محاضرات
02/02/2026

ولادةُ المهديّ (عج): الأملُ بالعدلِ الشَّامل للعالمين

ولادةُ المهديّ (عج): الأملُ بالعدلِ الشَّامل للعالمين

يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}[الأنبياء: 105]، ويقول سبحانه: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ}[القصص: 5 – 6].

الإيمانُ بالمهديّ (عج)

في هذه اللَّيلة، نلتقي بذكرى ميلاد إمامنا الحجَّة (عج)، الَّذي جاء عن رسول الله (ص) بأحاديث متواترة يرويها المسلمون جميعاً، أنَّه "لن تنقضيَ الأيَّامُ واللَّيالي، حتَّى يبعثَ اللّهُ رجلاً من أهلِ بيتي، يواطئُ اسمُهُ اسمي، يملأُها عدلاً وقسطاً، كما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجوراً".

وهذا ما أشار إليه رسول الله (ص) في حديث الثّقلين: "إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، ما إنْ تَمَسَّكْتُم بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتابَ اللهِ، وَعتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ".

وهكذا كانت العقيدة بالإمام المهديّ (عج) عقيدةً تنطلق من خلال كلام رسول الله (ص) الّذي {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهوىٰ * إِنْ هو إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}[النّجم: 3-4]، وهي غيب من غيب الله، فقد شاءت حكمة الله أن يغيب الإمام (عج) عن الأبصار هذه المدَّة الطَّويلة الَّتي لا نعرف مداها، لأنَّ الله أعدَّه ليكون الإمام الغائب الَّذي يطلّ بروحه على الواقع، ليعطيه من روحه روحاً، ومن إشرافه عليه كلَّ ما يمكن أن يفتح عقول النَّاس وقلوبهم على الله سبحانه وتعالى، ليكون الإنسان الَّذي يحقّق العدل الشَّامل في الأرض.

وكما قلنا، فقد ثبتت عقيدة المهدي (عج) لدى السنَّة والشّيعة، حتَّى قال ابن خلدون في تأريخه، بأنَّ الأحاديث الَّتي وردت فيه (عج)، هي من الأحاديث المتواترة الَّتي لا يمكن أن يرقى إليها الشَّكّ، ولذلك فهي حقيقة إسلاميَّة، وليست مجرَّد عقيدة شيعيَّة. فالمسلمون من أهل السنَّة يعتقدون بالإمام المهديّ، كما يعتقد المسلمون الشّيعة به، وإن كان هناك خلاف في بعض التَّفاصيل.

إشكاليَّةُ العمرِ الطّويل

وإذا كان النَّاس يستبعدون هذا العمر الطَّويل، فإنَّ قدرة الله سبحانه وتعالى لا يُستبعَدُ معها أن يكون للإنسان هذا العمر الطّويل، وقد قرأنا في القرآن أنَّ نوحاً (ع) لبث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاماً {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا}[العنكبوت: 14]، ولا ندري مدَّة لبثه بعد ذلك.

لهذا، فإنَّ مسألة استبعاد العمر الطَّويل لا تثبت أمام العلم، لأنَّ العلم أثبت إمكان أن يعيش الإنسان آلاف السنين، إذا استطاع أن يصل إلى بعض الأسرار الَّتي يمكن أن تحفظ للجسد خلاياه بطريقة وبأخرى. وكما قلنا، هي مسألة منطلقة من إرادة الله وغيبه، والله أرادنا أن نؤمن بالغيب كما نؤمن بالحضور {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[الأحزاب: 36].

رسالةُ العدلِ الشَّامل

وما نريد أن نستوحيه في هذا الجوّ المبارك، هو أنَّ علينا أن نعيش العناوين الكبرى الَّتي ينطلق بها الإمام الحجّة (عج) ويتحرَّك بها، فالإمام (عج) لن يأتي بدين جديد، وإنما ينطلق من خلال الإسلام الَّذي هو دين جدّه (ص) الَّذي أوحى به الله سبحانه وتعالى إليه. ومن هنا، فإنَّ كلّ دعوته، وكلّ حركته، وكلّ برنامجه، ينطلق من الإسلام كلّه؛ الإسلام في عقيدته ومفاهيمه وشريعته.

 ولذلك، فإنَّ علينا عندما نلتزم إمامته وقيادته، وننتظر ظهوره، أن نعيش مع الإسلام في كلّ مواقعه الفكريَّة والعمليَّة، لأنَّه أمانة الله عند رسوله وأوليائه، وعند المسلمين جميعاً.

وهكذا نجد أنَّ العنوان الكبير الَّذي انطلق به الإسلام للحياة كلّها وللإنسان كلّه، هو عنوان العدل الشَّامل، فالله يريد العدل لكلّ النَّاس، وفي كلّ مكان وزمان، فهو تعالى لا يقبل أن يُظلَم أيُّ مخلوق في الأرض، حتَّى النَّملة الصَّغيرة، لا يريد الله للإنسان أن يظلمها، وقد عبَّر عن ذلك الإمام عليّ (ع)، رائد العدل، عندما قال: "واللَّه، لَوْ أُعْطِيتُ الأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّه فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ، مَا فَعَلْتُه".

والله أراد للعدل أن ينطلق مع المسلمين ومع غيرهم، وأن ينطلق مع الكبير والصّغير، فحركة العدل في الإسلام هي الحركة الَّتي تطبَّق على المستضعفين والمستكبرين، لأنَّ النَّاس في العدل سواء، وهذا ما عبَّر عنه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، عندما قال: "الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ"، وقد قال رسول الله (ص)، أستاذ عليّ (ع): "إنَّمَا أهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سرَقَ فِيهِم الضَّعِيفُ أقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ. وأيْمُ الله، لَوْ أنَّ فاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا".

إنَّ العدل هو للنَّاس كافَّة، وعلى النَّاس كافَّة، وقد أراد الله لنا أن نعدل في قولنا، حتَّى لو كان قولنا متعلّقاً بأقرب النَّاس إلينا {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَو كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}[الأنعام: 152]، لا تحاب أيّ أحد في مسألة العدل حتّى لو كان قريبك، بل قل كلمة العدل ولو كانت ضدَّه {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَو الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}[النّساء: 135]، اشهد على نفسك إذا كنت في خطّ الباطل وكان الحقّ لغيرك، اشهدْ على أبيك وأمّك، اشهدْ على إخوتك وأقربائك، لأنَّ العدل لله وليس للنَّاس. وهكذا يريدنا الله سبحانه وتعالى إذا خاصمنا أحداً أو عاديناه، سواء كان من أهل ديننا، أو من غير أهل ديننا، أن لا نظلمه {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هو أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}[المائدة: 8].

العدلُ المتبادل

وقد أراد الله للنَّاس أن يأخذوا بالعدل على مستوى حياتهم الفرديَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة والأمنيَّة؛ أن يتحرَّك النَّاس في الحياة، لا على أساس أن يعتبر أيّ واحد منهم أنَّ له الحقّ على كلّ النَّاس، ولا حقّ للنَّاس عليه، بل أن يعرف أنّه كما له على النَّاس حقّ، فللنَّاس عليه حقوق، لأنَّ القضيَّة هي قضيَّة تبادل الحقوق بيننا وبين النَّاس، حتى إنَّ الله الَّذي لا حقّ لأحد عليه، بل له الحقّ على كلّ النَّاس، فهو الخالق للكون كلّه وللنَّاس كلّهم، وهو الرازق والمعطي، فلا حقّ لأحد عليه، ولكنَّه سبحانه وتعالى جعل بلطفه ورحمته حقّاً للنَّاس عليه، فقال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}[البقرة: 40]، أوف بعهد الله، بأن توحّده ولا تشرك به شيئاً، وأن تطيعه ولا تعصيه، وأن تعبده، فالله يعطيك الرّزق والنّعمة واللّطف والكرامة، ويمنحك في نهاية المطاف جنَّته.

لذلك، مهما علت درجتك، وحتَّى لو كنت في أعلى درجات السّلَّم الاجتماعيّ، لا تفكّر أنَّك الإنسان الَّذي لا بدَّ للنَّاس أن يقدّموا إليه فروض الطَّاعة والاحترام والتّقدير، وأن يكرموه، وليس للنَّاس عليه حقّ، أنت الإنسان الَّذي تتبادل الحقوق في إنسانيَّتك مع الآخرين.

وفي ضوء هذا، رأينا أنَّ الإمام زين العابدين، عليّ بن الحسين (ع)، عندما كان يسافر مع إحدى القوافل، كان يشارك أفرادها في الخدمات دون أن يعرفوه، وعندما يعرفونه، يقولون له: لِـمَ لم تعرّفنا بنفسك، إنَّ لك الحقَّ علينا في أن نعظّمك ونكرمك، وربما بدرت من أحدنا بادرة تسيء إليك، فيقول لهم: "أَكْرَهُ أَنْ آخُذَ بِرَسُولِ اللَّهِ مَا لَا أُعْطِيَ مِثْلَهُ"، فإذا كان النَّاس يقدّرونني ويعظّمونني باسم رسول الله، لأنّ لي علاقة به، فعليَّ أن أعطي النَّاس من خدماتي لهم ومن رعايتي لهم ما يساوي ذلك.

عندما تفكّر أن تأخذ، فكّر ماذا تعطي، لا تفكّر أن تكون الآخذ دائماً، بل فكّر أن تكون الآخذ المعطي؛ أن تعطي النَّاس من علمك، ومن جهدك، ومن جاهك، ومن مالك، ومن قوَّتك، لتأخذ مقابل ذلك ما تريده منهم.

لذلك، أراد الله للإنسان أن يفكّر بهذه الطَّريقة في كلّ حياته، فعندما تكون في بيتك أباً وزوجاً، فكّر أنَّه كما لك حقّ على زوجتك، فلزوجتك حقّ عليك، وكما أنَّ لك حقّاً على أولادك، فلأولادك حقّ عليك، أن لا تعتبر نفسك الحاكمَ المطلق لزوجتك، بحيث تمنعها من أيّ شيء يتَّصل بإنسانيَّتها، ولا الحاكم المطلق لأولادك، أنت وزوجتك خاضعان لعقدٍ فيما بينكما، وليس لك حقّ عليها، ولا لها حقّ عليك، إلَّا ما يقتضيه العقد الشَّرعيّ، وكما تبقى لك حرَّيتك خارج نطاق العقد، فهي كذلك. إنَّ الزّواج لا يجعل المرأة مستعبدة للرّجل، ولا يجعلها أمةً له، بل يبقيها إنسانةً كما هو إنسان، يتحركان على أساس المودَّة والرَّحمة، وعلى أساس ما قاله الله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}[البقرة: 228].

وهكذا، أنت لا تملك أن تكون لك السّلطة المطلقة على أولادك وبناتك، فعندما يكونون صغاراً قبل البلوغ، فإنَّ عليك في ولايتك لهم أن ترعى مصلحتهم، وأن لا تفسد أمرهم، لا تتعاطى وكأنَّ ولدك يمثّل قطعة أثاث من أثاثك، وملكاً من أملاكك، لتجرّب عضلاتك فيه، ولتحاول أن تنفّس عن غيظك فيه؛ إنَّ ولدك أمانة الله عندك، وعليك أن لا تتحرَّك في كلمة أو في ضربة أو في أيّ عمل، إلَّا بمقدار ما يريد الله لك أن تصلح أمره، أو تصلح جسده، أو تصلح عقله. بعض النَّاس يتَّخذون لأنفسهم كلَّ الحريَّة في التَّدخّل في خصوصيَّات أولادهم وبناتهم، حتَّى لو كانوا بالغين راشدين، على أساس أنَّ له الولاية عليهم، ولكن إذا بلغ الولد وبلغت البنت، وكانا راشدين، فلا ولاية للأب ولا للأمّ ولا لأحد عليهما؛ إنهما يكونان بالغين راشدين كما أنت بالغ رشيد، فلا فرق بينك وبين أولادك البالغين، إلّا ما أراده الله لهم أن يحسنوا إلى والديهم.

لذلك، لا بدَّ أن نعتبر أنَّ لكلّ إنسان حقّاً عند الآخرين وعليه واجب تجاههم. وإذا استطعنا أن ننطلق في الحياة على هذا الأساس، فإنَّنا نستطيع حينها أن نتوازن في مجتمعنا، فعندما تعرف أنَّ عليك واجباً، وأنَّ لك حقّاً، فعند ذلك تتحرَّك في الحياة من خلال واجبك، لتطلب من النَّاس ما هو واجب عليهم تجاهك. هذه هي الطَّريقة الَّتي تمنع الظّلم؛ هذا التَّوازن بين حقّك وحقّ الآخرين، هو الَّذي يمنع النَّاس أن يظلم بعضهم بعضاً، ويمنعهم أن يتكبَّر بعضهم على بعض.

الابتعادُ عن الاستعلاء

وقد أراد الله للإنسان في أيّ موقع من مواقعه، أن لا يستعلي على الآخرين. إنَّ فرعون كان بعيداً من الله سبحانه وتعالى، لأنَّه كان عالياً في الأرض وكان من المسرفين، فقد استعلى على قومه، واستضعف النَّاس الضّعفاء في موقعه، ولا بدَّ للإنسان أن لا يعيش الاستعلاء على النَّاس. هب أنّك تملك المال الكثير ولا يملكه الآخر، أو أنَّك تملك العلم الكثير ولا يملكه الآخر، أو أنَّك تملك القوَّة الكبيرة ولا يملكها الآخر، لكنَّك إذا كنت تملك مالاً، فقد يملك الآخر علماً، وإذا كنت تملك علماً، فقد يملك الآخر طاقةً، وهكذا، لأنَّ الله لم يجمع الصّفات كلّها في إنسان واحد، فإذا كان لديك ما ليس عند الآخر، فالآخر أيضاً لديه ما ليس عندك، وهذا هو الَّذي يجعلنا نتكامل في إنسانيَّتنا ونتعارف.

بينَ العدلِ والسَّلام

أيُّها الأحبَّة، إنَّ قيمة ذكرى الإمام المهديّ (عج)، هي أنَّ يومه هو يوم العدل الشَّامل، والإسلام لا ينادي بالسَّلام العالميّ الشَّامل فقط، وإنما ينادي بالعدل العالميّ الشَّامل، لأنَّ السَّلام إذا لم يكن قائماً على أساس العدل، فهو سلامٌ يختزن في داخله حرباً مستقبليَّة، لأنَّ الظّلم في كلّ مواقعه، حتَّى لو كان في داخل السَّلام، لا يمكن أن يبقى لدى المظلومين ساكناً هادئاً، بل إنَّه يعمل على أن يحرّك أوضاعهم، وينمّي خطواتهم.

*من خطبة الجماعة لسماحته في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 05/01/1996م.

يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}[الأنبياء: 105]، ويقول سبحانه: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ}[القصص: 5 – 6].

الإيمانُ بالمهديّ (عج)

في هذه اللَّيلة، نلتقي بذكرى ميلاد إمامنا الحجَّة (عج)، الَّذي جاء عن رسول الله (ص) بأحاديث متواترة يرويها المسلمون جميعاً، أنَّه "لن تنقضيَ الأيَّامُ واللَّيالي، حتَّى يبعثَ اللّهُ رجلاً من أهلِ بيتي، يواطئُ اسمُهُ اسمي، يملأُها عدلاً وقسطاً، كما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجوراً".

وهذا ما أشار إليه رسول الله (ص) في حديث الثّقلين: "إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، ما إنْ تَمَسَّكْتُم بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتابَ اللهِ، وَعتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ".

وهكذا كانت العقيدة بالإمام المهديّ (عج) عقيدةً تنطلق من خلال كلام رسول الله (ص) الّذي {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهوىٰ * إِنْ هو إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}[النّجم: 3-4]، وهي غيب من غيب الله، فقد شاءت حكمة الله أن يغيب الإمام (عج) عن الأبصار هذه المدَّة الطَّويلة الَّتي لا نعرف مداها، لأنَّ الله أعدَّه ليكون الإمام الغائب الَّذي يطلّ بروحه على الواقع، ليعطيه من روحه روحاً، ومن إشرافه عليه كلَّ ما يمكن أن يفتح عقول النَّاس وقلوبهم على الله سبحانه وتعالى، ليكون الإنسان الَّذي يحقّق العدل الشَّامل في الأرض.

وكما قلنا، فقد ثبتت عقيدة المهدي (عج) لدى السنَّة والشّيعة، حتَّى قال ابن خلدون في تأريخه، بأنَّ الأحاديث الَّتي وردت فيه (عج)، هي من الأحاديث المتواترة الَّتي لا يمكن أن يرقى إليها الشَّكّ، ولذلك فهي حقيقة إسلاميَّة، وليست مجرَّد عقيدة شيعيَّة. فالمسلمون من أهل السنَّة يعتقدون بالإمام المهديّ، كما يعتقد المسلمون الشّيعة به، وإن كان هناك خلاف في بعض التَّفاصيل.

إشكاليَّةُ العمرِ الطّويل

وإذا كان النَّاس يستبعدون هذا العمر الطَّويل، فإنَّ قدرة الله سبحانه وتعالى لا يُستبعَدُ معها أن يكون للإنسان هذا العمر الطّويل، وقد قرأنا في القرآن أنَّ نوحاً (ع) لبث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاماً {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا}[العنكبوت: 14]، ولا ندري مدَّة لبثه بعد ذلك.

لهذا، فإنَّ مسألة استبعاد العمر الطَّويل لا تثبت أمام العلم، لأنَّ العلم أثبت إمكان أن يعيش الإنسان آلاف السنين، إذا استطاع أن يصل إلى بعض الأسرار الَّتي يمكن أن تحفظ للجسد خلاياه بطريقة وبأخرى. وكما قلنا، هي مسألة منطلقة من إرادة الله وغيبه، والله أرادنا أن نؤمن بالغيب كما نؤمن بالحضور {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[الأحزاب: 36].

رسالةُ العدلِ الشَّامل

وما نريد أن نستوحيه في هذا الجوّ المبارك، هو أنَّ علينا أن نعيش العناوين الكبرى الَّتي ينطلق بها الإمام الحجّة (عج) ويتحرَّك بها، فالإمام (عج) لن يأتي بدين جديد، وإنما ينطلق من خلال الإسلام الَّذي هو دين جدّه (ص) الَّذي أوحى به الله سبحانه وتعالى إليه. ومن هنا، فإنَّ كلّ دعوته، وكلّ حركته، وكلّ برنامجه، ينطلق من الإسلام كلّه؛ الإسلام في عقيدته ومفاهيمه وشريعته.

 ولذلك، فإنَّ علينا عندما نلتزم إمامته وقيادته، وننتظر ظهوره، أن نعيش مع الإسلام في كلّ مواقعه الفكريَّة والعمليَّة، لأنَّه أمانة الله عند رسوله وأوليائه، وعند المسلمين جميعاً.

وهكذا نجد أنَّ العنوان الكبير الَّذي انطلق به الإسلام للحياة كلّها وللإنسان كلّه، هو عنوان العدل الشَّامل، فالله يريد العدل لكلّ النَّاس، وفي كلّ مكان وزمان، فهو تعالى لا يقبل أن يُظلَم أيُّ مخلوق في الأرض، حتَّى النَّملة الصَّغيرة، لا يريد الله للإنسان أن يظلمها، وقد عبَّر عن ذلك الإمام عليّ (ع)، رائد العدل، عندما قال: "واللَّه، لَوْ أُعْطِيتُ الأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّه فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ، مَا فَعَلْتُه".

والله أراد للعدل أن ينطلق مع المسلمين ومع غيرهم، وأن ينطلق مع الكبير والصّغير، فحركة العدل في الإسلام هي الحركة الَّتي تطبَّق على المستضعفين والمستكبرين، لأنَّ النَّاس في العدل سواء، وهذا ما عبَّر عنه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، عندما قال: "الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ"، وقد قال رسول الله (ص)، أستاذ عليّ (ع): "إنَّمَا أهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سرَقَ فِيهِم الضَّعِيفُ أقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ. وأيْمُ الله، لَوْ أنَّ فاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا".

إنَّ العدل هو للنَّاس كافَّة، وعلى النَّاس كافَّة، وقد أراد الله لنا أن نعدل في قولنا، حتَّى لو كان قولنا متعلّقاً بأقرب النَّاس إلينا {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَو كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}[الأنعام: 152]، لا تحاب أيّ أحد في مسألة العدل حتّى لو كان قريبك، بل قل كلمة العدل ولو كانت ضدَّه {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَو الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}[النّساء: 135]، اشهد على نفسك إذا كنت في خطّ الباطل وكان الحقّ لغيرك، اشهدْ على أبيك وأمّك، اشهدْ على إخوتك وأقربائك، لأنَّ العدل لله وليس للنَّاس. وهكذا يريدنا الله سبحانه وتعالى إذا خاصمنا أحداً أو عاديناه، سواء كان من أهل ديننا، أو من غير أهل ديننا، أن لا نظلمه {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هو أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}[المائدة: 8].

العدلُ المتبادل

وقد أراد الله للنَّاس أن يأخذوا بالعدل على مستوى حياتهم الفرديَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة والأمنيَّة؛ أن يتحرَّك النَّاس في الحياة، لا على أساس أن يعتبر أيّ واحد منهم أنَّ له الحقّ على كلّ النَّاس، ولا حقّ للنَّاس عليه، بل أن يعرف أنّه كما له على النَّاس حقّ، فللنَّاس عليه حقوق، لأنَّ القضيَّة هي قضيَّة تبادل الحقوق بيننا وبين النَّاس، حتى إنَّ الله الَّذي لا حقّ لأحد عليه، بل له الحقّ على كلّ النَّاس، فهو الخالق للكون كلّه وللنَّاس كلّهم، وهو الرازق والمعطي، فلا حقّ لأحد عليه، ولكنَّه سبحانه وتعالى جعل بلطفه ورحمته حقّاً للنَّاس عليه، فقال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}[البقرة: 40]، أوف بعهد الله، بأن توحّده ولا تشرك به شيئاً، وأن تطيعه ولا تعصيه، وأن تعبده، فالله يعطيك الرّزق والنّعمة واللّطف والكرامة، ويمنحك في نهاية المطاف جنَّته.

لذلك، مهما علت درجتك، وحتَّى لو كنت في أعلى درجات السّلَّم الاجتماعيّ، لا تفكّر أنَّك الإنسان الَّذي لا بدَّ للنَّاس أن يقدّموا إليه فروض الطَّاعة والاحترام والتّقدير، وأن يكرموه، وليس للنَّاس عليه حقّ، أنت الإنسان الَّذي تتبادل الحقوق في إنسانيَّتك مع الآخرين.

وفي ضوء هذا، رأينا أنَّ الإمام زين العابدين، عليّ بن الحسين (ع)، عندما كان يسافر مع إحدى القوافل، كان يشارك أفرادها في الخدمات دون أن يعرفوه، وعندما يعرفونه، يقولون له: لِـمَ لم تعرّفنا بنفسك، إنَّ لك الحقَّ علينا في أن نعظّمك ونكرمك، وربما بدرت من أحدنا بادرة تسيء إليك، فيقول لهم: "أَكْرَهُ أَنْ آخُذَ بِرَسُولِ اللَّهِ مَا لَا أُعْطِيَ مِثْلَهُ"، فإذا كان النَّاس يقدّرونني ويعظّمونني باسم رسول الله، لأنّ لي علاقة به، فعليَّ أن أعطي النَّاس من خدماتي لهم ومن رعايتي لهم ما يساوي ذلك.

عندما تفكّر أن تأخذ، فكّر ماذا تعطي، لا تفكّر أن تكون الآخذ دائماً، بل فكّر أن تكون الآخذ المعطي؛ أن تعطي النَّاس من علمك، ومن جهدك، ومن جاهك، ومن مالك، ومن قوَّتك، لتأخذ مقابل ذلك ما تريده منهم.

لذلك، أراد الله للإنسان أن يفكّر بهذه الطَّريقة في كلّ حياته، فعندما تكون في بيتك أباً وزوجاً، فكّر أنَّه كما لك حقّ على زوجتك، فلزوجتك حقّ عليك، وكما أنَّ لك حقّاً على أولادك، فلأولادك حقّ عليك، أن لا تعتبر نفسك الحاكمَ المطلق لزوجتك، بحيث تمنعها من أيّ شيء يتَّصل بإنسانيَّتها، ولا الحاكم المطلق لأولادك، أنت وزوجتك خاضعان لعقدٍ فيما بينكما، وليس لك حقّ عليها، ولا لها حقّ عليك، إلَّا ما يقتضيه العقد الشَّرعيّ، وكما تبقى لك حرَّيتك خارج نطاق العقد، فهي كذلك. إنَّ الزّواج لا يجعل المرأة مستعبدة للرّجل، ولا يجعلها أمةً له، بل يبقيها إنسانةً كما هو إنسان، يتحركان على أساس المودَّة والرَّحمة، وعلى أساس ما قاله الله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}[البقرة: 228].

وهكذا، أنت لا تملك أن تكون لك السّلطة المطلقة على أولادك وبناتك، فعندما يكونون صغاراً قبل البلوغ، فإنَّ عليك في ولايتك لهم أن ترعى مصلحتهم، وأن لا تفسد أمرهم، لا تتعاطى وكأنَّ ولدك يمثّل قطعة أثاث من أثاثك، وملكاً من أملاكك، لتجرّب عضلاتك فيه، ولتحاول أن تنفّس عن غيظك فيه؛ إنَّ ولدك أمانة الله عندك، وعليك أن لا تتحرَّك في كلمة أو في ضربة أو في أيّ عمل، إلَّا بمقدار ما يريد الله لك أن تصلح أمره، أو تصلح جسده، أو تصلح عقله. بعض النَّاس يتَّخذون لأنفسهم كلَّ الحريَّة في التَّدخّل في خصوصيَّات أولادهم وبناتهم، حتَّى لو كانوا بالغين راشدين، على أساس أنَّ له الولاية عليهم، ولكن إذا بلغ الولد وبلغت البنت، وكانا راشدين، فلا ولاية للأب ولا للأمّ ولا لأحد عليهما؛ إنهما يكونان بالغين راشدين كما أنت بالغ رشيد، فلا فرق بينك وبين أولادك البالغين، إلّا ما أراده الله لهم أن يحسنوا إلى والديهم.

لذلك، لا بدَّ أن نعتبر أنَّ لكلّ إنسان حقّاً عند الآخرين وعليه واجب تجاههم. وإذا استطعنا أن ننطلق في الحياة على هذا الأساس، فإنَّنا نستطيع حينها أن نتوازن في مجتمعنا، فعندما تعرف أنَّ عليك واجباً، وأنَّ لك حقّاً، فعند ذلك تتحرَّك في الحياة من خلال واجبك، لتطلب من النَّاس ما هو واجب عليهم تجاهك. هذه هي الطَّريقة الَّتي تمنع الظّلم؛ هذا التَّوازن بين حقّك وحقّ الآخرين، هو الَّذي يمنع النَّاس أن يظلم بعضهم بعضاً، ويمنعهم أن يتكبَّر بعضهم على بعض.

الابتعادُ عن الاستعلاء

وقد أراد الله للإنسان في أيّ موقع من مواقعه، أن لا يستعلي على الآخرين. إنَّ فرعون كان بعيداً من الله سبحانه وتعالى، لأنَّه كان عالياً في الأرض وكان من المسرفين، فقد استعلى على قومه، واستضعف النَّاس الضّعفاء في موقعه، ولا بدَّ للإنسان أن لا يعيش الاستعلاء على النَّاس. هب أنّك تملك المال الكثير ولا يملكه الآخر، أو أنَّك تملك العلم الكثير ولا يملكه الآخر، أو أنَّك تملك القوَّة الكبيرة ولا يملكها الآخر، لكنَّك إذا كنت تملك مالاً، فقد يملك الآخر علماً، وإذا كنت تملك علماً، فقد يملك الآخر طاقةً، وهكذا، لأنَّ الله لم يجمع الصّفات كلّها في إنسان واحد، فإذا كان لديك ما ليس عند الآخر، فالآخر أيضاً لديه ما ليس عندك، وهذا هو الَّذي يجعلنا نتكامل في إنسانيَّتنا ونتعارف.

بينَ العدلِ والسَّلام

أيُّها الأحبَّة، إنَّ قيمة ذكرى الإمام المهديّ (عج)، هي أنَّ يومه هو يوم العدل الشَّامل، والإسلام لا ينادي بالسَّلام العالميّ الشَّامل فقط، وإنما ينادي بالعدل العالميّ الشَّامل، لأنَّ السَّلام إذا لم يكن قائماً على أساس العدل، فهو سلامٌ يختزن في داخله حرباً مستقبليَّة، لأنَّ الظّلم في كلّ مواقعه، حتَّى لو كان في داخل السَّلام، لا يمكن أن يبقى لدى المظلومين ساكناً هادئاً، بل إنَّه يعمل على أن يحرّك أوضاعهم، وينمّي خطواتهم.

*من خطبة الجماعة لسماحته في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 05/01/1996م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية