محاضرات
17/11/2023

بينَ حميّةِ الجاهليَّةِ وسكينةِ المؤمنين

السكينة

يقول الله تعالى في كتابه المجيد، وهو يضع الخطَّ الفاصل بين الكافرين والمؤمنين بقيادة رسول الله (ص): {إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}[الفتح: 26].
إنَّ الله تعالى يتحدث عن الطابع النفسي الذي يحكم العلاقات الاجتماعيَّة في المجتمع الجاهلي، ويؤكِّد أن الإنسان الجاهلي يتربى على الأنفة، أي على الإحساس المرضي بذاته. وباختصار، فإنَّ الحياة في نظرته إلى كلِّ شيء لا تكون إلَّا من خلال ذاته، فهو لا يرى إلا نفسه إذا كان يتعصَّب لنفسه، ولا يرى إلا عشيرته إذا كان يتعصَّب لعشيرته، أو لا يرى إلا قوميَّته أو ما أشبه ذلك من التجمّعات أو العناوين الَّتي يلتقي عليها النَّاس ويذوبون فيها.
وهكذا، يتربى الإنسان في الجاهليَّة على التكبّر، لأنَّ الحميّة تختزن التكبّر؛ أن تشعر بنفسك أنك أكبر من الآخر وأعظم منه، فالرجل يشعر بأنَّه أكبر من المرأة وأعظم منها، والشَّخص الذي ينتسب إلى عشيرة كبيرة يعتبر نفسه أكبر وأعظم من الَّذي لا ينتسب إلى عشيرة كبيرة، وهكذا نرى كيف أنَّ المرأة الجميلة تشعر بالكبرياء ضدّ المرأة غير الجميلة، أو الشّخص الَّذي يملك موقعاً اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً، فإنه يجد نفسه أكبر وأعظم من الذي لا يملك هذا الموقع، لأنه يستغرق في جانب واحد ولا يدرس بقيَّة الجوانب. والإنسان متعدّد الجوانب، فقد يتميّز شخص بالجمال والمال، وقد يتميّز شخص آخر عنه بالذكاء والعلم والعقل والخبرة... فالمطلوب أن يكون الإنسان واقعياً في نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين، فيدرس ما عنده من خصائص وما عند الآخر من خصائص، حتى يعرف حجمه أمام الآخر، ويعرف حجم الآخر أمامه. من خلال ذلك، فإنَّك تزداد إنسانيةً عندما تكتشف الجانب القوي في شخصيَّة الآخر، وتزداد تواضعاً عندما تكتشف تميّز الآخر عنك في بعض القضايا.
والله تعالى عبّر عن هذه الصّفة والطبيعة بالحميّة: {إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ} في عقولهم ومشاعرهم وأحاسيسهم {الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ}، ولذلك فإنَّ الإنسان المتكبر، والذي يشعر بالأنفة والتعاظم أمام الآخر، يعيش القلق، لأنه يظلّ يحدّق في نفسه ويشعر بالمشكلة عندما يتقدّمه الآخر في الحياة، أمَّا الإنسان المؤمن، فالله تعالى أنزل في قلبه السَّكينة، والسَّكينة هي الطمأنينة وهدوء النفس والعقل والطَّبع، بحيث يدرس الأمور دراسةً منطقيَّة وموضوعيَّة في عملية مقارنة دقيقة، ولذلك فهو يشعر بأنَّه إنسان يملك بعض صفات الإنسانيَّة، وأنَّ الإنسان الآخر يملك بعض صفات الإنسانيَّة الأخرى، فهما وإن تفوَّق أحدهما في جانب، إلَّا أنهما قد يتساويان عندما يقارنان فيما يملكان من مزايا وصِفات.
ولذلك كان قوله تعالى: {فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} أعطاهم الطمأنينة النفسية من خلال السكينة العقلية، {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ} وقال لهم كونوا الأتقياء، والتقوى هي أن تعرف أنَّ لصاحبك حقاً ولك حقّ، وله فضيلة ولك فضيلة، وأن لا تتكبَّر عليه ولا تتعاظم عليه، وإذا كان لك بعض التميّز، فإنه يملك في جانب آخر بعض التميّز.
وهذا يحتاج إلى الكثير من التربية والتفكير والدراسة ليعرف الإنسان حجمه، لأنَّ هناك حقيقة موجودة، وهي أنَّ الإنسان يُحشر يوم القيامة بأخلاقه، فقد يخيَّل إلى الإنسان أنه في الدرجة العليا لأنَّه استغرق في بعض الجوانب، ولكن قد يكون في حقيقته في الدَّرجة السفلى، والله تعالى قال: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا}[فاطر: 8]، ويقول سبحانه: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}[الكهف: 103 – 104].
{وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا} بكلمة التقوى {وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}.
 
*من خطبة جمعة لمساحته، بتاريخ: 17 كانون الثّاني 2003م.
يقول الله تعالى في كتابه المجيد، وهو يضع الخطَّ الفاصل بين الكافرين والمؤمنين بقيادة رسول الله (ص): {إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}[الفتح: 26].
إنَّ الله تعالى يتحدث عن الطابع النفسي الذي يحكم العلاقات الاجتماعيَّة في المجتمع الجاهلي، ويؤكِّد أن الإنسان الجاهلي يتربى على الأنفة، أي على الإحساس المرضي بذاته. وباختصار، فإنَّ الحياة في نظرته إلى كلِّ شيء لا تكون إلَّا من خلال ذاته، فهو لا يرى إلا نفسه إذا كان يتعصَّب لنفسه، ولا يرى إلا عشيرته إذا كان يتعصَّب لعشيرته، أو لا يرى إلا قوميَّته أو ما أشبه ذلك من التجمّعات أو العناوين الَّتي يلتقي عليها النَّاس ويذوبون فيها.
وهكذا، يتربى الإنسان في الجاهليَّة على التكبّر، لأنَّ الحميّة تختزن التكبّر؛ أن تشعر بنفسك أنك أكبر من الآخر وأعظم منه، فالرجل يشعر بأنَّه أكبر من المرأة وأعظم منها، والشَّخص الذي ينتسب إلى عشيرة كبيرة يعتبر نفسه أكبر وأعظم من الَّذي لا ينتسب إلى عشيرة كبيرة، وهكذا نرى كيف أنَّ المرأة الجميلة تشعر بالكبرياء ضدّ المرأة غير الجميلة، أو الشّخص الَّذي يملك موقعاً اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً، فإنه يجد نفسه أكبر وأعظم من الذي لا يملك هذا الموقع، لأنه يستغرق في جانب واحد ولا يدرس بقيَّة الجوانب. والإنسان متعدّد الجوانب، فقد يتميّز شخص بالجمال والمال، وقد يتميّز شخص آخر عنه بالذكاء والعلم والعقل والخبرة... فالمطلوب أن يكون الإنسان واقعياً في نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين، فيدرس ما عنده من خصائص وما عند الآخر من خصائص، حتى يعرف حجمه أمام الآخر، ويعرف حجم الآخر أمامه. من خلال ذلك، فإنَّك تزداد إنسانيةً عندما تكتشف الجانب القوي في شخصيَّة الآخر، وتزداد تواضعاً عندما تكتشف تميّز الآخر عنك في بعض القضايا.
والله تعالى عبّر عن هذه الصّفة والطبيعة بالحميّة: {إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ} في عقولهم ومشاعرهم وأحاسيسهم {الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ}، ولذلك فإنَّ الإنسان المتكبر، والذي يشعر بالأنفة والتعاظم أمام الآخر، يعيش القلق، لأنه يظلّ يحدّق في نفسه ويشعر بالمشكلة عندما يتقدّمه الآخر في الحياة، أمَّا الإنسان المؤمن، فالله تعالى أنزل في قلبه السَّكينة، والسَّكينة هي الطمأنينة وهدوء النفس والعقل والطَّبع، بحيث يدرس الأمور دراسةً منطقيَّة وموضوعيَّة في عملية مقارنة دقيقة، ولذلك فهو يشعر بأنَّه إنسان يملك بعض صفات الإنسانيَّة، وأنَّ الإنسان الآخر يملك بعض صفات الإنسانيَّة الأخرى، فهما وإن تفوَّق أحدهما في جانب، إلَّا أنهما قد يتساويان عندما يقارنان فيما يملكان من مزايا وصِفات.
ولذلك كان قوله تعالى: {فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} أعطاهم الطمأنينة النفسية من خلال السكينة العقلية، {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ} وقال لهم كونوا الأتقياء، والتقوى هي أن تعرف أنَّ لصاحبك حقاً ولك حقّ، وله فضيلة ولك فضيلة، وأن لا تتكبَّر عليه ولا تتعاظم عليه، وإذا كان لك بعض التميّز، فإنه يملك في جانب آخر بعض التميّز.
وهذا يحتاج إلى الكثير من التربية والتفكير والدراسة ليعرف الإنسان حجمه، لأنَّ هناك حقيقة موجودة، وهي أنَّ الإنسان يُحشر يوم القيامة بأخلاقه، فقد يخيَّل إلى الإنسان أنه في الدرجة العليا لأنَّه استغرق في بعض الجوانب، ولكن قد يكون في حقيقته في الدَّرجة السفلى، والله تعالى قال: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا}[فاطر: 8]، ويقول سبحانه: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}[الكهف: 103 – 104].
{وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا} بكلمة التقوى {وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}.
 
*من خطبة جمعة لمساحته، بتاريخ: 17 كانون الثّاني 2003م.
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية