كتابات
11/11/2019

الأسلوب في إطلاق الفتاوى

الأسلوب في إطلاق الفتاوى

هناك فرق في الأسلوب الَّذي أتبنَّاه في الفتاوى الفقهيَّة، والأسلوب الَّذي يتبنَّاه الكثيرون من فقهائنا المعاصرين ومن تقدَّمهم في المرحلة السّابقة، وهو أنّني إذا ثبت لديّ دليل حكم شرعيّ من الكتاب والسنَّة والقواعد الاجتهاديّة، فإنّني أفتي به على أساس اقتناعي به، حتى لو كان مخالفاً للمشهور ومثيراً للجدل، بينما نجد أنَّ الكثيرين من فقهائنا، إذا لم يقتنعوا بحكم اقتناعاً كاملاً، وكان مشهور الفقهاء السَّابقين يتّخذ رأياً، فإنّهم يلجأون إلى الاحتياط، ويطلبون من النّاس الاحتياط في هذا المجال.

مثلاً في حلق اللّحية، نجد أنَّ كثيراً من علمائنا، ومن بينهم أستاذنا السيّد أبو القاسم الخوئي (رحمه الله)، كان لا يرى من ناحية الدَّليل الاجتهاديّ وضوح حرمة حلق اللّحية، لأنّه يناقش الأدلّة المطروحة في السّاحة، ولكن لأنَّ الفقهاء الّذين كانوا قد تقدّموه لم يفتوا بالحليّة، فضَّل الفتوى بالاحتياط، فذكر أنَّ الأحوط وجوباً ترك حلق اللّحية إلا في حالات الضَّرورة.

كذلك مثلاً، هناك الرّأي الذي يقول بنجاسة الكافرين من أهل الكتاب، فإنَّ السيّد الخوئي (رحمه الله)، كان يفتي بالاحتياط في النَّجاسة، ولم يفتِ بالطّهارة رغم وضوح أدلَّة الطّهارة عنده، بينما كان بعض معاصريه، وهو السيّد محسن الحكيم، يفتي بالطهارة عند أهل الكتاب.

أمّا بالنّسبة إليّ، فإنَّني أرى أنّه ليس هناك إنسان نجس، سواء أكان مسلماً أم كافراً، كتابيّاً أم غير كتابي، فأنا أرى طهارة كلِّ إنسان، وقد كان السيِّد الشّهيد السيّد محمد باقر الصّدر يرى هذا الرأي، ولكنّه يحتاط احتياطاً وجوبيّاً بالنّسبة إلى الكافر غير الكتابي، فلا يفتي بالنَّجاسة ولا يفتي بالطّهارة، انطلاقاً من تحفّظاتٍ تنطلق من أنَّ آراء العلماء الّذين سبقوا كانت على النّجاسة، وهو لم يقتنع بها، ففضَّل أن يحتاط، ولكنَّني لما ثبت لديّ هذا الحكم الشّرعيّ أفتيت بالطهارة، وكان هذا غير مألوف في السّاحة، وربما كنت أوَّل من أفتى بالطَّهارة المطلقة للإنسان.

أمَّا وجهة نظري في هذا المجال، فهي أنَّ الله سبحانه وتعالى شرَّع أحكامه لتحلّ مشاكل النّاس، والأحكام هي بين يدي المجتهدين، حسب فهمهم الاجتهاديّ للنّصوص الواردة في هذا المضمون. وإنّني أتصوَّر أنّه إذا ثبت لنا حكم شرعيّ يمكن أن يحلّ مشكلة النّاس، فلماذا نبقي حياتهم في دائرة التَّعقيد؟! وأذكر أنَّ المرحوم السيّد محسن الحكيم (رحمه الله)، عندما أراد أن يفتي بطهارة أهل الكتاب بعدما كان رأيه السّابق النّجاسة، تحدَّث إليه بعض معاونيه ومستشاريه أنّ هذه الفتوى قد تثير ضدّه جدلاً كبيراً من المخالفين له، لأنّه أوّل مجتهدٍ شيعيٍّ يفتي بالطّهارة، وكان جوابه: لديّ الكثير من المقلّدين الذين يواجهون مشكلات عامّة وخاصّة نتيجة اختلاطهم بالآخرين، ولما كنت مقتنعاً بهذه الفتوى، كان عليّ أن أطلقها لأحلّ مشكلات هؤلاء الناس.

أنا أرى أنَّ الاحتياط يكون في الفتوى بالأمور الّتي تثير الجدل، أو الأمور الّتي خالف فيها الفتوى، فمشهور الفقهاء ينطلق من حال تحفّظٍ تقويّةٍ يقف الإنسان فيها أمام نفسه ليحتاط لنفسه، حتى لا يفتي بفتوى يمكن أن تحمّله مسؤوليَّة، ولو بنسبة عشرة في المئة أمام الله، مما يمكن أن يكون قد أخطأ فيه في الواقع، ولكنّي لا أمانع أن يعيش الإنسان هذا النّوع من التحفّظ التّقويّ، وفي الوقت عينه، أجد أنَّ القضيَّة سلاح ذو حدَّين، فنحن في الوقت الَّذي نتحفَّظ عن ملاحظةٍ لحماية أنفسنا من احتمالاتٍ في مخالفة الواقع، نجد أنَّ هناك مشكلةً عامَّةً في النَّاس تفرض علينا أن نواجه حاجاتهم من موقع المسؤوليَّة، في المجالات الّتي نستطيع فيها أن نخلِّصهم من الأزمات الَّتي يعيشون نتيجة فتوى سلبيَّة في مجالٍ أو آخر.

إنّني أقول إنَّ الإنسان إذا أراد أن يعيش اجتهاده لنفسه من خلال تحفّظاته الذاتيَّة، فعليه أن لا يبرز إلى المجتمع كمرجعٍ في الفتوى، بل عليه أن يحتفظ بفتاواه واحتياطاته لنفسه.. أمّا إذا كنت الإنسان الّذي يقف لينيب عن المجتمع في اجتهاداته، وفي اكتشاف الحكم الشّرعيّ، فعليك أن تحمل مسؤوليَّاتك الاجتماعيَّة، فإذا تمّت لديك الأدلّة الشرعيَّة التي تستطيع أن تقدّمها أمام الله لو حاسبك، فليست هناك مشكلة في أن تطلق الفتوى، ولن يحاسبك الله على ما لا يد لك فيه لو كان هناك خطأ غير مقصود.

* من حوار فكريّ، العام 1995.

هناك فرق في الأسلوب الَّذي أتبنَّاه في الفتاوى الفقهيَّة، والأسلوب الَّذي يتبنَّاه الكثيرون من فقهائنا المعاصرين ومن تقدَّمهم في المرحلة السّابقة، وهو أنّني إذا ثبت لديّ دليل حكم شرعيّ من الكتاب والسنَّة والقواعد الاجتهاديّة، فإنّني أفتي به على أساس اقتناعي به، حتى لو كان مخالفاً للمشهور ومثيراً للجدل، بينما نجد أنَّ الكثيرين من فقهائنا، إذا لم يقتنعوا بحكم اقتناعاً كاملاً، وكان مشهور الفقهاء السَّابقين يتّخذ رأياً، فإنّهم يلجأون إلى الاحتياط، ويطلبون من النّاس الاحتياط في هذا المجال.

مثلاً في حلق اللّحية، نجد أنَّ كثيراً من علمائنا، ومن بينهم أستاذنا السيّد أبو القاسم الخوئي (رحمه الله)، كان لا يرى من ناحية الدَّليل الاجتهاديّ وضوح حرمة حلق اللّحية، لأنّه يناقش الأدلّة المطروحة في السّاحة، ولكن لأنَّ الفقهاء الّذين كانوا قد تقدّموه لم يفتوا بالحليّة، فضَّل الفتوى بالاحتياط، فذكر أنَّ الأحوط وجوباً ترك حلق اللّحية إلا في حالات الضَّرورة.

كذلك مثلاً، هناك الرّأي الذي يقول بنجاسة الكافرين من أهل الكتاب، فإنَّ السيّد الخوئي (رحمه الله)، كان يفتي بالاحتياط في النَّجاسة، ولم يفتِ بالطّهارة رغم وضوح أدلَّة الطّهارة عنده، بينما كان بعض معاصريه، وهو السيّد محسن الحكيم، يفتي بالطهارة عند أهل الكتاب.

أمّا بالنّسبة إليّ، فإنَّني أرى أنّه ليس هناك إنسان نجس، سواء أكان مسلماً أم كافراً، كتابيّاً أم غير كتابي، فأنا أرى طهارة كلِّ إنسان، وقد كان السيِّد الشّهيد السيّد محمد باقر الصّدر يرى هذا الرأي، ولكنّه يحتاط احتياطاً وجوبيّاً بالنّسبة إلى الكافر غير الكتابي، فلا يفتي بالنَّجاسة ولا يفتي بالطّهارة، انطلاقاً من تحفّظاتٍ تنطلق من أنَّ آراء العلماء الّذين سبقوا كانت على النّجاسة، وهو لم يقتنع بها، ففضَّل أن يحتاط، ولكنَّني لما ثبت لديّ هذا الحكم الشّرعيّ أفتيت بالطهارة، وكان هذا غير مألوف في السّاحة، وربما كنت أوَّل من أفتى بالطَّهارة المطلقة للإنسان.

أمَّا وجهة نظري في هذا المجال، فهي أنَّ الله سبحانه وتعالى شرَّع أحكامه لتحلّ مشاكل النّاس، والأحكام هي بين يدي المجتهدين، حسب فهمهم الاجتهاديّ للنّصوص الواردة في هذا المضمون. وإنّني أتصوَّر أنّه إذا ثبت لنا حكم شرعيّ يمكن أن يحلّ مشكلة النّاس، فلماذا نبقي حياتهم في دائرة التَّعقيد؟! وأذكر أنَّ المرحوم السيّد محسن الحكيم (رحمه الله)، عندما أراد أن يفتي بطهارة أهل الكتاب بعدما كان رأيه السّابق النّجاسة، تحدَّث إليه بعض معاونيه ومستشاريه أنّ هذه الفتوى قد تثير ضدّه جدلاً كبيراً من المخالفين له، لأنّه أوّل مجتهدٍ شيعيٍّ يفتي بالطّهارة، وكان جوابه: لديّ الكثير من المقلّدين الذين يواجهون مشكلات عامّة وخاصّة نتيجة اختلاطهم بالآخرين، ولما كنت مقتنعاً بهذه الفتوى، كان عليّ أن أطلقها لأحلّ مشكلات هؤلاء الناس.

أنا أرى أنَّ الاحتياط يكون في الفتوى بالأمور الّتي تثير الجدل، أو الأمور الّتي خالف فيها الفتوى، فمشهور الفقهاء ينطلق من حال تحفّظٍ تقويّةٍ يقف الإنسان فيها أمام نفسه ليحتاط لنفسه، حتى لا يفتي بفتوى يمكن أن تحمّله مسؤوليَّة، ولو بنسبة عشرة في المئة أمام الله، مما يمكن أن يكون قد أخطأ فيه في الواقع، ولكنّي لا أمانع أن يعيش الإنسان هذا النّوع من التحفّظ التّقويّ، وفي الوقت عينه، أجد أنَّ القضيَّة سلاح ذو حدَّين، فنحن في الوقت الَّذي نتحفَّظ عن ملاحظةٍ لحماية أنفسنا من احتمالاتٍ في مخالفة الواقع، نجد أنَّ هناك مشكلةً عامَّةً في النَّاس تفرض علينا أن نواجه حاجاتهم من موقع المسؤوليَّة، في المجالات الّتي نستطيع فيها أن نخلِّصهم من الأزمات الَّتي يعيشون نتيجة فتوى سلبيَّة في مجالٍ أو آخر.

إنّني أقول إنَّ الإنسان إذا أراد أن يعيش اجتهاده لنفسه من خلال تحفّظاته الذاتيَّة، فعليه أن لا يبرز إلى المجتمع كمرجعٍ في الفتوى، بل عليه أن يحتفظ بفتاواه واحتياطاته لنفسه.. أمّا إذا كنت الإنسان الّذي يقف لينيب عن المجتمع في اجتهاداته، وفي اكتشاف الحكم الشّرعيّ، فعليك أن تحمل مسؤوليَّاتك الاجتماعيَّة، فإذا تمّت لديك الأدلّة الشرعيَّة التي تستطيع أن تقدّمها أمام الله لو حاسبك، فليست هناك مشكلة في أن تطلق الفتوى، ولن يحاسبك الله على ما لا يد لك فيه لو كان هناك خطأ غير مقصود.

* من حوار فكريّ، العام 1995.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية