يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(الأحزاب: 33).
في اليوم الثامن من ربيع الأوَّل، كانت وفاة الإمام الحادي عشر من أئمَّة أهل البيت (ع)، الإمام الحسن بن عليّ العسكري (ع). وفي هذه المناسبة، نتحدث عن تأثيره في مجتمعه وعن بعض كلماته.
سبب لقب العسكريّ
في البداية، إنَّ كلمة "العسكريّ" هي نسبة إلى البلدة التي كان يقيم فيها الإمام (ع)، وهي التي تسمَّى الآن "سامرّاء"، لأنَّ أحد الخلفاء العباسيَّين بنى هذه المدينة لإقامة الجيش فيها، ولذلك، فإن أغلب الناس الذين كانوا ينتمون إلى هذه المدينة أو يقيمون فيها، يطلق عليهم لقب "العسكري".
والإمام العسكري (ع) عاش، كما عاش آباؤه من أئمَّة أهل البيت (ع)، في موقع الإمامة، من أجل أن يفتح عقول الناس وقلوبهم على الإسلام الأصيل الَّذي انطلق به رسول الله (ص) وسار فيه أئمَّة أهل البيت (ع)، باعتبار أنهم أمناء الله على الرسالة، وأنهم خلفاء الله في أرضه وحججه على عباده. وقد تلمّذ عليه الكثيرون من الرواة والعلماء، وأثّر في مجتمعه، بالرّغم من حداثة سنّه، تأثيرًا كبيرًا جدًّا، حتى إنَّ أعداءه كانوا يشهدون له بما يشهد له به أولياؤه.
شهادةُ الأعداء بفضله
وينقل المؤرّخون عن شخصٍ اسمه "أحمد بن عبيد الله بن خاقان"، ويقولون عندما يتحدثون عنه إنَّه كان من ناصبي العداء لأهل البيت (ع)، بحيث كان يبغضهم ويكرههم، ومع ذلك، عندما تحدَّث عن الإمام العسكري (ع)، قال: "ما رأيت ولا عرفت بسرّ من رأى - أي في سامرَّاء - من العلويَّة مثل الحسن بن عليّ بن محمَّد بن الرّضا (ع) في هديه - أو هدوئه - وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته وبني هاشم، وتقديمهم إيَّاه على ذوي السنّ منهم، وكذلك كانت حاله عند القوَّاد والوزراء وعامَّة الناس".
وكان أبو هذا الرجل مقدَّمًا عند الخلافة، وقد رأى أباه يومًا يتواضع للإمام العسكريّ (ع) تواضعًا غير مألوف عندما زاره، حيث جلس بين يديه، وهو الوزير المقدَّم الَّذي كان في المستوى الَّذي لا يحترم فيه حتَّى أولاد الخلفاء إلَّا بشكل بسيط، وقيل له إنَّ وليّ عهد الخلافة أتى ليزوره والإمام عنده، فجعله ينتظر، وأكمل حديثه مع الإمام العسكريّ (ع). وسأله ابنه: "يا أبه، من الرَّجل الَّذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الإجلال والكرامة والتَّبجيل، وفديته بنفسك وأبويك؟ فقال: يا بنيّ، ذاك الحسن بن عليّ المعروف بابن الرّضا... ثمَّ قال: يا بنيَّ، لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العبَّاس، ما استحقَّها أحد من بني هاشم غير هذا، وإنَّ هذا ليستحقّها في فضله وعفافه وهديه وصيانته وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه".
ويكمل أحمد بن عبيد الله بن خاقان: "فما سألْتُ أحدًا من بني هاشم والقوَّاد والكتَّاب والفقهاء وسائر الناس إلَّا وجدته عنده في غاية الإجلال والإعظام والمحلّ الرَّفيع والقول الجميل والتقديم له على جميع أهل بيته، فعظم قدره عندي - وهو النَّاصبيّ كما قلنا - ولم أر له وليًّا ولا عدوًّا إلَّا وهو يحسن القول فيه والثناء عليه".
فالشخص الذي يلتقي أعداؤه وأولياؤه على تعظيمه ومدحه والثناء عليه، هو شخص استطاع أن يقتحم عقول الناس وقلوبهم بكلّ ما يرفع ثقافتهم، وما يؤكد الخير والعلم والعدل في حياتهم كلّها، لأنه لا يمكن أن يلتقي الناس على شخص إلَّا إذا استطاع أن يفرض نفسه عليهم بكلّ الطاقات العلمية والروحية والأخلاقية التي تتمثل فيه. وهكذا كان الإمام العسكريّ (ع).
هيبته (ع) في قلوب سجّانيه
وقد سجن في عهد خلفاء بني العباس، لأنَّ الخلفاء اعتادوا عندما يتحسَّسون الخطر من أيّ شخص، ولا سيَّما إذا كان من أبناء عليّ (ع)، ممّن يعتقد فريق من الأمَّة بإمامته، لأنهم يعرفون عمق انتماء هذا الفريق من الأمَّة إلى أئمَّتهم، عندما يتحسّسون الخطر منه، يضيّقون عليه، ويصادرون حريته، ويوظّفون المخابرات لكي ترصد كلّ الناس الذين يأتون إليه والذين يراجعونه.
وقد سجن الإمام العسكري (ع) لدى شخص يسمَّى "صالح بن وصيف"، ومن الطبيعي أنَّ العباسيّين كانوا يحقدون على الإمام لأنهم كانوا يخافون منه على سلطانهم، كما أنَّه كان هناك بعض الناس المعقّدين منه، كما نجد ذلك في كلّ زمان ومكان، عندما ينطلق المعقَّدون ضدّ الذين يتحركون في الحياة من أجل الخير كله والحق كلّه. "وكان صالح بن وصيف من جلاوزة بني العبَّاس، وقد دخل عليه العبّاسيّون يومًا عندما حبسَ أبا محمَّد، فقالوا له: ضيّق عليه ولا توسّع. فقال لهم صالح: ما أصنع به، وقد وكلت به رجلين من شرّ من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصَّلاة والصّيام إلى أمر عظيم. فقلت لهما: ما فيه؟ فقالا: ما تقول في رجل يصوم النَّهار، ويقوم اللَّيل كلّه، لا يتكلّم ولا يتشاغل، وإذا نظرنا إليه ارتعدت فرائصنا، ويداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا، فلمّا سمعوا ذلك انصرفوا خائبين".
من كراماته (ع)
وينقل من كراماته (ع) – وهو ما ينقله الشيخ المفيد والكثير من العلماء - أنَّه عندما كان في سجنه، جاء بعض النَّاس إلى السجّان، أو أنَّه جاءه أمر من الخلافة بأن يطلق الإمام (ع) في ساحة فيها عدَّة من الأسود ليفترسوه، وكان أن ألقي الإمام إليها، وإذا بالإمام (ع) واقف يصلّي، والأسود تحوم حوله بكلّ وداعة.
وينقل عنه الكثير من الكرامات، منها أنَّه كان (ع) يعرف بما في نفوسهم من دون أن يخبروه، ويروى عن شخص قوله: "قَعَدْتُ لأبي محمَّد الحسن على ظهر الطَّريق، فلمَّا مرَّ، قمت في وجهه شكوت إليه الحاجة والضَّرورة، وحلفت له ليس عندي درهم فما فوقه، فقال: تحلف بالله كاذباً، وقد دفنت مائتي دينار؟".
فالله سبحانه يلهم أنبياءه وأولياءه كلَّ ما يحتاجون إليه مما يثبت كرامتهم وقربهم إلى الله وحبوتهم عنده. وهذا لا يختصّ بالإمام العسكريّ (ع) فقط، فعندما ندرس حياة كلّ إمام من أئمَّة أهل البيت (ع)، نجد الكثير من هذه الكرامات الَّتي لولا الإيمان بالله، ولولا المعرفة بأوليائه سبحانه، لما كان أحد يصدّقها.
وعندما توفي الإمام العسكري (ع)، ينقل المؤرخون أنَّ "سرّ من رأى - وهي سامرَّاء- صارت ضجّة واحدة وعطّلت الأسواق، وركب بنو هاشم والقُوّاد والكتّاب وسائر النَّاس إلى جنازته، "فكانت سرّ من رأى يومئذ شبيهًا بالقيامة"، وهذا ما يدلّ على مدى الامتداد الروحي الذي كان يملكه الإمام (ع) في واقع الناس كلهم.
وصايا وتوجيهات
ما هي وصاياه؟ لأنَّنا نريد أن نعرف بماذا يوصينا الإمام (ع) بما كان يوصي به أصحابه.
قال (ع) لشيعته، كما يروى عنه، ويروون أيضًا أنَّ هذا القول هو للإمام الصادق (ع) تحدث به الإمام العسكري، فقولهم واحد، وخطّهم واحد، وعلمهم واحد، فبعضهم يقول ما يقوله الآخر، كما أنَّهم يقولون ما يقوله رسول الله (ص) -: "أوصيكم بتقوى الله، والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من برّ أوفاجر، وطول السّجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمَّد (ص)".
ثم يتحدث الإمام العسكري (ع) عن علاقة الشّيعة بالمسلمين الآخرين الَّذين لا يرون رأيهم ولا يتمذهبون بمذهبهم، يقول (ع): "صلّوا في عشائرهم، واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم، فإنَّ الرَّجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه، وأدّى الأمانة، وحسّن خلقه مع النَّاس، قيل هذا شيعيّ، فيسرّني ذلك".
وهذا ما يريده الأئمَّة (ع) من الشيعة، وهو ما يريده الله من كلّ مسلم، لأنَّ هذه هي أخلاق الإسلام، والإسلام ليس كلمةً تقال فقط، ولكنَّه قول وعمل وموقف.
ويكمل الإمام (ع): "اتَّقوا الله، وكونوا زينًا لنا ولا تكونوا شينًا. جرّوا إلينا كلَّ مودَّة، وادفعوا عنَّا كلَّ قبيح، فإنَّه ما قيل فينا من حسن فنحن أهله، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك، لنا حقٌّ في كتاب الله، وقرابةٌ من رسول الله، وتطهير من الله لا يدَّعيه أحد غيرنا إلَّا كذَّاب".
هذه وصية الإمام العسكري (ع) كما هي وصيَّة كل إمام من الأئمَّة، فانظروا كيف تنفّذون هذه الوصيَّة فيكم.
ومن كلماته الَّتي كان يوجّه فيها النَّاس أنَّه قال: "ليس العبادة كثرة الصّيام والصّلاة، وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله"، لأنَّ الإنسان كلَّما كان واعيًا أكثر، وعارفًا بالله أكثر، ومنفتحًا على الحياة والدين أكثر، كانت صلاته أوعى، فقد يصلّي الإنسان مائة ركعة وهو لا يعرف مقام ربّه، ولا يعرف مسؤوليته، فصلاته تكون مجرَّد حركات روتينيَّة جسديَّة، ولكنَّ الإنسان الَّذي يصلّي ركعتين وهو يتفكَّر في أمر الله، ربما تكونان أفضل من مائة ركعة يصلّيها العابد الَّذي لا معرفة له. وقد ورد: "تفكّر ساعة خير من عبادة سنة".. وهكذا يقول (ع): "أكثروا ذكر الله، وذكر الموت، وتلاوة القرآن، والصَّلاة على النَّبيّ، فإنَّ الصَّلاة على رسول الله عشر حسنات".
على نهج أهل البيت (ع)
هذه بعض كلمات الإمام العسكريّ (ع) الَّذي نحيي غدًا ذكرى وفاته، نحييها بالعمل على الخطّ الَّذي بدأه رسول الله (ص) وسار عليه الأئمَّة (ع).
وعندما نقف عند ذكرى وفاته، فإننا نقف عند انتظار ابنه القائم المنتظر (عج) من أجل أن يجمع لنا كلّ ما قاله رسول الله (ص) وكلّ ما فعله، وأن يجمع لنا العدل كلّه والخير كلّه ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا. ولذلك، فإنَّنا عندما نستقبل ذكرى وفاة أبيه (ع) في الثّامن من ربيع الأوَّل، فإننا نستقبل ذكرى إمامته في اليوم التاسع من ربيع الأوَّل، باعتبار أنه اليوم الَّذي جعله الله فيه إمامًا للمسلمين.
إنَّ أئمَّتنا يريدون لنا أن نكون في موقع المسؤوليَّة الإسلاميَّة في كلّ قضايانا، أن نعيش الوحدة الإسلامية التي يلتقي المسلمون فيها على ما اتَّفقوا عليه، أن لا يسبّ بعضهم بعضًا، وأن لا يلعن بعضهم بعضًا، وأن لا يحقد بعضهم على بعض، بل أن يتعاونوا على البرّ والتقوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان، وأن يتحاوروا فيما اختلفوا فيه على أساس أن يرجعوا كلَّ شيء إلى الله ورسوله.
هذا هو خطّ أهل البيت (ع)؛ خطّ المعرفة، والعلم، والعدل، والحقّ، والوحدة بين المؤمنين وبين المسلمين على أساس ما يحبّه الله ورسوله.
* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 11 تمّوز - يوليو 1997م/ الموافق: 6 ربيع الأوّل 1418هـ.