محاضرات
21/09/2026

الأمانة في خطّ طاعة الله ورسوله

الأمانة في خطّ طاعة الله ورسوله

يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَخُونُوا اَللّٰهَ وَاَلرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمٰانٰاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(الأنفال: 27).

الخيانة؛ هذا العنوان الكبير الَّذي أراد الله تعالى للنَّاس أن يجتنبوه ويبتعدوا عنه، لأنَّه يهدّد مصيرهم في الدنيا والآخرة، ويحطّم واقع الخير في النَّاس، ويبعدهم عن الحقّ ويقرّبهم من الشّرّ والباطل.

أمانة المسؤوليَّة

ولأنّ هناك من يخون الله والرسول، فإنَّ الله تعالى حمّل النَّاس أمانة طاعته وطاعة رسوله، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله، {إِنّٰا عَرَضْنَا اَلْأَمٰانَةَ عَلَى اَلسَّمٰاوٰاتِ وَاَلْأَرْضِ وَاَلْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَأَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَحَمَلَهَا اَلْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُومًا جَهُولًا}(الأحزاب: 72)، هذه الأمانة هي أمانة المسؤوليَّة، قال الله للجبال وللسَّموات والأرض: تحمّلن مسؤوليَّة إدارة شؤونكنّ؛ لتتحمَّل كلّ واحدة منكنَّ مسؤوليَّة نفسها، لأحاسبها على أساس ما تحمّلت من المسؤوليَّة، لتختار الطاعة أو المعصية، فصاحت السَّموات والأرض والجبال: يا ربَّنا، نحن لا نقوى أن نتحمّل المسؤوليَّة أمامك، لأنَّ من الممكن أن نضعف وننحرف ونعصيك بفعل النَّفس الأمّارة بالسوء، فننال بذلك غضبك، وهذا ما لا تقوم له السَّموات والأرض والجبال، لذلك دعنا نطيعك {ثُمَّ اِسْتَوىٰ إِلَى اَلسَّمٰاءِ وَهِيَ دُخٰانٌ فَقٰالَ لَهٰا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيٰا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قٰالَتٰا أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ}(فصّلت: 11). وصاح الإنسان، وقد رزقه الله عقلًا وعينين ولسانًا وشفتين وهداه النَّجدين: أنا لها يا ربّ. ولكنَّ الإنسان لم يصدق في ذلك، فابتعد عن خطّ المسؤوليَّة، فكفر البعض، وانحرف البعض، وضلّ البعض، وعصى البعض الآخر.

أمانة الله والرَّسول

هذه أمانة الله ورسوله عندنا، وهو ما كلّفنا الله به من كلّ الواجبات أن نفعلها، ومن كلّ المحرَّمات أن نتركها، وما أعطانا من أدوار، فلكلّ إنسان دوره في الحياة فيما يدير به نفسه أو النَّاس من حوله أو الحياة، وعليه أن يطيع الله في ذلك كلّه. لذلك، من ترك الصَّلاة كان خائنًا لله ولرسوله، ومن ترك الصَّوم من غير عذر، وترك الزكاة والخمس وما أوجبه الله عليه، كان خائنًا لله وللرَّسول، ومن ترك الحجّ وهو يستطيعه، كان خائنًا لله وللرسول، ومن فعل المحرَّمات - أيّ محرَّم كان - فهو خائن لله وللرَّسول.

لا يكفي أن نقول: "أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله"، لأنّ لهاتين الكلمتين أمانة لا بدَّ أن نحفظها، ولأنَّ الشَّهادة لله بالوحدانيَّة تفرض علينا أن نوحّده ولا نشرك به شيئًا، وأن نطيعه ولا نعصيه فيما أمرنا به أو نهانا عنه، ولأنَّ الشَّهادة للنبيّ بالرّسالة تفرض أن نطيعه، لأنَّ من أطاع الرَّسول فقد أطاع الله.

وهكذا، يريدنا الله أن لا نخونه ولا نخون رسوله بأن لا نخون دينه، لأنَّ الإسلام هو أمانة الله في أعناقنا، أن نعمل على تقويته في نفوسنا وفي واقع النَّاس من حولنا {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ}(آل عمران: 104).

وقال الله لنا ليس معنى أن يموت الرسول أن تموت الرّسالة، ولكنَّ الرسول يموت كما يموت النَّاس، ولكن إذا مات، فلا تنقلبوا على الأعقاب، ولا تنحرفوا عن الرسالة {وَمٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَفَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللّٰهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اَللّٰهُ اَلشّٰاكِرِينَ}(آل عمران: 144)، بل عليكم أن تستمروا بالرسالة، بحيث تحملونها وتقوّونها وتسهرون عليها، وينقلها كلّ جيل إلى الجيل الَّذي بعده، هي الإرث العظيم. إنّكم تفكّرون في إرث المال كيف تعطونه لمن بعدكم، ولكنَّكم لا تفكّرون في إرث الدّين كيف تسلّمونه إلى أولادكم، والله قد تكفَّل بأولادكم كما تكفَّل بكم.

أمانة الدّين والنّفس

لذلك، دينكم هو خلاصكم ومصيركم في الدّنيا والآخرة؛ لا تضعفوه في أنفسكم، ولا تهملوه في بيوتكم، ولا تعاونوا الكافرين على إضعافه، فالكافرون قد يستخدمون بعض النَّاس من أجل أن يضعفوا الدين في نفوس المجتمع؛ قد يستخدمون أصحاب الأموال من أجل أن يضلّلوا النَّاس بأجهزة الإعلام من تلفزيون وصحافة وغيرهما، لينحرف النَّاس عن دينهم وأخلاقهم، وقد يستخدمون أصحاب الجاه من أجل أن يسقطوا الدين في نفوس النَّاس. الدّين هو أمانة الله عندنا، وعلينا أن نكون جندًا وحزبًا وقوَّةً لدينه، فمن خان الدَّين وتعاون مع الكافرين وقوّى مواقعهم وأضعف مواقع المسلمين، فقد خان الله والرَّسول في ذلك كلّه.

وهناك أمانتك في نفسك وفي النّاس من حولك؛ أمانتك في نفسك أن لا تظلم نفسك ولا تورّطها فيما لا يرضاه الله وفيما لا يحبّه، أن لا تبتعد بنفسك عن طريق الله، لأنَّ قصَّة نفسك هي قصَّتك أنت، أنت الذي تعاقب معها، وأنت الَّذي تنعّم معها يوم القيامة، فإذا جاءك الشَّيطان، وأراد لك أن تمارس بجسدك شهوة محرَّمة، أو تمارس بيدك عملًا محرَّمًا، أو تمشي بقدمك إلى هدف محرَّم، أو تضع في فمك طعامًا أو شرابًا محرَّمًا، أو تتكلَّم بلسانك كلامًا محرَّمًا، لو قال لك الشَّيطان: لا أحد يحمّلك المسؤوليَّة، وليس هناك أحد يشهد عليك، قل له: {اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىٰ أَفْوٰاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنٰا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ}(يس: 65).

أمانة السّرّ والوطن

ولا بدَّ لنا أن نحفظ أسرار بعضنا بعضًا، لأنَّه ورد في بعض الأحاديث: "إفشاء سرّ أخيك - في ماله أو تجارته أو حياته الخاصَّة – خيانة، فاجتنب ذلك".

ومشكلتنا أنَّنا مجتمع لا أسرار فيه، والعدوّ يستطيع أن يعرف أسرارنا من خلال سهرات ليالي الشّتاء وجلسات المقاهي وكلام القيل والقال، ولعلَّ عدوَّنا لا يحتاج إلى تخصيص أموال حتَّى يطَّلع على أسرارنا، لأنَّنا قوم لا نكتم سرًّا، والسرّ يمثّل مسؤوليَّة، ولا سيَّما إذا كان يتَّصل بواقع المجاهدين والأمَّة.

كذلك وطنك أمانة الله عندك؛ هذه أرض الله وأرض المؤمنين، فلا يجوز لك أن تمكّن العدوَّ من أرضك ووطنك، فمن أعان عدوَّه ليستولي على أرضه بكلمة أو موقف أو مال أو بأيّ وسيلة من الوسائل، كان خائنًا لله ولرسوله وللأمَّة... بعض النَّاس يتجسَّسون بحجَّة أنَّ عنده أولادًا ويريد أن يربّيهم، ولا يلتفت إلى أنَّه بذلك يقتل أولاد النَّاس، فلا يمكن أن يربي أولادًا من دماء أهله وإخوانه، فالَّذين يقاتلون مع العدوّ لا عذر لهم أبدًا، لأنَّه "إنما جعلت التَّقيَّة ليحقن بها الدَّم، فإذا بلغت التقيَّة الدَّم فلا تقيَّة"، فلا يجوز لك أن تكون جاسوسًا لأيّ جهاز محلّيّ أو إقليميّ أو دوليّ يمكن أن يجعل الأبرياء في متناول السّلطات الظَّالمة، لأنَّ هذه خيانة، وقد ورد في كلام الإمام عليّ (ع): "أعظم الخيانة خيانة الأمَّة"، ويقول (ع) في بعض كلماته: "من استهان بالأمانة، وقع في الخيانة".

أمانة وحدة الأمة

إنَّ وحدة الأمَّة أيضًا أمانة الله عند النَّاس، وكذلك وحدة المجتمع ووحدة المؤمنين، فمن عمل على إثارة الفتنة في الأمَّة، سواء كانت فتنة عائلية أو حزبية أو سياسية أو اجتماعية أو مذهبية أو طائفية، بحيث جعل الأمَّة تغرق في تفاصيل ذلك، فيلعن ويكفر ويسبّ بعضها بعضًا، هي خيانة من أعظم الخيانات للأمَّة، لأنّها تضعفها في نفسها وتشغلها بعضها ببعض، وتبعدها عن مواجهة الأخطار الَّتي يصنعها أعداء الله ورسوله، وخصوصًا في أيَّام التَّحدّيات واهتزاز الواقع وأيّام هجمة الاستكبار على الأمَّة.

لذلك، كونوا الواعين في دراسة كلّ القضايا الَّتي تثار في المجتمع، عندما تكون القضايا من القضايا المصيريَّة، فخذوا بها وتحدَّثوا عنها، لكن حديث العقل والإيمان والمسؤوليَّة، أمَّا إذا لم تكن من الأمور الَّتي تتَّصل بالمصير، بل كانت من القضايا الهامشيَّة، فعليكم أن تتعاملوا معها بوعي وحذر، حتى لا يأتي المستكبرون في مخابراتهم وشياطينهم ليستغلّوا هذه الأمور الهامشية في ضرب وحدة الأمَّة وتمزيقها.

مخاطر إشغال الساحة بالفتن

وهكذا يحاول الكثيرون من الناس إثارة القضايا التي تصبح موقعًا للجدل في المسائل التاريخيَّة، حتى يفتنوا بها الناس ويشغلوهم عن قضاياهم. وقد تعوّدنا في مجتمعاتنا هنا وفي إيران وفي أماكن أخرى، أنَّه كلَّما مرَّت ذكرى السيّدة الزهراء (ع)، ينطلق شخص من هنا وشخص من هناك ليثيروا: هل كُسِرَ ضلع الزَّهراء أم لم يُكسَر؟ ويشتم هذا ذاك، ويردّ هذا على ذاك. هي قضيَّة تاريخيَّة اختلف فيها المؤرّخون، فمن آمن بها واقتنع فله أجر ما اجتهد، ومن لم يؤمن بها ويقتنع فله أجر في ذلك، ومن أثار علامة استفهام فله عذره في ذلك، هي قضيَّة تاريخيَّة. ومن يتساءل فيها لا يعني أنّه يتسامح في القضيَّة الأساس، وهي حقّ الإمامة والخلافة.

لقد درج النَّاس في إثارة هذه المسألة على طريقةٍ لا ترضي الله والرسول، لأنَّها قضايا تتصل بالتشهير والسباب وبمحاولة إسقاط الرموز. إنَّنا نقول: هي قضية في التاريخ قد يتبنَّاها شخص، وهو معذور في تبنّيه، وقد لا يتبنَّاها شخص آخر وربما يكون معذورًا في عدم تبنّيه، لكن لا تجعلوا منها قضيَّة تقسّم مجتمعكم وتشكّككم في رموزكم.

إننا نعتبر أنَّ من يشغل المجتمع بمثل هذه القضيَّة في مثل هذه الظروف العصيبة التي يقف فيها الاستكبار العالمي من جهة، والكفر العالمي من جهة أخرى، من أجل محاصرة الإسلام والمسلمين في أرضهم وعزّتهم وكرامتهم وسياستهم، إنّ من يثير مثل هذه القضايا بالطريقة التي تعمل على تفجير الفتنة وإشغال الناس وقضاياهم، لا يخلص لله ولرسوله وللمؤمنين.

هناك حقّ في العقيدة لا بدَّ أن نقف عنده، وهناك حقّ في التوحيد والنبوَّة والإمامة والمعاد واليوم الآخر وعلينا أن نركّز على أساسه أصولنا العقيديَّة، أمّا في الفروع والتفاصيل، فإنَّ "من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد"، وقد أمرنا الله تعالى أن نقول الَّتي هي أحسن، وأن ندعو إلى سبيل ربّنا بالحكمة والموعظة الحسنة.

الله الله في مصير الإسلام والمسلمين.. الله الله في مصير منهج أهل البيت (ع) وخطّهم.. لا تتحركوا بطريقة غوغائيَّة انفعاليّة لا مسؤولة.. إذا قلتم، فليكن قولكم مطابقًا لمنهج الله في القول، وإذا فعلتم، فليكن فعلكم مطابقًا لما يريده الله من فعل {يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَخُونُوا اَللّٰهَ وَاَلرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمٰانٰاتِكُمْ - فيما يتَّصل بحياتكم الفرديَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة - وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.

 

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 26 أيلول 1997م/ الموافق: 24 جمادى الأولى 1418هـ.

 

يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَخُونُوا اَللّٰهَ وَاَلرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمٰانٰاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(الأنفال: 27).

الخيانة؛ هذا العنوان الكبير الَّذي أراد الله تعالى للنَّاس أن يجتنبوه ويبتعدوا عنه، لأنَّه يهدّد مصيرهم في الدنيا والآخرة، ويحطّم واقع الخير في النَّاس، ويبعدهم عن الحقّ ويقرّبهم من الشّرّ والباطل.

أمانة المسؤوليَّة

ولأنّ هناك من يخون الله والرسول، فإنَّ الله تعالى حمّل النَّاس أمانة طاعته وطاعة رسوله، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله، {إِنّٰا عَرَضْنَا اَلْأَمٰانَةَ عَلَى اَلسَّمٰاوٰاتِ وَاَلْأَرْضِ وَاَلْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَأَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَحَمَلَهَا اَلْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُومًا جَهُولًا}(الأحزاب: 72)، هذه الأمانة هي أمانة المسؤوليَّة، قال الله للجبال وللسَّموات والأرض: تحمّلن مسؤوليَّة إدارة شؤونكنّ؛ لتتحمَّل كلّ واحدة منكنَّ مسؤوليَّة نفسها، لأحاسبها على أساس ما تحمّلت من المسؤوليَّة، لتختار الطاعة أو المعصية، فصاحت السَّموات والأرض والجبال: يا ربَّنا، نحن لا نقوى أن نتحمّل المسؤوليَّة أمامك، لأنَّ من الممكن أن نضعف وننحرف ونعصيك بفعل النَّفس الأمّارة بالسوء، فننال بذلك غضبك، وهذا ما لا تقوم له السَّموات والأرض والجبال، لذلك دعنا نطيعك {ثُمَّ اِسْتَوىٰ إِلَى اَلسَّمٰاءِ وَهِيَ دُخٰانٌ فَقٰالَ لَهٰا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيٰا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قٰالَتٰا أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ}(فصّلت: 11). وصاح الإنسان، وقد رزقه الله عقلًا وعينين ولسانًا وشفتين وهداه النَّجدين: أنا لها يا ربّ. ولكنَّ الإنسان لم يصدق في ذلك، فابتعد عن خطّ المسؤوليَّة، فكفر البعض، وانحرف البعض، وضلّ البعض، وعصى البعض الآخر.

أمانة الله والرَّسول

هذه أمانة الله ورسوله عندنا، وهو ما كلّفنا الله به من كلّ الواجبات أن نفعلها، ومن كلّ المحرَّمات أن نتركها، وما أعطانا من أدوار، فلكلّ إنسان دوره في الحياة فيما يدير به نفسه أو النَّاس من حوله أو الحياة، وعليه أن يطيع الله في ذلك كلّه. لذلك، من ترك الصَّلاة كان خائنًا لله ولرسوله، ومن ترك الصَّوم من غير عذر، وترك الزكاة والخمس وما أوجبه الله عليه، كان خائنًا لله وللرَّسول، ومن ترك الحجّ وهو يستطيعه، كان خائنًا لله وللرسول، ومن فعل المحرَّمات - أيّ محرَّم كان - فهو خائن لله وللرَّسول.

لا يكفي أن نقول: "أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله"، لأنّ لهاتين الكلمتين أمانة لا بدَّ أن نحفظها، ولأنَّ الشَّهادة لله بالوحدانيَّة تفرض علينا أن نوحّده ولا نشرك به شيئًا، وأن نطيعه ولا نعصيه فيما أمرنا به أو نهانا عنه، ولأنَّ الشَّهادة للنبيّ بالرّسالة تفرض أن نطيعه، لأنَّ من أطاع الرَّسول فقد أطاع الله.

وهكذا، يريدنا الله أن لا نخونه ولا نخون رسوله بأن لا نخون دينه، لأنَّ الإسلام هو أمانة الله في أعناقنا، أن نعمل على تقويته في نفوسنا وفي واقع النَّاس من حولنا {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ}(آل عمران: 104).

وقال الله لنا ليس معنى أن يموت الرسول أن تموت الرّسالة، ولكنَّ الرسول يموت كما يموت النَّاس، ولكن إذا مات، فلا تنقلبوا على الأعقاب، ولا تنحرفوا عن الرسالة {وَمٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَفَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللّٰهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اَللّٰهُ اَلشّٰاكِرِينَ}(آل عمران: 144)، بل عليكم أن تستمروا بالرسالة، بحيث تحملونها وتقوّونها وتسهرون عليها، وينقلها كلّ جيل إلى الجيل الَّذي بعده، هي الإرث العظيم. إنّكم تفكّرون في إرث المال كيف تعطونه لمن بعدكم، ولكنَّكم لا تفكّرون في إرث الدّين كيف تسلّمونه إلى أولادكم، والله قد تكفَّل بأولادكم كما تكفَّل بكم.

أمانة الدّين والنّفس

لذلك، دينكم هو خلاصكم ومصيركم في الدّنيا والآخرة؛ لا تضعفوه في أنفسكم، ولا تهملوه في بيوتكم، ولا تعاونوا الكافرين على إضعافه، فالكافرون قد يستخدمون بعض النَّاس من أجل أن يضعفوا الدين في نفوس المجتمع؛ قد يستخدمون أصحاب الأموال من أجل أن يضلّلوا النَّاس بأجهزة الإعلام من تلفزيون وصحافة وغيرهما، لينحرف النَّاس عن دينهم وأخلاقهم، وقد يستخدمون أصحاب الجاه من أجل أن يسقطوا الدين في نفوس النَّاس. الدّين هو أمانة الله عندنا، وعلينا أن نكون جندًا وحزبًا وقوَّةً لدينه، فمن خان الدَّين وتعاون مع الكافرين وقوّى مواقعهم وأضعف مواقع المسلمين، فقد خان الله والرَّسول في ذلك كلّه.

وهناك أمانتك في نفسك وفي النّاس من حولك؛ أمانتك في نفسك أن لا تظلم نفسك ولا تورّطها فيما لا يرضاه الله وفيما لا يحبّه، أن لا تبتعد بنفسك عن طريق الله، لأنَّ قصَّة نفسك هي قصَّتك أنت، أنت الذي تعاقب معها، وأنت الَّذي تنعّم معها يوم القيامة، فإذا جاءك الشَّيطان، وأراد لك أن تمارس بجسدك شهوة محرَّمة، أو تمارس بيدك عملًا محرَّمًا، أو تمشي بقدمك إلى هدف محرَّم، أو تضع في فمك طعامًا أو شرابًا محرَّمًا، أو تتكلَّم بلسانك كلامًا محرَّمًا، لو قال لك الشَّيطان: لا أحد يحمّلك المسؤوليَّة، وليس هناك أحد يشهد عليك، قل له: {اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىٰ أَفْوٰاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنٰا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ}(يس: 65).

أمانة السّرّ والوطن

ولا بدَّ لنا أن نحفظ أسرار بعضنا بعضًا، لأنَّه ورد في بعض الأحاديث: "إفشاء سرّ أخيك - في ماله أو تجارته أو حياته الخاصَّة – خيانة، فاجتنب ذلك".

ومشكلتنا أنَّنا مجتمع لا أسرار فيه، والعدوّ يستطيع أن يعرف أسرارنا من خلال سهرات ليالي الشّتاء وجلسات المقاهي وكلام القيل والقال، ولعلَّ عدوَّنا لا يحتاج إلى تخصيص أموال حتَّى يطَّلع على أسرارنا، لأنَّنا قوم لا نكتم سرًّا، والسرّ يمثّل مسؤوليَّة، ولا سيَّما إذا كان يتَّصل بواقع المجاهدين والأمَّة.

كذلك وطنك أمانة الله عندك؛ هذه أرض الله وأرض المؤمنين، فلا يجوز لك أن تمكّن العدوَّ من أرضك ووطنك، فمن أعان عدوَّه ليستولي على أرضه بكلمة أو موقف أو مال أو بأيّ وسيلة من الوسائل، كان خائنًا لله ولرسوله وللأمَّة... بعض النَّاس يتجسَّسون بحجَّة أنَّ عنده أولادًا ويريد أن يربّيهم، ولا يلتفت إلى أنَّه بذلك يقتل أولاد النَّاس، فلا يمكن أن يربي أولادًا من دماء أهله وإخوانه، فالَّذين يقاتلون مع العدوّ لا عذر لهم أبدًا، لأنَّه "إنما جعلت التَّقيَّة ليحقن بها الدَّم، فإذا بلغت التقيَّة الدَّم فلا تقيَّة"، فلا يجوز لك أن تكون جاسوسًا لأيّ جهاز محلّيّ أو إقليميّ أو دوليّ يمكن أن يجعل الأبرياء في متناول السّلطات الظَّالمة، لأنَّ هذه خيانة، وقد ورد في كلام الإمام عليّ (ع): "أعظم الخيانة خيانة الأمَّة"، ويقول (ع) في بعض كلماته: "من استهان بالأمانة، وقع في الخيانة".

أمانة وحدة الأمة

إنَّ وحدة الأمَّة أيضًا أمانة الله عند النَّاس، وكذلك وحدة المجتمع ووحدة المؤمنين، فمن عمل على إثارة الفتنة في الأمَّة، سواء كانت فتنة عائلية أو حزبية أو سياسية أو اجتماعية أو مذهبية أو طائفية، بحيث جعل الأمَّة تغرق في تفاصيل ذلك، فيلعن ويكفر ويسبّ بعضها بعضًا، هي خيانة من أعظم الخيانات للأمَّة، لأنّها تضعفها في نفسها وتشغلها بعضها ببعض، وتبعدها عن مواجهة الأخطار الَّتي يصنعها أعداء الله ورسوله، وخصوصًا في أيَّام التَّحدّيات واهتزاز الواقع وأيّام هجمة الاستكبار على الأمَّة.

لذلك، كونوا الواعين في دراسة كلّ القضايا الَّتي تثار في المجتمع، عندما تكون القضايا من القضايا المصيريَّة، فخذوا بها وتحدَّثوا عنها، لكن حديث العقل والإيمان والمسؤوليَّة، أمَّا إذا لم تكن من الأمور الَّتي تتَّصل بالمصير، بل كانت من القضايا الهامشيَّة، فعليكم أن تتعاملوا معها بوعي وحذر، حتى لا يأتي المستكبرون في مخابراتهم وشياطينهم ليستغلّوا هذه الأمور الهامشية في ضرب وحدة الأمَّة وتمزيقها.

مخاطر إشغال الساحة بالفتن

وهكذا يحاول الكثيرون من الناس إثارة القضايا التي تصبح موقعًا للجدل في المسائل التاريخيَّة، حتى يفتنوا بها الناس ويشغلوهم عن قضاياهم. وقد تعوّدنا في مجتمعاتنا هنا وفي إيران وفي أماكن أخرى، أنَّه كلَّما مرَّت ذكرى السيّدة الزهراء (ع)، ينطلق شخص من هنا وشخص من هناك ليثيروا: هل كُسِرَ ضلع الزَّهراء أم لم يُكسَر؟ ويشتم هذا ذاك، ويردّ هذا على ذاك. هي قضيَّة تاريخيَّة اختلف فيها المؤرّخون، فمن آمن بها واقتنع فله أجر ما اجتهد، ومن لم يؤمن بها ويقتنع فله أجر في ذلك، ومن أثار علامة استفهام فله عذره في ذلك، هي قضيَّة تاريخيَّة. ومن يتساءل فيها لا يعني أنّه يتسامح في القضيَّة الأساس، وهي حقّ الإمامة والخلافة.

لقد درج النَّاس في إثارة هذه المسألة على طريقةٍ لا ترضي الله والرسول، لأنَّها قضايا تتصل بالتشهير والسباب وبمحاولة إسقاط الرموز. إنَّنا نقول: هي قضية في التاريخ قد يتبنَّاها شخص، وهو معذور في تبنّيه، وقد لا يتبنَّاها شخص آخر وربما يكون معذورًا في عدم تبنّيه، لكن لا تجعلوا منها قضيَّة تقسّم مجتمعكم وتشكّككم في رموزكم.

إننا نعتبر أنَّ من يشغل المجتمع بمثل هذه القضيَّة في مثل هذه الظروف العصيبة التي يقف فيها الاستكبار العالمي من جهة، والكفر العالمي من جهة أخرى، من أجل محاصرة الإسلام والمسلمين في أرضهم وعزّتهم وكرامتهم وسياستهم، إنّ من يثير مثل هذه القضايا بالطريقة التي تعمل على تفجير الفتنة وإشغال الناس وقضاياهم، لا يخلص لله ولرسوله وللمؤمنين.

هناك حقّ في العقيدة لا بدَّ أن نقف عنده، وهناك حقّ في التوحيد والنبوَّة والإمامة والمعاد واليوم الآخر وعلينا أن نركّز على أساسه أصولنا العقيديَّة، أمّا في الفروع والتفاصيل، فإنَّ "من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد"، وقد أمرنا الله تعالى أن نقول الَّتي هي أحسن، وأن ندعو إلى سبيل ربّنا بالحكمة والموعظة الحسنة.

الله الله في مصير الإسلام والمسلمين.. الله الله في مصير منهج أهل البيت (ع) وخطّهم.. لا تتحركوا بطريقة غوغائيَّة انفعاليّة لا مسؤولة.. إذا قلتم، فليكن قولكم مطابقًا لمنهج الله في القول، وإذا فعلتم، فليكن فعلكم مطابقًا لما يريده الله من فعل {يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَخُونُوا اَللّٰهَ وَاَلرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمٰانٰاتِكُمْ - فيما يتَّصل بحياتكم الفرديَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة - وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.

 

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 26 أيلول 1997م/ الموافق: 24 جمادى الأولى 1418هـ.

 
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية