يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}(الأحزاب: 58).
أكبر القيم
تعالج هذه الآية موضوعًا يتَّصل بالموقف من المؤمن، وبحركة المجتمع المؤمن في علاقة أفراده بعضهم ببعض.
فالله سبحانه اعتبر الإيمان قيمة لا توازيها قيمة، فالإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر وكتبه وجميع أنبيائه، يربط عبادَ الله بالله، ويدفع الإنسان ليتحرّك في كُلِّ مواقع حياته ومواقفه وعلاقاته من موقع أنَّ الله يراقبه ويحاسبه وينظر إليه، فهو بعين الله في كُلِّ حركاته وسكناته وأفكاره وأسراره، وهو الَّذي يشعر في حياته بأنَّه ليس مجرّد خشبة في مجرى التيّار، أو ريشة في مهبِّ الريح، بل هو مرتبطٌ بالله سبحانه الَّذي يرعاه ويرعى الكون كلّه.
وهذا ما عبّر عنه سيّد الساجدين، الإمام زين العابدين (ع) في دعاء الصّباح والمساء: "أَصبَحنَا وَأَصبَحَتِ الأشياءُ كُلُّهَا بِجُملَتِهَا لَكَ؛ سَمَاؤُها وَأَرضُهَا، وَمَا بَثَثتَ فِي كُلِّ وَاحِد مِنهُمَا، سَاكِنُهُ وَمُتَحَرِّكُهُ، وَمُقِيمُهُ وَشَاخِصُهُ، وَمَا عَلا فِي الهَواءِ، وَمَا كَنَّ تَحتَ الثَّرى. أَصبَحنَا فِي قَبضَتِكَ، يَحوِينَا مُلكُكَ وَسُلطَانُكَ، وَتَضُمُّنَا مَشِيَّتُكَ، وَنَتَصَرَّفُ عَن أَمرِكَ، وَنَتَقَلَّبُ فِي تَدبِيرِكَ، لَيسَ لَنَا مِنَ الأمرِ إلَّا مَا قَضَيتَ، وَلا مِنَ الخَيـرِ إلَّا مَـا أَعطَيتَ".
فالإمام (ع) يناجي ربّه ويقول له بأنّنا جزءٌ من هذا الوجود، نتحرّك جميعًا بإرادتك، ولكلٍّ موقعٌ وحركةٌ في هذا النظام. ولذا، فالمؤمن لا يشعر بأنّه حرٌّ في أن يتّبع هوى نفسه وهوى الناس من حوله، بل يشعر بأنّه يجب أن يتّبع طريق الله {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(الأحزاب: 36). فالإنسان حرٌّ أمام العالم كلّه، لا سلطة لأحد عليه إلَّا بما سلّط بعض النّاس على بعض في حركة الرسالة والإمامة والولاية وما إلى ذلك على خطِّ الله؛ أنت حرٌ أمام العالم، ولكنّك أمام الله عبد لا تملك لنفسك نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياةً ولا بعثًا ولا نشورًا. لذلك، فإنّ حريّتك تنطلق من خلال عبوديَّتك لله.
عزّة المؤمن
لذلك، إنّ مسألة أن يكون الإنسان مؤمنًا هي مسألة القيمة عند الله {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ}(السجدة:18). وعلى هذا الأساس، أراد الله للمؤمن أن يكون عزيزًا، تمامًا كما أراد سبحانه العزَّة لنفسه ولرسوله {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}(المنافقون: 8). ولم يفوِّض للمؤمن أن يُذِلَّ نفسَه، لأنَّ إذلال المؤمن لنفسه هو إذلالٌ للإيمان في داخله، والله تعالى لم يجعله حرًّا في أن يُذِلَّ إيمانه في داخل نفسه تحت تأثير الكفر والضَّلال والاستكبار. وعلى هذا الأساس، لا يقبل الله للنّاس أن يذلّوا المؤمنين، وإذا أذلَّ المؤمنُ المؤمنَ واحتقره وأهانه، فقد حارب الله ورسوله في ذلك.
فتعالوا نضبط سلوكنا وطريقتنا وعلاقتنا على خطِّ الإسلام في منهج رسول الله (ص) ومنهج الأئمّة (ع) من أهل البيت الَّذين عملوا بما عمل، وأقرّوا بما أقرّ.. تعالوا ونحن الآن بين يدي الله سبحانه، لنعرف كيف نصحّح أخطاءنا، ونقوّم أوضاعنا وطريقنا وخططنا حتَّى نصل إلى الله في مواقع الخير.
حرمة المؤمن عند الله
فالله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ - بكلِّ أنواع الأذى - بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا - ولا سيَّما إذا نسبوا إليهم ما لم يقولوه أو يفعلوه، أو حكموا عليهم بما لم يرتكبوه - فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا - والبهتان أعظم من الغيبة، لأنّه يختزن غيبةً وكَذِبًا وإيذاءً واحتقارًا للمؤمنين - وَإِثْمًا مُبِينًا}.
ومن هنا، إنَّ عليكم عندما تتحدّثون عن المؤمنين والمؤمنات في أيّ موقع كانوا، أن تدقّقوا فيما تتحدّثون به، حتَّى لا تتحدَّثوا بالبهتان انطلاقًا من شهوات أنفسكم وأحقادكم، لأنكم سوف تحتملون الإثم العظيم الَّذي يعرّضكم لعقوبة الله ودخول النّار.
تعالوا لنسمع أئمة أهل البيت (ع) فيما يحدّثوننا به عن الله تعالى من خلال حديثه القدسي عن كرامة المؤمن، ففي الحديث عن الإمام الصادق (ع) يرويه بعض أصحابه، قال: "سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: "قال الله عزَّ وجلّ: لِيَأْذَن بحربٍ منّي مَنْ آذَى عبديَ المؤمن وليأمَنْ من غضبي مَنْ أكرم عبدي.. ولو لم يكن من خلْقي في الأرض فيما بين المشرق والمغرب، إلَّا مؤمنٌ واحدٌ مع إمامٍ عادلٍ، لاستغنيتُ بعبادتهما عن جميع ما خلقت في أرضي، ولقامت سبع سماوات وأرضين بهما، ولجعلت لهما من إيمانهما أُنْسًا لا يحتاجان إلى أُنْسٍ سواهما"(1).
فالله يحارب الَّذي يؤذي المؤمنَ ويُهينه، ويُكْرِم مَنْ يكرم المؤمن، ويرفع عنه سبحانه غضبَه ويمنحه رضوانه..
والله في هذا الحديث يتحدّث عن المؤمن في الأرض وعن الإمام العادل، وأنّهما هما اللّذان يجسّدان عبادة الله بما يحبّه الله، وهما اللّذان يُمسكان الأرضَ والسمواتِ أن تزولا من خلال هذا الانفتاح على الله بما يحبّه ويرضاه.
عقوبة المؤذين
وفي الحديث أيضًا عن الإمام الصَّادق (ع) قال: "إذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ: أين الصَّدودُ لأوليائي؟ - أين الَّذي كان يصدّ أوليائي عن حاجاتهم وكرامتهم ومواقعهم؟ أين الَّذي كان يصدُّهم فيُهينهم ويحاربهم ويغتابهم ويظلمهم ويتهمهم بغير حقّ - فيقوم قومٌ ليس على وجوههم لحمٌ، فيُقال: هؤلاء الَّذين آذوا المؤمنين ونصبوا لهم وعاندوهم وعنّفوهم في دينهم، ثم يُؤْمَرُ بهم إلى جهنّم"(2).
هذه هي العقوبة لكلِّ هؤلاء الَّذين يصدّون المؤمنين ويعنّفونهم في دينهم. ولعلَّ الكثيرين من المسلمين الذين يتعقّدون من المؤمنين الملتزمين والعلماء المجاهدين ومن السائرين في درب الله، هؤلاء هم الذين يقصدهم وينالهم هذا النداء.
ولذلك، إذا كان أحدٌ منَّا يصدُّ ابنَه المؤمن أو ابنته المؤمنة أو أخاه المؤمن عن دينه، ويحاول أن يعنّفه من أجل دنيا يخافها أو يرغب فيها، فعليه أن يحسب حسابَ الوقوف بين يدي الله، وأن لا يكون من هؤلاء الَّذين ينالهم غضب الله تعالى.
وجاء في الحديث عن الإمام الصَّادق (ع): "من حقّر مؤمنًا مسكينًا أو غير مسكين، لم يزل الله حاقرًا له ماقتًا، حتَّى يرجع عن محقرته إيَّاه"(3). لو أنك تملك مالًا أو جاهًا أو سلطانًا أو موقعًا، ووقفت أمام مسكين أو غير مسكين، ولكنَّه أقلّ منك مالًا وموقعًا، واحتقرته، فإنّ الله يحتقرك ويمقتك ما دمت تحتقر هذا المؤمن وتمقته، ولا يرفع الله احتقاره ومقته لك إلَّا بعد أن ترجع عن محقرتك لهذا الإنسان.. كم منّا الَّذين يحتقرون المؤمنين، ولا سيَّما إذا كانوا من المؤمنين والمستضعفين، لغِنًى عندهم، أو لجاهٍ ومال! علينا أن نحاسب أنفسنا على ذلك.
انتصار الله لأوليائه
وعن الإمام الصَّادق (ع)، أنّ الله تبارك وتعالى، يقول: "مَنْ أهان لي وليًّا، فقد أرصد لمحاربتي، وأنا أسرعُ شيء إلى نُصرة أوليائي"(4). فمن يعلن الحرب على وليٍّ من أولياء الله، فإنما يبدأ الحرب مع الله، والله تعالى سينصر المؤمن بما ملّكه من وسائل وقوى، وإذا كان الله يقف لينصر هذا المؤمن الذي اعْتُدِي عليه، فأيُّ مخلوق هذا الّذي يعلن الحرب ضدّ الله، وأيّ انتصار له أمامه سبحانه الَّذي له القوَّة والعزّة جميعًا؟!
وهكذا قال رسول الله (ص): "قد نابذني من أذلّ عبدي المؤمن"(5)، فقضيَّة إذلال المؤمن واحتقاره، ليست مجرَّد مسألة أخلاقية سلبيّة على الإنسان أن يتركها، ولكنها قيمة سلبيَّة يقف الله بعظمته وكبريائه وجلاله وقوَّته ضدّها، ويحذّر النّاس منها، وهذا يدلُّ على أنَّ القضية خطيرة كأكبر ما تكون الخطورة.
حبّ الله للعبد المؤمن
وفي الحديث عن رسول الله (ص)، قال الله عزّ وجلّ: "مَنْ أهانَ لي وَلِيًّا فَقَد أرصَدَ لِمُحارَبَتي، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبدٌ بِشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افتَرَضتُ عَلَيهِ - بعد أن حدّثنا الله عن مسألة إذلال المؤمن، يفتح لنا الطَّريق للحصول على البركات والرضوان من خلال طاعته سبحانه - وإنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنّافِلَةِ حَتّى أُحِبَّهُ، فَإِذا أحبَبتُهُ - الإنسان الَّذي يقوم بالواجبات ويعمل المستحبّات، لينال محبَّة الله ورضاه وطاعته والقرب منه، فما الجائزة الَّتي ينالها من الله؟ - كُنتُ سَمعَهُ الَّذي يَسمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذي يُبصِرُ بِهِ، ولِسانَهُ الَّذي يَنطِقُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتي يَبطِشُ بِها؛ إن دَعاني أجَبتُهُ، وإن سَأَلَني أعطَيتُهُ.. ما تَردَّدتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه كتَردُّدي عن موت المؤمن؛ يكره الموت وأكره مَساءتَه"(6).
هذه هي محبَّة الله، فكيف نبتعد عن محبّته سبحانه إلى محبَّة الشَّيطان ومحبَّة أعدائه؟ كيف نبتعد عن محبّة الله في العمل بما يُغضبه ويكون حربًا عليه؟ على الإنسان أن يفكِّر جيّدًا في ذلك، حتَّى يعرف كيف يَقْدُمُ على الله غدًا بقلب سليم، عندما يقوم النَّاس لربِّ العالمين.
مجتمع أهل الجنّة
ونبقى مع الأحاديث الشَّريفة والقدسيَّة، فعن الإمام الباقر (ع): "لمّا أُسرِيَ بالنبيّ (ص)، قال: يا ربّ، ما حالُ المؤمن عندك؟ قال: يا محمّد، مَن أهان لي وليًّا فقد بارَزَني بالمحاربة، وأنا أسرَعُ شيءٍ إلى نُصرةِ أوليائي. ما تَردَّدتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه كتَردُّدي عن وفاة المؤمن؛ يكره الموت وأكره مَساءتَه، وإنَّ مِن عباديَ المؤمنين مَن لا يُصلحه إلَّا الغنى، ولو صَرَفتُه إلى غير ذلك لَهلَك، وإنَّ مِن عباديَ المؤمنين مَن لا يُصلحه إلَّا الفقر، ولو صَرَفته إلى غير ذلك لَهَلك"(7).
ونفهم من هذه الأحاديث أنّ الله تعالى يريدنا أن نتوازن في تعاملنا، فنعزّز المؤمنين ونكرّمهم ونحترم إيمانهم ونقضي حوائجهم، حتَّى يكون مجتمعنا مجتمعًا مؤمنًا يعيش فيه النَّاسُ أخلاقَ أهل الجنّة.. وقد ذكرتُ لكم مرارًا، أنَّ من الصَّعب جدًّا أن يُدْخلنا الله جنّته، ونحن على ما نحن عليه من هذه الأخلاق، وقد قالها أمير المؤمنين (ع) وهو يتوجَّه إلى أصحابه، ونحن أصحابه الَّذين يلتزمون نهجه وولايته في كُلِّ العصور: " أَفَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللَّه فِي دَارِ قُدْسِه، وتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِه عِنْدَه؟! هَيْهَاتَ! لَا يُخْدَعُ اللَّه عَنْ جَنَّتِه، ولَا تُنَالُ مَرْضَاتُه إِلَّا بِطَاعَتِه"(8).
إنّ الله حدّثنا عن مجتمع أهل الجنَّة بقوله سبحانه: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}(الحجر:47)، إخوانًا يحبُّ بعضهم بعضًا، ويعين بعضهم بعضًا، ويحترم بعضهم بعضًا، {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ}[البقرة: 82].
فلنقم بدورة تدريبيّة نتعلّم فيها أخلاق أهل الجنَّة {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}(الشّعراء: 88 - 89).
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية
عباد الله، اتَّقوا الله وتحركوا في أيّ مكان كنتم، من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا في كلّ موقع، وكلمة الشَّيطان هي السّفلى في كلّ مكان، وأن ننطلق جميعًا لنتحمَّل مسؤوليَّة الإسلام في عقائده وشرائعه ومناهجه ووسائله وغاياته، لأنَّ الله حمّلنا مسؤوليَّة الإسلام، فهو أمانة الله والرسول عندنا، لأنَّ الله جعل للرَّسول دورًا في أن يطلق الدَّعوة، وأن يركّز القاعدة، وأن يفتح الطريق ويوجّه النَّاس للسَّير فيه.
لذلك، الدَّعوة إلى الإسلام فريضة على كلّ مسلم ومسلمة، كلّ بحسب ثقافته وطاقته وموقعه، ليس الإسلام مهمَّة علماء الدّين فحسب، وإن كانوا يتحمّلون مسؤوليَّة أكبر، ولكنَّه مهمَّة كلّ مسلم ومسلمة.
ونحن نعيش في هذه الأيَّام ذكرى انتصار الإسلام في الثَّورة المباركة على يد عبد من عباد الله ووليّ من أوليائه، الَّذي باع نفسه لله، وانفتح على المؤمنين والمستضعفين من عباده، فنصره الله بنصره، وأيَّده بتأييده؛ إنَّها الثَّورة الإسلاميَّة المظفَّرة الَّتي قادها الإمام الخميني (رض).
التَّجربة الرَّائدة
إنَّنا نلتقي بالذكرى الثَّامنة عشرة للثَّورة الإسلاميَّة في إيران الَّتي قادها الإمام الخميني (قده) بكلّ حكمةٍ وقوّةٍ وإخلاص وانفتاح على أوسع القوى الشعبيَّة في إيران، وأكثر الجماعات وعيًا واستضعافًا في خارجها، في نطاق قضايا الحريَّة والعدالة للمسلمين كلّهم والمستضعفين كلّهم، بحيث استطاعت أن تحقّق الزلزال السياسيَّ في القاعدة الاستكباريَّة الَّتي رأت في العنوان الإسلامي للثَّورة خطرًا على كلّ طروحاتها، وواجهت في عنوان حركة المستضعفين في الأرض مشكلة لكلّ مصالحها.. وهكذا وقف الاستكبار كلّه والكفر كلّه في وجه المستضعفين كلّهم والمسلمين كلّهم، حتى وصلت الحرب المفروضة على إيران إلى ما يشبه الحرب العالميَّة، حيث اتَّفق الشَّرق والغرب ضدَّها، مع تنوّع المنطلقات والأهداف والخلفيات.
وقد أثبتت الجمهوريَّة الإسلاميَّة مقدرة كبرى - بفعل قيادتها الحكيمة ووحدة أوسع القوى الجماهيريَّة الإسلاميَّة - على الصّمود وسط المؤامرات السياسيَّة والاقتصاديَّة والأمنيَّة والإعلاميَّة، والتحديات المتنوّعة الَّتي قادتها الولايات المتحدة الأمريكيَّة وحلفاؤها وعملاؤها، فحاولت تطويق الجمهوريَّة الإسلاميَّة اقتصاديًّا وسياسيًّا وأمنيًّا، من خلال تحريك بعض الفتن والأحداث في المناطق المجاورة، وتشجيع القوى المضادَّة في الداخل، ولكنَّها فشلت فشلًا ذريعًا، بفضل الوعي السياسي والرشد الاقتصادي، والتخطيط الأمني من قبل إيران الإسلام، الَّذين لا يزالون يتابعون العمل الجدي لتطوير التجربة الإسلاميَّة وتحصين هذا النموذج، وملاحقة كلّ الأخطاء والسلبيَّات بالمزيد من التصحيحات والإيجابيَّة، من أجل إعطاء الدليل الواقعي على أنَّ الإسلام قادر على أن يؤسّس دولةً على قاعدة الحريَّة والعدالة، وأن يحافظ عليها بالرّغم من كلّ التَّهاويل والتحديات.
إنَّنا نحيّي هذه الجمهوريَّة الإسلاميَّة الفتيَّة في مبادرتها الرَّائعة في دعم الخطّ الإسلاميّ الأصيل في كلّ مكان، وفي دعم قضايا المستضعفين في الأرض، وفي مواجهة الاستكبار العالمي والصّهيونيَّة العالميّة، بالرّغم من كلّ التَّضحيات الَّتي تقدّمها في هذا المجال.
مذبحة ضدّ المسلمين في الصّين
إنَّنا نتابع - بقلق - الأحداث الدامية التي تدور في بعض أقاليم الصّين ذات الأكثريَّة المسلمة التي تطالب بالحريات الدينية والفكرية، والامتناع عن مصادرة حقوقهم ومنعهم من العمل في مهنٍ معيَّنة من أجل التضييق عليهم، وقد تحدَّثت الأخبار عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى، وعن تنفيذ أحكام الإعدام بالعشرات من المسلمين.
إننا ندعو العالم إلى استنكار هذه المذبحة ضدّ المسلمين، وإلى دعم مطالبهم في حقهم في تقرير مصيرهم، وإيقاف أحكام الإعدام الَّتي تصدر بطريقة عشوائيَّة، ونطالب الصين بالامتناع عن ذلك، للمحافظة على صورتها في العالم الإسلامي.
اتّفاقاتٌ لصالح إسرائيل
إنَّنا نتابع حركة العلاقات الصهيونيَّة – الأمريكيَّة بمناسبة زيارة نتنياهو إلى أمريكا، بعد تلميع صورته السياسيَّة من خلال اتفاق الخليل، ليبرز كرجل سلام على حساب الشَّعب الفلسطيني الذي خسر الكثير من أرضه وحريته في هذا الاتفاق، لأنَّ المطلوب هو إعطاء الرئيس الأمريكي في إدارته الجديدة كسبًا سياسيًّا يتقاطع مع كسب رئيس وزراء العدوّ، وقد لاحظنا حرارة الاستقبال الأمريكي للمسؤول الصّهيونيّ، وحديث الرئيس الأمريكي عن "الحاجات الأمنيَّة لإسرائيل على حدودها الشمالية"، بما يتطابق والسياسة الصهيونية في الحديث عن أمن إسرائيل كأساس للعلاقات مع العرب.
إننا نتساءل: ما هي الاتّفاقات التي سوف تحصل بين أمريكا وإسرائيل من خلال الإدارة الأمريكيَّة الَّتي تتميَّز بلون يهودي واضح، بما في ذلك وزيرة الخارجية، للتخطيط للمزيد من الضغوط على الواقع العربي في المستقبل على المستوى الفلسطيني والسوري واللبناني، والعربي – بشكل عام – من أجل الوصول إلى تنفيذ نتنياهو خطَّته في اعتبار الأمن الإسرائيلي هو العنوان الكبير لكل السياسة والأمن والاقتصاد، بحيث يسقط كلّ أمنٍ عربيّ أمامه بموافقة أمريكا؟
إنَّ الإعلام الأمريكي يتحدَّث عن دراسة الفرص الممكنة المستقبليَّة لتحريك المفاوضات المجمَّدة من خلال خطة وزيرة الخارجيَّة، ولكنَّ السؤال الكبير: هل هي الفرص الإسرائيلية للوصول إلى النتائج الكبرى لمصلحة إسرائيل، أو هي الفُرص العربيَّة لتحرير الأرض والإرادة العربيَّة؟
إننا نريد لسوريا ولبنان وللفلسطينيين أن يواجهوا الموقف بالمزيد من الحذر أمام الاستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية في إسقاط الموقف العربي لحساب الحلّ الصهيوني، لأنَّ المرحلة القادمة تمثل مرحلة الاستحقاقات النهائيَّة التي قد تترك تأثيرها على المستقبل العربي كلّه.
مواقفُ منحازةٌ إلى العدوّ
كما أنّنا لا نزال نتابع حركة المأزق الصهيوني في احتلاله للبنان، والسّجال الَّذي دار ولا يزال يدور حول الانسحاب من لبنان من طرف واحد، ونلاحظ الموقف الأمريكي الرَّافض لذلك من خلال تصريح السَّفير الأمريكي في تل أبيب الَّذي يدعو قادة العدوّ إلى وقف النقاش الدائر بينهم حول الانسحاب من لبنان، "لأنَّه لم يحن الوقت بعدُ لمثل هذا الانسحاب من طرف واحد"، كما نلاحظ باستغراب الموقف الفرنسي الَّذي عبّر عنه السفير الفرنسي حيث قال: "إنَّ أمن إسرائيل لا يتيح لها الانسحاب بشكل أحاديّ الجانب من لبنان من دون اتّفاق مع سوريا ولبنان.. إذا لم يتمّ التَّوصّل إلى نزع سلاح حزب الله، سنجد أنفسنا في وضع يشعر فيه حزب الله بأنَّه يستطيع العمل حسب هواه".
إنَّنا نجد في هذين التَّصريحين نوعًا من أنواع التَّمهيد لموقف نتنياهو الذي أعلن رفضه للانسحاب، داعيًا اليهود إلى وقف السجال، ما يدلّ على أنَّ الموقفين الأوروبي والأمريكي يلتقيان عند مصلحة إسرائيل لا لبنان، في الوقت الَّذي نعرف أنَّ القرار 425 الَّذي وقّعت عليه أمريكا وفرنسا ينصّ على الانسحاب الإسرائيلي من دون قيد أو شرط، وأنَّ المقاومة كانت نتيجة للاحتلال ولم تكن حركة منطلقة من حالة فراغ.
"عيديَّة" المقاومة
إنَّ الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة التي امتدَّت إلى قصف إعلام المقاومة، تدلّ على مدى المأزق الذي يعيشه العدوّ من جرَّاء عمليَّات المقاومة، بحيث يضطرّ إلى القيام بحملات استعراضيَّة لتغطية هزيمته السياسيَّة والأمنيَّة. ونحيّي في الوقت نفسه أبطال المقاومة على العمليَّة الجريئة الموفَّقة في "بلاط"، لتكون العيدية للشعب اللبناني وللعرب والمسلمين جميعًا، وندعو الله سبحانه أن ينصرهم بنصره، ويرعاهم برعايته، ويحميهم ويحمي الأمَّة من كيد الكائدين واحتلال المحتلّين.. وعلينا الحذر الشَّديد، شعبًا وأمةً وحكومةً، من كلّ مخطَّطات العدوّ الأمنيَّة والسياسيَّة، لنعرف كيف نتفادى ذلك كلّه بوعي وقوَّة.
وأخيرًا، لا بدَّ لنا من تذكّر كلّ أبنائنا وبناتنا في سجون العدوّ الصهيوني، لندعو لهم بالفرج القريب، ولنعمل بكلّ طاقاتنا في سبيل تحريرهم من الأسر، كما نتذكَّر أسرى الحريات في سجون الظَّالمين والمستكبرين.
تهنئةٌ للمسيحيّين
ونقدّم التهنئة إلى مواطنينا المسيحيّين في بداية الصَّوم الكبير، داعين الله أن يكون هذا اليوم - كصوم شهر رمضان - بدايةً للوصول إلى إرادة روحيَّة قويَّة فاعلة، من أجل تأكيد الإيمان في خطّ القيم الروحيَّة الَّتي تجعل الإنسان المؤمن ينفتح على الإنسان المؤمن الآخر، من أجل الوقوف عند الكلمة السَّواء في حوار موضوعي يحمي الأرض والإنسان في الحاضر والمستقبل.
* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 6 شوال 1417هـ/ 14/02/1997م.
***
(1) بحار الأنوار، ج67، ص71.
(2) الكافي، ج2، ص351.
(3) الكافي، ج2، ص351.
(4) الكافي، ج2، ص351.
(5) الكافي، ج2، ص351.
(6) الكافي، ج2، ص352.
(7) الكافي، ج2، ص352.
(8) نهج البلاغة، من خطبة له (ع) في ذكر المكاييل والموازين.