العظمة الحركيَّة في شخصيَّة الزَّهراء(ع)

العظمة الحركيَّة في شخصيَّة الزَّهراء(ع)

نعيش في هذه الأيّام وما بعدها، ذكرى سيّدة نساء العالمين؛ سيّدتنا فاطمة الزّهراء(ع)، ونحبّ أن نقف مع حياة هذه السيّدة العظيمة في نقطتين مختصرتين:

الدّعاء للنّاس قبل النّفس

النّقطة الأولى: الحديث المرويّ عن ولدها الإمام الحسن(ع)، أنَّه كان يحدِّث عن أمّه فاطمة الزهراء(ع)، فيقول: "رأيت أمّي فاطمة(ع) قامت في محرابها ليلة الجمعة، فلم تزل راكعة ساجدة، حتّى اتَّضح عمود الصّبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات، وتسمّيهم وتكثر الدّعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أمّاه، لمَ لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟! فقالت: يا بنيّ، الجار ثم الدّار"[1]. وهذا هو سرّ أهل البيت(ع)، أنَّهم يفكِّرون في الناس قبل أن يفكِّروا في أنفسهم، فالزّهراء القدوة للمؤمنين والمؤمنات، في الوقت الّذي كانت تعيش آلامها وضعف جسدها وحزنها وأمراضها، كانت تفكِّر في النَّاس قبل أن تفكّر في نفسها. ولعلَّنا نطلّ على هذه الرّوح من خلال الآيات الّتي نزلت بعد أن تصدَّقت هي وأمير المؤمنين(ع) على اليتيم والمسكين والأسير: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً}[2].

يطعمون الطَّعام مع حاجتهم إليه على حبِّ الله، فهم يقدِّمون كلَّ جهدهم، سواء كان جهداً مادياً أو جهداً معنوياً أو ثقافياً أو جهادياً، في سبيل الله وحسب، لا يريدون من الناس جزاءً ولا شكوراً. إنهم ينطلقون مع الله، لأنّهم عاشوا معه في أنفسهم، وعاشوا معه في علاقتهم بالنّاس، وعاشوا معه في حركة حياتهم كلّها.

لذلك، فإنَّ التزامنا بأهل البيت وارتباطنا بهم، يفرض علينا أن نكون مثلهم، وأن نتحرَّك بخطِّهم، وأن نقتدي بهم، لأنَّ التشيّع ليس خفقة قلب، ولا دمعة عين، ولكنَّه التزام بالخطّ، وانطلاق نحو الهدف، وحركة في النّهج، وهذا هو المعنى في أن يكون الإنسان شيعةً لأهل البيت(ع). فأهل البيت(ع)لم يعيشوا لأنفسهم، إنما عاشوا لرسالتهم ولربهم وللنّاس جميعاً، لذلك علينا أن نعيش في خطِّ أهل البيت(ع) لرسالتنا ولربّنا وللنّاس جميعاً.

الدّفاع عن الحقّ

أمّا النقطة الثانية: فهي أنَّ هذه السيدة العظيمة، بالرغم من كلّ آلامها وحزنها، كانت المرأة القويّة في الدّفاع عن الحقّ، فلقد وقفت في مسجد رسول الله(ص) لتحاضر في المسلمين حول حقِّ عليّ(ع)، وإذا كانت قد تحدَّثت عن (فدك)، فقد تحدَّثت عنها في طريق الحقّ، لا من خلال معنى فدك الماديّ، ثم انطلقت بعد ذلك لتطوف على جموع المهاجرين والأنصار، ولتقيم عليهم الحجَّة في ذلك. ثم كانت نساء المهاجرين والأنصار يجتمعن عندها، فلا تجد شيئاً تتحدَّث به إلا حقّ عليّ(ع).

وعندما يأتيها رجال هؤلاء النّساء، كانت تتحدَّث معهم بقوّة، وعندما أوصت وصيَّتها بأن تدفن ليلاً، كان ذلك قمّة احتجاجها على الّذين أبعدوا الحقّ عن صاحبه.

فلا بدَّ من أن نذكر الزّهراء من خلال هذا الموقف الجهاديّ السياسيّ الإسلاميّ الّذي كانت فيه أوَّل امرأةٍ في الإسلام تقف بكلّ قوّة ووضوح وبكلِّ انفتاح، لتؤكّد الحقّ في مواقعه. ولذلك، فإنَّ علينا أن نعيش هذه العظمة الحركية في شخصية الزهراء(ع)، لنتصوّرها في مواقف بطولتها الفكريّة، وشجاعتها الروحيّة، وحركتها الإسلاميّة السياسيّة. فتلك هي صورة الزهراء(ع)، كما هي صورتها في ابتهالاتها وعبادتها وانفتاحها على المؤمنين والمؤمنات قبل أن تنفتح على نفسها، تلك هي الزّهراء(ع) سيّدة نساء العالمين. أمّا آلامها، فإنَّ علينا أن نستذكرها لنعرف ما عاشته من هضم وظلم، لتبقى في عظمتها وفضائلها وخطِّها وشجاعتها قدوةً للمؤمنين والمؤمنات.

وفي الختام أقول، ينبغي أن يكون ارتباطنا بأهل البيت(ع) ارتباطاً بخطِّهم، لا أن نستغرق فقط في أحزانهم وآلامهم ومآسيهم، فالأحزان والآلام والمآسي تمضي مع التّاريخ، ويبقى الخطّ، وتبقى القضيّة، ويبقى المنهج، ويبقى أهل البيت(ع) كما بقي الأنبياء والأولياء(ع) من خلال الرّسالة ومن خلال الجهاد.

*ندوة الشام الأسبوعيّة، فكر وثقافة


[1]  بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 43، ص 82.

[2]  (الإنسان: 8، 9).

نعيش في هذه الأيّام وما بعدها، ذكرى سيّدة نساء العالمين؛ سيّدتنا فاطمة الزّهراء(ع)، ونحبّ أن نقف مع حياة هذه السيّدة العظيمة في نقطتين مختصرتين:

الدّعاء للنّاس قبل النّفس

النّقطة الأولى: الحديث المرويّ عن ولدها الإمام الحسن(ع)، أنَّه كان يحدِّث عن أمّه فاطمة الزهراء(ع)، فيقول: "رأيت أمّي فاطمة(ع) قامت في محرابها ليلة الجمعة، فلم تزل راكعة ساجدة، حتّى اتَّضح عمود الصّبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات، وتسمّيهم وتكثر الدّعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أمّاه، لمَ لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟! فقالت: يا بنيّ، الجار ثم الدّار"[1]. وهذا هو سرّ أهل البيت(ع)، أنَّهم يفكِّرون في الناس قبل أن يفكِّروا في أنفسهم، فالزّهراء القدوة للمؤمنين والمؤمنات، في الوقت الّذي كانت تعيش آلامها وضعف جسدها وحزنها وأمراضها، كانت تفكِّر في النَّاس قبل أن تفكّر في نفسها. ولعلَّنا نطلّ على هذه الرّوح من خلال الآيات الّتي نزلت بعد أن تصدَّقت هي وأمير المؤمنين(ع) على اليتيم والمسكين والأسير: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً}[2].

يطعمون الطَّعام مع حاجتهم إليه على حبِّ الله، فهم يقدِّمون كلَّ جهدهم، سواء كان جهداً مادياً أو جهداً معنوياً أو ثقافياً أو جهادياً، في سبيل الله وحسب، لا يريدون من الناس جزاءً ولا شكوراً. إنهم ينطلقون مع الله، لأنّهم عاشوا معه في أنفسهم، وعاشوا معه في علاقتهم بالنّاس، وعاشوا معه في حركة حياتهم كلّها.

لذلك، فإنَّ التزامنا بأهل البيت وارتباطنا بهم، يفرض علينا أن نكون مثلهم، وأن نتحرَّك بخطِّهم، وأن نقتدي بهم، لأنَّ التشيّع ليس خفقة قلب، ولا دمعة عين، ولكنَّه التزام بالخطّ، وانطلاق نحو الهدف، وحركة في النّهج، وهذا هو المعنى في أن يكون الإنسان شيعةً لأهل البيت(ع). فأهل البيت(ع)لم يعيشوا لأنفسهم، إنما عاشوا لرسالتهم ولربهم وللنّاس جميعاً، لذلك علينا أن نعيش في خطِّ أهل البيت(ع) لرسالتنا ولربّنا وللنّاس جميعاً.

الدّفاع عن الحقّ

أمّا النقطة الثانية: فهي أنَّ هذه السيدة العظيمة، بالرغم من كلّ آلامها وحزنها، كانت المرأة القويّة في الدّفاع عن الحقّ، فلقد وقفت في مسجد رسول الله(ص) لتحاضر في المسلمين حول حقِّ عليّ(ع)، وإذا كانت قد تحدَّثت عن (فدك)، فقد تحدَّثت عنها في طريق الحقّ، لا من خلال معنى فدك الماديّ، ثم انطلقت بعد ذلك لتطوف على جموع المهاجرين والأنصار، ولتقيم عليهم الحجَّة في ذلك. ثم كانت نساء المهاجرين والأنصار يجتمعن عندها، فلا تجد شيئاً تتحدَّث به إلا حقّ عليّ(ع).

وعندما يأتيها رجال هؤلاء النّساء، كانت تتحدَّث معهم بقوّة، وعندما أوصت وصيَّتها بأن تدفن ليلاً، كان ذلك قمّة احتجاجها على الّذين أبعدوا الحقّ عن صاحبه.

فلا بدَّ من أن نذكر الزّهراء من خلال هذا الموقف الجهاديّ السياسيّ الإسلاميّ الّذي كانت فيه أوَّل امرأةٍ في الإسلام تقف بكلّ قوّة ووضوح وبكلِّ انفتاح، لتؤكّد الحقّ في مواقعه. ولذلك، فإنَّ علينا أن نعيش هذه العظمة الحركية في شخصية الزهراء(ع)، لنتصوّرها في مواقف بطولتها الفكريّة، وشجاعتها الروحيّة، وحركتها الإسلاميّة السياسيّة. فتلك هي صورة الزهراء(ع)، كما هي صورتها في ابتهالاتها وعبادتها وانفتاحها على المؤمنين والمؤمنات قبل أن تنفتح على نفسها، تلك هي الزّهراء(ع) سيّدة نساء العالمين. أمّا آلامها، فإنَّ علينا أن نستذكرها لنعرف ما عاشته من هضم وظلم، لتبقى في عظمتها وفضائلها وخطِّها وشجاعتها قدوةً للمؤمنين والمؤمنات.

وفي الختام أقول، ينبغي أن يكون ارتباطنا بأهل البيت(ع) ارتباطاً بخطِّهم، لا أن نستغرق فقط في أحزانهم وآلامهم ومآسيهم، فالأحزان والآلام والمآسي تمضي مع التّاريخ، ويبقى الخطّ، وتبقى القضيّة، ويبقى المنهج، ويبقى أهل البيت(ع) كما بقي الأنبياء والأولياء(ع) من خلال الرّسالة ومن خلال الجهاد.

*ندوة الشام الأسبوعيّة، فكر وثقافة


[1]  بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 43، ص 82.

[2]  (الإنسان: 8، 9).

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية