يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}(الأعراف: 157-158).
في هذه الأيّام، نلتقي بذكرى ولادة النَّبيّ محمَّد (ص). وإذا كان المسلمون اختلفوا في زمن ولادته، فإنّهم لم يختلفوا في الإيمان برسالته؛ رسالته الَّتي انطلقت في خطّ التَّوحيد لله ورفض كلّ شركٍ، وفي خطّ توحيد الإنسان على كلمة الله؛ فلا يكون الإنسان ربًّا للإنسان، بل كلّ إنسانٍ مربوبٌ لله، ولا يكون الإنسان مستعليًا على الإنسان، بل إنَّ الإنسان أخو الإنسان، وإنَّ التَّفاضل بالتَّقوى.
الحاضرُ دائمًا
إنَّ ولادة النَّبيّ (ص) في وعينا هي ولادة رسالته، ولادته كرسول الله، وذلك هو سرّ كلّ حياته ونشاطه وتطلّعاته، وذلك هو ما يمتدّ بامتداد الزَّمن حتّى يرث الله الأرض ومن عليها. فمحمَّد بن عبد الله انتقل إلى رحاب الله، ومحمَّد رسول الله لا يزال باقيًا بكلّ آيةٍ في القرآن يسمعها النَّاس ويتلونها، وفي كلّ حكمٍ شرعيٍّ يتحرّك المسلمون من أجل أن يمتثلوه، وفي كلّ منهجٍ تتحرّك الرّسالة من أجل أن تقود النَّاس إلى أن يأخذوا به لكلّ حركة حياتهم، لا يزال باقيًا في كلّ الأهداف الكبرى الّتي وضعتها الرّسالة للنَّاس كافّةً؛ أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطّاغوت، وفي كلّ حركة عدلٍ، وفي كلّ انطلاقة حرّيّةٍ.
لذلك، نحن لا نشعر بغياب رسول الله (ص) عنَّا، بل إنَّنا نتحسَّس حضوره معنا حتّى كأنَّه ماثلٌ أمامنا؛ نسمعه كيف يدعو، وكيف يتلو آيات الله، وكيف يتحرَّك ليزكّينا وليعلّمنا الكتاب والحكمة، ولينطلق بنا في طريق الهدى بعد أن كنَّا نسير في طريق الضَّلال. نحن لا نشعر بغيابه. فهل تحسّون بأنَّ رسول الله (ص) هو إنسانٌ بعيدٌ؟ إنَّ صلواتنا تؤكّد لنا حضوره، عندما نذكره في أذاننا، وفي إقامتنا، وفي تشهّدنا، وفي صلاتنا عليه في ركوعنا وسجودنا.
وهكذا، فإنَّ رسول الله (ص) لا يحتاج إلى أن نثير ذكراه لنجدّدها في كلماتٍ نقولها، وفي احتفالاتٍ نقيمها، فرسول الله ليس بحاجةٍ إلينا في كلّ ذلك، بل نحن من نحتاج إليه، فهو الحاضر الحيّ أكثر من حضور كلّ النَّاس، مهما بلغت درجات مواقعهم في حركة الحياة، هو الحاضر الحيّ في ذلك كلّه، وهو الّذي نشعر بأنّنا نعيش معه.
نحن بحاجةٍ إليه حتّى نسأله عن كلّ ما أشكل علينا من أفكارٍ، نحن بحاجةٍ إليه في أن نتحدَّث معه، ونستنطق سنّته في كلّ أحاديثه، لنسأله عن كلّ مفردات حياتنا، لأنَّه أعطانا كلّ الخطوط العامَّة الّتي يمكنها أن تتحرَّك لتمنحنا وعي الخطوط التّفصيليّة في كلّ مجالات الحياة.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، لن نحتاج إلى الدّنيا كلّها ما دام كتاب الله فينا، ولن نحتاج إلى الدّنيا كلّها ما دام رسول الله في سيرته فينا، فقد أغنانا بأحاديثه وبما تلاه علينا من كتاب الله.
لذلك، أقول للمسلمين جميعًا: إذا كانت لكم أيّة مشكلةٍ، فابدأوا بكتاب الله واستنطقوه حول حلّها، وإذا لم تجدوا ذلك هناك، فانطلقوا إلى سنَّة رسول الله وأحاديث أئمَّة أهل البيت (ع)، فهي من سنَّة رسول الله (ص)، لأنَّ حديثهم حديث رسول الله (ص)، ولأنَّ كلماتهم كلماته، ولأنَّ سيرتهم سيرته. هم الّذين يجسّدون ذلك، لا بانتسابهم إلى شخصه فحسب، ولكنّهم يجسّدونه في انتسابهم وذوبانهم في رسالته: "حُسَيْنٌ مِنِّي، وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ". هذه الوحدة المتفاعلة الّتي تجعل كلّ واحدٍ من الآخر، لأنَّ القضيَّة عندما تتجسَّد في هذا وذاك، فكلّ واحدٍ يكون من الآخر، وإن كانت النّسبة تختلف.
وعي التّكامل مع الوجود
وهكذا ننطلق، أيُّها الأحبَّة، لنرتفع إليه، لنعيشه، ونعيش أخلاقيَّته، لأنَّ صورة أيّ مجتمعٍ أمام المجتمع الآخر تتمثّل في أخلاقيَّة أفراده: كيف هي أخلاقيّتك في نفسك، وأخلاقيَّتك مع الله، وأخلاقيّتك مع عباد الله، وأخلاقيّتك مع خلق الله؛ مع الماء والهواء وكلّ ما خلق الله؟
هناك إنسانٌ يعتبر العالم محصورًا في شخصه، يرى نفسه هو العالم، وعلى النَّاس أن تقدّم حساباتها إليه، وهناك إنسانٌ يعيش مع العالم كجزءٍ منه، كجزء من الكون، فيتحسَّس مسؤوليَّته عن الكون كما يتحسَّس كلّ جزءٍ مسؤوليَّته عن الكلّ، وكجزء من الإنسان، فيتحسَّس مسؤوليَّته عن الإنسان كما يتحسَّس الجزء مسؤوليَّته عن الكلّ. نحن جزءٌ من الكون، وكلّنا مخلوقون لله.
وقد تحسّس هذا المعنى إمامنا زين العابدين (ع)، عندما كان يتمثَّل آفاق الكون في إنسانيَّته، عندما يصبح الصّباح، وعندما يمسي المساء، وذلك قوله: "أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَتِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا بِجُمْلَتِهَا لَكَ؛ سَمَاؤُهَا وَأَرْضُهَا، وَمَا بَثَثْتَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ سَاكِنُهُ وَمُتَحَرِّكُهُ، وَمُقِيمُهُ وَشَاخِصُهُ، وَمَا عَلَا فِي الْهَوَاءِ، وَمَا كنَّ تَحْتَ الثَّرَى. أَصْبَحْنَا فِي قَبْضَتِكَ، يَحْوِينَا مُلْكُكَ، وَتَضُمُّنَا مَشِيَّتُكَ، وَنَتَصَرَّفُ عَنْ أَمْرِكَ، وَنَتَقَلَّبُ فِي تَدْبِيرِكَ، لَيْسَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ إِلَّا مَا قَضَيْتَ، وَلَا مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا مَا أَعْطَيْتَ".
هو يتحسَّس نفسه ليشعر بأنَّه أصبح في قبضة الله ومع الكون كلّه. وكما أنَّ الكون يتحرَّك بإرادة الله من خلال تكوينه، فالإنسان لا بدَّ أن يتحرَّك بإرادة الله من خلال اختياره.
واجب حماية البيئة
وفي ضوء هذا، أيُّها الأحبَّة، فإنَّ علينا أن لا نسيء إلى نظام الكون. إنّك عندما تتنفَّس الهواء، فكّر أنّ هذا الهواء يدخل في شروط حياتك، فلا تلوّثه من خلال عبثك في شؤون البيئة، ولا تلوّث الماء، لأنَّ الماء جعله الله لكلّ شيءٍ حيٍّ: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}(الأنبياء: 30). فللماء أهلٌ؛ أهلٌ من النَّاس، وأهلٌ من النّبات، وأهلٌ من الحيوان، وأهلٌ حتّى من الجماد... للماء أهلٌ، فلا تلوّث الماء من خلال أنانيَّتك وعبثك؛ لتسمّم، ولتقذّر، ولتعمل أيّ شيءٍ يمكن أن يُحدث فيه خللًا.
وهكذا، أنت تتحرّك على هذه الأرض، ولا بدَّ أن تتحمَّل مسؤوليّتك عنها؛ لا تُفسد طاقاتها، ولا تُفسد نباتاتها، ولا تُفسد فاعليَّتها للنّموّ. أعطها، وحرّك طاقاتها في سبيل ما أراد الله لها أن تتحرَّك فيه.
الرّفق بالحيوان
وهكذا بالنّسبة إلى الحيوان، فإنّ الله لم يسلّطك عليه لتظلمه، وإن كان قد سلّطك على بعضه لتذبحه، لكنَّه لا يجوز لك أن تعذّبه. لا فرق بين أن تعذّب إنسانًا وأن تعذّب حيوانًا؛ هذا حرامٌ وذاك حرامٌ، لأنَّ هذا ظلمٌ وذاك ظلمٌ، والله لا يريد للظّلم أن يتحرَّك حتّى مع الحيوان.
ولذلك، إذا صحَّت بعض الأحاديث الواردة في بعض كتب الأخبار عن رسول الله (ص): "أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حبسَتْها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض". لذلك، لا تعتبر الحيوان الّذي عندك، سواء كان حيوانًا أليفًا أو غير أليفٍ، لعبةً تلعب بها لترضي مزاجك، ولتلهو بعذاباته، وما إلى ذلك.
إنَّ الله جعل حدًّا للأشياء، فلك أن تضرب الحيوان وأن تقتله في حال الدّفاع عن نفسك، كما أنَّ لك أن تدفع اعتداء إنسان عليك لتدافع عن نفسك. فالله يقول، إذا قتل إنسان إنسانًا: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}(البقرة: 179)، و{وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا}(الإسراء: 33)، فلك أن تقتله، لكن لا يجوز لك أن تشتمه، ولا أن تضربه، ولا أن تتعرَّض إلى شيءٍ من ماله، وليس لك أن تمنعه من الطَّعام والشَّراب، لأنَّ الله سلَّطك فقط على أن تقتله بموجب القصاص، ولم يسلّطك على أن تضربه أو تسبّه أو تشتمه؛ تلك هي حدود الله.
حتّى إنّه من آداب ذبح الحيوان عندنا، أن تكون السّكّين حادّةً، وأن يُريح الذّابح ذبيحته، لأنَّ الإسلام إنسانيٌّ حتّى في هذه الجوانب.
في دائرة الإسلام
إنَّ الإسلام - أيُّها الأحبَّة - يريد أن يصنع من الإنسان إنسانًا يتحمَّل – وكلّ بحجم قدراته، وبحجم إمكاناته وطاقاته - مسؤوليَّة الكون كلّه. الكون أخوك، باعتبار أنَّك وإيّاه مخلوقان لله. الكون ساحتك الَّتي جعلها الله لك كشرطٍ من شروط حياتك. وهكذا بالنّسبة إلى الإنسان كلّه؛ أن تتحمَّل مسؤوليَّتك أمامه.
أن يكون لك الخطّ، أن لا تتحرّك، عندما تكون مسلمًا، بشكل عشوائيّ. إنَّ معنى أن تكون مسلمًا، أن تنطلق من قاعدةٍ يكون فيها عقلك مسلمًا، بحيث تنطلق أفكارك على هدى إسلامك. فليس لك كمسلمٍ أن تفكّر خارج نطاق الإسلام في العقيدة، أو المفاهيم، أو في أيّ شيءٍ آخر. إذا عرضت لك شبهةٌ فانطلق إلى أولي الذّكر: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(النَّحل: 43)، لا تجعل الشّبهة تتردَّد في عقلك، لأنّها قد تُفسد عليك عقلك، ولكن حاول أن تنفتح من خلال ذلك على الّذين يعرفون كيف يحلّون لك المشكلة.
لا بدَّ أن يكون قلبك قلبًا إسلاميًّا، والقلب هو رمزٌ لحركة العاطفة، فليست قضيَّتك الشّخصيَّة أن تحبّ كيفما تشاء أو تبغض كيفما تشاء؛ أنت مسلمٌ، ولا بدَّ أن تكون مسلمًا في حبّك، ليتحرّك حبّك في اتّجاه خفقات القلب الإسلاميّ، وأن تكون مسلمًا في بغضك، لأنّك اخترت الإسلام، ولا بدَّ أن تكون عاطفتك في هذا الاتّجاه. ولذلك، كان الحبّ في الله والبغض في الله علامة إسلام المسلم. ففي الحديث عن أئمَّة أهل البيت (ع): "إذا أردتَ أنّْ تعلم أنّ فيك خيراً فانظر إلى قلبك، فإذا كان يُحبّ أهل طاعة الله، ويُبغض أهل معصيته، ففيك خيرٌ، والله يُحبّك. وإذا كان يُبغض أهل طاعة الله، ويُحبّ أهل معصيته، فليس فيك خيرٌ، والله يُبغضك، والمرء مع من أحبّ". وقد جاء في حديث الإمام الصَّادق (ع): "وَهَلِ الدِّينُ إِلَّا الْحُبُّ؟".. وأن تكون علاقاتك وحركتك مبنيّةً على الإسلام. إنَّك قبل أن تكون مسلمًا، يمكن أن تكون حرًّا في مزاجك، ولكن بعد أن تكون مسلمًا، فمعنى ذلك أنَّك جعلت نفسك في دائرة الإسلام، ومن كان في دائرة الإسلام، فلا يجوز أن يخرج منها إلى أيّة دائرةٍ أخرى.
الإحياء المطلوب للذّكرى
هذا ما ينبغي لنا أن نعيشه عندما نعيش مع رسول الله (ص)؛ أن نحرّك ذكراه في حركة عقولنا، وقلوبنا، وحركتنا، وحياتنا كلّها، لا أن نحرّك ذكراه نغمةً من هنا، ولهوًا من هناك، وعبثًا من هنالك، لأنّنا جمّدنا رسول الله (ص) فينا، ولا سيّما في هذه التّقاليد الّتي تحرّكت بها المواليد، فأصبحت الكلمات بلا معنى، وأصبح رسول الله (ص) غائبًا عن كلّ تلك المواليد، لأنّها تنطلق لتُنسينا رسول الله (ص) في معنى رسالته، بدلًا من أن تذكّرنا به في كلّ آفاقه.
إنَّ الله سبحانه وتعالى عندما يتحدَّث في سورة محمّد (ص) عن الفرق بين الكافرين والمسلمين، إنّما هو في أنَّ المسلمين اتّبعوا الحقّ وأولئك اتّبعوا الباطل: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ}(محمَّد: 1 - 3). هذا هو الفرق؛ أنَّ الّذين آمنوا اتّبعوا الحقّ من ربّهم، وأنَّ الّذين كفروا اتّبعوا الباطل.
لا حياد بين الحقّ والباطل
ونحن نعرف، أيُّها الأحبَّة، أنّ هناك عقيدة حقّ وعقيدة باطل، وأنَّ هناك شريعة حقّ وشريعة وباطل، وأنَّ هناك حقًّا وباطلًا في السّياسة والاقتصاد والاجتماع، وفي كلّ حركة الحياة من حولنا. لذلك، لا بدّ لنا - إذا كنّا ممّن اتّبع الحقّ من ربّه - أن نحرّك الحقّ القادم من الله في كلّ خطوط الحياة الّتي نتحرّك فيها. فعندما نواجه أيّ خطٍّ سياسيٍّ، فإنَّ علينا قبل أن نلتزم هذا ونرفض ذاك، أن نسأل: أين الحقّ وأين الباطل في كلّ ذلك؟
لا مجال للحياد واللَّا موقف واللّا مبالاة بين الخطوط المختلفة في الحياة، كما قال الإمام الكاظم (ع): "إِنَّمَا هُمَا نَجْدَانِ؛ نَجْدُ خَيْرٍ وَنَجْدُ شَرٍّ، فَلَا يَكُنْ نَجْدُ الشَّرِّ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الْخَيْرِ". عندما تواجه كلّ الاختلافات في الحياة، فإمَّا أن يكون هناك باطلان، وإمَّا أن يكون هناك حقٌّ وباطلٌ، فإذا كان هناك باطلان فارفضهما معًا، ولا تجعل أحدهما يستفيد منك، إلَّا إذا توقّفت مصلحة الحقّ على أن تُضعف أحدهما لحساب الآخر، ليمكن لك أن تقوّي الحقّ في النّتيجة.
