لعلَّ أفضل صورة تمثّل حالة العالم الآن، هي الصورة التي رسمها أمير المؤمنين
عليّ (ع) للعالم في عهده، ولو كان أمير المؤمنين حاضراً في عالمنا اليوم، لما زاد
كلمة على هذه في تصوير العالم، وقد سبق أن ذكرت لكم مراراً أن عليكم أن تستهدوا
عليّاً (ع) كإمام في الفكر والسياسة والاجتماع والإدارة، كما هو إمام في الجوانب
الأخرى، لأنَّ علياً هو العقل الذي لم يفهمه الذين عاشوا معه، وهو الذي لايزال يعطي
للعالم عقلاً، لأنه ابن الزمن كلّه والحياة كلّها، ولأنه هو وصيّ رسول الله (ص) على
الإسلام كلّه، والإسلام كلّه للحياة كلّها.
تعالوا نر مشاهد الصورة التي يرسمها عليّ (ع) عن زماننا: "عباد الله، إنّكم وما
تأملون من هذه الدنيا ـ في آمالكم التي تنفتح عليكم ـ أثوياء مؤجّلون ـ أي ضيوف
مؤجّلون، كلٌّ لأمد محدَّد ـ ومدينون مقتضون ـ فكلّ واحد مدين ومطلوب منه أن يقضي
دينه {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}، فللّه دَيْنٌ علينا جميعاً، وسيقتضي
الله ديْنه منّا من خلال أعمالنا يوم القيامة ـ أجلٌ منقوص، وعملٌ محفوظ ـ{عَنِ
الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ
رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}[الإسراء: 14] ـ فربّ
دائب مضيِّع ـ هو الّذي يداوم على العمل دون أن يأخذ من عمله شيئاً ـ وربّ كادحٍ
خاسرـ {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً
فَمُلَاقِيهِ}، {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ
ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
يُحْسِنُونَ صُنْعاً} ـ وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلاّ إدباراً، ولا
الشرّ فيه إلاّ إقبالاً ـ والشرّ فيه هو الحقد والظلم والحرب..
فهذه كلّها هي سمة الواقع الاستكباري العالمي الذي نعيشه ـ ولا الشيطان في هلاك
الناس إلاّ طمعاً ـ فالشيطان قد يطمع، لأنّ الظروف الموجودة بين يديه تطمعه في أنّ
الناس يقبلون عليه ويأتمرون بأمره ويسيرون وراءه ـ فهذا أوان قويت عدّته ـ أي
معطيات القوة الموجودة ـ وعمّت مكيدته ـ تحرّك بالكيد للناس، في إضلالهم وإبعادهم
عن الحقّ ـ وأمكنت فريسته ـ بمعنى أنّ الفريسة سهلت وتيسّرت ـ اضرب بطرفك حيث شئت
من الناس ـ انظر إلى أيّ جماعة من الجماعات، فماذا ترى؟! ـ فهل تبصر إلاّ فقيراً
يكابد فقراً ـ فهل تبصر إلاّ الفقراء الذين يكابدون فقراً ولا يجدون فرصةً لعيش
كريم ـ أو غنيّاً بدّل نعمة الله كفراً ـ هذا الغني الذي أنعم الله عليه من نعمه،
وأفاض عليه من رزقه، وحملّه مسؤوليّة أن يعطي من ماله للفقراء والمحتاجين، ولما
أراد الله أن يعطيه بما يرفع مستوى الحياة، كفر بنعمة الله، لأن شكر الغني لنعمة
الله، هو أن يخرج حقّ الله من ماله وأن يوجِّه ماله في خير الناس، فلا يتجر بما
يفسد حياة الناس، وأن يحرك ماله في طاعة الله لا في معصيته ـ أو بخيلاً اتخذ البخل
بحقِّ الله وفراً ـ هؤلاء الناس الذين أعطاهم الله مالاً، ولكنهم يبخلون على أنفسهم،
ويبخلون على الفقراء، ويخيَّل إليهم أنهم يوفرون على أنفسهم بذلك، لأنهم يتخيّلون
أنهم إذا صرفوا حقّ الله فهو خسارة. ولكن الإنسان لو وعى الحقيقة، لعرف أنّ ما
يبذله من حقّ الله هو له، وما يبقى بعده ليس له، "ما كان منه فاضلاً عن قوته،
فليعلمّن بأنه ميراثك"، {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ
عِندَ اللهِ}.
تلك هي المسألة، ولكنّهم لا يفهمون الحقيقة، لأنّ الشيطان غلب على عقولهم ـ أو
متمرّداً كأنّ بأذنه عن سمع المواعظ وقراً ـ أي كأن في أذنه صمماً، بحيث يتصرّف
وكأن لم يسمع المواعظ ـ أين أخياركم وصلحاؤكم، وأين أحراركم وسمحاؤكم، وأين
المتورعون في مكاسبهم ـ الذين يبحثون عن المكسب الحلال، لأنّ الكثير من الناس
يبحثون عن المكسب حلالاً أو حراماً ـ والمتنزّهون في مذاهبهم ـ الذين يبتغون
النزاهة في كلّ مواقعهم ومذاهبهم ـ أليس قد ظعنوا جميعاً عن هذه الدّنيا الدنيّة،
والعاجلة المنغّصة، وهل خلِّقتم إلّا في حثالة لا تلتقي إلاّ بذمّهم؟! ـ فالنّاس
الصلحاء والأحرار والطيّبون كلّهم ذهبوا وبقينا في حثالة من الناس ـ استصغاراً
لقدرهم، وذهاباً عن ذكرهم، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، ظهر الفساد، فلا منكرٌ
مغيّر، ولا زاجر مزدجر، أفبهذا تريدون أن تجاوروا الله في دار قدسه؟ ـ أي هل تريدون
بهذه الأوضاع والأعمال أن تحصلوا غداً على الجنّة ـ وتكونوا أعزّ أوليائه عنده؟
هيهات، لا يُخدع الله عن جنّته! ـ {يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا
يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ} ـ ولا تنال مرضاته إلاّ بطاعته ـ
فرضى الله لا يأتي بالتمنيات، بل بطاعته ـ لعن الله الآمرين بالمعروف التَّاركين له،
والنّاهين عن المنكر العاملين به.
*من أرشيف السيِّد – خطب الجمعة العام 1999.
لعلَّ أفضل صورة تمثّل حالة العالم الآن، هي الصورة التي رسمها أمير المؤمنين
عليّ (ع) للعالم في عهده، ولو كان أمير المؤمنين حاضراً في عالمنا اليوم، لما زاد
كلمة على هذه في تصوير العالم، وقد سبق أن ذكرت لكم مراراً أن عليكم أن تستهدوا
عليّاً (ع) كإمام في الفكر والسياسة والاجتماع والإدارة، كما هو إمام في الجوانب
الأخرى، لأنَّ علياً هو العقل الذي لم يفهمه الذين عاشوا معه، وهو الذي لايزال يعطي
للعالم عقلاً، لأنه ابن الزمن كلّه والحياة كلّها، ولأنه هو وصيّ رسول الله (ص) على
الإسلام كلّه، والإسلام كلّه للحياة كلّها.
تعالوا نر مشاهد الصورة التي يرسمها عليّ (ع) عن زماننا: "عباد الله، إنّكم وما
تأملون من هذه الدنيا ـ في آمالكم التي تنفتح عليكم ـ أثوياء مؤجّلون ـ أي ضيوف
مؤجّلون، كلٌّ لأمد محدَّد ـ ومدينون مقتضون ـ فكلّ واحد مدين ومطلوب منه أن يقضي
دينه {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}، فللّه دَيْنٌ علينا جميعاً، وسيقتضي
الله ديْنه منّا من خلال أعمالنا يوم القيامة ـ أجلٌ منقوص، وعملٌ محفوظ ـ{عَنِ
الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ
رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}[الإسراء: 14] ـ فربّ
دائب مضيِّع ـ هو الّذي يداوم على العمل دون أن يأخذ من عمله شيئاً ـ وربّ كادحٍ
خاسرـ {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً
فَمُلَاقِيهِ}، {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ
ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
يُحْسِنُونَ صُنْعاً} ـ وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلاّ إدباراً، ولا
الشرّ فيه إلاّ إقبالاً ـ والشرّ فيه هو الحقد والظلم والحرب..
فهذه كلّها هي سمة الواقع الاستكباري العالمي الذي نعيشه ـ ولا الشيطان في هلاك
الناس إلاّ طمعاً ـ فالشيطان قد يطمع، لأنّ الظروف الموجودة بين يديه تطمعه في أنّ
الناس يقبلون عليه ويأتمرون بأمره ويسيرون وراءه ـ فهذا أوان قويت عدّته ـ أي
معطيات القوة الموجودة ـ وعمّت مكيدته ـ تحرّك بالكيد للناس، في إضلالهم وإبعادهم
عن الحقّ ـ وأمكنت فريسته ـ بمعنى أنّ الفريسة سهلت وتيسّرت ـ اضرب بطرفك حيث شئت
من الناس ـ انظر إلى أيّ جماعة من الجماعات، فماذا ترى؟! ـ فهل تبصر إلاّ فقيراً
يكابد فقراً ـ فهل تبصر إلاّ الفقراء الذين يكابدون فقراً ولا يجدون فرصةً لعيش
كريم ـ أو غنيّاً بدّل نعمة الله كفراً ـ هذا الغني الذي أنعم الله عليه من نعمه،
وأفاض عليه من رزقه، وحملّه مسؤوليّة أن يعطي من ماله للفقراء والمحتاجين، ولما
أراد الله أن يعطيه بما يرفع مستوى الحياة، كفر بنعمة الله، لأن شكر الغني لنعمة
الله، هو أن يخرج حقّ الله من ماله وأن يوجِّه ماله في خير الناس، فلا يتجر بما
يفسد حياة الناس، وأن يحرك ماله في طاعة الله لا في معصيته ـ أو بخيلاً اتخذ البخل
بحقِّ الله وفراً ـ هؤلاء الناس الذين أعطاهم الله مالاً، ولكنهم يبخلون على أنفسهم،
ويبخلون على الفقراء، ويخيَّل إليهم أنهم يوفرون على أنفسهم بذلك، لأنهم يتخيّلون
أنهم إذا صرفوا حقّ الله فهو خسارة. ولكن الإنسان لو وعى الحقيقة، لعرف أنّ ما
يبذله من حقّ الله هو له، وما يبقى بعده ليس له، "ما كان منه فاضلاً عن قوته،
فليعلمّن بأنه ميراثك"، {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ
عِندَ اللهِ}.
تلك هي المسألة، ولكنّهم لا يفهمون الحقيقة، لأنّ الشيطان غلب على عقولهم ـ أو
متمرّداً كأنّ بأذنه عن سمع المواعظ وقراً ـ أي كأن في أذنه صمماً، بحيث يتصرّف
وكأن لم يسمع المواعظ ـ أين أخياركم وصلحاؤكم، وأين أحراركم وسمحاؤكم، وأين
المتورعون في مكاسبهم ـ الذين يبحثون عن المكسب الحلال، لأنّ الكثير من الناس
يبحثون عن المكسب حلالاً أو حراماً ـ والمتنزّهون في مذاهبهم ـ الذين يبتغون
النزاهة في كلّ مواقعهم ومذاهبهم ـ أليس قد ظعنوا جميعاً عن هذه الدّنيا الدنيّة،
والعاجلة المنغّصة، وهل خلِّقتم إلّا في حثالة لا تلتقي إلاّ بذمّهم؟! ـ فالنّاس
الصلحاء والأحرار والطيّبون كلّهم ذهبوا وبقينا في حثالة من الناس ـ استصغاراً
لقدرهم، وذهاباً عن ذكرهم، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، ظهر الفساد، فلا منكرٌ
مغيّر، ولا زاجر مزدجر، أفبهذا تريدون أن تجاوروا الله في دار قدسه؟ ـ أي هل تريدون
بهذه الأوضاع والأعمال أن تحصلوا غداً على الجنّة ـ وتكونوا أعزّ أوليائه عنده؟
هيهات، لا يُخدع الله عن جنّته! ـ {يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا
يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ} ـ ولا تنال مرضاته إلاّ بطاعته ـ
فرضى الله لا يأتي بالتمنيات، بل بطاعته ـ لعن الله الآمرين بالمعروف التَّاركين له،
والنّاهين عن المنكر العاملين به.
*من أرشيف السيِّد – خطب الجمعة العام 1999.