كتابات
16/10/2019

عبوس الرّسول (ص) لا ينافي عصمته

عبوس الرّسول (ص) لا ينافي عصمته

{عَبَسَ وَتَوَلَّى}، أي واجه الموقف بالعبوس الذي يتمثّل في تقلّص عضلات الوجه وقسوة النظرة، والإعراض عن هذا السائل الملحاح، {أَن جَآءهُ الأعْمَى} الذي عاش مسؤوليّة الإيمان في مسؤوليّة المعرفة، كما عاش مسؤوليّة الدعوة في حاجتها إلى الوعي الرسالي بكلّ مفرداتها العقيدية والتشريعية، فأراد انتهاز فرصة وجود النبيّ (ص) مع المسلمين ليأخذ من علمه، ممّا أنزله الله عليه من كتاب، وما ألهمه من علم الشّريعة والمنهج والحياة... ولكن النبيّ (ص) لم يستجب له، لأنّ هناك حالةً مهمّة يعالجها في دوره الرّسالي المسؤول، في محاولة لتزكية هؤلاء الكفار من وجهاء المشركين، طمعاً في أن يسلموا ليتسع الإسلام في اتباع جماعتهم لهم، لأنهم يقفون كحاجزٍ بين النّاس وبين الدّعوة، ولذلك أجَّل النبي (ص) الحديث مع هذا الأعمى إلى وقتٍ آخر، إذ كانت الفرص الكثيرة تتّسع للّقاء به أكثر من مرّة، فتكون له الحريّة في إغناء معلوماته بما يحبّ في جوٍّ هادئ ملائم، بينما لا تحصل فرصة اللّقاء بهؤلاء دائماً، فكانت المسألة دائرةً ـ في وعيه الرّسالي ـ بين المهمّ في دور هذا الأعمى، وبين الأهمّ في دور هؤلاء الصّناديد.

ولكنّ الله يوجّه المسألة إلى ما هو الأعمق في قضيّة الأهميّة في مصلحة الرّسالة، باعتبار أن هذا الأعمى قد يتحوّل إلى داعيةٍ إسلاميّ كبيرٍ، {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} في ما يمكن أن يستلهمه من آيات القرآن التي يسمعها، مما يُغْني له روحه، فتصفو أفكاره، وترقّ مشاعره، وتتّسع آفاقه، وتتعمّق معرفته بربّه، فيؤدّي ذلك إلى عمقٍ في الفكر، وسعةٍ في الأفق، وغنًى في الشخصيّة، وحيويّةٍ في الحركة، مما يؤثّر تأثيراً إيجابيّاً في حركته في الدّعوة، فيحصل من ذلك على خيرٍ كبير.

{أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى}، في ما يمكن أن يعيشه من غفلةٍ عن بعض الحقائق، أو جهلٍ ببعض القضايا، فتأتي الكلمات القرآنيّة لتقشع عنه سحائب الغفلة...{أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى} فلم تكن لديه أيّة ميزةٍ إلاّ غناه... {فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى}، لتحاول بجهدك الرّسالي أن تمنحه زكاة الروح وطهارة الفكر، في ما تحسبه من النّتائج الكبيرة لذلك على مستوى امتداد الإسلام في قريش.

{وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى} فلن تتحمّل أيّة مسؤوليّةٍ من خلال ابتعاده عن الخطّ المستقيم، وتمرّده على تطلعات الروح إلى آفاق الطهارة وسماوات الصفاء، لأنّك لم تقصّر في الإبلاغ، ولم تدّخر أيّ جهدٍ في ما حرّكته من الوسائل التي تملكها، وفي ما استخدمته من الأساليب التي تحرّكها في اتجاه التزكية للنّاس جميعاً. وقد سمعوا ذلك كلّه، وأصرّوا على الاستكبار والتمرّد...

{وَأَمَّا مَن جَآءكَ يَسْعَى} للحصول على المعرفة {وَهُوَ يَخْشَى} الله في نفسه، وفي مسؤوليّته في الدعوة، وفي المهمَّات الأخرى الموكولة إليه، مما قد يتوقَّف على سعة المعرفة، {فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى}، لأنّك تحسب أنّ إيمان هؤلاء الصناديد قد ينفع الإسلام أكثر من نموّ إيمان هذا الأعمى الذي يمكن أن يؤجِّل السؤال إلى وقت آخر.

ولكنَّ المسألة ليست كذلك، لأنّ هذا الأعمى وأمثاله، قد يمثّلون مسؤوليّتك المباشرة كرسولٍ يعمل على تنمية خطّ الدّعوة بتنمية الدعاة من حوله، من أجل أن يوفّروا عليك بعض الجهد، أو يوسّعوا ساحة الدّعوة في مواقع جديدة. وهذا ما يريد الله أن يفتح قلبك عليه، في ما يريد لك من تكامل الوعي، وسعة الأفق، وعمق النّظرة للأمور.

ولا مانع من أن يربّي الله رسوله تدريجيّاً، ويثبت قلبه بطريقةٍ متحرّكةٍ في حركة الدّعوة، تبعاً لحاجتها إلى ذلك، تماماً كما كان إنزال القرآن تدريجيّاً من أجل الوصول إلى هذه النتائج.

*من كتاب "تفسير من وحي القرآن"، ج 24.

{عَبَسَ وَتَوَلَّى}، أي واجه الموقف بالعبوس الذي يتمثّل في تقلّص عضلات الوجه وقسوة النظرة، والإعراض عن هذا السائل الملحاح، {أَن جَآءهُ الأعْمَى} الذي عاش مسؤوليّة الإيمان في مسؤوليّة المعرفة، كما عاش مسؤوليّة الدعوة في حاجتها إلى الوعي الرسالي بكلّ مفرداتها العقيدية والتشريعية، فأراد انتهاز فرصة وجود النبيّ (ص) مع المسلمين ليأخذ من علمه، ممّا أنزله الله عليه من كتاب، وما ألهمه من علم الشّريعة والمنهج والحياة... ولكن النبيّ (ص) لم يستجب له، لأنّ هناك حالةً مهمّة يعالجها في دوره الرّسالي المسؤول، في محاولة لتزكية هؤلاء الكفار من وجهاء المشركين، طمعاً في أن يسلموا ليتسع الإسلام في اتباع جماعتهم لهم، لأنهم يقفون كحاجزٍ بين النّاس وبين الدّعوة، ولذلك أجَّل النبي (ص) الحديث مع هذا الأعمى إلى وقتٍ آخر، إذ كانت الفرص الكثيرة تتّسع للّقاء به أكثر من مرّة، فتكون له الحريّة في إغناء معلوماته بما يحبّ في جوٍّ هادئ ملائم، بينما لا تحصل فرصة اللّقاء بهؤلاء دائماً، فكانت المسألة دائرةً ـ في وعيه الرّسالي ـ بين المهمّ في دور هذا الأعمى، وبين الأهمّ في دور هؤلاء الصّناديد.

ولكنّ الله يوجّه المسألة إلى ما هو الأعمق في قضيّة الأهميّة في مصلحة الرّسالة، باعتبار أن هذا الأعمى قد يتحوّل إلى داعيةٍ إسلاميّ كبيرٍ، {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} في ما يمكن أن يستلهمه من آيات القرآن التي يسمعها، مما يُغْني له روحه، فتصفو أفكاره، وترقّ مشاعره، وتتّسع آفاقه، وتتعمّق معرفته بربّه، فيؤدّي ذلك إلى عمقٍ في الفكر، وسعةٍ في الأفق، وغنًى في الشخصيّة، وحيويّةٍ في الحركة، مما يؤثّر تأثيراً إيجابيّاً في حركته في الدّعوة، فيحصل من ذلك على خيرٍ كبير.

{أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى}، في ما يمكن أن يعيشه من غفلةٍ عن بعض الحقائق، أو جهلٍ ببعض القضايا، فتأتي الكلمات القرآنيّة لتقشع عنه سحائب الغفلة...{أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى} فلم تكن لديه أيّة ميزةٍ إلاّ غناه... {فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى}، لتحاول بجهدك الرّسالي أن تمنحه زكاة الروح وطهارة الفكر، في ما تحسبه من النّتائج الكبيرة لذلك على مستوى امتداد الإسلام في قريش.

{وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى} فلن تتحمّل أيّة مسؤوليّةٍ من خلال ابتعاده عن الخطّ المستقيم، وتمرّده على تطلعات الروح إلى آفاق الطهارة وسماوات الصفاء، لأنّك لم تقصّر في الإبلاغ، ولم تدّخر أيّ جهدٍ في ما حرّكته من الوسائل التي تملكها، وفي ما استخدمته من الأساليب التي تحرّكها في اتجاه التزكية للنّاس جميعاً. وقد سمعوا ذلك كلّه، وأصرّوا على الاستكبار والتمرّد...

{وَأَمَّا مَن جَآءكَ يَسْعَى} للحصول على المعرفة {وَهُوَ يَخْشَى} الله في نفسه، وفي مسؤوليّته في الدعوة، وفي المهمَّات الأخرى الموكولة إليه، مما قد يتوقَّف على سعة المعرفة، {فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى}، لأنّك تحسب أنّ إيمان هؤلاء الصناديد قد ينفع الإسلام أكثر من نموّ إيمان هذا الأعمى الذي يمكن أن يؤجِّل السؤال إلى وقت آخر.

ولكنَّ المسألة ليست كذلك، لأنّ هذا الأعمى وأمثاله، قد يمثّلون مسؤوليّتك المباشرة كرسولٍ يعمل على تنمية خطّ الدّعوة بتنمية الدعاة من حوله، من أجل أن يوفّروا عليك بعض الجهد، أو يوسّعوا ساحة الدّعوة في مواقع جديدة. وهذا ما يريد الله أن يفتح قلبك عليه، في ما يريد لك من تكامل الوعي، وسعة الأفق، وعمق النّظرة للأمور.

ولا مانع من أن يربّي الله رسوله تدريجيّاً، ويثبت قلبه بطريقةٍ متحرّكةٍ في حركة الدّعوة، تبعاً لحاجتها إلى ذلك، تماماً كما كان إنزال القرآن تدريجيّاً من أجل الوصول إلى هذه النتائج.

*من كتاب "تفسير من وحي القرآن"، ج 24.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية