محاضرات
17/03/2026

عيد الفطر: بين فرح الدّنيا ومسؤوليَّة الآخرة

عيد الفطر: بين فرح الدّنيا ومسؤوليَّة الآخرة

عباد الله، إنَّ هذا اليوم هو اليوم الَّذي جعله الله للمسلمين عيدًا، وقد أرادنا سبحانه قبل أن نبدأ عيدنا، وقبل أن ننطلق إلى أهلنا، وقبل أن نعيش مع أشغالنا وقضايانا، أن نجلس بين يديه، لنشكره على أن وفّقنا لصيام شهر رمضان وقيامه، وأن نستمطر رحمته في كلّ أمورنا وقضايانا، وأن نستمطر منه مغفرته، لأنَّ الله يغفر في عيد الفطر ما يغفره في شهر رمضان.

استحضار يوم القيامة

وقد خطب عليّ (ع) في يوم الفطر، وأراد للنَّاس وهم يعيشون الفطر في أجواء الدّنيا، أن يستحضروا الآخرة، لأنَّ الله سبحانه وتعالى أراد للإنسان أن يعيش آخرته في دنياه، ليبتغي فيما آتاه الله الدَّار الآخرة، لأنَّنا إذا نسينا آخرتنا نسينا مسؤوليَّتنا، ولأنَّنا إذا استغرقنا في الدّنيا نسينا ربَّنا، ومن نسي ربَّه نسي نفسه، كما يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[الحشر: 19].

قال عليّ (ع) فيما روي عنه: يُّهَا النَّاسُ، إِنَّ يَوْمَكُمْ هَذَا يَوْمٌ‏ يُثَابُ‏ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ، وَيَخْسرُ فِيهِ الْمُسِيئُونَ - لأنَّه اليوم الَّذي يشعر فيه الإنسان بأنَّه كان في موسم العبادة، وموسم العفو والمغفرة، وموسم الخير كلّه، فمن أخذ من هذا الموسم بما يستطيع، فقد أخذ بالسَّعادة كلّها في رضوان الله ورحمته ومغفرته، ومن قصَّر في هذا الموسم أو أساء أو انحرف عن الطَّريق أو أخذ باللَّهو، فقد خسر خسرانًا مبينًا.

- وَهُوَ أَشْبَهُ يَوْمٍ بِيَوْمِ قِيَامَتِكُمْ - فكما تقومون من الأجداث سراعًا لتقفوا بين يدي ربّكم، فإنَّ يوم الفطر يقوم النَّاس فيه من نومهم ليقفوا بين يدي ربّهم. ماذا يريدنا عليّ (ع) أن نتذكَّر - فَاذْكُرُوا بِخُرُوجِكُمْ مِنْ مَنَازِلِكُمْ إِلَى مُصَلَّاكُمْ، خُرُوجَكُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّكُمْ - لأنَّكم هناك تخرجون لتقفوا بين يدي الله، لتقدّموا حساب أعمالكم أمامه، وأنتم أيضًا هنا تأتون من منازلكم إلى مصلَّاكم لتقفوا بين يديه تعالى، لتقدّموا بين يديه كلَّ رمضانكم، بكلّ ما فيه من خير وشرّ.

- وَاذْكُرُوا بِوُقُوفِكُمْ فِي مُصَلَّاكُمْ وُقُوفَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكُمْ - ذلك الموقف الَّذي تقدّم فيه حسابك إلى ربّك، وتنتظر عفوه ورحمته، وتتوسَّل إليه، وأنت وحدك، ليس هناك من أحد معك {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}[النّحل: 111]. وهنا أيضًا، أنت تقف في مصلَّاك بين يدي ربّك لتقدّم إليه حساب رمضانك، ولتسأله العفو والرَّحمة، ولتقول له ما كنت تقوله في العشر الأواخر من شهر رمضان: "اللَّهمَّ إن كنت رضيت عنّي في شهر رمضان، فازددْ عنّي رضا، وإن لم تكن رضيت عنّي، فمن الآن فارضَ عنّي".

- وَاذْكُرُوا بِرُجُوعِكُمْ إِلَى مَنَازِلِكُمْ - سينتهي وقت الصَّلاة ووقت الخطبة، ويرجع كلٌّ إلى منزله، بعض يرجع والجائزةُ بيده، وبعض يرجع وليس معه شيء من الجوائز - رُجُوعَكُمْ إِلَى مَنَازِلِكُمْ فِي الْجَنَّةِ أَوِ النَّار لأنَّ الإنسان يوم القيامة، إمَّا أن ينطلق إلى الجنَّة وإمَّا إلى النَّار {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}[الزّلزلة: 7 - 8]، والإنسان إنّما يحدّد مصيره من خلال عمله.

البشارة للمؤمنين

ثمَّ يعطينا أمير المؤمنين (ع) البشارة، وهو العارف بألطاف الله ورحمته ومواقع رضاه: - وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ، أَنَّ أَدْنَى مَا لِلصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ، أَنْ يُنَادِيَهُمْ مَلَكٌ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ: أَبْشِرُوا عِبَادَ اللَّهِ، فَقَدْ غُفِرَ لَكُمْ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكُمْ - بأن يمسح الله كلَّ تاريخكم الَّذي مضى بالسيّئات، ويقول لكم: قد غفر لكم ما سلف من الذّنوب - فَانْظُرُوا كَيْفَ تَكُونُونَ فِيمَا تَسْتَأْنِفُونأن تبدأ من جديد، وتستفيد من ماضيك المليء بالسيّئات والمعاصي، لتبدأ حاضرًا ومستقبلًا مليئًا بالحسنات والطَّاعات.

ويقول الإمام الباقر (ع) في يوم الفطر: "إذا كان أوَّل يوم من شوَّال، نادى مناد: أيُّها المؤمنون، اغدوا إلى جوائزكم".

ثمَّ قال (ع) وهو يخاطب أحد أصحابه: "يَا جَابِرُ، وَجَوَائِزُ اللَّهِ لَيْسَتْ بِجَوَائِزِ هَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ... هُوَ يَوْمُ الْجَوَائِزِ لأنَّ جوائز الله "فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَىٰ قَلْبِ بَشَرٍ"، ويكفي المؤمن الجائزة الكبرى {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}[التّوبة: 72]. إنَّ المؤمن يشعر يوم القيامة عندما يرضى الله عنه، أنَّ رضوان الله أكثر سعادة له من الجنَّة ومن نعيمها، لأنَّ عالم الآخرة عالم الرّوح، وليس عالم المادَّة، لذلك يقول (ع): "هُوَ يَوْمُ الجَوَائِزِ".

يوم المسؤوليّة

ومن عادة النَّاس أن يلعبوا ويضحكوا في يوم العيد، واللَّعب ليس محرّمًا، فالله أراد للإنسان أن يتخفَّف من مشاكله ومشاقّه، واللَّهو الحلال ليس محرّمًا، ولكن أن لا يستغرق الإنسان في لهوه ولعبه، بحيث ينسى ربَّه، وينسى مسؤوليَّته، وينسى ما يقدم عليه غدًا.

وهذا ما أراد الإمام الحسين بن عليّ (ع) أن ينبّه النَّاس إليه، فقد جاء في الرّواية، أنَّ الحسين (ع) نظر الى أناس يلعبون ويضحكون في يوم فطر، فقال لأصحابه والنَّاس الآخرون يسمعون: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ شَهْرَ رَمَضَانَ مُضْمَارًا لِخَلْقِهِ - والمضمار هو ساحة السَّبق الَّتي تجول فيها الخيول - يَسْتَبِقُونَ فِيهِ إِلَى طَاعَتِهِ - كلّ إنسان راكب على فرس نفسه وذاته - فَسَبَقَ قَوْمٌ فَفَازُوا، وَقَصَّرَ آخَرُونَ فَخَابُوا. فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ، مِنَ الضَّاحِكِ اللَّاعِبِ، فِي يَوْمٍ يُثَابُ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ، وَيَخْسَرُ فِيهِ الْمُبْطِلُون. وَأَيْم اللَّهِ، لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ، لَشُغِلَ مُحْسِنٌ بِإِحْسَانِهِ، وَمُسِيءٌ بِإِسَاءَتِهِ".

لمن العيد؟!

وقد قال عليّ (ع) وهو يحدّثنا عن معنى العيد؛ هل هو للصَّائم الَّذي ليس له من صيامه إلَّا الجوع والعطش؟ هل هو للقائم الّذي ليس له من قيامه إلَّا التَّعب والسَّهر؟ هل هو للصَّائم الَّذي لم يختزن في داخل نفسه أيّة روحانيَّة وأيّ قرب من الله؟ كما يقول ذلك الشَّاعر الَّذي كان يشرب الخمر وتركها في شهر رمضان، حتَّى إذا قيل له انتهى شهر رمضان، أنشأ يقول:

رمضان ولَّى هاتها يا ساقِ               مشتاقة تسعى إلى مشتاق

بعض النَّاس هكذا، تراهم في شهر رمضان يصلّون ويصومون، حتّى إذا انتهى الشَّهر، عملوا على أن يثأروا لكلّ ما حرموه فيه، ليعصوا الله عصيانًا مضاعفًا، ليغتابوا، ولينمّوا، وليظلموا، وليؤيّدوا الظَّالمين، وليتجسَّسوا لحساب أعداء الله وأعداء رسوله، وليعيثوا في الأرض فسادًا وما إلى ذلك..

ماذا يقول عليّ (ع) لهؤلاء: "إنَّما هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللهُ صِيَامَهُ وَشَكَرَ قِيَامَهُ - ليس الَّذي يصوم فحسب، ولكن الَّذي يصوم عقله عن الباطل، وقلبه عن الحقد والضَّغينة والعداوة والحسد، وحياته عن معاصي الله - وكلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللهُ فِيهِ فَهوَ عِيْدٌ".

فلتجعلوا كلَّ أيَّامكم أعيادًا.. إنَّكم تحتفلون بيوم الفطر لأنَّكم أطعتم الله طاعةً مقبولة، وعلى هذا الأساس، فكلّ يوم تطيع الله في نفسك ومالك وأهلك ومجتمعك وأمَّتك، تستطيع أن تعتبره عيدًا، لأنَّه لا عيد أعظم من أن ينظر إليك الله بعين الرَّحمة والمحبَّة، وأن يحوطك برحمته وعفوه ورضوانه.

هذا هو العيد، لأنَّ هذا هو الَّذي يبقى، الله هو الّذي يبقى لنا، ولا يبقى بعضنا لبعض {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}[الرّحمن: 26 - 27]، هو الَّذي لا بدَّ لنا أن نحبّه، ولا بدَّ لنا أن نصادقه، وأن نعيش معه ونسأله، أن نشكو إليه كلَّ همومنا، كلَّ آلامنا، أن نبسط بين يديه كلَّ أحلامنا، وهو يقول لنا بكلّ حنان: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة: 186].

الاجتماع على الإيمان

أيُّها الأحبَّة، هذا يوم فطر، وهذا يوم عيد، وهذا يوم اجتماع، كما قال الإمام الرّضا (ع): "إنَّمَا جعلَ يَوْم الفطرِ العيدَ، ليكون للمسلمين مجتمعًا يجتمعون فيه". فليكن اجتماعنا بين يدي ربّنا اجتماعًا بقلوبنا لا بأجسادنا، ليكن اجتماعًا قائمًا على التَّعاون على البرّ والتَّقوى، وعلى طاعة الله ورضوانه، وعلى أن يعيش كلّ مسلم ليهتمَّ بأمور المسلم الآخر، وليكن اجتماعنا حركةً من أجل وحدة صفوفنا ومواقفنا وتحدّياتنا، لأنَّ {اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ - قتالًا جهاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا - صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}[الصّفّ: 4].

فليكن مجتمعنا هذا المجتمع الَّذي يحفظ فيه بعضنا بعضًا، ويساعد فيه بعضنا بعضًا، ويتعاطف فيه بعضنا مع بعض، ليكن مجتمعنا المجتمع الَّذي يكفل اليتيم، ويساعد الفقير، ويمسح دمعة المحزون، ويفتح قلب المكروب... لماذا لا نجرّب أخلاق أهل الجنَّة، وكلّنا نحبّ الجنَّة؟! {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}[الحجر: 47]، يحبّ بعضهم بعضًا، ويرضى بعضهم عن بعض، لنقل دائمًا: {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا}[الحشر: 10].

والحمد لله ربّ العالمين.

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع) في حارة حريك، بتاريخ: 29/01/1998م.

عباد الله، إنَّ هذا اليوم هو اليوم الَّذي جعله الله للمسلمين عيدًا، وقد أرادنا سبحانه قبل أن نبدأ عيدنا، وقبل أن ننطلق إلى أهلنا، وقبل أن نعيش مع أشغالنا وقضايانا، أن نجلس بين يديه، لنشكره على أن وفّقنا لصيام شهر رمضان وقيامه، وأن نستمطر رحمته في كلّ أمورنا وقضايانا، وأن نستمطر منه مغفرته، لأنَّ الله يغفر في عيد الفطر ما يغفره في شهر رمضان.

استحضار يوم القيامة

وقد خطب عليّ (ع) في يوم الفطر، وأراد للنَّاس وهم يعيشون الفطر في أجواء الدّنيا، أن يستحضروا الآخرة، لأنَّ الله سبحانه وتعالى أراد للإنسان أن يعيش آخرته في دنياه، ليبتغي فيما آتاه الله الدَّار الآخرة، لأنَّنا إذا نسينا آخرتنا نسينا مسؤوليَّتنا، ولأنَّنا إذا استغرقنا في الدّنيا نسينا ربَّنا، ومن نسي ربَّه نسي نفسه، كما يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[الحشر: 19].

قال عليّ (ع) فيما روي عنه: يُّهَا النَّاسُ، إِنَّ يَوْمَكُمْ هَذَا يَوْمٌ‏ يُثَابُ‏ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ، وَيَخْسرُ فِيهِ الْمُسِيئُونَ - لأنَّه اليوم الَّذي يشعر فيه الإنسان بأنَّه كان في موسم العبادة، وموسم العفو والمغفرة، وموسم الخير كلّه، فمن أخذ من هذا الموسم بما يستطيع، فقد أخذ بالسَّعادة كلّها في رضوان الله ورحمته ومغفرته، ومن قصَّر في هذا الموسم أو أساء أو انحرف عن الطَّريق أو أخذ باللَّهو، فقد خسر خسرانًا مبينًا.

- وَهُوَ أَشْبَهُ يَوْمٍ بِيَوْمِ قِيَامَتِكُمْ - فكما تقومون من الأجداث سراعًا لتقفوا بين يدي ربّكم، فإنَّ يوم الفطر يقوم النَّاس فيه من نومهم ليقفوا بين يدي ربّهم. ماذا يريدنا عليّ (ع) أن نتذكَّر - فَاذْكُرُوا بِخُرُوجِكُمْ مِنْ مَنَازِلِكُمْ إِلَى مُصَلَّاكُمْ، خُرُوجَكُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّكُمْ - لأنَّكم هناك تخرجون لتقفوا بين يدي الله، لتقدّموا حساب أعمالكم أمامه، وأنتم أيضًا هنا تأتون من منازلكم إلى مصلَّاكم لتقفوا بين يديه تعالى، لتقدّموا بين يديه كلَّ رمضانكم، بكلّ ما فيه من خير وشرّ.

- وَاذْكُرُوا بِوُقُوفِكُمْ فِي مُصَلَّاكُمْ وُقُوفَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكُمْ - ذلك الموقف الَّذي تقدّم فيه حسابك إلى ربّك، وتنتظر عفوه ورحمته، وتتوسَّل إليه، وأنت وحدك، ليس هناك من أحد معك {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}[النّحل: 111]. وهنا أيضًا، أنت تقف في مصلَّاك بين يدي ربّك لتقدّم إليه حساب رمضانك، ولتسأله العفو والرَّحمة، ولتقول له ما كنت تقوله في العشر الأواخر من شهر رمضان: "اللَّهمَّ إن كنت رضيت عنّي في شهر رمضان، فازددْ عنّي رضا، وإن لم تكن رضيت عنّي، فمن الآن فارضَ عنّي".

- وَاذْكُرُوا بِرُجُوعِكُمْ إِلَى مَنَازِلِكُمْ - سينتهي وقت الصَّلاة ووقت الخطبة، ويرجع كلٌّ إلى منزله، بعض يرجع والجائزةُ بيده، وبعض يرجع وليس معه شيء من الجوائز - رُجُوعَكُمْ إِلَى مَنَازِلِكُمْ فِي الْجَنَّةِ أَوِ النَّار لأنَّ الإنسان يوم القيامة، إمَّا أن ينطلق إلى الجنَّة وإمَّا إلى النَّار {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}[الزّلزلة: 7 - 8]، والإنسان إنّما يحدّد مصيره من خلال عمله.

البشارة للمؤمنين

ثمَّ يعطينا أمير المؤمنين (ع) البشارة، وهو العارف بألطاف الله ورحمته ومواقع رضاه: - وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ، أَنَّ أَدْنَى مَا لِلصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ، أَنْ يُنَادِيَهُمْ مَلَكٌ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ: أَبْشِرُوا عِبَادَ اللَّهِ، فَقَدْ غُفِرَ لَكُمْ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكُمْ - بأن يمسح الله كلَّ تاريخكم الَّذي مضى بالسيّئات، ويقول لكم: قد غفر لكم ما سلف من الذّنوب - فَانْظُرُوا كَيْفَ تَكُونُونَ فِيمَا تَسْتَأْنِفُونأن تبدأ من جديد، وتستفيد من ماضيك المليء بالسيّئات والمعاصي، لتبدأ حاضرًا ومستقبلًا مليئًا بالحسنات والطَّاعات.

ويقول الإمام الباقر (ع) في يوم الفطر: "إذا كان أوَّل يوم من شوَّال، نادى مناد: أيُّها المؤمنون، اغدوا إلى جوائزكم".

ثمَّ قال (ع) وهو يخاطب أحد أصحابه: "يَا جَابِرُ، وَجَوَائِزُ اللَّهِ لَيْسَتْ بِجَوَائِزِ هَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ... هُوَ يَوْمُ الْجَوَائِزِ لأنَّ جوائز الله "فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَىٰ قَلْبِ بَشَرٍ"، ويكفي المؤمن الجائزة الكبرى {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}[التّوبة: 72]. إنَّ المؤمن يشعر يوم القيامة عندما يرضى الله عنه، أنَّ رضوان الله أكثر سعادة له من الجنَّة ومن نعيمها، لأنَّ عالم الآخرة عالم الرّوح، وليس عالم المادَّة، لذلك يقول (ع): "هُوَ يَوْمُ الجَوَائِزِ".

يوم المسؤوليّة

ومن عادة النَّاس أن يلعبوا ويضحكوا في يوم العيد، واللَّعب ليس محرّمًا، فالله أراد للإنسان أن يتخفَّف من مشاكله ومشاقّه، واللَّهو الحلال ليس محرّمًا، ولكن أن لا يستغرق الإنسان في لهوه ولعبه، بحيث ينسى ربَّه، وينسى مسؤوليَّته، وينسى ما يقدم عليه غدًا.

وهذا ما أراد الإمام الحسين بن عليّ (ع) أن ينبّه النَّاس إليه، فقد جاء في الرّواية، أنَّ الحسين (ع) نظر الى أناس يلعبون ويضحكون في يوم فطر، فقال لأصحابه والنَّاس الآخرون يسمعون: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ شَهْرَ رَمَضَانَ مُضْمَارًا لِخَلْقِهِ - والمضمار هو ساحة السَّبق الَّتي تجول فيها الخيول - يَسْتَبِقُونَ فِيهِ إِلَى طَاعَتِهِ - كلّ إنسان راكب على فرس نفسه وذاته - فَسَبَقَ قَوْمٌ فَفَازُوا، وَقَصَّرَ آخَرُونَ فَخَابُوا. فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ، مِنَ الضَّاحِكِ اللَّاعِبِ، فِي يَوْمٍ يُثَابُ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ، وَيَخْسَرُ فِيهِ الْمُبْطِلُون. وَأَيْم اللَّهِ، لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ، لَشُغِلَ مُحْسِنٌ بِإِحْسَانِهِ، وَمُسِيءٌ بِإِسَاءَتِهِ".

لمن العيد؟!

وقد قال عليّ (ع) وهو يحدّثنا عن معنى العيد؛ هل هو للصَّائم الَّذي ليس له من صيامه إلَّا الجوع والعطش؟ هل هو للقائم الّذي ليس له من قيامه إلَّا التَّعب والسَّهر؟ هل هو للصَّائم الَّذي لم يختزن في داخل نفسه أيّة روحانيَّة وأيّ قرب من الله؟ كما يقول ذلك الشَّاعر الَّذي كان يشرب الخمر وتركها في شهر رمضان، حتَّى إذا قيل له انتهى شهر رمضان، أنشأ يقول:

رمضان ولَّى هاتها يا ساقِ               مشتاقة تسعى إلى مشتاق

بعض النَّاس هكذا، تراهم في شهر رمضان يصلّون ويصومون، حتّى إذا انتهى الشَّهر، عملوا على أن يثأروا لكلّ ما حرموه فيه، ليعصوا الله عصيانًا مضاعفًا، ليغتابوا، ولينمّوا، وليظلموا، وليؤيّدوا الظَّالمين، وليتجسَّسوا لحساب أعداء الله وأعداء رسوله، وليعيثوا في الأرض فسادًا وما إلى ذلك..

ماذا يقول عليّ (ع) لهؤلاء: "إنَّما هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللهُ صِيَامَهُ وَشَكَرَ قِيَامَهُ - ليس الَّذي يصوم فحسب، ولكن الَّذي يصوم عقله عن الباطل، وقلبه عن الحقد والضَّغينة والعداوة والحسد، وحياته عن معاصي الله - وكلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللهُ فِيهِ فَهوَ عِيْدٌ".

فلتجعلوا كلَّ أيَّامكم أعيادًا.. إنَّكم تحتفلون بيوم الفطر لأنَّكم أطعتم الله طاعةً مقبولة، وعلى هذا الأساس، فكلّ يوم تطيع الله في نفسك ومالك وأهلك ومجتمعك وأمَّتك، تستطيع أن تعتبره عيدًا، لأنَّه لا عيد أعظم من أن ينظر إليك الله بعين الرَّحمة والمحبَّة، وأن يحوطك برحمته وعفوه ورضوانه.

هذا هو العيد، لأنَّ هذا هو الَّذي يبقى، الله هو الّذي يبقى لنا، ولا يبقى بعضنا لبعض {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}[الرّحمن: 26 - 27]، هو الَّذي لا بدَّ لنا أن نحبّه، ولا بدَّ لنا أن نصادقه، وأن نعيش معه ونسأله، أن نشكو إليه كلَّ همومنا، كلَّ آلامنا، أن نبسط بين يديه كلَّ أحلامنا، وهو يقول لنا بكلّ حنان: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة: 186].

الاجتماع على الإيمان

أيُّها الأحبَّة، هذا يوم فطر، وهذا يوم عيد، وهذا يوم اجتماع، كما قال الإمام الرّضا (ع): "إنَّمَا جعلَ يَوْم الفطرِ العيدَ، ليكون للمسلمين مجتمعًا يجتمعون فيه". فليكن اجتماعنا بين يدي ربّنا اجتماعًا بقلوبنا لا بأجسادنا، ليكن اجتماعًا قائمًا على التَّعاون على البرّ والتَّقوى، وعلى طاعة الله ورضوانه، وعلى أن يعيش كلّ مسلم ليهتمَّ بأمور المسلم الآخر، وليكن اجتماعنا حركةً من أجل وحدة صفوفنا ومواقفنا وتحدّياتنا، لأنَّ {اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ - قتالًا جهاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا - صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}[الصّفّ: 4].

فليكن مجتمعنا هذا المجتمع الَّذي يحفظ فيه بعضنا بعضًا، ويساعد فيه بعضنا بعضًا، ويتعاطف فيه بعضنا مع بعض، ليكن مجتمعنا المجتمع الَّذي يكفل اليتيم، ويساعد الفقير، ويمسح دمعة المحزون، ويفتح قلب المكروب... لماذا لا نجرّب أخلاق أهل الجنَّة، وكلّنا نحبّ الجنَّة؟! {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}[الحجر: 47]، يحبّ بعضهم بعضًا، ويرضى بعضهم عن بعض، لنقل دائمًا: {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا}[الحشر: 10].

والحمد لله ربّ العالمين.

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع) في حارة حريك، بتاريخ: 29/01/1998م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية