجع العصر السيّد محمَّد حسين فضل الله في هذه الأيَّام، وكلّ من يقف على أبواب ذكراه، وفي هؤلاء الكثير من أهل الإخلاص، بيد أنَّني أناشدهم أن "يستعيدوا" السيّد، أن نستعيده جميعًا، لا لنكء الجراح، ولكن لكي نستفيد من هذه القامة الفقهيَّة والأدبيَّة والسياسيَّة بكلّ تجاربها: نقدًا وحبًّا.. حتَّى نتلمّس طريقنا إلى المستقبل بعد كلّ ما أصابنا من الأعداء، أو مما صنعته أيدينا وصاغه الزَّهو في واقعنا...
تعالوا إلى السيّد حتَّى "نحاكمه" أو نحتكم إليه، ولا تخاطبوه شعرًا ومدحًا، فقد أغنته قبلًا كلمة المرجع الشَّهيد السيّد محمَّد باقر الصَّدر: "كلّ مَنْ خرج من النَّجف خسر النَّجف، إلَّا السيّد فضل الله، فإنَّه عندما خرج من النَّجف، خسره النَّجف"..
أمَّا العبرة الَّتي أدّخرها لنفسي من كلّ هذا التَّاريخ وكلّ هذا الجهد وهذا "العمر المكدود" لسيّدنا، فإنَّني أستعيده بشعره:
|
ذكراك فينا ثورةٌ تتجدَّدُ
|
للفكرِ تستبقُ العصورَ فتخلدُ
|
|
ماذا أصوّرُ منْ حياتِكَ إنَّها
|
دنيا يتيهُ بها خيالٌ مجهدُ
|
قبل حوالي سبعين سنة، خطّ المرجع السيّد محمَّد حسين فضل الله في شِعْرِهِ الَّذي كان يفيض وجدانًا وحبًّا:
أنا مالي وللمحيط فكم يجني على فكرتي ويقسو عليَّا...
ربّي رحماكَ أنتَ قدَّرْت لي ذاكَ فهبْ لي إنْ شئْتَ قلبًا رضيَّا...
خفقةً خفقةً ويهوي معَ الرّوحِ فيلقَى هدوءَهُ الأبديَّا.
خفقت روح السيّد وهامت في تجوالها" الأبديَّا".. ولكنَّ "المحيط" من القساة بقي.. وظلَّ يلفُّ ويدور وهو "يبحث عن قافية"..
واستمرَّ في ملاحقة هذا الفكر النوّار، وإن تعدَّد القساة وتوزَّعوا ضمن فئات: فئة آثرت المشاكسة مع هذا الفكر منذ البداية، ووضعته في خانة "الرَّجعيَّة"، وتصدَّت لمحاولاته التَّنويريَّة الأولى من النَّجف، ولم تقبل أن تنازله في "حوار الشّجعان"، واستمرَّت في محاولاتها لإطفاء جذوته حتَّى بعد عودة السيّد إلى لبنان، حيث ارتفع منسوب خطابها إلى مستوى التَّهديد بالقتل، ولهؤلاء قال السيّد ذات لقاء: "... إذا أردتم الحوار فنحن أهله.. أمَّا إذا رفضتم، فعليكم أن تعرفوا.. أنا جلدي سميك...". وفي رحم هذا الاشتباك، وعلى ضفافه، أطلق السيّد شعاره الحواريَّ العابر للمحطَّات الدينيَّة والحزبيَّة والطَّائفيَّة: "ليس هناك سؤال محرج، وليس هناك سؤال تافه؛ الحقيقة بنت الحوار".
أمَّا الفئة الَّتي تفطّنت للسيّد أكثر، فتمثّلت في الأعداء والخصوم الَّذين رصدوا تأثيره السَّاحق في البيئة المقاومة من بداية الثَّمانينات، فوضعوا الخطط للاغتيال الجسديّ، وكانت مجزرة بئر العبد في الثَّامن من آذار عام ١٩٨٥، والَّتي كانت بتدبير وإشراف من المخابرات المركزيَّة الأميركيَّة، كما ذكرت "الواشنطن بوست"، ونقل الصحافي الأميركي بوب ودورد في كتابه "الحجاب"، نقلًا عن مدير المخابرات المركزية الأميركية آنذاك ويليام كايسي، قوله: "لقد أصبح فضل الله مزعجًا للسياسة الأميركيَّة وعليه أن يرحل".. وشاء الله أن يبقى السيّد ويرحل المشروع المضادّ. وقال سيّدنا في تلك الأيَّام: "هذه مرحلة صنعناها، ولو تقاعسنا لصنعها الآخرون".
وثمَّة فئة كانت قاسية على السيّد في "الأيَّام السود" وأوقات الفتنة الداخليَّة، حيث حاولت إدخال اسمه في معطيات وخلفيات وقرارات تلك الفتنة، وتعرَّضت له بشتَّى أساليب التَّشويه والتَّهديد وغيرها، وقال حينها السيّد: "لقد تعرّضت لحملات أميركيَّة وإسرائيليَّة وفرنسيَّة، وما ضرّ أن نضيف إليهم هؤلاء".
وهناك فئة أخرى كانت تترّصد الأحداث الَّتي تترى على المستوى الإسلاميّ الشّيعيّ ورحيل "المرجعيات الكبرى"، والاسم الأكثر ترشيحًا لملء هذا الفراغ على المستويات الفقهيَّة والسياسيَّة والمستجدَّات المعاصرة، فكمنت خلف الفواصل، وأعدّت مسبقًا ملفّات تشويهيَّة تعمل على قطع الطَّريق... قال الإمام عليّ (ع): "فلمَّا نهضت بالأمر، نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون"، ووجدت هذه "الطائفة" أو هذه الفئة محضنًا في أكثر من موقع، أو قل عند الكثيرين ممن تقاطعت مصالحهم على ضرب هذا الحصن، ومحاولة تدمير قلعة الوعي هذه...
ثمَّة فئة – هنا - آثرت أن تلزم الصَّمت، وقال السيّد يومها لبعضهم: "قصَّتي معكم كقصَّة الإمام عليّ مع أولئك الَّذين قال لهم: "خذلتم الحقَّ ولم تنصروا الباطل"..
المسألة تطول في فئات "القساة"، وأخطرهم على الإطلاق، أولئك الَّذين حاولوا التَّضبيب وتغييب مرحلة بكاملها هي من صياغة فكر السيّد وصناعته، وهي مرحلة التَّأسيس الفعليَّة للحركة الإسلاميَّة الواعية المنفتحة على قضايا الحياة، والَّتي يعرف الجميع أنَّ السيّد كان أباها وأمَّها وعائلتها وبيتها وشجرتها وكلّ أفنانها، ومصداق قول المتنبي:
|
وأنت الَّذي ربّيت ذا الملك مرضعًا
|
وليس له أمٌّ سواك ولا أبُ
|
ولكنَّ "المصلحة" هنا اقتضت التَّغييب بعد التَّضبيب، وتناسي الاسم حتَّى في جملة الأسماء، لأنَّه ثقيل حتَّى على أولئك الَّذين تتلمذوا ودرسوا وترّبوا على الحرف والكلمة والفكرة في كلّ شيء!!!.
أعرف أنَّ هذا "التَّلميح" يثير الكثيرين الَّذين غالبًا ما يعملون للمباغتة تحت عنوان "المرحلة"، أو يقولون لك : لماذا تنبش التَّاريخ؟! وقد قلت لبعضهم: "غريب، تنكشون كلّ التَّاريخ الماضي، وتسترجعون ألفًا وأربعمائة ونيّفًا من السّنين، ولا تقبلون لأحد أن يضيء على مرحلة لم تطو آثارها.. والأغرب من ذلك، أنَّ كلَّ ما أضاء عليه السيّد وحذَّر منه، حصل وبات حقيقة تستدعي المراجعة على كلّ المستويات"..
مع تقديري لكلّ مَنْ يكتب عن مرجع العصر السيّد محمَّد حسين فضل الله في هذه الأيَّام، وكلّ من يقف على أبواب ذكراه، وفي هؤلاء الكثير من أهل الإخلاص، بيد أنَّني أناشدهم أن "يستعيدوا" السيّد، أن نستعيده جميعًا، لا لنكء الجراح، ولكن لكي نستفيد من هذه القامة الفقهيَّة والأدبيَّة والسياسيَّة بكلّ تجاربها: نقدًا وحبًّا.. حتَّى نتلمّس طريقنا إلى المستقبل بعد كلّ ما أصابنا من الأعداء، أو مما صنعته أيدينا وصاغه الزَّهو في واقعنا...
تعالوا إلى السيّد حتَّى "نحاكمه" أو نحتكم إليه، ولا تخاطبوه شعرًا ومدحًا، فقد أغنته قبلًا كلمة المرجع الشَّهيد السيّد محمَّد باقر الصَّدر: "كلّ مَنْ خرج من النَّجف خسر النَّجف، إلَّا السيّد فضل الله، فإنَّه عندما خرج من النَّجف، خسره النَّجف"..
أمَّا العبرة الَّتي أدّخرها لنفسي من كلّ هذا التَّاريخ وكلّ هذا الجهد وهذا "العمر المكدود" لسيّدنا، فإنَّني أستعيده بشعره:
|
ذكراك فينا ثورةٌ تتجدَّدُ
|
للفكرِ تستبقُ العصورَ فتخلدُ
|
|
ماذا أصوّرُ منْ حياتِكَ إنَّها
|
دنيا يتيهُ بها خيالٌ مجهدُ
|