فحتّى مسألة أن تقف على الحياد بين باطلين، ليست مسألةً حاسمةً. يقول أمير المؤمنين (ع): "كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ؛ لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ". يعني لا تجعل أحدًا يركبك ليصل إلى أهدافه، ولا تجعل أحدًا يستنزف طاقاتك ويحلبها من أجل قوَّته، فإذا كانت هناك فئتان من أهل الباطل تتصارعان، فلا بدَّ أن تتركهما تتصارعان، لتحطّم إحداهما الأخرى، ولتضعف إحداهما الأخرى، ليقوى الحقّ من خلال ضعفهما، ومن خلال تدميرهما معًا.
ولكن عندما يتصارع طرفان من أهل الباطل، ويكون أحدهما أقسى على الحقّ من الآخر، فمن الممكن في هذه الحال أن تساند الأضعف والأخفّ في خطره، لتُسقط الأقوى، ثمّ تتفرّغ بعد ذلك للأضعف، لأنَّ الأقوى إذا انتصر على الأضعف، كان مشكلةً للإسلام.
ومن هنا، نحن نعرف أنَّه لا يجب علينا أن نكون حياديّين دائمًا مع أهل الباطل، ولا أن نقاطع أهل الباطل تمامًا أو أن لا ندخل معهم في بعض الاتّفاقات، بل لا بدَّ لنا من أن ندرس موازين القوى تبعًا لما تقتضيه مصلحة الحقّ في حركته وقوّته، فقد تكون مصلحة الحقّ أن تُبقي أهل الباطل يتنازعون، وقد تكون مصلحة الحقّ أن تغلّب أحد الطّرفين على الآخر.
ولذلك، نجد أنّ الله سبحانه وتعالى عندما كانت هناك حربٌ بين الكفر الإلحاديّ وبين الكفر الكتابيّ، تحدَّث قائلًا: {الْم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ}(الروم: 1- 4). في ذاك الوقت، كان هناك حرب بين النّصارى وبين الكافرين الملحدين أو عبّاد النّار، ومع ذلك، كان الإسلام يتعاطف مع أهل الكتاب ضدّ أولئك. حتّى إذا انكسر أهل الكتاب أمام الكافرين، أنزل الله قرآنًا يبيّن أنّهم سيتغلّبون عليهم بعد ذلك، مع أنّ أهل الكتاب لا يؤمنون برسول الله (ص): {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ}(البيّنة: 1).
لكن عندما يدور الأمر بين المشركين أو الملحدين وبين أهل الكتاب الَّذين يؤمنون بالله ورسالاته - وإن كان بطريقةٍ منحرفةٍ - فإنَّ الإسلام يقول إنَّه لا بدَّ أن يتغلّب هؤلاء على أولئك، باعتبار أنَّ خطّ الإيمان بالله سبحانه وتعالى يقوى، وبعد ذلك حين ينشب الصّراع بيننا وبينهم، يصبح هناك سياقٌ آخر.. فلا توجد عقدةٌ في هذا المقام.
التّعاون في ميزان المصلحة
لذلك، يجب أن نفهم النظريّة السياسيّة في الإسلام. ففي بعض الحالات، قد يكون هناك هدفٌ مشتركٌ بيننا وبين آخرين ممّن يدينون بأديانٍ أخرى، أو ممّن لا يدينون بدين، فنحن مثلًا الآن بالنّسبة إلى إسرائيل، يمكن في بعض الحالات أن نحتاج إلى أن نتعاون مع كلّ الّذين هم ضدّ إسرائيل في العالم - حتّى لو كانوا لا يدينون بديننا - في سبيل أن نُسقطها. فهذا جائزٌ، لأنّك لا تنطلق في تعاونك معهم من الاعتراف بشرعيَّتهم، بل من خلال أنّك تلتقي معه في هذا الهدف المرحليّ. وهذا لا بدَّ فيه من دراسةٍ وحذرٍ، ولكنّنا نتكلّم عن المبدأ.
إذًا، عندما تكون المسألة مسألة باطلين يتنازعان، فلا نُعطي هذا قوّةً، ولا نُعطي ذاك قوّةً، إلّا في الحالات الاستثنائيّة الّتي يكون فيها إعطاء القوَّة لفريقٍ دون فريقٍ مصلحةً للإسلام، بحيث يكون قوّةً للحقّ.
أمَّا إذا كان هناك حقٌّ وباطلٌ، فلا يجوز الحياد، بل لا بدَّ لك من أن تكون مع الحقّ ضدّ الباطل. ولا يكفي أن يتقاتل النَّاس لتقول إنّ عليَّ أن أقف على الحياد، فلا شأن لي بهؤلاء، ولا شأن لي بأولئك، أنا لست مع هؤلاء ولست مع أولئك، لست مع هذه الجماعة ولست مع تلك الجماعة، على أساس أنّك تتخفَّف من مشاكلهم.
فقبل كلّ شيءٍ، ادرس من منطق إسلامك: ما هو خطّ هؤلاء، وما هو خطّ أولئك؟ أيّ خطٍّ أقرب إلى الإسلام؟ وأيّ خطٍّ يجسّد الإسلام؟ فإذا رأيت أنَّ أحدهما يجسّد الإسلام دون الآخر، أو أنَّ أحدهما أقرب إلى الإسلام من الآخر، فكن معه... أمّا أن تقول إنّك لا تحبّ المشاكل، فإنّ كلَّ النّاس لا يحبّون المشاكل.
خطر الأكثريّة الصّامتة!
عندما دخل عليٌّ (ع) في حربٍ مع معاوية، كان هناك فريقٌ من النّاس في الدّائرة الإسلاميَّة اعتزلوا المعركة، فعلَّق الإمام (ع) - فيما رُوي عنه - على ذلك بأنّهم: "خَذَلُوا الْحَقَّ، وَلَمْ يَنْصُرُوا الْبَاطِلَ". يعني صحيحٌ أنّكم لم تنصروا الباطل، ولكنّ هذا لا يكون مبرّرًا لكم لتخذلوا الحقّ، لأنّكم في الوقت الّذي لم تنصروا الباطل لتكونوا معه، خذلتم الحقّ فابتعدتم عنه، وبذلك أعطيتم الباطل قوّةً سلبيّةً لأنّكم أضعفتم الحقّ، وكلّما ضعف الحقّ بتفرّق أهله عنه انتصر الباطل.
لذلك، في معارك الحقّ والباطل، سواء كانت معارك عقيديّةً أو معارك سياسيّةً أو اجتماعيَّة، عندما تكون هناك معركةٌ بين الحقّ والباطل، بحيث ندرس طبيعة المعركة، ونعرف أنَّ هذا مع الحقّ وذاك مع الباطل، فهنا يكلّفنا الله أن نكون مع الحقّ مهما كانت النّتائج.
لذلك، فإنَّ هذه الذّهنيّة الّتي بدأت تنتشر عندنا، والّتي يُسمّونها الآن بمصطلح "الأكثريّة الصَّامتة"، قد تكون أكثريّةً شيطانيّةً، لأنَّ السَّاکت عن الحقّ - في الوقت الّذي يستطيع فيه أن يُعبّر عن الحقّ - شيطانٌ أخرس. وقد وصّى أمير المؤمنين (ع) ولديه الحسن والحسين (ع) قائلًا: "كُونَا لِلظَّالِمِ خَصْمًا، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْنًا"، فلا يوجد حيادٌ بين الظّالم والمظلوم، وبين الحقّ والباطل.
وهذا هو المعنى الّذي تحدَّث به الإمام الكاظم (ع): "أَبْلِغْ خَيْرًا وَقُلْ خَيْرًا وَلَا تَكُنْ إِمَّعَةً"، قَال: وَمَا الْإِمَّعَةُ؟ قَال: "لا تَقُلْ: أَنَا مَعَ النَّاسِ، وَأَنَا كَوَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ، إنَّ رسولَ اللّهِ (ص) قال: يا أيُّها النَّاسُ، إِنَّمَا هُمَا نَجْدَانِ؛ نَجْدُ خَيْرٍ وَنَجْدُ شَرٍّ، فَلَا يَكُنْ نَجْدُ الشَّرِّ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الْخَيْرِ".
الإسلام موقفٌ ومسؤوليّةٌ
لذلك، أيُّها الأحبَّة، الإسلام ليس مجرَّد كلمةٍ نقولها، وليس مجرَّد فكرةٍ نؤمن بها، وليس مجرَّد عبادةٍ نتعبَّد بها؛ الإسلام هو موقفٌ يمتدُّ في كلّ حركة حياتك، الصَّغير منها والكبير.. الإسلام يجعلك جزءًا من أمَّةٍ متراميةٍ، كما هو الجزء من الكلّ: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِم مثل الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى".
وهذا حديث رسول الله (ص): "مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ"، و"مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُنَادِي يَا لَلْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ".
لذلك، لا بدَّ لنا أن نواكب الواقع الإسلاميّ كلّه، في كلّ نقاط ضعفه وقوّته، وفي كلّ هزائمه وانتصاراته. وعلينا أن لا نقف موقفًا مذهبيًّا أمام ذلك لنصنّف النّاس، فإذا كنّا سنّةً وكانت المشكلة في المنطقة الشّيعيّة، قلنا: ليس لنا شأنٌ بذلك، لأنَّ هؤلاء ليسوا جماعتنا، وإذا كنَّا شيعةً وكانت المسألة في المناطق السنّيّة، نقول: هؤلاء ليسوا جماعتنا. لا، بل كلّ المسلمين جماعتنا. فالله عندما تحدّث في القرآن عن المسلمين والمؤمنين، اعتبر أنَّ المؤمنين هم المسلمون الّذين يعتقدون بالإسلام: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}(الحجرات: 14). فكلّ مسلمٍ يؤمن بالإسلام في عقله وفي قلبه، هو مصداقٌ لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}(الحجرات: 10).
وهذا ما تحدَّث به آية الله السّيّد الخوئيّ (قده) في فقهه، عندما قال إنَّ كلمة المؤمن في القرآن يُراد بها المسلم الَّذي يعيش الإسلام عقيدةً في نفسه. لذلك، فإنَّ كلّ النّداءات في القرآن: {وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}(المؤمنون: 52)، و{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا}(آل عمران: 103)، و{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، كلّها موجَّهةٌ إلى المسلمين جميعًا.
لذلك، لا بدَّ أن تكون قضايا كلّ المسلمين قضايانا، حتَّى لو اختلفنا في مذهبيَّاتنا، وفي كثيرٍ من تفاصيل أوضاعنا السّياسيّة أو غير السّياسيّة.
أسباب ضعف المسلمين
وهذا هو الّذي يجعل الإسلام قوّةً. لماذا الإسلام ضعيف الآن؟ ولماذا استضعف الاستكبار العالميّ الإسلام؟ ولماذا يستضعف الكفر العالميّ الإسلام؟ لماذا تُثار حربٌ عالميّةٌ ضدّ الإسلام في مفاهيمه، وشرائعه، وسياسته، واقتصاده، وأمنه؟ لماذا تُثار تلك الحرب، ويتساقط المسلمون في موقعٍ هنا وموقعٍ هناك، ويتحرّكون داخل اللّعبة الدّوليَّة الّتي تحاول أن تنهش أرضًا من المسلمين هنا وثروةً من المسلمين هناك، والموظّفون الّذين وظّفهم الاستكبار العالميّ ملوكًا، وأمراء، ورؤساء، ووزراء، وما إلى ذلك، يحرسون للاستكبار العالميّ مواقعه ضدّ أهلهم من المسلمين.
لا بدَّ لنا أن نواجه الواقع حتّى نستطيع أن نكون قوّةً في العالم. نحن لسنا ضعفاء بعددنا، فنحن نبلغ أكثر من مليارٍ ومئة مليون مسلمٍ في العالم، نحن خُمس العالم، ولكنَّ مشكلتنا أنَّ أرقامنا لا تجتمع. يعني الآن لو فرضنا أنَّ عندك مليون دولارٍ، ولكن كان في كلّ بلدٍ دولارٌ واحدٌ، ولا تستطيع أن تتصرَّف إلّا بدولارٍ واحدٍ، فأنت فعليًّا تملك دولارًا، لأنّك لا تستطيع أن تشتري شيئًا بمليون دولارٍ. في هذا البلد تشتري شيئًا بدولارٍ، وفي ذاك البلد تشتري بدولارٍ، وهكذا. متى يجعلك امتلاكك لمليون دولارٍ غنيًّا؟ عندما تجتمع الدّولارات بعضها مع بعض، وينضمّ بعضها إلى بعضه لتصبح مليونًا في النّتيجة، فلا يكفي أن يكون عندك مليونٌ في العدد، بل المهمّ أن يكون عندك مليونٌ في النَّتيجة، أي أنَّك تستطيع أن تتحرّك بقوّة مليون.
التّخاذل في نصرة القضايا
كذلك نحن؛ نحن مليار مسلمٍ ويزيد، لكنَّنا لا نتصرَّف كمليارٍ أبدًا. يتحرّك مثلًا عشرة آلافٍ مسلم هنا أو هناك، لأنَّه حتّى المسلمون الموجودون بالملايين، لا يتحرَّك منهم إلّا ألفٌ، أو ألفان، أو عشرة آلافٍ. يعني الآن، مَن الَّذي يقاتل إسرائيل في احتلالها؟ مجموعةٌ من الشّباب المؤمن في لبنان، ومجموعةٌ من الشّباب المسلم في فلسطين. مَن الَّذي يقاتل؟ كلّنا متفرّجون، نسمع الأخبار، حتّى إنّنا لا ندعم هؤلاء بالمال. كثيرٌ من الأغنياء عندما سمعوا "كلينتون" يتحدَّث عن رفض دعم الحركات الّتي يصفها بالإرهابيّة، صاروا يخافون من التَّحويل لأيّة جهةٍ إسلاميّةٍ.
فإذًا، صحيحٌ أنّنا مليار مسلمٍ، ولكنّنا لا نتحرّك بحجم المليار. واليهود يبلغون في العالم كلّه - حسب بعض الإحصاءات - عشرين مليونًا، ولكنَّ العشرين مليونًا يتحرّكون بقوّة عشرين مليونًا. فهل عندنا عشرون مليون مسلمٍ يتحرّكون بقوَّة عشرين مليونًا؟ هذا صعبٌ، لأنَّ أغلب المسلمين يتوزَّعون بين أناسٍ يجلسون على التَّلّ، وأناسٍ يصلّون عند عليٍّ (ع) ويتغدّون عند معاوية. كما في معركة صفّين، كان بعض النَّاس يقول: "الصَّلَاةُ خَلْفَ عَلِيٍّ أَقْوَمُ، وَطَعَامُ مُعَاوِيَةَ أَدْسَمُ، والقُعُودُ عَلَى التَّلِّ أَسْلَمُ".
التّأثير السّلبيّ للحياد
ولذلك نحن نقول: لقد قتلنا الجالسون على التّلّ؛ لم يقتلنا الَّذين يقفون أمامنا في المعركة، ولكن قتلنا الّذين يجلسون على التّلّ، الّذين إذا رأوا معركةً قالوا: "فخّارٌ يكسّر بعضه"، وإذا رأوا صراعًا قالوا: "ما لنا والدّخول بين السّلاطين"، حتّى لو كان هناك سلطان حقٍّ وسلطان جورٍ.
ما الَّذي خذل عليّ بن أبي طالبٍ (ع)؟ من الَّذي خذله؟ من الَّذي هزمه؟ لم يهزمه معاوية، ولكن هزمه النَّاس الّذين كانوا يعيشون معه، عندما تفرّقوا عن حقّهم واجتمع أولئك على باطلهم. حتّى كان (ع) يطلب أن يصارفه معاوية مصارفة الدّرهم بالدّينار: "والله لوددْتُ أنَّ معاوية صارفَني بكم صرفَ الدّينار بالدّرهم، فأخذ منّي عشرةً منكم وأعطاني واحدًا منهم"، فهو مستعدٌّ أن يعطي معاوية عشرةً منهم مقابل واحد من عند معاوية، لأنَّ هذا الواحد عندما يكون في موقفٍ صلبٍ، فإنَّ معناه أن ينطلق بكلّ قوّةٍ ليُعطي كقوّةٍ، لكنّ العَشرَة عندما يكونون مائعين، متخاذلين، خائفين، متردّدين، فسيتحوَّلون عبئًا عليك، لأنّهم يُفسدون عليك خطَّتك. ولذلك قال لهم: "لَقَدْ أَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي"، حتّى وصل الأمر بالبعض أن يقول إنَّ عليًّا (ع) لا خبرة له بالحرب، أو لا خبرة له بالحكم، أو ما أشبه ذلك!
معنى التَّوحُّد على الإسلام
لذلك، أيُّها الأحبَّة، نحن عندما نتحدّث عن الوحدة الإسلاميّة، فإنّما نتحدَّث عن وحدةٍ تجمع المسلمين فيما يتَّفقون عليه.. عندما نتوحَّد بالله وبرسوله وباليوم الآخر، فنحن نتوحَّد ضدّ الَّذين يشركون بالله وينكرونه، وضدّ الَّذين يكفرون برسول الله وباليوم الآخر، حتّى لو كفر بعضنا مذهبيًّا بما يؤمن به البعض الآخر.
نحن عندما نتوحَّد، نتوحَّد على أساس أنَّ لنا شريعةً مشتركةً؛ نحن جميعًا نؤمن بفريضة الصَّلاة، والصّوم والحجّ والزّكاة، وما إلى ذلك، وإن اختلفنا في بعض تفاصيل الصَّلاة والصّوم وغيرهما، لأنَّ الشّيعة يختلفون في التَّفاصيل كما أنَّ السنّة يختلفون في التّفاصيل. وهكذا، هناك قضايا مشتركةٌ بيننا وبين المسلمين الآخرين بنسبة ثمانين في المائة أو أكثر، فعلينا أن نلتقي ونتوحَّد على أساس ما اتّفقنا عليه، ونحاور بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، كما أرادنا الله إذا تنازعنا في شيءٍ أن نردّه إلى الله وإلى الرّسول: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}(النساء: 59).
أن نتوحَّد من أجل قضايانا. ونحن نشعر بأنَّ المسلمين يعيشون الوحدة الإسلاميَّة حول فلسطين، فالمذاهب اتَّفقت على أنَّ فلسطين قضيّةٌ إسلاميّةٌ، والمذاهب الإسلاميَّة اتَّفقت على أنَّ قضيَّة البوسنة والهرسك قضيّةٌ إسلاميّةٌ، كما كانت قد اتَّفقت على أنَّ أفغانستان قضيّةٌ إسلاميّةٌ، وأنَّ الشّيشان الآن قضيّةٌ إسلاميّةٌ. لذلك، ترى المشاعر الإسلاميَّة متوجّهةً بشكلٍ موحّدٍ بعيدًا من كلّ الاختلافات المذهبيّة. فليس هناك من يسأل ما هو مذهب أهالي البوسنة والهرسك، ولا أحد يسأل ما هو مذهب أهالي الشّيشان أو فلسطين، أو ما إلى ذلك، بل إنّه يشعر بالخطر الّذي يتّجه ضدّ الإسلام من خلال هذا الموقع أو ذاك الموقع.
الوعي بخلفيّات الأحداث
لكنّ المشكلة أنَّ هذه المشاعر تمثّل وحدةً شعوريّةً فقط، ونحن نحتاج إلى وحدةٍ عضويّةٍ، وحدةٍ عمليّةٍ، وحدةٍ واقعيَّةٍ، وحدةٍ واعية، حتّى لا يستطيع الاستكبار العالميّ من جهةٍ، والكفر العالميّ من جهةٍ أخرى، أن يمزّقونا باسم مذهبيّاتنا، وهو يتحرّك من موقع الكفر.. لقد أصبحت الدّوائر الأمريكيّة تتحدّث عن السنّة والشّيعة، والدّوائر الأوروبيّة تتحدّث عن السنّة والشّيعة، ويدّعون الغيرة على السنّة على حساب الشّيعة تارةً، والغيرة على الشّيعة على حساب السنَّة تارةً أخرى، وهم في الحقيقة يغارون على مصالحهم.
قد يأتيك بعضهم ليقول: "نحن معكم!" {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}(البقرة: 14). هذه هي اللّعبة. لذلك نحن نحتاج إلى وعيٍ، يعني أن نعي خلفيَّة الكلمات، فقد يأتيك إنسانٌ بأسلوبٍ لطيفٍ جدًّا، وهو يجتذبك حتّى يثيرك على أخيك أو على ابن دينك.
عليك أن لا تدرس طبيعة الكلمة فحسب، بل ادرس ما وراء الكلمة، وادرس شخصيّة الرّجل الّذي يطلقها. كانت هناك حكمةٌ تقول: "انظر إلى ما قيل، ولا تنظر إلى مَن قال"، لكنَّ أحد شعرائنا المحدثين، وهو "أحمد الصافي النّجفيّ"، قلب الحكمة قائلًا:
قَدْ كَثُرَ الْخِدَاعُ الْيَوْمَ فِي أَقْوَالِنَا فَانْظُرْ إِلَى مَنْ قَالَ لَا مَا قِيلَا
لا تنظر إلى الكلمة، ولكن انظر إلى قائلها، حتّى تعرف ما هي الخلفيّات الّتي تختبئ وراء الكلمات.
نحن – علماء ومثقّفين وسياسيّين وأصحاب أعمالٍ - نحتاج إلى وعيٍ.. إنَّ مشكلتنا أنَّ وعينا لا يتجاوز دوائرنا الذّاتيَّة، فلا بدَّ أن يكون لدينا وعيٌ بالخلفيَّات الّتي تختبئ وراء كلّ الخطوط الّتي تتحرَّك في حياتنا، من هذا المعسكر الدّوليّ أو ذاك المعسكر الدّوليّ.
إنَّ من أدنى صفات المؤمن، كما ورد في الحديث، أنّه: "لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ". ونحن نُلدغ من الجحور الأوروبّيّة، والأمريكيّة، والرّوسيّة، وما إلى ذلك، ثمَّ نضع أصبعنا في الجحر نفسه، فتأتي العقرب مرّةً ثالثةً ومرّةً رابعةً، وهكذا.. ولذلك أصبحت حياتنا سلسلةً من اللَّدغات المتكرّرة، نُلدغ فلا نعتبر ولا نتعلَّم من لدغاتنا.
نحن نحتاج إلى وعيٍ. في بعض الحالات، حين يأتي شخصٌ ليقف في الشّارع ويسبّ مقدّساتك، كأن يسبّ النّبيّ (ص)، أو يسبّ الإسلام، قد تكون المصلحة أن لا تردّ عليه، حتّى لو كان قلبك يتقطّع، ومشاعرك تثور. لماذا؟ لأنَّ هذا قد يكون مدفوعًا إلى أن يسبّ حتّى يخلق مشكلةً، وحتّى يُحدِثَ فتنةً، وحتّى تنشب هناك حربٌ. لذلك، قبل أن تتحرَّك، ادرس هذا الإنسان الَّذي جاء يسبّ: ما هي المناسبة؛ هل هي مسألةٌ ذاتيّةٌ، أو أنَّ هناك جهاز مخابراتٍ محليّ أو إقليميّ أو دوليّ يختبئ وراءه؟ ادرس خلفيّاته.
منهجيّة إثارة الفتن
أنا أذكر في أيَّام المرجع الكبير المرحوم السّيّد محسن الحكيم (قده) في الخمسينيّات، كان الواقع السّياسيّ في ذلك الوقت يقوده "عبد النَّاصر" في البلاد العربيَّة، وكان هناك اليمين العربيّ - الَّذي يمثّل الغرب طبعًا - يقف ضدَّ عبد النَّاصر. أذكر في ذلك الوقت أنَّ أحد الصّحفيّين نشر في إحدى الصّحف المصريَّة شيئًا يمسّ الإمام أمير المؤمنين (ع) على لسان أحد الخلفاء، وهذه الرّواية موجودةٌ في بعض الكتب التَّاريخيَّة.
هنا، كان يمكن لهذه المسألة أن تمرّ كما تمرّ كثيرٌ من القضايا، لكن بدأت الإثارة في لبنان من قبل علماء وكتَّابٍ، وأُثيرت قضيّة أنَّ الشّيعة يسيرون خلف هؤلاء المصريّين الَّذين يحاربون التّشيّع ويحاربون أهل البيت (ع)، وبدأت الصّحف تكتب وتكتب. ولم يقتصر الموضوع على هذا، بل أُرسل وفدٌ من لبنان إلى العراق – وكان ذلك في أيّام "نوري السَّعيد" أثناء الحكم الملكيّ - ليقابل السّيّد محسن الحكيم (قده)، ليدفعه، بصفته مرجعًا عامًّا للشّيعة، إلى اتخاذ موقفٍ ضدّ عبد النَّاصر، فيستفيد من هذه الإثارة سياسيًّا.
وكنت جالسًا إلى جانب السّيّد الحكيم آنذاك، وجاء هذا الوفد، وكان أشدّهم تحمّسًا يتكلَّم قائلًا: "نحن يجب أن نكون مع أهل البيت (ع)، نحن لا نوافق أن يتحدَّى أحدٌ أهل البيت (ع)، يجب أن نثير الثّائرة، وأن نعمل كذا وكذا...". والسّيّد الحكيم (قده) كان من أكثر المراجع عقلًا ورويّةً وحكمةً، ولذلك لم يتجاوب معه، وتكلَّم بكلامٍ هادئٍ منع هؤلاء من استغلال الموضوع.
ليست هذه هي المفارقة! بل اكتشفنا بعد هذا الحماس أنَّ أكثرهم تحمّسًا لم يكن مسلمًا أصلًا، ليست القصَّة أنّه لم يكن شيعيًّا، بل لم يكن مسلمًا أساسًا، وكانت على صدره علامةٌ غير إسلاميّةٍ! وهؤلاء كانت علاقتهم في ذلك الوقت بأمريكا وبالسّياسة الأمريكيّة، والسّياسة الأوروبّيّة، والسّياسة المحلّيّة هنا وهناك.
وهناك العديد من المشكلات الّتي حدثت في لبنان اكتُشف فيما بعد أنَّ وراءها لعبة ومخطّطًا بهدف إثارة الفتنة.
هناك كثيرٌ من قضايا الإثارة الّتي تحدث في داخل المذهب الواحد، أو داخل الإسلام، أو داخل الوطن كلّه، هناك كثيرٌ من عناصر الإثارة الّتي تثير كلام النَّاس، وتثير الضّوضاء والخلاف والاتّهامات، لو درستموها، لعرفتم أنَّ وراءها المخابرات الدّوليَّة الّتي فتحت فروعًا لها في كلّ مكان.
لذلك، المطلوب أن يكون عندنا وعيٌ لنفهم ماذا وراء الكلمة، وأن نفهم خلفيّات الأشخاص، حتّى نعرف كيف نستطيع أن نحمي أنفسنا منهم.
* من خطبة الجماعة لسماحته في مسجد بئر العبد، للرّجال، بتاريخ: 11/08/1995م.