يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد، مخاطبًا نبيَّه: {فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}[الشّورى: 15].
ويقول الله سبحانه وتعالى مخاطبًا المسلمين والنَّاس جميعًا: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}[الأنعام: 153].
ويقول سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}[فصّلت: 30- 31].
وفي آية أخرى، يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}[الأحقاف: 13].
تؤكّد هذه الآيات، وغيرها من الآيات، فكرة الاستقامة وفكرة الصّراط المستقيم، وهذا ما نتلوه في كلّ سورة فاتحة نقرأها، فنحن نطلب من الله دائمًا في قراءتنا للفاتحة، أن يهدينا الصّراط المستقيم، فنقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}[الفاتحة: 6 - 7].
بشرى للمستقيمين
هنا، كيف نحدّد الاستقامة؟ ما دمنا نعرف أنَّ {الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ}، وتطمئنهم وتؤمّنهم، وتقول لهم: {أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}. ونحن دائمًا نطلب من الله البشرى، ألا نقول: "اللَّهمّ إنّي أسألك البُشرى يَوم تقلّبُ فيه القُلوبُ والأبصَار، والبُشرى عندَ فراقِ الدّنيا"؟ من منَّا لا يحبّ أن يبشّره أحد بالجنَّة وبالأمن والطّمأنينة عندما يفارق هذه الدّنيا؟
إنَّ هذه الآية تعطي الإنسان الكثير من الجوّ المنفتح والمتعدّد والمتنوّع. فنحن عندما نفارق الحياة الدّنيا، نفارق أحبابنا وأقرباءنا وأولياءنا، ويشعر الإنسان بأنَّه سائر في هذا الطَّريق المظلم وحده، ليس هناك من أحد معه. والإنسان عادةً في الدنيا عندما يسير في طريق مظلم وطويل، يأنس بمن معه في الطَّريق، ولكن هذا طريق يسير الإنسان فيه وحده، ويدخل القبر وحده، ويُحشَر يوم القيامة وحده، {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}[مريم: 95]، {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}[الأنعام: 94]. فالإنسان يكون هناك وحده.
وعادةً، عندما يكون الإنسان في مثل هذه الوحدة، يبحث عمَّن يؤنسه، وعمَّن يبشّره ويحدّثه. وهذه الآية تؤكّد أنَّ الإنسان عندما يفارق الحياة الدّنيا، إذا كان ممن قال (ربي الله) ثمَّ استقام في هذا الخطّ، فإنَّ الملائكة تستقبله وتبشّره وتؤكّد له أنَّه يلتقي بهم كأصدقاء، فهم كانوا أصدقاءه وأولياءه في الحياة الدّنيا ولم يكن يشعر بهم، وهم الآن أصدقاؤه في الآخرة. والوليّ هو النَّاصر والمعين والَّذي يرعى أمور الإنسان. فعندما تقول الملائكة للمتَّقين والمستقيمين {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، كنَّا نرعاكم في الدّنيا ونحفظكم ونحميكم، ونحن أولياؤكم في الآخرة، نرعاكم ونحميكم فيها، لأنَّ الله أراد لنا أن نواكب المستقيمين على التَّوحيد في الدّنيا، وأن نواكبهم في الآخرة.
{نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}، بحيث يشعر الإنسان بأنَّه صار عنده أصدقاء، وأصدقاء ملائكة. إنَّ الصَّديق في الدّنيا يمكن أن يغشّ صديقه، ويمكن أن يتحوَّل إلى عدوّ، وهذا أمر يحدث كثيرًا، أمَّا الملائكة فلا يتغيّرون، فهم {لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}[التّحريم: 6]، بحيث تكون صداقتهم صداقة خالصة، وصداقة موظَّفة من قبل الله أن تكون مرافقة للإنسان حتّى يدخلوه الجنّة.
{وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ}، فالبشارة تبدأ أوّلًا بالجنَّة، فيطمئنّ الإنسان إلى مصيره، والجنّة الّتي يدخلها الإنسان لا حدود فيها ولا تقنين، ولا يُقال له خذ هذا واترك ذاك، بل تُفتح أمامه الآفاق كلّها، ويقال له: تمنَّ ما شئت، واطلب ما تشاء، {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}، فكلّ ما يطلبه الإنسان هناك مستجاب.
{نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ}. فأيّ سعادة، وأيّ طمأنينة، وأيّ راحة، وأيّ فرح كبير يشعر فيه الإنسان بهذا الموقف الَّذي كان يعيش فيه الحزن الكبير؟!
معنى الاستقامة في التَّطبيق
إذًا، هذه هي جائزة الاستقامة. فكيف يستقيم الإنسان؟ الاستقامة تعني أنّه يسير على الخطّ، فلا يذهب يمينًا ولا شمالًا، والخطّ المستقيم، كما يقال، هو أقرب بعد بين نقطتين، فهناك بداية، وهناك نهاية، ولكن تبقى البداية تتَّجه نحو النّهاية.
هنا، إذا قلنا: {رَبُّنَا اللَّهُ}، فكيف نستقيم على هذا الخطّ؟
(رَبُّنَا اللَّهُ) يعني أنَّ الله هو خالقنا ولا خالق غيره. (رَبُّنَا اللَّهُ) يعني أنّ الله معبودنا لا نعبد غيره. (رَبُّنَا اللَّهُ) يعني لا نطيع غيره، ولا نخضع لغيره، ولا نعصيه لنطيع غيره. (رَبُّنَا اللَّهُ)، يعني أنّه إذا أمرنا الله بشيء فعلينا أن نفعله، وإذا نهانا عن شيء فعلينا أن نتركه. (رَبُّنَا اللَّهُ) يعني أن نوالي من أحبَّه الله، ونعادي من أبغضه. (رَبُّنَا اللَّهُ) يعني أن لا نتَّخذ لأنفسنا دينًا غير دين الله، ولا نتَّخذ لأنفسنا وليًّا غير الله...
وإذا أردنا أن نطبّق هذا الأمر في حركة الحياة، ففي البداية، (رَبُّنَا اللَّهُ) هو الإيمان بالله، والإيمان بالله يختزن في داخله الإيمان برسل الله، فإذا آمنَّا بالله، وأرسل الله إلينا رسلًا يبلّغوننا أوامره ونواهيه، فلا بدَّ لنا أن نتَّبع هؤلاء الرّسل، لأنّهم لا يمثّلون أنفسهم، وإنَّما يمثّلون الله في كلماتهم ورسالاتهم، فإذا كانوا يمثّلون الله، فطاعتنا لهم هي طاعةٌ لله، {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}[النّساء: 80]. وهكذا الإيمان باليوم الآخر، هو أيضًا إيمانٌ بالله، لأنَّ الإيمان باليوم الآخر هو أنَّ الله يبعث النَّاس ليحاسبهم على أعمالهم من خير أو شرّ. فمن يقول (رَبُّنَا اللَّهُ)، معناها أنّه يلتزم دين الإسلام، لأنَّ الإسلام هو رسالة الله، ويعمل للآخرة، لأنَّ الآخرة هي المرحلة الَّتي يقف النَّاس فيها جميعًا بين يدي الله ليحاسبهم.
الالتزامُ بالإسلامِ وحدَه
هنا في الحياة اتّجاهات كثيرة، وأديان كثيرة، فهناك أديان ماضية، وهي الأديان السَّماويَّة، وهناك أديان القرن العشرين، الأديان الماضية هي اليهوديَّة والنَّصرانيَّة. فنحن إذا آمنَّا بالإسلام من خلال ما تختزنه كلمة (رَبُّنَا اللَّهُ)، فمن الطَّبيعيّ أن لا نكون يهودًا ولا نصارى، وإن كنَّا نؤمن بأنَّ اليهوديَّة كانت في البداية رسالة الله، ولكنَّها انتهت عند حدود مجيء عيسى (ع)، والنَّصرانيَّة كانت رسالة الله، ولكن انتهت عند حدود رسالة النّبيّ محمَّد (ص). ورسالة النَّبيّ (ص) هي رسالة الحياة، فعلى النَّاس أن يأخذوا بها، لأنَّها تجمع العناصر الحيَّة الموجودة في رسالة موسى ورسالة عيسى (ع)، لأنَّ الإسلام يؤمن بالرّسل كلّهم، ويجمع الرّسالات كلّها، ولا يفرّق بين أحد من رسله. إذًا، عندما نكون مسلمين، فمعنى ذلك أن لا نكون يهودًا ولا نصارى.
وهناك أديان جديدة موجودة في واقعنا اليوم، وهي الَّتي تسمَّى الأفكار العقائديَّة أو الأحزاب العقائديَّة، وهي أديان القرن العشرين. يعني، مثلًا، الماركسيَّة الَّتي تتبنَّاها الأحزاب الشّيوعيَّة في العالم؛ هل يمكن أن أقول (رَبُّنَا اللَّهُ) وأكون ماركسيًّا؟ الآن لنفهم ما هي الماركسيَّة؛ الماركسيَّة ترتكز على أساس إنكار ما وراء الطَّبيعة كلّه، يعني لا تعترف بوجود الله، وترى أنَّ الأنبياء خرافة، وأنَّ الكتب السماويَّة ليست كتبًا سماويَّة. هذه هي حقيقة العقيدة الماركسيَّة.
ونأتي إلى الجانب الاقتصاديّ أيضًا الّذي يختلف في الاشتراكيّة عمَّا هو في التَّنظيم الإسلاميّ.
خطّان لا يلتقيان
فهل يمكن أن أقول (ربّي الله) وأستقيم على هذا، وأكون ماركسيًّا؟ إنَّ هذا غير ممكن. أن أقول (ربي الله) و(ربي الطَّبيعة)، فهل يجتمعان؟ أكيد لا، فالواحدة منهما تنفي الأخرى. ونحن عندما نتكلّم بهذا الموضوع، لا نتكلّم سياسيًّا، وإنّما نتكلَّم فكرًا. إنَّ أيَّ شخص شيوعيّ حقيقيّ، إذا طلب منه أن يحدّثنا عن الفكر الشّيوعيّ، سيقول إنَّ الفكر الشّيوعيّ هو فكر إلحاديّ، يعني أنّه يعتبر المادَّة أساس الكون وليس الله أساس الكون. فكيف يمكن لشخص مستقيم على طريق الإسلام أن يكون شيوعيًّا؟ إنَّ هذا غير ممكن، فإمَّا أن يكون شيوعيًّا أو مسلمًا، ولا يمكن أن يكون الاثنين معًا.
نحن الآن، مثلًا، ألا نستنكر أن يقال إنَّ فلانًا مسلم كاثوليكيّ؟ هل نقبلها؟ لأنَّ الكاثوليكيّ يعني أنّه يعتقد بالعقيدة المسيحيَّة، والمسلم يلتزم عقيدة الإسلام، فكيف يجتمعان؟ أو أن نقول فلان مسيحيّ شيعيّ، فهل يصحّ ذلك؟ لا يصحّ. وما نقوله عن الإسلام والماركسيَّة أكثر من هذا، لأنَّ هناك ما يجمع المسيحيّ والمسلم، لكن ليس هناك ما يجمع المسلم والماركسيَّ أبدًا، ولو واحد في المائة، في المسألة العقيديَّة. أمَّا في المسائل السياسيَّة، فيمكن أن يلتقي الشّيوعيّون والمسلمون على خطوط سياسيَّة بمواجهة الاستعمار وإسرائيل، أمَّا في العقيدة فغير ممكن، إلّا أن يكون شيوعيًّا مزيَّفًا أو مسلمًا مزيَّفًا، لأنَّهما خطَّان لا يلتقيان أبدً.. فهل يمكن للشَّخص أن يقول لا إله، وأن يقول هناك إله، في الوقت نفسه؟! لا يمكن.
وأيضًا فيما يتعلَّق بالأحزاب الأخرى، كالأحزاب القوميَّة أو الأحزاب الاشتراكيَّة أو غيرها... قد لا تكون أحزابًا ملحدة، فقد يقولون نحن نؤمن بالله، لكنَّهم لا يؤمنون بالأنبياء كما نؤمن بهم نحن، فهي أحزاب علمانيَّة، تعتبر النبوَّات حركات إصلاحيَّة، ولا تؤمن بشيء اسمه وحي نزل من السَّماء عليهم، ولا بالرّسالات الإلهيَّة. مثلًا، بعض المفكّرين القوميّين العرب يقول إنَّ محمّدًا عاش آلام العروبة، كما لو أنَّه عاش آلام شعبه، وانطلق من خلال هذه الآلام بحركة ثوريَّة إصلاحيَّة، فهم يقولون عنه إنَّه مصلح اجتماعيّ، ثائر، عبقريّ، أمَّا {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ}[الكهف: 110]، {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}[الأحزاب: 45]، فهذه ليست واردة عند كلّ الأحزاب العلمانيَّة، فهم لا يلحدون بالله على طريقة الفكر الشّيوعيّ، ولكنَّهم لا يؤمنون بالنّبوَّات، وبهذا فإنَّهم لا يؤمنون بالإسلام كدين، ويعتبرون أنَّ الإسلام حركة حضاريَّة عاشت في الواقع العربيّ، وأنَّ الحضارة انطلقت من خلال العرب، وانطلقت من خلال محمَّد العربيّ المنفتح على الواقع العربيّ، والَّذي انطلق من خلال فكره في هذا الاتجاه. وبعض النَّاس يرتاحون عندما يقال إنَّ محمَّدًا عربيّ، ومحمَّد بليغ، من جهة بلاغة القرآن، لأنَّه في نظرهم هو من كَتَبَه، ولكن نحن لا يعنينا من الأمر التّركيز على محمَّد (ص) كشخص، وإنّما كرسولٍ لله، {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ}[الفتح: 29]، باعتبار أنّ الاسلام هو رسالة الله.
فعندما نواجه المسألة بعقل، فلا نريد أن نواجهها من أجل الاستهلاك السياسيّ. نحن نقول إنَّ الاتجاهات الفكريَّة الموجودة في العالم المعاصر، كالاتجاهات الفكريَّة الموجودة في العالم السّابق، فعندما نريد أن نتبنَّى اتّجاهًا، علينا أن نفهمه جيّدًا، وأن نقارن بينه وبين الاتّجاه الَّذي نؤمن به.
رفض ازدواجيَّة الانتماء
هذه نقطة أساسيَّة لا بدَّ أن ندرسها، وهذا هو خطّ الاستقامة، فنحن الآن نستقيم على خطّ التَّوحيد، وخطّ التَّوحيد يعني أنّنا نريد لحياتنا في فكرنا، وقلبنا، وإحساسنا، وحركتنا، أن نكون منفتحين على الله، فلا يمكن أن نرتبط بأيّ فكر ينكر وجود الله، وإلّا يكون الأمر كمن يؤمن بالشَّيء وضدّه، كمن يقول فلان موجود وغير موجود، فهل هذا ممكن؟! فهذا معناه أنَّ الله موجود وغير موجود.
وهكذا إذا كنّا نؤمن برسالة رسول الله، وبالاستقامة على خطّ هذا الإيمان في الجانب العقيديّ، يعني أنَّنا لا نؤمن بأيّ خطّ في الحياة ينكر رسالة رسول الله، حتَّى لو كان يعظّم محمَّدًا، فتعظيمه كعبقريّ شيء، وكرسول الله شيء آخر.
نحن نريد أن نؤكّد هذا المعنى لمسألة واحدة، وهي أنَّ على الإنسان دائمًا أن يحترم فكره، وأن يحترم انتماءه. عندما أحترم فكري، فإنَّ مظهر احترامي لفكري هو أن لا أنتمي إلى أيّ فكر آخر مضادّ له، أو لا أنتمي إلى شيء لا أفهمه. الآن هناك كثير من النّاس تنتمي إلى الأحزاب من خلال الطّروحات السياسيَّة، وهي لا تعرف الطّروحات الفكريَّة العقيديَّة الَّتي ترتكز عليها الطّروحات السياسيَّة. فليس من خطّ سياسيّ في الأحزاب العلمانيَّة الموجودة في العالم - ولا نتحدَّث عن لبنان وعن بلاد العرب فقط - إلَّا وهو ينطلق من خطّ فكريّ فلسفيّ، فعلينا أن ندرس هذا الفكر الَّذي يطرح علينا، لنقارن بينه وبين فكرنا، فإمَّا أن نقتنع به فنترك فكرنا، أو نقتنع بفكرنا فنتركه، أمَّا الجمع بينهما، فهذا أمر غير وارد، وعلى الإنسان أن يحترم نفسه، فلا ينتمي إلى أيّ خطّ لا يفهمه ولا يعرف طبيعته ولا يعرف قاعدته، لأنَّ حركتنا في أيّ خطّ من الخطوط تنطلق من قاعدة، فلا بدَّ أن نركّز نقطة الانطلاق، حتَّى نستطيع أن نخضع كلَّ حركتنا لها في هذا المجال.
وأنا أرجو من كلّ إخواني وأخواتي، أن لا يبعدوا فكرهم عن مواجهة كلّ الطّروحات الَّتي تعرض عليهم، فلا بدَّ لنا أن نناقش أيّ طرح يطرح علينا بطريقة عقليَّة، بعيدًا من الأسلوب العاطفيّ، لأنَّنا سنقف غدًا بين يدي الله سبحانه وتعالى، لنقدّم دفاعنا عن إيماننا وعن انتمائنا، كما نقدّم دفاعنا عن أعمالنا.
فالاستقامة في هذا المجال بهذا الشَّكل، تعني الاستقامة على خطّ التَّوحيد وعلى خطّ الرّسالات، بحيث لا ننحرف عن هذه الخطوط لنلتزم خطوطًا أخرى هنا وهناك.
الاستقامة عمليًّا
أمَّا الاستقامة في الخطّ العمليّ، فهي أن ننطلق من فكرة (رَبُّنَا الله). ما موقع الرّبّ بالنّسبة إلى الإنسان؟ موقع الرّبّ أن يُعبَد، وأن يطاع. فإذا أنا آمنت بأنَّ الله ربّي، ثمَّ آمنت بأنَّ محمّدًا جاء برسالته من عند ربّي، يعني أنَّ الله بعث لي رسالة فيها كلّ التَّعليمات الَّتي يريد لي أن أطبّقها في حياتي، وأيضًا يذكر لي أنَّ هذه التَّعليمات إذا طبَّقتها، فأنا المرضيّ عنده، وأنا الَّذي أرث جنَّته، وإذا لم أطبّقها، فأنا المغضوب عليه من قبله، وأنا الَّذي أدخل ناره.
كيف نستقيم؟ نستقيم بمعنى أنَّ كلّ شيء يأمرني الله به، فعليَّ أن أسير فيه، وكلّ شيء ينهاني الله عنه، فعليَّ أن أتركه، من دون مناقشة، لأنّي إذا قلت (ربّي الله)، معناه أنَّ الله الَّذي خلقني يعرف ما يصلحني وما يفسدني أكثر مما أعرف نفسي، لأنَّه هو الَّذي خلقني ويعرف كلّ شيء، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الملك: 14].
فالله عندما أمرني، أمرني بما يصلح أمري، وعندما نهاني، نهاني عمَّا يفسد أمري. فالاستقامة هي السَّير على الخطّ، بحيث لا يذهب الإنسان يمينًا ولا شمالًا، ولا يأخذ بهذا أو ذاك، بل يلتزم فقط بما قاله الله.
الالتزام بأوامر الله
كيف نفهم ذلك من القرآن؟ يقول تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[الأحزاب: 36]، كأن يقولوا نحن نريد أن نراجع فكرنا، ونرى إذا كنّا سنقبل أو لا نقبل، بل إنّهم يقولون إذا أراد الله فعلينا أن نخضع. فلا كلمة بعد كلمة الله، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ففي يوم القيامة {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ}[طه: 111]، فلا يستطيع أحد أن يتكلّم بشيء {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا}[النّبأ: 38]. وكذلك في الدّنيا، نحن لا نملك أمرنا أمام ربّنا، وهذا معنى العقيدة بالله.
نعم، نحن نملك أمرنا بعضنا أمام بعض، فقد يأتي شخص ليفرض علينا أمرًا، فنقول نحن أحرار، يمكن أن نقبل أو لا نقبل، وفي كلّ أمورنا، وأيًّا كان هذا الشَّخص، قريبًا كان أو بعيدًا، وحتّى لو أراد الأب أن يفرض شيئًا، أو أرادت الأمّ أن تفرض شيئًا، أو الزّوج أو الزّوجة أو الابن أو الأخ أو الأخت أو الصّديق أو أيٌّ كان، فهناك حريَّة للإنسان، وطبعًا في نطاق القانون. والله لم يسلّط إنسانًا على إنسان أبدًا، فالنَّاس مسلَّطون على أنفسهم، وإنَّما الإنسان بالتَّعاقد يمكن أن يسلّط شخصًا عليه، كما عندما نعقد عقد عمل مع إنسان، فالعامل بإرادته هو من سلّط صاحب العمل عليه في نطاق العمل، وكذلك المرأة هي حرّة قبل أن تتزوَّج، ولكن عندما تتزوّج، فإنّها تجعل لزوجها سلطة عليها في نطاق العقد الزّوجي، كما أنّ الزّوج في عقد الزواج، يجعل لزوجته حقًّا عليه في نطاق العقد الزَّوجيّ.
ففي العلاقات الإنسانيَّة، نسلّط بعضنا على بعض من خلال التَّعاقد، فالتَّعاقد الإنسانيّ هو الَّذي يجعل إنسانًا يتسلَّط على إنسان باختياره وإرادته، وكلّ تسلّط لا يكون ناتجًا من الاختيار، لا قيمة شرعيَّة له، فلو أنَّ فتاة أجبرها أهلها، مثلًا، على الزّواج من شخص معيّن، وتحت التَّهديد، ولم تكن راضية بذلك، فيمكنها، كما بيَّنّا أكثر من مرَّة، أن تخرج من حفلة الزّواج لتتزوّج أيّ إنسان كان، لأنَّ العقد باطل من دون رضاها، وهو عقد لا قيمة له، وإذا جاء أحد وغصب علينا لنبيعه أرضًا من دون رضانا، فالعقد باطل، وهكذا في كلّ شيء. فالله لم يسلّط إنسانًا على إنسان؛ لم يسلّط رجلًا على امرأة، ولا امرأة على رجل، الكلّ سواء أمام الله، كلّنا عباد الله، وإنَّما يكون إنسانٌ أكرم عند الله من إنسان بالتَّقوى.
هذا أمام الإنسان، أمَّا أمام الله، فلا حريّة لنا. لماذا؟ لأنَّه هو الَّذي خلقنا؟ من الَّذي يملك كلَّ ما عندنا؟ فهو الَّذي يملك رأسنا ولساننا وعيوننا وكلّ شيء فينا... من الَّذي سخَّر لنا عناصر الغذاء والشَّراب واللّباس والسُّكنى؟ كلّه من الله، الأرض الّتي نسكنها هي من خلق الله، والثّياب الّتي نلبسها أساسها من صنع الله، والطَّعام الَّذي نطعمه هو من الله، كلّ شيء هو ملك الله. فإذا كنّا نحن جميعنا ملك الله، فماذا نملك نحن؟... فأمام الله، لا يستطيع الإنسان أن يقول أنا حرّ.
بعض النَّاس تقول لها: تعالي يا فلانة صلّي، تقول أنا حرَّة، لا أريد أن أصلّي، تعال يا فلان صم، يقول أنا حرّ، لا أريد أن أصوم. كما بعض الفتيات، تقول أنا مسلمة مؤمنة أصلّي وأصوم، ولا أرتكب الحرام، إن شاء الله، ولكنّي لست مقتنعة بالحجاب.. ولكن هل هناك حجاب في الإسلام أم لا؟ فإذا قيل إنَّ الإسلام لم يشرّع الحجاب، نبحث هل شرّعه أم لم يشرّعه، لكن إذا اتَّفقنا على أنَّ الإسلام شرَّع الحجاب من خلال القرآن، ومن خلال السنَّة النَّبويَّة الشَّريفة، فإذا كانت الفتاة مسلمة، ولكنّها تقول لست مقتنعة بالحجاب، فكيف يتّفقان؟
أنا أحبّ لكلّ واحدة منكنّ عندما تتكلّم بكلمة أن تعرضها على عقلها، لتعرف هل هي منسجمة مع ما تؤمن به؟ يعني مثلًا، أن يقول أحد أنا أؤمن بالإسلام وأؤمن بالدّين، ولكن لا مانع بين وقت وآخر أن أشرب كأسًا من الخمر من جهة مجاملة النَّاس حولنا، أو أن تقول الفتاة لنفسها لا مانع من أن أصافح أجنبيًّا، أو أيّ شيء آخر، والآية القرآنيَّة تقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[الأحزاب: 36].
لا انتقائيّة في الالتزام
إذًا، الاستقامة على خطّ الشَّرع، يعني أنَّنا إذا اقتنعنا بأنَّ الله أحلَّ شيئًا فعلينا أن نتقبَّله، وأنّه إذا حرَّم شيئًا أيضًا فعلينا أن نرفضه، لا أن يكون الأمر من قبيل ما يفعل بعض النَّاس من اختيار ما يعجبه من الدّين وترك ما لا يعجبه منه، كما بعض النّاس، تراه يصلّي ويصوم ويذهب إلى الحجّ والزّيارة، ولكنَّه ليس مستعدًّا أن يخمّس أمواله، لأنَّ الصّلاة والصّوم لا يخسّران، وفي الحجّ والزّيارة سياحة وشغل وتجارة، أمَّا الخمس والزّكاة، فليس مستعدًّا أن يدفع ما عليه منهما. ونحن علينا أن نأخذ الدّين جملةً وتفصيلًا، أو أن نتركه جملةً وتفصيلًا، لأنَّ القاعدة واحدة. الله يقول: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض}[البقرة: 85]. هذا كتاب الله، فإمَّا تأخذه بكلّه، إذا كنت تؤمن بأنّه كتاب الله، وإمَّا تتركه بكلّه إذا لم تكن تؤمن به.
لهذا، أحبّ أن أقول لكلّ الأخوات، وخصوصًا المتعلّمات والمثقَّفات اللّواتي يقلن نحن لسنا مقتنعات بالحجاب، لسنا مقتنعات بهذا الحكم الشّرعيّ أو بذاك، هذه كلمة (لسنا مقتنعات) لها معنيان، فمرَّة نقول نحن لسنا مقتنعين، بمعنى أنَّه ليس ثابتًا عندنا أنَّ الإسلام شرَّع هذا الشَّيء، فما العمل هنا؟ {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[النّحل: 43]، فإذا اختلفنا في مسألة معيَّنة، نسأل أهل الاختصاص. الآن مثلًا، عندما يأتي شهر رمضان، ترى الكثيرين يسألون الأطبّاء؛ هل يمكن لهم الصّوم أو أنّه يضرّ بهم، حسب وضعهم الصّحيّ، فإذا قال الطّبيب لمريض إنَّ الصّوم يضرّ به، يقول الفقيه إنَّ الطّبيب من أهل الخبرة، وطالما قال إنَّ الصّوم مضرّ بهذا المريض، فيحرم عليه الصَّوم. كذلك إذا كان الموضوع يتعلَّق بالهندسة، نذهب إلى المهندس، أو بالمسألة القانونيَّة نذهب إلى المحامي، أيضًا في المسائل الفقهيَّة نذهب إلى الفقيه، لأنَّ طريقة العقلاء هي الرّجوع إلى أهل الاختصاص.
أمَّا أن نقول إنّ هذا الشّيء موجود في الإسلام، ولكنّي لست مقتنعة به، فهذا يعني إمَّا أنّ الله أخطأ، أو أنَّ النَّبيّ لم يحسن التّبليغ! وإلّا ما معنى أني لست مقتنعة، أو أن أقول إنَّ هذا الشَّيء الَّذي جاء في الإسلام خطأ؟ ولكن من الَّذي أرسل الإسلام؟ الله هو الَّذي أرسله. يعني عندما يذكر الله شيئًا في القرآن ونقول هذا خطأ، ما معنى ذلك؟ معنى ذلك أنَّ الخطأ من الله - تعالى الله عن ذلك - أو أنّه يعني أنَّ الله قال شيئًا، بينما نقله النَّبيّ بطريقة أخرى! بينما في القرآن يقول الله عن النَّبيّ (ص): {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}[النّجم: 3 - 4]، والله يقول لرسوله: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ - يعني لو نسب إلى الله في شريعته أو في قرآنه شيئًا لم يقله الله - لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}[الحاقّة: 44- 46]. فإذا كان الله أنزل الأمر في كتابه، وإذا كان النَّبيّ صدق في كلامه، ثمّ تقول لست مقتنعًا وأنت مسلم، فكيف يصحّ ذلك؟ فكّروا فيها.
قد يكون لدى الشَّخص شبهات أو إشكالات أو بعض التَّعقيدات، فليحاول أن يلجأ في ذلك إلى النَّاس المختصّين ليجيبوه، على أن يواجهوا أسئلته بأجوبة مقنعة وليس بأيّ جواب.
اختيار الجنَّة أو النَّار؟!
فإذًا، هل نحن نريد الجنَّة أم لا؟ هذه الَّتي تقول أنا لست مقتنعة بالحجاب، أو هذه الّتي تقول أنا لست مقتنعة بأنَّ مصافحة الرَّجل حرام... أو من يقول أنا لست مقتنعًا بهذا الحكم أو ذاك الحكم، هنا نسأل: هل تريدون الجنّة أم أنّكم لا تريدونها؟ إذا كنتم لا تريدونها، فاعملوا ما تشاؤون {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}[الكهف: 29].
قد يقول إنسان أنا حرّ أريد النَّار، فلماذا تضغطون عليّ؟ ونقول له: لا أحد يضغط عليك أبدًا، ادخل النَّار إذا أردت ذلك، ونحن لا نستطيع أن نفعل لك شيئًا. قد نحاول إنسانيًّا أن نمنعك، لكن إذا أصرّيت، فلا يستطيع أحد أن يفعل لك شيئًا.
ومرّة نقول نحن نريد الجنّة، ولكنَّ الجنَّة لها شروط، وشرطها أمران: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}[فصّلت: 30]. أمَّا الإنسان الَّذي يكون في الخطّ الثَّاني، فله حسابات ثانية: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ}[الحاقّة: 30 - 35].
جلسة يوميَّة مع النَّفس
ينبغي للإنسان دائمًا في الحياة أن تكون عنده فرصة في كلّ يوم للجلوس مع نفسه بين يدي ربّه، ولاحظوا ذلك في التّجربة، فنحن الآن مشكلتنا الأساسيَّة في حياتنا كلّها أنّنا لسنا متفرّغين لأنفسنا، قد تجد المرأة متفرّغة لأولادها، ولزوجها، ولصديقاتها، وللمناسبات الاجتماعيَّة، وماذا ستطبخ اليوم، وغير ذلك من الأمور الّتي تشغلنا من الصّباح حتّى المساء، نبقى مشغولين بكلّ شيء خارج أنفسنا، وليس من الخطأ أن ينشغل الإنسان بمثل هذه المسؤوليَّات المتعلّقة به، ولكنّ الخطأ أن لا نجلس ولو ساعة واحدة مع أنفسنا، بل أن ننشغل بكلّ شيء إلّا بها، بحيث يكون الإنسان غير مستعدّ لأن يعيش مع نفسه حالة سكون وهدوء، مع أنَّ الإنسان يحتاج أن يفكّر في نفسه: من أنا؟ على أيّ أساس ترتكز أعمالي؟ كيف هو مستقبلي؟ ما هو مستقبلي مع هذا الإنسان؟ فأنا قد أتغيّر وقد يتغيّر هو، ما هي ظروفنا الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة؟ وكيف نرتّب أوضاعنا حتّى لا تضغط ظروفنا علينا؟ أن نفكّر في الآخرة وما بعد الموت ونحضّر لها، أن ألتفت إلى أنّ عمري صار عشرين سنة، ثلاثين سنة، فكم هي أعمالي الخيّرة وكم هي أعمالي الشرّيرة؟ والله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}[الحشر: 18]. وهذا يحتاج من الإنسان ولو ساعة، أو نصف ساعة، ليفكّر في هذه الأمور بهدوء، وكما نفكّر في غيرنا، أن نفكّر في أنفسنا، لأنّنا إذا لم نفكّر في أنفسنا، تكون حياتنا صدى للآخرين.
الآن، نحن عندنا عادات وتقاليد وأخلاق وأوضاع معيَّنة، فلو فكّرنا: هل نحن صنعنا أنفسنا؟ أبدًا، فقد أخذنا عاداتنا وتقاليدنا وأوضاعنا من الآخرين، وحتّى حبّنا وبغضنا في بعض الحالات، نأخذه من النَّاس.. ألا يوجد ناس يبغضون من يبغضهم أهلهم، ويحبّون من يحبّونهم؟ مع أنَّ الأهل قد يكونون مخطئين... فنحن يختار الآخرون لنا شخصيَّاتنا. فلماذا لا نحاول أن نعيد النَّظر في شخصيَّاتنا الَّتي اختارها لنا الآخرون؟ ولا سيَّما أنَّنا نحاسب في الدّنيا على أساس شخصيَّاتنا نحن، فالنَّاس عندما يقولون لنا: لماذا فعلتم ذلك؟ نقول لأنَّ أهلنا كانوا يفعلون ذلك، ولماذا مشيتم في هذا الطّريق وأيّدتم فلانًا ورفضتم فلانًا؟ نقول لأنَّ أهلنا كانوا هكذا.. ولكنَّ الإنسان العاقل الّذي يملك فكرًا، عليه أن يختار لنفسه.
وهذا في الدّنيا، ولكن ماذا أمام الله {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}[النّحل: 111]؟! فهل نستطيع أن ندافع عن شيء لا نفهمه؟ وهل نستطيع أن ندافع عن خطّ لا نقتنع به؟ فإذا لم نحضّر دفاعاتنا من الآن في الدّنيا، فلن نستطيع أن ندافع عن أنفسنا أمام الله...
لذلك يقول الله سبحانه: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا – وهو الإسلام بعقيدته وشريعته - فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعوا السُّبُلَ}[الأنعام: 153]، يعني لا تتّبعوا أيّ طريق آخر، بحيث يسير الإنسان مع الله ورسوله ومع كلّ من يسير معهما، وليس في أيّ طريق آخر.
فإذا استطعنا أن ننظّم أمورنا ونرتّبها بأوضاعنا وعلاقاتنا، فنحن في خطّ الاستقامة، وإلَّا نكون في خطّ الانحراف، وخطّ الانحراف يؤدّي بنا الى نار جهنَّم.
والحمد لله ربّ العالمين.
* من خطبة الجماعة لسماحته للنّساء، في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 05/03/1993م.