كان أسلوب النبيّ محمَّد (ص) في طريقة الحوار مع خصومه، مثلاً رائعاً على
حيويَّة القاعدة الإسلاميَّة في أسلوب الحوار ومرونتها.
وقد كانت مسيرة الدعوة، في الممارسة الرساليّة، خاضعةً في خطوطها العامّة والخاصّة
لحركة النبي، فقد كان هو الذي يتولى عمليّة خلق الجوّ الطبيعي للحوار وإدارته، ودفع
الدعوة إلى أن تتحرّك في إطاره، وبذلك كانت سيرته تجسيداً عمليّاً لكلّ القواعد
العامّة في الفكرة والأسلوب.
ويواجهنا ـ في الجانب ـ أسلوبان عمليَّان في حركة الدعوة الإسلاميّة في سيرة النبيّ
القرآنيّة:
الأوّل: الأسلوب العملي الذي يعتمد على تفريغ الموقف من الأفكار المسبّقة، التي
تحوّل الموقف إلى عُقدة تفرض نفسها على كلّ مواطن الحوار، وتشكّل حاجزاً يمنع
الأطراف من الشعور بحريّة الحركة في ما يقبلون وفي ما يرفضون، ويتمثل ذلك في اعتبار
الشكّ في الفكرة موقفاً مشتركاً بين الطرفين، يوحي لكلّ منهما بضرورة إعادة النظر
في القضيّة ومحاولة مواجهتها من جديد كما لم يواجهها من قَبْل، فليس هناك حكم سابق
من أيٍّ من الطرفين على خصمه بالهدى أو بالضّلال، بل هو الموقف المشترك الذي يريد
أن يصل إلى الحقيقة، من خلال الحوار الإيجابي القائم على الوعي والشّعور العميق
بالحاجة إلى الوقوف مع خطّ الإيمان بالنّتائج أيّاً كانت، وهذا ما تجسّده لنا الآية
الكريمة في قوله تعالى:
{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِين} (سبأ:24).
فلم يعطِ النبيّ (ص) في أسلوبه هذا لنفسه صفة الهدى، ولم يدمغ خصمه بصفة الضّلال،
مع إيمانه العميق بأنّ القضيّة في واقعها الأصيل لا تبتعد عن ذلك، ليترك المجال
للقضيّة أن تتحرّك في حُريةٍ، لتصل إلى النتيجة الحاسمة، من موقع الحرية الفكرية
المنطلقة مع الحوار في الخطّ الصحيح.
الثاني: الأسلوب العملي الذي يواجه فيه الخصم بقناعاته المرتكزة على ما يملك من
أدلّة وبراهين على صحتها ـ من جهة ـ وفساد الأفكار المضادة لها، من جهة أخرى، ولكنه
لا يجعل من هذه القناعات سداً منيعاً يغلق على الموقف أبواب التحرّك مع قناعات
الآخرين، بل يترك الباب مفتوحاً للأفكار المضادّة، لتطرح نفسها من جديد، من خلال ما
تملك من أدلّة جديدة تستطيع أن تتغلب على أدلة الفكرة التي يؤمن بها، لتثبت أنها
أفضل وأهدى سبيلاً.
ولعلّ وجه القيمة في هذا الأسلوب، أنه يجرّد الموقف من حالات التعصّب والتزمّت التي
تحجّر الفكرة، فلا تسمح لها بالتحرّك الذي تخوض معه الصّراع من جديد... فيكون
الموقف الإيماني واضحاً قويّاً يتحدّى ويقبل التحدي، بحيث يكون جاهزاً لذلك في كلّ
وقت، كلما برزت هناك حاجة جديدة للصّراع، أو كلّما استطاع الخصم أن يحصل على دليل
جديد للفكرة المضادّة، وهذا ما توضحه لنا الآية الكريمة: {قُلْ فَأْتُواْ بِكتَابٍ
مِّن عِندِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِين} (القصص:
49).
فالقضيّة، كلّ القضيّة، هي أنَّ هناك هدًى يجب أن يُتّبع في الطريق أو في الغاية..
وقد كان إيماننا ومسيرتنا في خطّ هذا الإيمان على أساس قناعتنا بأنّه الهدى وأنّ
غيره ضلال وانحراف، فإذا كان لديكم طريق أفضل، أو كتاب أهدى، فدلّونا عليه لنتبعه،
لأننا لا نخضع لأيّة عقدة ذاتية في هذا المجال.
إنّ كلا هذين الأسلوبين يلتقيان في إفساح المجال للحوار أن يتحرّك بكلّ حُرّية، لكنّ
الأول ينطلق من موقع الشك الذي يطرح كل القناعات جانباً، ليبدأ القضيّة من جديد؛
بينما يتمثّل الثاني في الوقوف مع القناعات في موقف متحرّك، ويترك المجال مفتوحاً
للقناعات المضادّة لكي تطرح نفسها، مع إعطاء إمكانيّة فكريّة ونفسيّة للإيمان بها
على أساس جديد.
وقد نشعر ـ كدعاة إسلاميّين ـ بالحاجة الملحّة إلى كلا هذين الأسلوبين، لنخترق
الحواجز الفكرية والنفسية التي يضعها خصوم الدّعوة إلى الله أمامها، ليمنعوها من
التحرّك، بما يثيرونه من الاتهامات الظالمة والمليئة بالتعصب والتزمّت والتحجّر،
التي تمنعنا من الدخول في عمليّة جدال معهم.
وربما تنطلق الحاجة إليه ـ في بعض الحالات ـ من الإحساس بضرورة اقتحام المواقف
المتعصّبة والمتعنّتة التي يقفها أولئك الخصوم، ليمنعوا أتباعهم من السير معنا
بعيداً في عملية الحوار الذي يقودهم إلى الإيمان بالله، فقد ينفع هذا الأسلوب في
دفع هؤلاء إلى الشكّ في عقيدتهم، عندما تتسلّم زمام المبادرة في الإعلان عن الشّكّ
في عقيدتك وفي عقيدتهم، كحركة بارعة للالتفاف حول الموقف.
وقد نجد الأثر الكبير ـ من خلال التجربة العمليّة ـ في الطريقة التي توحي بها لخصمك،
أنك لا تمانع من الوقوف معه والسير في اتجاه الخطّ الذي يؤمن به، إذا استطاع أن
يقنعك بأن عقيدته أفضل من عقيدتك، وبأنّ طريقه أهدى من طريقك... إنّك ـ بهذا
الأسلوب ـ تقدّم له الإغراء الكبير لأن يدخل معك عمليّة الحوار من أجل أن يجرّك إلى
موقفه. وهكذا تنجح في تحطيم الحاجز الذي يمنعه من الالتقاء بك في هذا المجال.
*من كتاب "الحوار في القرآن".