كتابات
03/11/2019

نتائج الفساد في المجتمع

نتائج الفساد في المجتمع

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الرّوم: 41].

في هذه الآية وفي غيرها من الآيات الّتي ربما نتلو عليكم بعضها، حديثٌ عن الفساد وعن آثاره وعن نتائجه وعن أسبابه... فالفساد يتمثَّل في العمل، ويتمثَّل في النَّتائج؛ يتمثَّل في العمل فيما ينحرف به النّاس في أقوالهم وأفعالهم عن خطِّ الاستقامة الّذي أراد الله لهم أن يستقيموا عليه وأن يسلكوه، فأنت عندما تنحرف عن الأخلاق الإسلاميَّة، سواء كان ذلك في حياتك الخاصَّة أو العامَّة المتَّصلة بحياة الآخرين، فأنت تعيش الفساد في ذلك، لأنَّك عندما لا تلتزم بأخلاق الإسلام، فإنَّ معنى ذلك أنّك تعيش الفساد الأخلاقيّ في حياتك، وتخضع المجتمع من حولك بهذا الفساد. وهكذا عندما تتحرَّك في الحياة السياسيّة لتنحرف كمسؤول، أو لتشجّع المنحرف أو تتبعه، أو ما إلى ذلك من مواقع النّاس في الخطوط السياسيّة الصغيرة أو الكبيرة، فأنت تفسد الواقع السياسيّ من خلال نشاطك، فيما تقوم به من إفساد حياة النّاس السياسيّة، بالفتنة والخيانة ومحاولة السّير في خطّ المستكبرين، أو أنّك تعين وتؤيِّد وتدعم الذين يفسدون حياة النّاس السياسيّة بهذه الطريقة...

وهكذا يتحرَّك الفساد في حياة المجتمع، سواء كان متمثلاً في سلوك الأفراد، أو في سلوك الجماعات، من خلال ما ينتجه الأفراد أو ما تنتجه الجماعات من حالات الفساد والإفساد...

هل الفساد قضاء وقدر؟

وهناك نتائج للفساد، وهي الآلام التي يعيشها الناس، والمشاكل التي يتخبَّط فيها الناس، والخسائر الّتي تحدث للناس، والأوضاع القلقة الّتي تهتزّ بها حياة الناس؛ إنها مظهر الفساد في حياة الناس، ولكنّه المظهر الّذي ينطلق من خلال أسبابه...

فالناس يفسدون واقعهم بما كسبت أيديهم، فيما ينحرفون به، وفيما يرتكبونه من آثام، والناس يجنون ثمرة ذلك فساداً في أوضاعهم وأرزاقهم وأعمارهم وحرياتهم...

وهذا ما أكَّده الله سبحانه وتعالى في قوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ...}، فهناك جوع، وهناك خوف، وهناك خسارة، وهناك نقص في الأنفس والأموال والثَّمرات، وهناك مشاكل كثيرة يتخبَّط بها النَّاس، ولكن هل هذا الفساد في النَّتائج التي تحكم حياة الناس، هو قضاء من الله وقدر، بحيث إنَّ الله يسلّطه على الناس دون أن يكون للنّاس دخل فيه، أو أنّ هذا الفساد الذي يحكم حياة الناس ناتج من الفساد الذي كسبته أيديهم، وناتج من الفساد الذي حرّكته أوضاعهم؟

إن الله يقول لك إنك تأكل ما تطبخ، فإذا كنت تطبخ الأكلة التي تبني لك صحّتك، وتبني لك قوَّتك، فإنك سوف تحصل من خلال ذلك على صحّة جيّدة، وعلى قوَّة كبيرة، وإذا كنت تطبخ الطبخة التي تضعف صحتك وتضعف قوّتك، فإن النتائج سوف تكون تابعة للمقدِّمات، فستحقّق الأكلة التي تأكلها من تلك الطبخة مرضاً في جسدك، وضعفاً في قوَّتك.

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، لأنّ الناس إذا ذاقوا الآلام والمشاكل والخسائر الّتي تمثّل النتائج فيما كسبته أيديهم، فإنهم سوف يعيدون النظر فيما عملوه أن لا يعملوه من جديد، ويعيدون النظر فيما خطّطوا له أن لا يخطّطوه من جديد، لأنّ العاقل عندما يذوق النتائج السيّئة لعمله، فإنّ من الطبيعي أن لا يكرّر العمل مرة ثانية...

وبهذا نفهم أنَّ الله سبحانه وتعالى عندما يبتلي الناس بأيِّ بلاء فيما تفسد به حياتهم على مستوى النّتائج، فإنّه يبتليهم من خلال أعمالهم، وقد قال الله سبحانه وتعالى في آية أخرى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير} [الشّورى: 30].

تأييد الظّالم فساد

إنّ كثيراً من مصائبك على مستوى أوضاعك الفرديّة فيما تصاب به في حياتك الخاصَّة، أو في أوضاعك الاجتماعيّة فيما يصاب به المجتمع، هو نتيجة ما تكسب من عملٍ بيديك، وما يكسبه المجتمع من عملٍ بيديه، فأنت عندما تتبع الظّالم وتؤيّد الظالم، فسوف تجني ثمرة ذلك، أنَّ الظلم سوف يمتدّ في الأرض من خلال تقويتك إيّاه، وبذلك ينقلب عليك الظلم عندما تتحرّك مواقفه، فإنّها قد تكون معك اليوم، وقد تكون ضدّك غداً. فإذا كنت من الناس الذين يشجّعون ظالماً في موقع، فسيكون تشجيعك لهذا الظالم تشجيعاً لخطّ الظّلم في المجتمع، وعندما يأتي ظالم آخر مكان هذا الظالم، فسيرتدّ الظلم عليك في نهاية المطاف.

وهكذا، إذا كنت في المجتمع تجامل العصاة، وتؤيّد الفسقة، وترتاح لأوضاعهم، وتتحرّك معهم، وتبرّر الانحراف، وتبرّر للفاسق فسقه، وللعاصي عصيانه، فإنّ المسألة سوف ترتدّ عليك بعد ذلك، وستدخل المعصية إلى بيتك، لأنك شجعت الذي يدخل إلى بيتك على أن يعصي في بيت آخر، وسيدخل الفسق إلى بيتك، لأنّك شجّعت الفاسق على أن يفسق في بيت آخر. وهكذا تمتدّ المشكلة إليك بعد أن شجّعت المشكلة في موقع آخر.

كيف نتفادى نتائج الفساد؟

ولذلك، فإنّ الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول للنّاس، إنّكم إذا أردتم أن تتفادوا في حياتكم النّتائج الصّعبة التي تتألمون منها، والتي تسقطون معها، فابحثوا في أنفسكم عن جذور هذه النّتائج من خلال طبيعة هذه الأعمال، وابحثوا في حياتكم عن جذور هذه النّتائج من خلال طبيعة الأخلاق التي عشتموها: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}[النَّحل: 112].

الفساد الّذي تعيشه في حياتك إنما أتى من خلال الخلل في أوضاعك، ابحث عنه من خلال ما صنعته أنت مما يهيّئ لهذا الفساد ومما يسهِّل له في الحياة...

لذلك، لا بدَّ لنا أن نتفهّم القضايا التي نعيشها في حياتنا من خلال ما نفعله بأيدينا، وقد قال الله سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 53].

فالله قد يسلبك نعمة أنعمها عليك، فتفسد حياتك بذلك، وتكون القضيّة عند ذلك أنّ الله غيَّر هذه النعمة عنك، لأن نيّتك التي كانت طيبة، وكنت مستحقاً النعمة من خلالها، تغيَّرت إلى نيّة لا يرضاها الله، وإلى نيّة تجعلك محلاً لسخط الله سبحانه وتعالى، وتجعلك محلاً لأن يأتيك البلاء من خلال النتائج التي تحركت في أفعالك وفي أقوالك. وهكذا يريد الله منا أن نحارب الفساد في النّتائج فيما هي الآلام، وفيما هي الخسائر، وفيما هي الهزائم، وفيما هي الأوضاع القلقة في حياتنا السياسيّة والاجتماعيّة والجهاديّة، أن نغيّر ذلك بتغيير أنفسنا وتغيير أعمالنا وتغيير أقوالنا، لأنّ العمل إذا كان جيّداً، والقول إذا كان جيّداً، وإذا كان الوضع جيّداً، فلا بدَّ أن ينتج نتائج جيِّدة تبعاً لارتباط النّتائج بمقدّماتها.

نماذج من المفسدين

وهكذا يريدنا الله أن نتعرَّف مواقع الفساد في الأرض لنجتنبها، وأن نتعرَّف نماذج المفسدين في الأرض لنكفَّ عن دعمهم وتأييدهم وعن السّير معهم، وها نحن نواجه آيات قرآنيَّة تحدَّث الله فيها عن نماذج من المفسدين، وعندما نتلو آياته لنتعرَّف هذه النماذج التاريخيّة فيما ينزله الله علينا من آياته، فإنَّه تعالى لا يريدنا أن نستغرق في التّاريخ، فعندما يحدِّثك الله عن فرعون، لا يريدك أن تبحث عن نسب فرعون، ولا تبحث عن وطن فرعون، ولكن يريدك أن تبحث عن نموذج فرعون الموجود في حياتك في أيّ بلد مماثل، وفي أيّ حكم مماثل، وفي أيّ موقع مماثل من مواقع المسؤوليَّة.

وهكذا عندما يحدِّثك الله عن قارون كمفسدٍ في الأرض، فإنَّ الله لا يريدك أن تبحث عن نسبه، فالله لم يحدّثك عن تفاصيل نسبه، ولم يحدّثك عن كلّ خصائصه التفصيليّة، إنما أجمل لك الفكرة، حتى تأخذ من قارون نموذجاً لكثير من القوارين المعاصرين الذين يستغلون ثرواتهم لإفساد حياة الناس الاجتماعيّة والأخلاقيّة والسياسيّة، ولهذا اقرأوا كلام الله عن المفسدين فيما حدّثنا الله عن تاريخهم، لا تقرأوا ذلك في التاريخ، ولكن انطلقوا من نماذج التاريخ لتطّلعوا على نماذجهم في الحاضر: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: 4].

أسلوب فرعون في الفساد

فرعون كان من المفسدين. ما هو فساده؟ ما هو مظهر فساده؟

{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ}، كان يعيش العلوَّ بمعنى الاستكبار. كان يعيش الاستكبار، ويعتبر نفسه في المقام الّذي لا بدّ للناس أن يتعبّدوا له فيه، ويعتبر نفسه في الموقع الذي يرى لنفسه الحقّ في أن يتصرَّف في حياة الناس بما يشتهيه، دون أن يحقَّ لأحد أن يعترض عليه، لأنّه المالك للأرض والمالك للناس.

{وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَع}، قسَّم أهلها جماعات جماعات، فرَّق بينهم في طبقاتهم وفي مواقعهم، وأوجد النزاع فيما بينهم، ثم تحرَّك بعد أن سيطر على المجتمع من خلال إفساد المجتمع ببذر الخلافات والتّفرقة فيه، وتحريك الفتنة في داخله، عند ذلك، استطاع أن يجعل كلّ فئة تحاول أن تدرس أمورها من دون أن تهتمَّ بالآخرين، لأنَّ الآخرين ليسوا من طبقتنا، فلا يهمّنا ما يفعل بهم، أو لأنَّ الآخرين ليسوا من وطننا، فلا يهمّنا ماذا يفعل بهم، أو لأنّ الآخرين ليسوا من طائفتنا، فلا يهمّنا ما يفعل بهم.

عندما يقسم المجتمع طوائف وأحزاباً ومواقع، فإنَّ معنى ذلك أن كلَّ فئة تنغلق على نفسها، ولا تكون قوَّة لغيرها، ولا تشعر بمسؤوليَّتها عن غيرها...

وبذلك، يستطيع الّذي يريد ظلم الآخرين أن يظلم دون أن يعترض عليه أحد، لأنَّ الآخرين سوف يتفرَّجون عليه وهو يظلم، وسوف يتفرَّجون على المظلومين وهم يُظلَمون، دون أن يشعروا بمسؤوليَّة عن ذلك.

هذا هو الأسلوب الذي كان يتبعه فرعون؛ أن يجعل أهلها شيعاً، أن يجعلهم متفرّقين جماعات جماعات، كما نلاحظه فيما فعله الاستكبار، حيث إنّه قسم المسلمين إلى بلدان، وكلّ بلد منغلق على نفسه، وكل بلد يشعر بأنه ليس معنيّاً بالبلد الآخر، وأن البلد الآخر ليس معنيّاً به، ولا يجوز لبلد أن يتدخل في شؤون بلد آخر، فلو أن حاكم هذا البلد ظلم أهل هذا البلد من المسلمين أو من المستضعفين، فإن حاكم البلد الثاني ليس له أن يتدخّل في ذلك، بأن يحتجّ أو يستنكر أو ما إلى ذلك، لأنه تدخّل في الشؤون الداخليّة، باعتبار أن هذا بلد مستقلّ وذاك بلد مستقلّ.

وهكذا عندما فرّق الناس طوائف، أصبحت كلّ طائفة تشعر بأنها مستقلّة في أمنها وخوفها واقتصادها وسياساتها وفي مشاكلها وقضاياها، وبذلك، فلو أنّ هذه الطائفة ظلمت، فالطائفة الثانية لا دخل لها بذلك، وهكذا قسمنا أحزاباً وحركات ومنظّمات وجماعات، وأصبح كلّ واحد يقول كما قال ذلك الشّاعر:

ما علينا إن قضى الشّعب جميعاً أفلسنا في أمان؟!.

إذا قضى الناس كلّهم والطائفة باقية، إذا ماتوا كلهم والعشيرة باقية، إذا مات الناس كلّهم وهذا البلد باق... ما علينا؟! نحن لسنا مسؤولين عن النّاس. وعلى هذا الأساس، يستطيع الظالمون في الدّاخل وفي الخارج أن يأخذوا حريتهم في الظّلم دون أن يشعروا بأنّ هناك من يقف مع المظلوم في ظلامته من الدّاخل أو الخارج، لأنّ الأمر لا يمثّل وحدة الشعور، وبالتّالي، لا يمثِّل وحدة الموقف، لأنّه لا يمثّل وحدة المسؤوليّة فيما قسمه الاستكبار من مسؤوليّات، باعتبار اختصاص كلّ إنسان بمسؤوليَّته الذاتيَّة. وعلى هذا، كان فرعون يستضعف بعض أهلها، {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ}، وبقيّة الطوائف لا تحرّك ساكناً.

كيف كان يستضعف هذه الطائفة؟ {يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}.

هذه صورة لمفسدٍ في الأرض، بعد أن مدَّ له الله تعالى في ملكه وفي حياته، فأغرقه فيما أغرق.

نموذج قارون

ثم يحدّثنا القرآن عن مفسدٍ آخر: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 76-77].

قالوا له لا تبغ الفساد، أنت تملك المال الكثير، إنّك تملك ما لا يملكه أحد منّا، فإنّ كنوزك التي تمثّل أموالك وتمثّل ما تمتلئ به خزائنك، لا يستطيع حتّى القويّ أن يحمل مفاتحها، فأيّ ثروة هي هذه الثَّروة؟!

ولكن عليك أن تفهم أنَّ هذه الثّروة لم تأت "بشطارتك"، قد تكون "شاطراً" تعرف من أين تؤكل الكتف، ومن أين تجني المال، لكنَّ "شطارتك" هبة من ربّك بما أعطاك الله من عقل ومن وعي، وفيما هيّأه لك في كلّ ذلك. فالله هو الّذي رزقك، وعلى هذا الأساس، تصرَّف في مالك على أساس أن تصلح الحياة من خلال مالك، وأن تصلح أمور النّاس من خلال مالك، لا تبغ من مالك ما يفسد أخلاق النَّاس، ولا تشترِ من مالك ما يفسد حياة النّاس، ولا تحرِّك مالك في العلاقات التي تدمِّر مستقبل الناس، ولا توظِّف مالك في المشاريع التي تفسد أخلاق النَّاس وتفسد واقع النَّاس، ولا تبغِ الفساد في الأرض، إنَّ الله الذي أعطاك المال من خلال ما هيّأه لك من ظروف، هو القادر على أن يسلبك مالك، وأن يسلبك حياتك، لا مالك فحسب، لأنَّ الذي أعطى بقدرته، قادر على أن يسلبك إيَّاه بقدرته، ولأنّ الذي وهبك الوجود بإرادته، قادر على أن يسلبك الوجود بإرادته، لا تبغ بمالك، لا تفخر في مواقعك بثروتك {إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}.

{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ}، لتكن مشاريعك المشاريع التي يرضاها الله، لتكن معاملاتك فيما تبيع وتشتري المعاملات التي أحلّها الله، ليكن كلّ نشاطك الاقتصادي فيما يحبّه الله ويرضاه، {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَ}، كل ما تحبّ أن تأكله في حدود الحلال، واشرب ما تحبّ أن تشربه في حدود الحلال، والبس ما تحبّ أن تلبسه في حدود الحلال، واسكن في المكان الّذي تحبّ أن تسكنه في حدود الحلال، وتلذّذ بما تحبّ أن تتلذّذ به في حدود الحلال، لأنّ الحلال واسع، ولم يجعل الله الإنسان محصوراً في دائرة الحرام، فما من حرام إلا وهناك حلال بديل له.

الحرام في الطعام تستطيع أن تستغني عنه بالحلال في الطعام، والحرام في الشّراب تستطيع أن تستغني عنه بالحلال في الشّراب، والحرام في اللّباس والمسكن واللّذّة والشّهوة تستطيع أن تستغني عنه بالحلال في ذلك كلّه... لك أن تعيش، لك أن تتلذَّذ بما تحبّ، لك نصيبك من الدّنيا، لكن لا تبغ الفساد في الأرض.

لا تفسد جسدك فيما تأكله أو تشربه مما يفقد لك جسدك، وإن كنت تلتذّ به.. لا تفسد حياتك بما تفعله مما قد تلتذّ بأوّله، ولكنّك تعيش أقصى الآلام في آخره.

لا تفسد حياة الناس فيما تحرّكه من مشاريع تنطلق بعيداً من مصلحة النّاس، كالكثيرين من الّذين يتاجرون بالمحرَّمات، ويوظّفون أموالهم في المشاريع الّتي تفسد أخلاق النّاس وحياتهم، فيما يعتبرون بعضه مشاريع سياحيّة أو غير سياحيّة أو ما إلى ذلك... لا تفسد حياة النّاس فيما توظّفه من مشاريع تضعف الواقع الاقتصاديّ، عندما تهيّئ للاقتصاد المعادي أن يفرض نفسه... لا تبغ الفساد في الأرض، لا تنقل بضاعة العدوّ لتبيعها في بلدك، لأنّك بذلك تقوِّي العدوّ على أهل بلدك... لا تحاول أن تقوِّي اقتصاد العدوّ، حاول أن تجوع وتتحمَّل الجوع إذا كان شبعك سيقوِّي اقتصاد العدوّ... لا تبغ الفساد في الأرض، يمكن للإنسان أن يعيش ويتاجر ويربح ويقوم بالمشاريع وينمِّي ثروته من دون أن يفسد حياة النّاس {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}، فإذا أفسدت حياة النّاس، فإنَّ الله لا يحبّك، وإذا فقد الإنسان محبَّة الله، فقد كلّ مظهر للرَّحمة.

ولكنَّه تكبَّر وتجبَّر ونسي ربَّه {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ...}، فقد ذهب ماله، ولم يبق منه إلا التّاريخ الذي نأخذ منه العبرة.

هذا مفسدٌ في الأرض في التّاريخ، وهناك مفسدون في الأرض على مستوى الثّراء، هؤلاء الذين يكنزون المال وينكرون فضل الله عليهم في ذلك، ويبتعدون عمّا أراد لهم الله أن يتحرّكوا فيه من خلال ما أعطاهم، وينطلقون ليشعروا بالانتفاخ في الشخصيَّة، لأنّ هناك انتفاخاً في ثرواتهم، ويشعرون بالكبرياء في الموقع، لأنَّ هناك حجماً كبيراً في ثرواتهم، وينطلق البعض ليقول أنا تاجر وعندي عائلة وعندي مستقبل، ولا مانع من خلال منطق التجارة أن أحرّك مالي حسب السّوق وحسب الموسم، فإذا كانت السوق سوق المخدّرات، فعليّ أن أحرّك مالي في إنتاج المخدّرات وفي بيع المخدّرات، ولا مشكلة عندي أن يسقط المجتمع كلّه تحت تأثير المخدِّرات مادمت أربح المال!... ثم أذهب للحجّ من ثمن المخدّرات ليرضى الله عني، لا قيمة عندي لما يحدث للنَّاس من خلال المخدّرات، حتى يسقط النّاس اجتماعياً ويسقطوا سياسياً ويسقطوا اقتصادياً، على أساس أنّ الإنسان الذي يعيش مع المخدّرات، يتحول إلى إنسان مسلوب!

وهكذا المسلمون من التجّار ومن غير التجّار، يقولون صحيح أنَّ الله حرَّم عليهم بيع الخمر وحرّم عليهم القمار، ولكن نحن في لبنان، وهو بلد سياحيّ، فما هي المشكلة إذا فتحت قهوة في الجنوب أو في أيّ مكان من لبنان؟ والقهوة لا تنطلق إلا من خلال أفضل أنواع الخمر أو أقلّها، والقهوة لا تزدهر إلا من خلال القمار وما إلى ذلك، ولا مانع أن يكون هناك في القهوة غرف خلفيّة يحاول الناس أن ينفّسوا فيها عن شهواتهم بالحرام أو ما إلى ذلك! القصّة نحن بلد سياحيّ، وعلينا أن نعمل على ازدهار السياحة في بلدنا، وإن كان ذلك على حساب أخلاقنا، وعلى حساب ديننا، وعلى حساب التزامنا... وينطلق الصغار والكبار من السياسيّين وغيرهم ليتحدّثوا عن حريّة الإنسان!

إذا كان الإنسان حراً، كما تقولون، في أن يبيع خمراً، أو أن يفتح نادياً للقمار، فلماذا ينطلق العالم ليحجب حريّة الإنسان في بيع المخدّرات وفي غيرها؟ لماذا؟

أيّ فرق بين هذا وذاك؟ هذا يفسد الجسد وذاك يفسد الجسد، هذا حرّمه الله وذاك حرّمه الله، أيّ فرق؟

الفرق أنّ الدولة حرَّمت المخدّرات والله حرَّم الخمر، والدولة أباحت الخمر والله حرّمه، لهذا نحن مواطنو الدولة ولسنا مواطني الله، لأنّ الدين لله والوطن للجميع، فلا دخل لله في الوطن! ولذلك، فإنّ شريعة الله ليس لها دخل في الوطن! يقول ذلك السياسيون المسلمون ومسؤولون سياسيّون، ويضحكون على الذي يقول هذا حلال وهذا حرام، يضحكون عن ذلك ويقهقهون، ولكن ماذا يصنعون يوم القيامة؟ إنّ الله قد لا يخسف بهم الأرض كما خسف بقارون الأرض، ولكنّ الله قد يخسف بمواقعهم الاقتصاديّة والسياسيّة، وقد يخسف بحياتهم بطريقة وبأخرى، لأنَّ الله قد يمهل الإنسان، ولكن على الإنسان أن لا يغترّ بربّه، لأنّ الله قد يطبق عليه ببلاء من حيث لا يحتسب، كما يرزق بعض الناس من حيث لا يحتسبون.

إفساد بني إسرائيل

هذا نوع من المفسدين من الأرض، وهناك نوع آخر لانزال نعانيه، وهو إفساد اليهود وإفساد بني إسرائيل: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِير}[الإسراء: 4]. {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[المائدة: 64].

اليهود كانوا هم الفئة المشاغبة على الأوصياء وعلى الحياة، لأنهم يعتقدون أنهم شعب الله المختار، ولهذا كانوا يعملون على إفساد الأرض بكلّ القيم، وإفساد كلّ الخطوط المستقيمة، وإفساد كلّ الواقع الاقتصادي وكلّ الواقع الاجتماعي والسياسي، فيما يتوزَّعونه من مراكز القوى، وفيما يخطِّطون له من أدوار، ويقومون به من مؤامرات، وفي سعيهم في الأرض فساداً.

والله لا يحبّهم، ولكنَّ بعض المسلمين أصبح يحبّهم وينشئ معهم علاقات دبلوماسيّة واقتصادية وما إلى ذلك، بالرّغم من كلّ إفسادهم لكلّ واقع المنطقة، فيما أفسدوا به حياة الناس في مدى أربعين سنة، أو إذا تجاوزنا نشوء الدّولة في مدى خمسين سنة، هؤلاء أفسدوا الواقع كلّه، {وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}، ولكنّ الكثير من المفسدين السياسيّين والاقتصاديّين يحبّون المفسدين من اليهود، وليست المشكلة عندهم أنّ الله لا يحبّهم، لأنهم لا يعملون أيّ حساب لمسألة أن يحبَّ الله أحداً أو لا يحبّ.

استخدام القوّة للفساد

ثم بعد ذلك، يتحدّث الله لنا عن الذين يفسدون بقوّتهم: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ}[الفجر: 6-11].

هؤلاء الذين كانوا يملكون قوّة عضلية أو قوّة سلطوية أو قوّة إلهية أو قوّة اجتماعية، فسخّروا قوّتهم من أجل أن يفسدوا حياة الناس، كما يفعل الكثيرون عندنا ممن يملكون القوّة في أبدانهم، فيستغلّون ذلك للإغرار بالضّعفاء، أو ممن يملكون القوّة في سلاحهم، فيستغلّون ذلك لقهر الفقراء، أو يملكون القوّة في مواقعهم الرسميّة أو الحزبيّة، فيعملون على استغلال ذلك من أجل قهر المستضعفين وإذلالهم.

إنّ هؤلاء الذين قد يقرأ بعضهم القرآن، عليهم أن يفهموا أنهم قد يكونون نموذجاً لعاد ونموذجاً لثمود ونموذجاً لفرعون، لأن فرعون ليس مجرّد شخص، ولأنّ عاداً وثموداً ليسوا مجرَّد قوم، ولكنَّهم خطٌّ يتحرَّك في الحياة، فإذا عرفت أنّ الله يصبّ عليهم سوط عذاب، ويهدّد كلّ من يسير بسيرهم، ويرفض كلّ من يسير على هذه الشّاكلة، وكلّ من انطلق في هذا الخطّ، فإذا كنت مثلهم، فحاول أن تدرس حساباتك جيّداً، لأن من يراقبه الله، لا يفلت من الله تعالى، ولأنّ من يرصد الله خطواته، لا يمكن أن تبتعد خطواته عن المجال الّذي يواجه مصيره.

وهكذا يقول عن قوم صالح: {وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُواْ آلاء اللهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ}[الأعراف: 74].

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَ}[هود: 84]. لا تفسدوا حياة النّاس ببخس الكيل والميزان وبأمثال ذلك، لأنّ الله لا يحبّ المفسدين. وهكذا قال الله عن قوم لوط الّذين يتحرّكون في خطّ الفساد على أساس الفاحشة في الشّذوذ الجنسي: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ}[العنكبوت: 29].

هذه هي بعض نماذج المفسدين في الأرض، الّذين عاقبهم الله فيما عاقب به المفسدين، والّذين يريدنا الله أن ننطلق لنبتعد عنهم، فلا نكون منهم، ولا نشجِّعهم أو نتبعهم، ولا نقوِّيهم، لأن من قوَّى مفسداً حشر معه، ولأنَّ من أيّد مفسداً كان معه في نار جهنّم، ولأنّ الإنسان الذي يحبّ المفسدين، سوف يفقد حبّ الله له، ومن يفقد حبّ الله له، لا يمكن أن يحصل على أيّ شيء من الخير في حياته.

سبيل الصّلاح

ولهذا، أرادنا الله سبحانه وتعالى كمسلمين أن نصلح في كلماتنا لتكون كلماتنا كلمات الصلاح، وأن نصلح في أفعالنا لتكون أفعالنا أفعال الصلاح. نحن، أيّها الإخوة، مسؤولون عن أنفسنا أن نصلح أنفسنا، أن نكون من القوم الصّالحين، وأن نكون في مسيرة الصالحين، ونحن مسؤولون في أن نشارك في صلاح المجتمع، وأن نقوّي الذين يعملون من أجل صلاح المجتمع، وأن نحرّك الخطّ الصالح في السياسة لا الخطّ الفاسد فيها، وأن نحرّك النشاط الصّالح في الاقتصاد ولا نحرّك النشاط الفاسد فيه، لأننا مسؤولون عن حياتنا كلّها بحجم مواقعنا في هذه الحياة، وبحجم دورنا في هذه الحياة.

ليس لمسلم يريد أن يقول لنفسه إنَّ عليَّ أن أغلق بابي وليس من مسؤوليَّتي إذا خربت الدّنيا أو عمرت، أو إذا فسد الناس أو صلحوا. المسألة ليست كذلك، لأنَّ الله سبحانه حمّلك مسؤوليَّة أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، سواء كان معروفاً على مستوى القضايا الخاصّة أو على مستوى القضايا العامّة، وسواء كان منكراً على مستوى حياتك الخاصّة أو على مستوى حياة النّاس الخاصّة...

إنّ عليك أن تتحمل مسؤولية المجتمع: "كلّكم راع وكلّ راع مسؤول عن رعيته". إنّ علينا أن ننطلق على هذا الأساس.

العمر، أيّها الإخوة، ليس فرصة للّهو، وليس فرصة للاسترخاء والعبث وللهروب من المسؤوليّة، عمرنا في ما أراد الله لنا من حركة هذا العمر أن يكون العمر المسؤول، والذي نتاجر مع الله به، والذي نبيع ونشتري مع الله به، والذي نتحمل مسؤوليتنا أمام الله به، لأنّ "اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل"، وقد قال الله لكلّ منّا فيما خاطب الله به الناس، وليعرف كلّ منّا نفسه وهو يعمل: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[التّوبة: 105].

اعمل صباحاً واعمل مساءً، اعمل في كلّ مواقع العمل، ولا تعتبر نفسك خارجاً عن حدود الرّقابة، لأنّ الله يراقبك في كلّ أعمالك، ويراقبك في كلّ أقوالك، لأنّ الرسول يراقبك، ولأنَّ المؤمنين يراقبونك، غداً عندما تنشر نتائج أعمالك، وفي الدّنيا عندما تتحرَّك مواقع عملك.

ارفضوا الفاسدين

على هذا الأساس، لا بدَّ لنا أن نفهم أنَّ علينا أن لا نكون الفاسدين ولا المفسدين في الانحراف عن خطِّ الله وخطّ رسوله، وأن لا نقوِّي المفسدين ولا نؤيِّدهم. ليس لنا أن نؤيِّد كافراً يفسد عقائد النّاس، وليس لنا أن نؤيِّد فاسقاً يفسد أفعال الناس وحياتهم، وليس لنا أن نؤيّد فاسداً ينحرف بسياسة النّاس عن الخطّ المستقيم، وليس لنا أن نؤيّد فاسداً يحاول أن يفسد حياة النَّاس بثرائه أو بأخلاقه أو ما إلى ذلك، لأنَّك عندما تتبنَّى خطَّ الإيمان وخطَّ الصَّلاح، لا بدَّ أن تتبنَّاه في نفسك، فترفض من يتحرَّك بعيداً عن هذا الخطّ، وتتبنَّاه بلسانك، فترفض به من يتحرَّك بعيداً عن خطّ الصَّلاح، وتواجهه وترفضه بعملك، وفي الحياة كلّها...

بهذا نستطيع أن ننطلق بالخطّ الّذي يريدنا الله أن ننطلق به، وسينظر الله إلى مواقع كلّ منَّا؛ أين موقعك، مع من، وفي أيّ أفق، وفي أيّ جوّ، وإلى أيّة غاية؟!

{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}[الفجر: 14]، إنّه يرصدنا، وإن كنّا لا نطّلع كيف يرصدنا.

لهذا أيّها الإخوة، لا بدَّ من عمليّة حساب مع أنفسنا.

المصدر : محاضرة بتاريخ 19 ذو القعدة 1409 هـ / 23-6-1989 م 

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الرّوم: 41].

في هذه الآية وفي غيرها من الآيات الّتي ربما نتلو عليكم بعضها، حديثٌ عن الفساد وعن آثاره وعن نتائجه وعن أسبابه... فالفساد يتمثَّل في العمل، ويتمثَّل في النَّتائج؛ يتمثَّل في العمل فيما ينحرف به النّاس في أقوالهم وأفعالهم عن خطِّ الاستقامة الّذي أراد الله لهم أن يستقيموا عليه وأن يسلكوه، فأنت عندما تنحرف عن الأخلاق الإسلاميَّة، سواء كان ذلك في حياتك الخاصَّة أو العامَّة المتَّصلة بحياة الآخرين، فأنت تعيش الفساد في ذلك، لأنَّك عندما لا تلتزم بأخلاق الإسلام، فإنَّ معنى ذلك أنّك تعيش الفساد الأخلاقيّ في حياتك، وتخضع المجتمع من حولك بهذا الفساد. وهكذا عندما تتحرَّك في الحياة السياسيّة لتنحرف كمسؤول، أو لتشجّع المنحرف أو تتبعه، أو ما إلى ذلك من مواقع النّاس في الخطوط السياسيّة الصغيرة أو الكبيرة، فأنت تفسد الواقع السياسيّ من خلال نشاطك، فيما تقوم به من إفساد حياة النّاس السياسيّة، بالفتنة والخيانة ومحاولة السّير في خطّ المستكبرين، أو أنّك تعين وتؤيِّد وتدعم الذين يفسدون حياة النّاس السياسيّة بهذه الطريقة...

وهكذا يتحرَّك الفساد في حياة المجتمع، سواء كان متمثلاً في سلوك الأفراد، أو في سلوك الجماعات، من خلال ما ينتجه الأفراد أو ما تنتجه الجماعات من حالات الفساد والإفساد...

هل الفساد قضاء وقدر؟

وهناك نتائج للفساد، وهي الآلام التي يعيشها الناس، والمشاكل التي يتخبَّط فيها الناس، والخسائر الّتي تحدث للناس، والأوضاع القلقة الّتي تهتزّ بها حياة الناس؛ إنها مظهر الفساد في حياة الناس، ولكنّه المظهر الّذي ينطلق من خلال أسبابه...

فالناس يفسدون واقعهم بما كسبت أيديهم، فيما ينحرفون به، وفيما يرتكبونه من آثام، والناس يجنون ثمرة ذلك فساداً في أوضاعهم وأرزاقهم وأعمارهم وحرياتهم...

وهذا ما أكَّده الله سبحانه وتعالى في قوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ...}، فهناك جوع، وهناك خوف، وهناك خسارة، وهناك نقص في الأنفس والأموال والثَّمرات، وهناك مشاكل كثيرة يتخبَّط بها النَّاس، ولكن هل هذا الفساد في النَّتائج التي تحكم حياة الناس، هو قضاء من الله وقدر، بحيث إنَّ الله يسلّطه على الناس دون أن يكون للنّاس دخل فيه، أو أنّ هذا الفساد الذي يحكم حياة الناس ناتج من الفساد الذي كسبته أيديهم، وناتج من الفساد الذي حرّكته أوضاعهم؟

إن الله يقول لك إنك تأكل ما تطبخ، فإذا كنت تطبخ الأكلة التي تبني لك صحّتك، وتبني لك قوَّتك، فإنك سوف تحصل من خلال ذلك على صحّة جيّدة، وعلى قوَّة كبيرة، وإذا كنت تطبخ الطبخة التي تضعف صحتك وتضعف قوّتك، فإن النتائج سوف تكون تابعة للمقدِّمات، فستحقّق الأكلة التي تأكلها من تلك الطبخة مرضاً في جسدك، وضعفاً في قوَّتك.

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، لأنّ الناس إذا ذاقوا الآلام والمشاكل والخسائر الّتي تمثّل النتائج فيما كسبته أيديهم، فإنهم سوف يعيدون النظر فيما عملوه أن لا يعملوه من جديد، ويعيدون النظر فيما خطّطوا له أن لا يخطّطوه من جديد، لأنّ العاقل عندما يذوق النتائج السيّئة لعمله، فإنّ من الطبيعي أن لا يكرّر العمل مرة ثانية...

وبهذا نفهم أنَّ الله سبحانه وتعالى عندما يبتلي الناس بأيِّ بلاء فيما تفسد به حياتهم على مستوى النّتائج، فإنّه يبتليهم من خلال أعمالهم، وقد قال الله سبحانه وتعالى في آية أخرى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير} [الشّورى: 30].

تأييد الظّالم فساد

إنّ كثيراً من مصائبك على مستوى أوضاعك الفرديّة فيما تصاب به في حياتك الخاصَّة، أو في أوضاعك الاجتماعيّة فيما يصاب به المجتمع، هو نتيجة ما تكسب من عملٍ بيديك، وما يكسبه المجتمع من عملٍ بيديه، فأنت عندما تتبع الظّالم وتؤيّد الظالم، فسوف تجني ثمرة ذلك، أنَّ الظلم سوف يمتدّ في الأرض من خلال تقويتك إيّاه، وبذلك ينقلب عليك الظلم عندما تتحرّك مواقفه، فإنّها قد تكون معك اليوم، وقد تكون ضدّك غداً. فإذا كنت من الناس الذين يشجّعون ظالماً في موقع، فسيكون تشجيعك لهذا الظالم تشجيعاً لخطّ الظّلم في المجتمع، وعندما يأتي ظالم آخر مكان هذا الظالم، فسيرتدّ الظلم عليك في نهاية المطاف.

وهكذا، إذا كنت في المجتمع تجامل العصاة، وتؤيّد الفسقة، وترتاح لأوضاعهم، وتتحرّك معهم، وتبرّر الانحراف، وتبرّر للفاسق فسقه، وللعاصي عصيانه، فإنّ المسألة سوف ترتدّ عليك بعد ذلك، وستدخل المعصية إلى بيتك، لأنك شجعت الذي يدخل إلى بيتك على أن يعصي في بيت آخر، وسيدخل الفسق إلى بيتك، لأنّك شجّعت الفاسق على أن يفسق في بيت آخر. وهكذا تمتدّ المشكلة إليك بعد أن شجّعت المشكلة في موقع آخر.

كيف نتفادى نتائج الفساد؟

ولذلك، فإنّ الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول للنّاس، إنّكم إذا أردتم أن تتفادوا في حياتكم النّتائج الصّعبة التي تتألمون منها، والتي تسقطون معها، فابحثوا في أنفسكم عن جذور هذه النّتائج من خلال طبيعة هذه الأعمال، وابحثوا في حياتكم عن جذور هذه النّتائج من خلال طبيعة الأخلاق التي عشتموها: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}[النَّحل: 112].

الفساد الّذي تعيشه في حياتك إنما أتى من خلال الخلل في أوضاعك، ابحث عنه من خلال ما صنعته أنت مما يهيّئ لهذا الفساد ومما يسهِّل له في الحياة...

لذلك، لا بدَّ لنا أن نتفهّم القضايا التي نعيشها في حياتنا من خلال ما نفعله بأيدينا، وقد قال الله سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 53].

فالله قد يسلبك نعمة أنعمها عليك، فتفسد حياتك بذلك، وتكون القضيّة عند ذلك أنّ الله غيَّر هذه النعمة عنك، لأن نيّتك التي كانت طيبة، وكنت مستحقاً النعمة من خلالها، تغيَّرت إلى نيّة لا يرضاها الله، وإلى نيّة تجعلك محلاً لسخط الله سبحانه وتعالى، وتجعلك محلاً لأن يأتيك البلاء من خلال النتائج التي تحركت في أفعالك وفي أقوالك. وهكذا يريد الله منا أن نحارب الفساد في النّتائج فيما هي الآلام، وفيما هي الخسائر، وفيما هي الهزائم، وفيما هي الأوضاع القلقة في حياتنا السياسيّة والاجتماعيّة والجهاديّة، أن نغيّر ذلك بتغيير أنفسنا وتغيير أعمالنا وتغيير أقوالنا، لأنّ العمل إذا كان جيّداً، والقول إذا كان جيّداً، وإذا كان الوضع جيّداً، فلا بدَّ أن ينتج نتائج جيِّدة تبعاً لارتباط النّتائج بمقدّماتها.

نماذج من المفسدين

وهكذا يريدنا الله أن نتعرَّف مواقع الفساد في الأرض لنجتنبها، وأن نتعرَّف نماذج المفسدين في الأرض لنكفَّ عن دعمهم وتأييدهم وعن السّير معهم، وها نحن نواجه آيات قرآنيَّة تحدَّث الله فيها عن نماذج من المفسدين، وعندما نتلو آياته لنتعرَّف هذه النماذج التاريخيّة فيما ينزله الله علينا من آياته، فإنَّه تعالى لا يريدنا أن نستغرق في التّاريخ، فعندما يحدِّثك الله عن فرعون، لا يريدك أن تبحث عن نسب فرعون، ولا تبحث عن وطن فرعون، ولكن يريدك أن تبحث عن نموذج فرعون الموجود في حياتك في أيّ بلد مماثل، وفي أيّ حكم مماثل، وفي أيّ موقع مماثل من مواقع المسؤوليَّة.

وهكذا عندما يحدِّثك الله عن قارون كمفسدٍ في الأرض، فإنَّ الله لا يريدك أن تبحث عن نسبه، فالله لم يحدّثك عن تفاصيل نسبه، ولم يحدّثك عن كلّ خصائصه التفصيليّة، إنما أجمل لك الفكرة، حتى تأخذ من قارون نموذجاً لكثير من القوارين المعاصرين الذين يستغلون ثرواتهم لإفساد حياة الناس الاجتماعيّة والأخلاقيّة والسياسيّة، ولهذا اقرأوا كلام الله عن المفسدين فيما حدّثنا الله عن تاريخهم، لا تقرأوا ذلك في التاريخ، ولكن انطلقوا من نماذج التاريخ لتطّلعوا على نماذجهم في الحاضر: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: 4].

أسلوب فرعون في الفساد

فرعون كان من المفسدين. ما هو فساده؟ ما هو مظهر فساده؟

{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ}، كان يعيش العلوَّ بمعنى الاستكبار. كان يعيش الاستكبار، ويعتبر نفسه في المقام الّذي لا بدّ للناس أن يتعبّدوا له فيه، ويعتبر نفسه في الموقع الذي يرى لنفسه الحقّ في أن يتصرَّف في حياة الناس بما يشتهيه، دون أن يحقَّ لأحد أن يعترض عليه، لأنّه المالك للأرض والمالك للناس.

{وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَع}، قسَّم أهلها جماعات جماعات، فرَّق بينهم في طبقاتهم وفي مواقعهم، وأوجد النزاع فيما بينهم، ثم تحرَّك بعد أن سيطر على المجتمع من خلال إفساد المجتمع ببذر الخلافات والتّفرقة فيه، وتحريك الفتنة في داخله، عند ذلك، استطاع أن يجعل كلّ فئة تحاول أن تدرس أمورها من دون أن تهتمَّ بالآخرين، لأنَّ الآخرين ليسوا من طبقتنا، فلا يهمّنا ما يفعل بهم، أو لأنَّ الآخرين ليسوا من وطننا، فلا يهمّنا ماذا يفعل بهم، أو لأنّ الآخرين ليسوا من طائفتنا، فلا يهمّنا ما يفعل بهم.

عندما يقسم المجتمع طوائف وأحزاباً ومواقع، فإنَّ معنى ذلك أن كلَّ فئة تنغلق على نفسها، ولا تكون قوَّة لغيرها، ولا تشعر بمسؤوليَّتها عن غيرها...

وبذلك، يستطيع الّذي يريد ظلم الآخرين أن يظلم دون أن يعترض عليه أحد، لأنَّ الآخرين سوف يتفرَّجون عليه وهو يظلم، وسوف يتفرَّجون على المظلومين وهم يُظلَمون، دون أن يشعروا بمسؤوليَّة عن ذلك.

هذا هو الأسلوب الذي كان يتبعه فرعون؛ أن يجعل أهلها شيعاً، أن يجعلهم متفرّقين جماعات جماعات، كما نلاحظه فيما فعله الاستكبار، حيث إنّه قسم المسلمين إلى بلدان، وكلّ بلد منغلق على نفسه، وكل بلد يشعر بأنه ليس معنيّاً بالبلد الآخر، وأن البلد الآخر ليس معنيّاً به، ولا يجوز لبلد أن يتدخل في شؤون بلد آخر، فلو أن حاكم هذا البلد ظلم أهل هذا البلد من المسلمين أو من المستضعفين، فإن حاكم البلد الثاني ليس له أن يتدخّل في ذلك، بأن يحتجّ أو يستنكر أو ما إلى ذلك، لأنه تدخّل في الشؤون الداخليّة، باعتبار أن هذا بلد مستقلّ وذاك بلد مستقلّ.

وهكذا عندما فرّق الناس طوائف، أصبحت كلّ طائفة تشعر بأنها مستقلّة في أمنها وخوفها واقتصادها وسياساتها وفي مشاكلها وقضاياها، وبذلك، فلو أنّ هذه الطائفة ظلمت، فالطائفة الثانية لا دخل لها بذلك، وهكذا قسمنا أحزاباً وحركات ومنظّمات وجماعات، وأصبح كلّ واحد يقول كما قال ذلك الشّاعر:

ما علينا إن قضى الشّعب جميعاً أفلسنا في أمان؟!.

إذا قضى الناس كلّهم والطائفة باقية، إذا ماتوا كلهم والعشيرة باقية، إذا مات الناس كلّهم وهذا البلد باق... ما علينا؟! نحن لسنا مسؤولين عن النّاس. وعلى هذا الأساس، يستطيع الظالمون في الدّاخل وفي الخارج أن يأخذوا حريتهم في الظّلم دون أن يشعروا بأنّ هناك من يقف مع المظلوم في ظلامته من الدّاخل أو الخارج، لأنّ الأمر لا يمثّل وحدة الشعور، وبالتّالي، لا يمثِّل وحدة الموقف، لأنّه لا يمثّل وحدة المسؤوليّة فيما قسمه الاستكبار من مسؤوليّات، باعتبار اختصاص كلّ إنسان بمسؤوليَّته الذاتيَّة. وعلى هذا، كان فرعون يستضعف بعض أهلها، {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ}، وبقيّة الطوائف لا تحرّك ساكناً.

كيف كان يستضعف هذه الطائفة؟ {يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}.

هذه صورة لمفسدٍ في الأرض، بعد أن مدَّ له الله تعالى في ملكه وفي حياته، فأغرقه فيما أغرق.

نموذج قارون

ثم يحدّثنا القرآن عن مفسدٍ آخر: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 76-77].

قالوا له لا تبغ الفساد، أنت تملك المال الكثير، إنّك تملك ما لا يملكه أحد منّا، فإنّ كنوزك التي تمثّل أموالك وتمثّل ما تمتلئ به خزائنك، لا يستطيع حتّى القويّ أن يحمل مفاتحها، فأيّ ثروة هي هذه الثَّروة؟!

ولكن عليك أن تفهم أنَّ هذه الثّروة لم تأت "بشطارتك"، قد تكون "شاطراً" تعرف من أين تؤكل الكتف، ومن أين تجني المال، لكنَّ "شطارتك" هبة من ربّك بما أعطاك الله من عقل ومن وعي، وفيما هيّأه لك في كلّ ذلك. فالله هو الّذي رزقك، وعلى هذا الأساس، تصرَّف في مالك على أساس أن تصلح الحياة من خلال مالك، وأن تصلح أمور النّاس من خلال مالك، لا تبغ من مالك ما يفسد أخلاق النَّاس، ولا تشترِ من مالك ما يفسد حياة النّاس، ولا تحرِّك مالك في العلاقات التي تدمِّر مستقبل الناس، ولا توظِّف مالك في المشاريع التي تفسد أخلاق النَّاس وتفسد واقع النَّاس، ولا تبغِ الفساد في الأرض، إنَّ الله الذي أعطاك المال من خلال ما هيّأه لك من ظروف، هو القادر على أن يسلبك مالك، وأن يسلبك حياتك، لا مالك فحسب، لأنَّ الذي أعطى بقدرته، قادر على أن يسلبك إيَّاه بقدرته، ولأنّ الذي وهبك الوجود بإرادته، قادر على أن يسلبك الوجود بإرادته، لا تبغ بمالك، لا تفخر في مواقعك بثروتك {إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}.

{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ}، لتكن مشاريعك المشاريع التي يرضاها الله، لتكن معاملاتك فيما تبيع وتشتري المعاملات التي أحلّها الله، ليكن كلّ نشاطك الاقتصادي فيما يحبّه الله ويرضاه، {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَ}، كل ما تحبّ أن تأكله في حدود الحلال، واشرب ما تحبّ أن تشربه في حدود الحلال، والبس ما تحبّ أن تلبسه في حدود الحلال، واسكن في المكان الّذي تحبّ أن تسكنه في حدود الحلال، وتلذّذ بما تحبّ أن تتلذّذ به في حدود الحلال، لأنّ الحلال واسع، ولم يجعل الله الإنسان محصوراً في دائرة الحرام، فما من حرام إلا وهناك حلال بديل له.

الحرام في الطعام تستطيع أن تستغني عنه بالحلال في الطعام، والحرام في الشّراب تستطيع أن تستغني عنه بالحلال في الشّراب، والحرام في اللّباس والمسكن واللّذّة والشّهوة تستطيع أن تستغني عنه بالحلال في ذلك كلّه... لك أن تعيش، لك أن تتلذَّذ بما تحبّ، لك نصيبك من الدّنيا، لكن لا تبغ الفساد في الأرض.

لا تفسد جسدك فيما تأكله أو تشربه مما يفقد لك جسدك، وإن كنت تلتذّ به.. لا تفسد حياتك بما تفعله مما قد تلتذّ بأوّله، ولكنّك تعيش أقصى الآلام في آخره.

لا تفسد حياة الناس فيما تحرّكه من مشاريع تنطلق بعيداً من مصلحة النّاس، كالكثيرين من الّذين يتاجرون بالمحرَّمات، ويوظّفون أموالهم في المشاريع الّتي تفسد أخلاق النّاس وحياتهم، فيما يعتبرون بعضه مشاريع سياحيّة أو غير سياحيّة أو ما إلى ذلك... لا تفسد حياة النّاس فيما توظّفه من مشاريع تضعف الواقع الاقتصاديّ، عندما تهيّئ للاقتصاد المعادي أن يفرض نفسه... لا تبغ الفساد في الأرض، لا تنقل بضاعة العدوّ لتبيعها في بلدك، لأنّك بذلك تقوِّي العدوّ على أهل بلدك... لا تحاول أن تقوِّي اقتصاد العدوّ، حاول أن تجوع وتتحمَّل الجوع إذا كان شبعك سيقوِّي اقتصاد العدوّ... لا تبغ الفساد في الأرض، يمكن للإنسان أن يعيش ويتاجر ويربح ويقوم بالمشاريع وينمِّي ثروته من دون أن يفسد حياة النّاس {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}، فإذا أفسدت حياة النّاس، فإنَّ الله لا يحبّك، وإذا فقد الإنسان محبَّة الله، فقد كلّ مظهر للرَّحمة.

ولكنَّه تكبَّر وتجبَّر ونسي ربَّه {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ...}، فقد ذهب ماله، ولم يبق منه إلا التّاريخ الذي نأخذ منه العبرة.

هذا مفسدٌ في الأرض في التّاريخ، وهناك مفسدون في الأرض على مستوى الثّراء، هؤلاء الذين يكنزون المال وينكرون فضل الله عليهم في ذلك، ويبتعدون عمّا أراد لهم الله أن يتحرّكوا فيه من خلال ما أعطاهم، وينطلقون ليشعروا بالانتفاخ في الشخصيَّة، لأنّ هناك انتفاخاً في ثرواتهم، ويشعرون بالكبرياء في الموقع، لأنَّ هناك حجماً كبيراً في ثرواتهم، وينطلق البعض ليقول أنا تاجر وعندي عائلة وعندي مستقبل، ولا مانع من خلال منطق التجارة أن أحرّك مالي حسب السّوق وحسب الموسم، فإذا كانت السوق سوق المخدّرات، فعليّ أن أحرّك مالي في إنتاج المخدّرات وفي بيع المخدّرات، ولا مشكلة عندي أن يسقط المجتمع كلّه تحت تأثير المخدِّرات مادمت أربح المال!... ثم أذهب للحجّ من ثمن المخدّرات ليرضى الله عني، لا قيمة عندي لما يحدث للنَّاس من خلال المخدّرات، حتى يسقط النّاس اجتماعياً ويسقطوا سياسياً ويسقطوا اقتصادياً، على أساس أنّ الإنسان الذي يعيش مع المخدّرات، يتحول إلى إنسان مسلوب!

وهكذا المسلمون من التجّار ومن غير التجّار، يقولون صحيح أنَّ الله حرَّم عليهم بيع الخمر وحرّم عليهم القمار، ولكن نحن في لبنان، وهو بلد سياحيّ، فما هي المشكلة إذا فتحت قهوة في الجنوب أو في أيّ مكان من لبنان؟ والقهوة لا تنطلق إلا من خلال أفضل أنواع الخمر أو أقلّها، والقهوة لا تزدهر إلا من خلال القمار وما إلى ذلك، ولا مانع أن يكون هناك في القهوة غرف خلفيّة يحاول الناس أن ينفّسوا فيها عن شهواتهم بالحرام أو ما إلى ذلك! القصّة نحن بلد سياحيّ، وعلينا أن نعمل على ازدهار السياحة في بلدنا، وإن كان ذلك على حساب أخلاقنا، وعلى حساب ديننا، وعلى حساب التزامنا... وينطلق الصغار والكبار من السياسيّين وغيرهم ليتحدّثوا عن حريّة الإنسان!

إذا كان الإنسان حراً، كما تقولون، في أن يبيع خمراً، أو أن يفتح نادياً للقمار، فلماذا ينطلق العالم ليحجب حريّة الإنسان في بيع المخدّرات وفي غيرها؟ لماذا؟

أيّ فرق بين هذا وذاك؟ هذا يفسد الجسد وذاك يفسد الجسد، هذا حرّمه الله وذاك حرّمه الله، أيّ فرق؟

الفرق أنّ الدولة حرَّمت المخدّرات والله حرَّم الخمر، والدولة أباحت الخمر والله حرّمه، لهذا نحن مواطنو الدولة ولسنا مواطني الله، لأنّ الدين لله والوطن للجميع، فلا دخل لله في الوطن! ولذلك، فإنّ شريعة الله ليس لها دخل في الوطن! يقول ذلك السياسيون المسلمون ومسؤولون سياسيّون، ويضحكون على الذي يقول هذا حلال وهذا حرام، يضحكون عن ذلك ويقهقهون، ولكن ماذا يصنعون يوم القيامة؟ إنّ الله قد لا يخسف بهم الأرض كما خسف بقارون الأرض، ولكنّ الله قد يخسف بمواقعهم الاقتصاديّة والسياسيّة، وقد يخسف بحياتهم بطريقة وبأخرى، لأنَّ الله قد يمهل الإنسان، ولكن على الإنسان أن لا يغترّ بربّه، لأنّ الله قد يطبق عليه ببلاء من حيث لا يحتسب، كما يرزق بعض الناس من حيث لا يحتسبون.

إفساد بني إسرائيل

هذا نوع من المفسدين من الأرض، وهناك نوع آخر لانزال نعانيه، وهو إفساد اليهود وإفساد بني إسرائيل: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِير}[الإسراء: 4]. {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[المائدة: 64].

اليهود كانوا هم الفئة المشاغبة على الأوصياء وعلى الحياة، لأنهم يعتقدون أنهم شعب الله المختار، ولهذا كانوا يعملون على إفساد الأرض بكلّ القيم، وإفساد كلّ الخطوط المستقيمة، وإفساد كلّ الواقع الاقتصادي وكلّ الواقع الاجتماعي والسياسي، فيما يتوزَّعونه من مراكز القوى، وفيما يخطِّطون له من أدوار، ويقومون به من مؤامرات، وفي سعيهم في الأرض فساداً.

والله لا يحبّهم، ولكنَّ بعض المسلمين أصبح يحبّهم وينشئ معهم علاقات دبلوماسيّة واقتصادية وما إلى ذلك، بالرّغم من كلّ إفسادهم لكلّ واقع المنطقة، فيما أفسدوا به حياة الناس في مدى أربعين سنة، أو إذا تجاوزنا نشوء الدّولة في مدى خمسين سنة، هؤلاء أفسدوا الواقع كلّه، {وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}، ولكنّ الكثير من المفسدين السياسيّين والاقتصاديّين يحبّون المفسدين من اليهود، وليست المشكلة عندهم أنّ الله لا يحبّهم، لأنهم لا يعملون أيّ حساب لمسألة أن يحبَّ الله أحداً أو لا يحبّ.

استخدام القوّة للفساد

ثم بعد ذلك، يتحدّث الله لنا عن الذين يفسدون بقوّتهم: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ}[الفجر: 6-11].

هؤلاء الذين كانوا يملكون قوّة عضلية أو قوّة سلطوية أو قوّة إلهية أو قوّة اجتماعية، فسخّروا قوّتهم من أجل أن يفسدوا حياة الناس، كما يفعل الكثيرون عندنا ممن يملكون القوّة في أبدانهم، فيستغلّون ذلك للإغرار بالضّعفاء، أو ممن يملكون القوّة في سلاحهم، فيستغلّون ذلك لقهر الفقراء، أو يملكون القوّة في مواقعهم الرسميّة أو الحزبيّة، فيعملون على استغلال ذلك من أجل قهر المستضعفين وإذلالهم.

إنّ هؤلاء الذين قد يقرأ بعضهم القرآن، عليهم أن يفهموا أنهم قد يكونون نموذجاً لعاد ونموذجاً لثمود ونموذجاً لفرعون، لأن فرعون ليس مجرّد شخص، ولأنّ عاداً وثموداً ليسوا مجرَّد قوم، ولكنَّهم خطٌّ يتحرَّك في الحياة، فإذا عرفت أنّ الله يصبّ عليهم سوط عذاب، ويهدّد كلّ من يسير بسيرهم، ويرفض كلّ من يسير على هذه الشّاكلة، وكلّ من انطلق في هذا الخطّ، فإذا كنت مثلهم، فحاول أن تدرس حساباتك جيّداً، لأن من يراقبه الله، لا يفلت من الله تعالى، ولأنّ من يرصد الله خطواته، لا يمكن أن تبتعد خطواته عن المجال الّذي يواجه مصيره.

وهكذا يقول عن قوم صالح: {وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُواْ آلاء اللهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ}[الأعراف: 74].

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَ}[هود: 84]. لا تفسدوا حياة النّاس ببخس الكيل والميزان وبأمثال ذلك، لأنّ الله لا يحبّ المفسدين. وهكذا قال الله عن قوم لوط الّذين يتحرّكون في خطّ الفساد على أساس الفاحشة في الشّذوذ الجنسي: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ}[العنكبوت: 29].

هذه هي بعض نماذج المفسدين في الأرض، الّذين عاقبهم الله فيما عاقب به المفسدين، والّذين يريدنا الله أن ننطلق لنبتعد عنهم، فلا نكون منهم، ولا نشجِّعهم أو نتبعهم، ولا نقوِّيهم، لأن من قوَّى مفسداً حشر معه، ولأنَّ من أيّد مفسداً كان معه في نار جهنّم، ولأنّ الإنسان الذي يحبّ المفسدين، سوف يفقد حبّ الله له، ومن يفقد حبّ الله له، لا يمكن أن يحصل على أيّ شيء من الخير في حياته.

سبيل الصّلاح

ولهذا، أرادنا الله سبحانه وتعالى كمسلمين أن نصلح في كلماتنا لتكون كلماتنا كلمات الصلاح، وأن نصلح في أفعالنا لتكون أفعالنا أفعال الصلاح. نحن، أيّها الإخوة، مسؤولون عن أنفسنا أن نصلح أنفسنا، أن نكون من القوم الصّالحين، وأن نكون في مسيرة الصالحين، ونحن مسؤولون في أن نشارك في صلاح المجتمع، وأن نقوّي الذين يعملون من أجل صلاح المجتمع، وأن نحرّك الخطّ الصالح في السياسة لا الخطّ الفاسد فيها، وأن نحرّك النشاط الصّالح في الاقتصاد ولا نحرّك النشاط الفاسد فيه، لأننا مسؤولون عن حياتنا كلّها بحجم مواقعنا في هذه الحياة، وبحجم دورنا في هذه الحياة.

ليس لمسلم يريد أن يقول لنفسه إنَّ عليَّ أن أغلق بابي وليس من مسؤوليَّتي إذا خربت الدّنيا أو عمرت، أو إذا فسد الناس أو صلحوا. المسألة ليست كذلك، لأنَّ الله سبحانه حمّلك مسؤوليَّة أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، سواء كان معروفاً على مستوى القضايا الخاصّة أو على مستوى القضايا العامّة، وسواء كان منكراً على مستوى حياتك الخاصّة أو على مستوى حياة النّاس الخاصّة...

إنّ عليك أن تتحمل مسؤولية المجتمع: "كلّكم راع وكلّ راع مسؤول عن رعيته". إنّ علينا أن ننطلق على هذا الأساس.

العمر، أيّها الإخوة، ليس فرصة للّهو، وليس فرصة للاسترخاء والعبث وللهروب من المسؤوليّة، عمرنا في ما أراد الله لنا من حركة هذا العمر أن يكون العمر المسؤول، والذي نتاجر مع الله به، والذي نبيع ونشتري مع الله به، والذي نتحمل مسؤوليتنا أمام الله به، لأنّ "اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل"، وقد قال الله لكلّ منّا فيما خاطب الله به الناس، وليعرف كلّ منّا نفسه وهو يعمل: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[التّوبة: 105].

اعمل صباحاً واعمل مساءً، اعمل في كلّ مواقع العمل، ولا تعتبر نفسك خارجاً عن حدود الرّقابة، لأنّ الله يراقبك في كلّ أعمالك، ويراقبك في كلّ أقوالك، لأنّ الرسول يراقبك، ولأنَّ المؤمنين يراقبونك، غداً عندما تنشر نتائج أعمالك، وفي الدّنيا عندما تتحرَّك مواقع عملك.

ارفضوا الفاسدين

على هذا الأساس، لا بدَّ لنا أن نفهم أنَّ علينا أن لا نكون الفاسدين ولا المفسدين في الانحراف عن خطِّ الله وخطّ رسوله، وأن لا نقوِّي المفسدين ولا نؤيِّدهم. ليس لنا أن نؤيِّد كافراً يفسد عقائد النّاس، وليس لنا أن نؤيِّد فاسقاً يفسد أفعال الناس وحياتهم، وليس لنا أن نؤيّد فاسداً ينحرف بسياسة النّاس عن الخطّ المستقيم، وليس لنا أن نؤيّد فاسداً يحاول أن يفسد حياة النَّاس بثرائه أو بأخلاقه أو ما إلى ذلك، لأنَّك عندما تتبنَّى خطَّ الإيمان وخطَّ الصَّلاح، لا بدَّ أن تتبنَّاه في نفسك، فترفض من يتحرَّك بعيداً عن هذا الخطّ، وتتبنَّاه بلسانك، فترفض به من يتحرَّك بعيداً عن خطّ الصَّلاح، وتواجهه وترفضه بعملك، وفي الحياة كلّها...

بهذا نستطيع أن ننطلق بالخطّ الّذي يريدنا الله أن ننطلق به، وسينظر الله إلى مواقع كلّ منَّا؛ أين موقعك، مع من، وفي أيّ أفق، وفي أيّ جوّ، وإلى أيّة غاية؟!

{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}[الفجر: 14]، إنّه يرصدنا، وإن كنّا لا نطّلع كيف يرصدنا.

لهذا أيّها الإخوة، لا بدَّ من عمليّة حساب مع أنفسنا.

المصدر : محاضرة بتاريخ 19 ذو القعدة 1409 هـ / 23-6-1989 م 

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية