محاضرات
15/10/2026

زينب (ع): صلابة الموقف والشّموخ الرّساليّ

زينب (ع): صلابة الموقف والشّموخ الرّساليّ

نعيش في هذه الأيّام ذكرى ولادة عقيلة بني هاشم، بطلة كربلاء، زينب بنت عليّ بن أبي طالب (ع). ونحن لا بدَّ لنا من أن نعيش مع هذه الإنسانة الجليلة؛ الكبيرة في عقلها، العظيمة في روحها، القويَّة في مواقفها.

النّشأة الرّساليّة

تلك الَّتي عاشت طفولتها الأولى مع جدّها رسول الله (ص)، فعاشت لمساته وقبلاته وعطفه وحنانه، وعاشت مع أبيها عليّ (ع) وأمّها فاطمة الزَّهراء (ع)، في ذلك البيت الَّذي أفاض الله عليه كلّ طهر وبركة وروحانيّة وخير. وكان أهله - وهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين (ع) - أهل البيت الَّذين أذهب الله عنهم الرّجس، فابتعدوا عن كلّ قذارة في الفكر والرّوح والعمل، وفي كلّ موقف وموقع، وطهّرهم تطهيرًا.

وهكذا نشأت زينب (ع) في طفولتها الأولى بين أبيها وأمّها، وعاشت شبابها مع أبيها وأخويها، فكانت تأخذ من فكر عليّ (ع) ما جعلها غنيّة بالفكر؛ فقد كان عليّ أستاذها، ومن كان عليّ (ع) أستاذه، يستمع إليه في البيت والمسجد وفي كلّ المجالات، فأيّ تلميذ هو هذا التّلميذ في علمه وفكره؟!

وعاشت من خلال أخويها الحسن والحسين (ع) مع الإمامة المتحرّكة المنفتحة على كلّ قيم الإسلام وتعاليمه وحركيّته؛ سلمًا هنا وحربًا هناك، وحركةً مع النّاس في الخُلُق العظيم الَّذي يتمثّل في الحسنين (ع)، فكانت تعيش أخلاقها في أخلاقهما، وروحانيَّتها في روحانيَّتهما، وتتحرّك في كلّ نظرتها إلى الواقع في تحدّياته وفي كلّ قضاياه ومشاكله.

لقد عاشت في واقعها السياسيّ كلّ قضايا الصّراع؛ صراع أبيها عليّ (ع) في كلّ حركته ضدّ النّاكثين والقاسطين والمارقين، وعاشت كلّ آلام أبيها عندما كان يرى الحقّ ويرى النَّاس الَّذين يلتزمونه قد تفرّقوا عنه، ويرى الباطل ويرى أهله وقد اجتمعوا عليه.

كانت تعيش آلام أبيها (ع) عندما كان يقول وهو يشير إلى صدره: "إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْمًا جَمًّا لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً"، ولكنّه لم يجد من يحمله وعيًا وفكرًا.

وكان (ع) يقول لهم - وزينب تسمعه -:"سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَلَأَنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الأَرْضِ". وكان (ع) يقول: "لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِينًا".

ولم يتعلّموا من عليّ، بل كانوا يشاغبون على علمه وبطولته وعلى كلّ حياته.

الصّلابة الواعية

وهكذا رأت أخاها الحسن (ع) كيف اضطُرّ إلى الصّلح مع معاوية تحت تأثير خيانات جيشه، وكلّ النّاس الَّذين باعوا آخرتهم بدنياهم. وكانت زينب (ع) تعيش تلك الأحداث بعقل واعٍ منفتح، كانت تعيش في قلب الأحداث؛ مع عليّ والحسن والحسين (ع) في بيوتهم، تعرف عمق المعاناة وخلفيَّة كلّ الأحداث فيما كانت تسمعه من أبيها وأخويها.

ولذلك، جاءت زينب (ع) إلى كربلاء وهي تملك العقل الواعي المملوء علمًا وحقًّا ووعيًا سياسيًّا، تعرف من خلاله مواقع الباطل ومواقع الحقّ في الحياة الإسلاميَّة. وقد اكتسبت زينب من كلّ تجربتها ومعاناتها ومعايشتها لتلك الأحداث قوّة في الشخصيَّة، وثباتًا في الموقف، وصلابة في مواجهة التحدّيات.

لذلك، كان موقفها في كربلاء مع الحسين (ع) موقف المرأة المسلمة الواعية المتحدّية التي تعرف ما تريد وما يريده الله منها. فلم تضعف زينب ولم تلن ولم تسقط، وإن كانت عاشت بعض الجوّ العاطفيّ، لأنّها كانت تحبّ حسينًا حبًّا أخذ عليها كلّ ذاتها ومواقفها، حبًّا خاصًّا جعلها تفترق عن زوجها وتستأذنه في أن تهاجر مع الحسين (ع) في ثورته. وأنتم تعرفون أنَّ الزّوجة الأمّ تحبّ أن تكون مع زوجها، وقد بلغ من تضحيتها أنّها أخذت ولديها معها - وأنتم تعرفون محافظة الأمّ على أولادها - إلى كربلاء؛ لتقدّمهما قربانًا إلى الله تعالى بين يدي وليّ الله الإمام الحسين (ع)، حتّى استُشهدا بين يديه ويديها.

حفظ الوصيَّة

كانت (ع) تعيش حبّ الحسين كأعظم ما يكون الحبّ، ولذلك عندما نعى الحسين (ع) إليها نفسه في ليلة العاشر من المحرّم، أخذتها العَبْرَة والصَّرخة، فقال لها الإمام الحسين (ع)، وهو يفهم معنى حزنها ويحترمه: "يَا أُخَيَّةُ، إنّي أقسِمُ عَلَيكِ فَأَبِرِّي قَسَمي؛ لَا تَشُقِّي عَلَيَّ جَيْبًا، وَلَا تَخْمشِي عَلَيَّ وَجْهًا، وَلَا تَدْعِي عَلَيَّ بِالوَيْلِ وَالثُّبُورِ إِذَا أَنَا هَلَكْتُ".

وقد حفظت زينب وصيّة أخيها الحسين (ع)، فكانت بعد ذلك القويّة في عاشوراء، الَّتي قادت الموقف مع الحسين (ع)، وكانت تلاحقه في كلّ آلامه وأحزانه لتسكّنها. كانت معه جنبًا إلى جنب في الخيمة، وعندما يخرج الأنصار والأقرباء والأبناء إلى المعركة، كانت تراقب وجهه وتتحرَّك معه لتراقب كيف يتألّم وكيف يحزن وكيف يواجه مصرع إخوته وولده؛ كانت تعيش في وجه الحسين (ع) لتحتضن آلامه ولتقوّي موقفه.

وقادت الموقف بصبرٍ بعد الحسين (ع)، فحفظت النّساء والأطفال، ووقفت الموقف القويّ أمام كلّ الّذين خذلوا الحسين وقاتلوه، حتّى لو كانوا في موقع الحكم.

شموخٌ أمام المأساة

أيُّها الأحبَّة، نحن نعيش طيلة السّنة مع زينب في أحزانها، وكان حزنها عميقًا وكبيرًا، ولكنَّ صورتها ليست هي الصّورة الَّتي تُنقل إلينا أنّها كانت تصرخ وتبكي دائمًا، فقد كانت زينب (ع) في جلالتها المهيبة!

عندما صُرع الحسين (ع)، أرادت أن تذهب إلى مصرعه، وانفرج لها العسكر ودخلت فيما بينهم، وكانت - كما يقول الرّواة - مهيبة جليلة خشع العسكر لجلالتها ومهابتها.

لقد كانت زينب (ع) قويّة بقوّة الحقّ، وقوَّة القضيَّة، وقوَّة الجهاد. كانت تبكي في قلبها، وكانت الدّموع تنطلق من قلبها لا من عينيها. وإذا صحّت الرّواية الَّتي تقول بأنّها عندما وصلت إلى مصرع الحسين (ع) قالت: "اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا هَذَا القُرْبَانَ"، فإنّنا نفهم كم هي هذه الرّوحيّة العظيمة في شخصيّتها، عندما تصلّي لربّها وتبتهل إليه، والحسين بين يديها، لتقول: يا ربّ، لقد قرّبنا الحسين وهو سيّد شباب أهل الجنّة، والإمام المفترض الطّاعة، قدّمناه قربانًا إليك وفي سبيلك، لأنّ كلّ شيء يهون في سبيلك، حتّى الحسين (ع).

فأيّة عظمة في الرّوح هي عظمة زينب؟!

بلاغة الحقّ وقوّة الخطاب

وعندما عاشت السَّبي لم تسقط ولم تضعف. وصلت إلى الكوفة، ورأت أنَّ أهل الكوفة قد اجتمعوا حول السّبايا، وبدأوا يعطون الأطفال بعض الجوز والخبز والأغذية، فأخذت زينب (ع) ذلك كلّه بكلّ قوّة ورمته في وجوههم وقالت: "إِنَّ الصَّدَقَةَ حَرَامٌ عَلَيْنَا أَهْلَ البَيْتِ".

ووقفت خطيبةً، وأهل الكوفة مجتمعون في السَّاحة، ويقول بعض الرّواة - كما ينقله السيّد ابن طاووس في "اللّهوف" - قال: "لـمّا جيء بسبايا أهل البيت إلى الكوفة، جعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون. قال بشر بن خزيم الأسديّ: ونظرت إلى زينب بنت عليّ (ع) يومئذٍ، فلم أرَ خَفِرَةً - امرأة محجّبة - أنطق منها، كأنّها تُفرغ عن لسان أمير المؤمنين (ع)، وقد أومأت إلى النَّاس أن اسكتوا، فارتدَّت الأنفاس، وسكنت الأجراس، ثمّ قالت:

"الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.. أَمَّا بَعْدُ، يَا أَهْلَ الكُوفَةِ، يَا أَهْلَ الخَتْلِ وَالغَدْرِ! أَتَبْكُونَ؟! فَلَا رَقَأَتِ الدَّمْعَةُ، وَلَا هَدَأَتِ الرَّنَّةُ، إِنَّمَا مَثَلُكُمْ {كَمَثَلِ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ}[النّحل: 92]...

أَتَبْكُونَ وَتَنْتَحِبُونَ؟! إِي وَاللهِ فَابْكُوا كَثِيرًا وَاضْحَكُوا قَلِيلًا؛ فَلَقَدْ ذَهَبْتُمْ بِعَارِهَا وَشَنَارِهَا، وَلَنْ تَرْحَضُوهَا - تَغْسِلُوهَا - بِغَسْلٍ بَعْدَهَا أَبَدًا! وَأَنَّى تَرْحَضُونَ قَتْلَ سَلِيلِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ، وَمَعْدِنِ الرِّسَالَةِ، وَسَيِّدِ شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَلَاذِ حَيْرَتِكُمْ، وَمَفْزَعِ نَازِلَتِكُمْ، وَمَنَارِ حُجَّتِكُمْ، وَمَدْرَهِ أَلْسِنَتِكُمْ؟! أَلَا سَاءَ مَا تَزِرُونَ! وَبُعْدًا لَكُمْ وَسُحْقًا! فَلَقَدْ خَابَ السَّعْيُ، وَتَبَّتِ الأَيْدِي، وَخَسِرَتِ الصَّفْقَةُ، وَبُؤْتُمْ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ، وَضُرِبَتْ عَلَيْكُمُ الذِّلَّةُ وَالمـَسْكَنَةُ.

وَيْلَكُمْ يَا أَهْلَ الكُوفَةِ! أَتَدْرُونَ أَيَّ كَبِدٍ لِرَسُولِ اللهِ (ص) فَرَيْتُمْ؟! وَأَيَّ كَرِيمَةٍ لَهُ أَبْرَزْتُمْ؟! وَأَيَّ دَمٍ سَفَكْتُمْ؟! وَأَيَّ حُرْمَةٍ لَهُ انْتَهَكْتُمْ؟! لَقَدْ جِئْتُمْ بِهَا صَلْعَاءَ عَنْقَاءَ، سَوْدَاءَ فَقْمَاءَ، نَأْنَاءَ خَرْقَاءَ شَوْهَاءَ، كَطِلَاعِ الأَرْضِ أَوْ مِلْءِ السَّمَاءِ! أَفَعَجِبْتُمْ إنْ أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ دَمًا؟! {وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى}[فصّلت: 16] وَأَنْتُمْ لَا تُنْصَرُونَ، فَلَا يَسْتَخِفَّنَّكُمُ المـَهَلُ - بِأَنَّ اللهَ أَمْهَلَكُمْ -؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْفِزُهُ البِدَارُ - أَيْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى العَجَلَةِ - وَلَا يُخَافُ فَوْتُ الثَّأْرِ، {إِنَّ رَبَّكُمْ لَبِالْمِرْصَادِ}[الفجر: 14]".

وقال الرّاوي: فوالله، لقد رأيت النّاس يومئذٍ حيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخًا واقفًا إلى جنبي يبكي حتّى اخضلّت لحيته وهو يقول: "بِأَبِي أَنْتُمْ وَأُمِّي! كُهُولُكُمْ خَيْرُ الكُهُولِ، وَشَبَابُكُمْ خَيْرُ الشَّبَابِ، وَنِسَاؤُكُمْ خَيْرُ النِّسَاءِ".

هذا الموقف الزّينبيّ أمام أهل الكوفة يدلّ على أنَّ هذه المرأة المفجوعة الثّاكلة الَّتي يملأ الحزن قلبها، لم تَهِنْ ولم تَلِنْ ولم تجزع ولم يُسقِطها الحزن، بل بقيت قويّة تتحدّى كلّ هؤلاء الَّذين شاركوا في كربلاء أو الَّذين خذلوا الحسين (ع) في كربلاء.

وذلك هو الدَّرس لا للمرأة فحسب، ولكنَّه الدَّرس للمرأة وللرَّجل معًا، في كيفيَّة مواجهة التّحدّيات بالموقف القويّ الصَّلب الَّذي لا يسقط فيه الإنسان أمام حزن أو كارثة.

مقارعة السّلطان الجائر

ثمّ أُدخلت زينب (ع) مع السَّبايا إلى مجلس ابن زياد، ويقول الشّيخ المفيد (ره): "أُدخل عيال الحسين (ع) على ابن زياد، فدخلت زينب أخت الحسين (ع) في جملتهم متنكّرةً وعليها أرذل ثيابها، فمضت حتّى جلست ناحيةً من القصر وحفَّت بها إماؤها، فقال ابن زياد: مَن هذه الَّتي انحازت فجلست ناحيةً ومعها نساؤها؟ فلم تُجبه زينب، فأعاد ثانيةً وثالثةً يسأل عنها، فقال له بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (ص) - وكأنّها أرادت لفت نظره إلى لزوم تعظيمها واحترامها -.

فأقبل عليها ابن زياد بكلّ خسته وحقارته ووضاعته، وقال لها: "الحمد لله الَّذي فضحكم وقتلكم وأكذب أُحدوثتكم"!

فقالت زينب (ع): "الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَكْرَمَنَا بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ، وَطَهَّرَنَا مِنَ الرِّجْسِ تَطْهِيرًا، وإِنَّمَا يَفْتَضِحُ الفَاسِقُ، وَيَكْذِبُ الفَاجِرُ، وَهُوَ غَيْرُنَا وَالحَمْدُ للهِ".

فقال ابن زياد: "كيف رأيتِ فعل الله بأهل بيتكِ؟".

فقالت: "مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا؛ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ القَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ اللهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، فَتُحَاجُّونَ إِلَيْهِ وَتَخْتَصِمُونَ عِنْدَهُ، فَانْظُرْ لِمَنِ الفَلَجُ يَوْمَئِذٍ - أَيْ عَلَى مَنْ سَيَكُونُ الحَقُّ فَلَا يَسْتَطِيعُ جَوَابًا - هَبِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ". ونادته بأمّه كأنّها تقول له: إنَّ نسب أبيك ليس هو النَّسب الصَّحيح الشَّرعيّ.

فغضب ابن زياد واستشاط، فقال له عمر بن حريث: "أيُّها الأمير، إنّها امرأة لا تُؤاخذ بشيء من منطقها ولا تُذمّ على خطابها".

وقد أخطأ هذا الرَّجل؛ إنّها امرأة، ولكنَّها امرأة تعيش الوعي كلّه، والعقل كلّه، والصّواب كلّه. ولعلّ أفضل الصّواب هو كلامها لابن زياد، لأنّها كلمة عدل في مواجهة سلطان جائر.

وسأل ابن زياد عليّ بن الحسين: مَن أنت؟ فأخبره، فقال: أليس قد قتل الله عليّ بن الحسين؟!

فقال (ع): "كَانَ لِي أَخٌ يُسَمَّى عَلِيًّا قَتَلَهُ النَّاسُ".

قال: بل الله قتله!

فقال الإمام زين العابدين (ع): {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}[الزّمر: 42].

فغضب ابن زياد وقال: وبك جرأة لجوابي، وفيك بقيّة للردّ عليّ؟! اذهبوا به فاضربوا عنقه!

فتعلّقت به عمّته زينب - في موقف حفظت فيه بقيّة الإمامة وتراثها - وقالت: "يَا ابْنَ زِيَادٍ، حَسْبُكَ مِنْ دِمَائِنَا.. لَا وَاللهِ لَا أُفَارِقُهُ؛ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَاقْتُلْنِي مَعَهُ".

فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعةً، ثمّ قال: "عجبًا للرّحم! والله إنّي لأظنّها ودّت أنّي قتلتها معه؛ دعوه فإنّي أراه لما به"(9) من المرض.

خطبتها أمام يزيد

وانطلق الموكب إلى الشّام، ودعا يزيد برأس الحسين (ع)، فوُضع بين يديه، ثمّ دعا بالنّساء والصّبيان فأُجلسوا بين يديه. قالت فاطمة بنت الحسين (ع): "فقام رجل من أهل الشَّام أحمر الوجه، فقال: يا أمير المؤمنين، هبْ لي هذه الجارية - يقصد فاطمة بنت الحسين -، فأرعدتُ وظننتُ أنَّ ذلك جائز عندهم، فأخذتُ بثياب عمّتي زينب"، والَّتي قالت للشّاميّ: "كَذَبْتَ وَاللهِ وَلَؤُمْتَ؛ مَا ذَاكَ لَكَ وَلَا لَهُ".

فغضب يزيد وقال: كذبتِ، إنَّ ذلك لي، ولو شئتُ أن أفعل لفعلتُ!

قالت: "كَلَّا وَاللهِ؛ مَا جَعَلَ اللهُ لَكَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مِلَّتِنَا وَتَدِينَ بِغَيْرِهَا"، وقد نسبت الملّة إليهم أهل البيت (ع)، إسقاطًا لمعنويّاته وتبيانًا للحقّ.

فاستطار يزيد غضبًا وقال: إيّاي تستقبلين بهذا؟! إنّما خرج من الدّين أبوكِ وأخوكِ!

قالت زينب (ع): "بِدِينِ اللهِ، وَدِينِ أَبِي، وَدِينِ أَخِي اهْتَدَيْتَ أَنْتَ وَجَدُّكَ وَأَبُوكَ إِنْ كُنْتَ مُسْلِمًا"، فمن الَّذي طوّع المشركين حتّى أدخلهم في الإسلام، ومن المشركين أبوك وأخوك، هل غير أبي الَّذي جاهد المشركين، واستطاع رسول الله أن ينتصر من خلاله عليهم، وأخي الَّذي سار في نفس هذا الخطّ؟!

قال: كذبتِ يا عدوّة الله! قالت: "أَنْتَ أَمِيرٌ تَشْتُمُ ظَالِمًا، وَتَقْهَرُ بِسُلْطَانِكَ"؛ فكأنّه استحيا وسكت(10).

وعندما رأت رأس أخيها بين يدي يزيد، وبيده خيزران ينكت ثنايا الحسين (ع)، بدأت خطبتها، فقالت:

"أَظَنَنْتَ يَا يَزِيدُ، حَيْثُ أَخَذْتَ عَلَيْنَا أَقْطَارَ الأَرْضِ وَآفَاقَ السَّمَاءِ، فَأَصْبَحْنَا نُسَاقُ كَمَا تُسَاقُ الإِمَاءُ، أَنَّ بِنَا هَوَانًا عَلَى اللهِ، وَبِكَ عَلَيْهِ كَرَامَةً؟! وَأَنَّ ذَلِكَ لِعِظَمِ خَطَرِكَ عِنْدَهُ، فَشَمَخْتَ بِأَنْفِكَ، وَنَظَرْتَ فِي عِطْفِكَ جَذْلَانَ مَسْرُورًا، حَيْثُ رَأَيْتَ الدُّنْيَا لَكَ مُسْتَوْسِقَةً، وَالأُمُورَ مُتَّسِقَةً؟!

فَمَهْلًا مَهْلًا! لَا تَطِشْ جَهْلًا، أَنَسِيتَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}[آل عمران: 178]؟!

أَمِنَ العَدْلِ يَا ابْنَ الطُّلَقَاءِ - فَآبَاؤُهُ هُمُ الَّذِينَ عَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللهِ وَأَطْلَقَهُمْ - تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَإِمَاءَكَ، وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللهِ سَبَايَا؟! قَدْ هَتَكْتَ سُتُورَهُنَّ، وَأَبْدَيْتَ وُجُوهَهُنَّ، تَحْدُو بِهِمُ الأَعْدَاءُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَيَسْتَشْرِفُهُنَّ أَهْلُ المـَنَاهِلِ وَالمـَنَاقِلِ، وَيَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ القَرِيبُ وَالبَعِيدُ، وَالدَّنِيءُ وَالشَّرِيفُ؟!

وَلَئِنْ جَرَتْ عَلَيَّ الدَّوَاهِي مُخَاطَبَتَكَ، إِنِّي لَأَسْتَصْغِرُ قَدْرَكَ، وَأَسْتَعْظِمُ تَقْرِيعَكَ، وَأَسْتَكْثرُ تَوْبِيخَكَ، لَكِنَّ العُيُونَ عَبْرَى، وَالصُّدُورَ حَرَّى.. أَلَا فَالعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ، لِقَتْلِ حِزْبِ اللهِ النُّجَبَاءِ، بِحِزْبِ الشَّيْطَانِ الطُّلَقَاءِ!

وَلَئِنِ اتَّخَذْتَنَا مَغْنَمًا، لَتَجِدَنَّنَا قَرِيبًا مَغْرَمًا، حَيْثُ لَا تَجِدُ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}[فصّلت: 46]. فَإِلَى اللهِ المـُشْتَكَى، وَعَلَيْهِ المـُعَوَّلُ.

فَكِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ، وَنَاصِبْ جُهْدَكَ! فَوَاللهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَلَا تُمِيتُ وَحْيَنَا، وَلَا تُدْرِكُ أَمَدَنَا، وَلَا تَرْحَضُ عَنْكَ عَارَهَا، وَهَلْ رَأْيُكَ إِلَّا فَنَدٌ، وَأَيَّامُكَ إِلَّا عَدَدٌ، وَجَمْعُكَ إِلَّا بَدَدٌ، يَوْمَ يُنَادِي المـُنَادِي: أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ!".

زينب (ع): امتداد الزّهراء (ع)

أيُّها الأحبَّة، هذا هو موقف زينب (ع) أمام يزيد؛ هذه الإنسانة الَّتي لا تستطيع أن تتذكّرها إلّا وتتذكّر عظمة المرأة المسلمة القويّة المتحدّية الَّتي تدخل ساحة الصّراع بكلّ قوّتها ووعيها وروحانيّتها، لتخاطب الظّالم بكلّ جرأة، ولتوبّخه وتسقطه عند نفسه وعند من حوله.

فإذا تصوّرتم زينب، فلا تتصوّروها مجرَّد امرأة ثاكلة باكية هنا وهناك، ولكن تصوّروها كما تتصوّرون أمّها الزّهراء سيّدة نساء العالمين (ع)، هذه الإنسانة الَّتي علّمت ابنتها زينب كيف تقف مع الحقّ حتّى في أصعب الظّروف، وكيف تواجه الباطل حتّى في أقسى المواقف.

ولذلك سارت زينب خلف أمّها (ع) في كلّ وعيها وروحانيَّتها وصدقها وتقواها وشجاعتها وبطولتها. فعندما نثير ذكرى السيّدة زينب ونزورها، فإنّنا نريد أن نأخذ منها هذا الإخلاص لله، وهذا الذّوبان فيه، وهذه القوّة في سبيله.. اذكروا زينب بكلّ خشوع واحترام وتقدير، ابكوا لحزنها، ولكن ارتفعوا إلى آفاقها، نساءً ورجالًا.

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 12/09/ 1997م.

نعيش في هذه الأيّام ذكرى ولادة عقيلة بني هاشم، بطلة كربلاء، زينب بنت عليّ بن أبي طالب (ع). ونحن لا بدَّ لنا من أن نعيش مع هذه الإنسانة الجليلة؛ الكبيرة في عقلها، العظيمة في روحها، القويَّة في مواقفها.

النّشأة الرّساليّة

تلك الَّتي عاشت طفولتها الأولى مع جدّها رسول الله (ص)، فعاشت لمساته وقبلاته وعطفه وحنانه، وعاشت مع أبيها عليّ (ع) وأمّها فاطمة الزَّهراء (ع)، في ذلك البيت الَّذي أفاض الله عليه كلّ طهر وبركة وروحانيّة وخير. وكان أهله - وهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين (ع) - أهل البيت الَّذين أذهب الله عنهم الرّجس، فابتعدوا عن كلّ قذارة في الفكر والرّوح والعمل، وفي كلّ موقف وموقع، وطهّرهم تطهيرًا.

وهكذا نشأت زينب (ع) في طفولتها الأولى بين أبيها وأمّها، وعاشت شبابها مع أبيها وأخويها، فكانت تأخذ من فكر عليّ (ع) ما جعلها غنيّة بالفكر؛ فقد كان عليّ أستاذها، ومن كان عليّ (ع) أستاذه، يستمع إليه في البيت والمسجد وفي كلّ المجالات، فأيّ تلميذ هو هذا التّلميذ في علمه وفكره؟!

وعاشت من خلال أخويها الحسن والحسين (ع) مع الإمامة المتحرّكة المنفتحة على كلّ قيم الإسلام وتعاليمه وحركيّته؛ سلمًا هنا وحربًا هناك، وحركةً مع النّاس في الخُلُق العظيم الَّذي يتمثّل في الحسنين (ع)، فكانت تعيش أخلاقها في أخلاقهما، وروحانيَّتها في روحانيَّتهما، وتتحرّك في كلّ نظرتها إلى الواقع في تحدّياته وفي كلّ قضاياه ومشاكله.

لقد عاشت في واقعها السياسيّ كلّ قضايا الصّراع؛ صراع أبيها عليّ (ع) في كلّ حركته ضدّ النّاكثين والقاسطين والمارقين، وعاشت كلّ آلام أبيها عندما كان يرى الحقّ ويرى النَّاس الَّذين يلتزمونه قد تفرّقوا عنه، ويرى الباطل ويرى أهله وقد اجتمعوا عليه.

كانت تعيش آلام أبيها (ع) عندما كان يقول وهو يشير إلى صدره: "إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْمًا جَمًّا لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً"، ولكنّه لم يجد من يحمله وعيًا وفكرًا.

وكان (ع) يقول لهم - وزينب تسمعه -:"سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَلَأَنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الأَرْضِ". وكان (ع) يقول: "لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِينًا".

ولم يتعلّموا من عليّ، بل كانوا يشاغبون على علمه وبطولته وعلى كلّ حياته.

الصّلابة الواعية

وهكذا رأت أخاها الحسن (ع) كيف اضطُرّ إلى الصّلح مع معاوية تحت تأثير خيانات جيشه، وكلّ النّاس الَّذين باعوا آخرتهم بدنياهم. وكانت زينب (ع) تعيش تلك الأحداث بعقل واعٍ منفتح، كانت تعيش في قلب الأحداث؛ مع عليّ والحسن والحسين (ع) في بيوتهم، تعرف عمق المعاناة وخلفيَّة كلّ الأحداث فيما كانت تسمعه من أبيها وأخويها.

ولذلك، جاءت زينب (ع) إلى كربلاء وهي تملك العقل الواعي المملوء علمًا وحقًّا ووعيًا سياسيًّا، تعرف من خلاله مواقع الباطل ومواقع الحقّ في الحياة الإسلاميَّة. وقد اكتسبت زينب من كلّ تجربتها ومعاناتها ومعايشتها لتلك الأحداث قوّة في الشخصيَّة، وثباتًا في الموقف، وصلابة في مواجهة التحدّيات.

لذلك، كان موقفها في كربلاء مع الحسين (ع) موقف المرأة المسلمة الواعية المتحدّية التي تعرف ما تريد وما يريده الله منها. فلم تضعف زينب ولم تلن ولم تسقط، وإن كانت عاشت بعض الجوّ العاطفيّ، لأنّها كانت تحبّ حسينًا حبًّا أخذ عليها كلّ ذاتها ومواقفها، حبًّا خاصًّا جعلها تفترق عن زوجها وتستأذنه في أن تهاجر مع الحسين (ع) في ثورته. وأنتم تعرفون أنَّ الزّوجة الأمّ تحبّ أن تكون مع زوجها، وقد بلغ من تضحيتها أنّها أخذت ولديها معها - وأنتم تعرفون محافظة الأمّ على أولادها - إلى كربلاء؛ لتقدّمهما قربانًا إلى الله تعالى بين يدي وليّ الله الإمام الحسين (ع)، حتّى استُشهدا بين يديه ويديها.

حفظ الوصيَّة

كانت (ع) تعيش حبّ الحسين كأعظم ما يكون الحبّ، ولذلك عندما نعى الحسين (ع) إليها نفسه في ليلة العاشر من المحرّم، أخذتها العَبْرَة والصَّرخة، فقال لها الإمام الحسين (ع)، وهو يفهم معنى حزنها ويحترمه: "يَا أُخَيَّةُ، إنّي أقسِمُ عَلَيكِ فَأَبِرِّي قَسَمي؛ لَا تَشُقِّي عَلَيَّ جَيْبًا، وَلَا تَخْمشِي عَلَيَّ وَجْهًا، وَلَا تَدْعِي عَلَيَّ بِالوَيْلِ وَالثُّبُورِ إِذَا أَنَا هَلَكْتُ".

وقد حفظت زينب وصيّة أخيها الحسين (ع)، فكانت بعد ذلك القويّة في عاشوراء، الَّتي قادت الموقف مع الحسين (ع)، وكانت تلاحقه في كلّ آلامه وأحزانه لتسكّنها. كانت معه جنبًا إلى جنب في الخيمة، وعندما يخرج الأنصار والأقرباء والأبناء إلى المعركة، كانت تراقب وجهه وتتحرَّك معه لتراقب كيف يتألّم وكيف يحزن وكيف يواجه مصرع إخوته وولده؛ كانت تعيش في وجه الحسين (ع) لتحتضن آلامه ولتقوّي موقفه.

وقادت الموقف بصبرٍ بعد الحسين (ع)، فحفظت النّساء والأطفال، ووقفت الموقف القويّ أمام كلّ الّذين خذلوا الحسين وقاتلوه، حتّى لو كانوا في موقع الحكم.

شموخٌ أمام المأساة

أيُّها الأحبَّة، نحن نعيش طيلة السّنة مع زينب في أحزانها، وكان حزنها عميقًا وكبيرًا، ولكنَّ صورتها ليست هي الصّورة الَّتي تُنقل إلينا أنّها كانت تصرخ وتبكي دائمًا، فقد كانت زينب (ع) في جلالتها المهيبة!

عندما صُرع الحسين (ع)، أرادت أن تذهب إلى مصرعه، وانفرج لها العسكر ودخلت فيما بينهم، وكانت - كما يقول الرّواة - مهيبة جليلة خشع العسكر لجلالتها ومهابتها.

لقد كانت زينب (ع) قويّة بقوّة الحقّ، وقوَّة القضيَّة، وقوَّة الجهاد. كانت تبكي في قلبها، وكانت الدّموع تنطلق من قلبها لا من عينيها. وإذا صحّت الرّواية الَّتي تقول بأنّها عندما وصلت إلى مصرع الحسين (ع) قالت: "اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا هَذَا القُرْبَانَ"، فإنّنا نفهم كم هي هذه الرّوحيّة العظيمة في شخصيّتها، عندما تصلّي لربّها وتبتهل إليه، والحسين بين يديها، لتقول: يا ربّ، لقد قرّبنا الحسين وهو سيّد شباب أهل الجنّة، والإمام المفترض الطّاعة، قدّمناه قربانًا إليك وفي سبيلك، لأنّ كلّ شيء يهون في سبيلك، حتّى الحسين (ع).

فأيّة عظمة في الرّوح هي عظمة زينب؟!

بلاغة الحقّ وقوّة الخطاب

وعندما عاشت السَّبي لم تسقط ولم تضعف. وصلت إلى الكوفة، ورأت أنَّ أهل الكوفة قد اجتمعوا حول السّبايا، وبدأوا يعطون الأطفال بعض الجوز والخبز والأغذية، فأخذت زينب (ع) ذلك كلّه بكلّ قوّة ورمته في وجوههم وقالت: "إِنَّ الصَّدَقَةَ حَرَامٌ عَلَيْنَا أَهْلَ البَيْتِ".

ووقفت خطيبةً، وأهل الكوفة مجتمعون في السَّاحة، ويقول بعض الرّواة - كما ينقله السيّد ابن طاووس في "اللّهوف" - قال: "لـمّا جيء بسبايا أهل البيت إلى الكوفة، جعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون. قال بشر بن خزيم الأسديّ: ونظرت إلى زينب بنت عليّ (ع) يومئذٍ، فلم أرَ خَفِرَةً - امرأة محجّبة - أنطق منها، كأنّها تُفرغ عن لسان أمير المؤمنين (ع)، وقد أومأت إلى النَّاس أن اسكتوا، فارتدَّت الأنفاس، وسكنت الأجراس، ثمّ قالت:

"الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.. أَمَّا بَعْدُ، يَا أَهْلَ الكُوفَةِ، يَا أَهْلَ الخَتْلِ وَالغَدْرِ! أَتَبْكُونَ؟! فَلَا رَقَأَتِ الدَّمْعَةُ، وَلَا هَدَأَتِ الرَّنَّةُ، إِنَّمَا مَثَلُكُمْ {كَمَثَلِ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ}[النّحل: 92]...

أَتَبْكُونَ وَتَنْتَحِبُونَ؟! إِي وَاللهِ فَابْكُوا كَثِيرًا وَاضْحَكُوا قَلِيلًا؛ فَلَقَدْ ذَهَبْتُمْ بِعَارِهَا وَشَنَارِهَا، وَلَنْ تَرْحَضُوهَا - تَغْسِلُوهَا - بِغَسْلٍ بَعْدَهَا أَبَدًا! وَأَنَّى تَرْحَضُونَ قَتْلَ سَلِيلِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ، وَمَعْدِنِ الرِّسَالَةِ، وَسَيِّدِ شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَلَاذِ حَيْرَتِكُمْ، وَمَفْزَعِ نَازِلَتِكُمْ، وَمَنَارِ حُجَّتِكُمْ، وَمَدْرَهِ أَلْسِنَتِكُمْ؟! أَلَا سَاءَ مَا تَزِرُونَ! وَبُعْدًا لَكُمْ وَسُحْقًا! فَلَقَدْ خَابَ السَّعْيُ، وَتَبَّتِ الأَيْدِي، وَخَسِرَتِ الصَّفْقَةُ، وَبُؤْتُمْ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ، وَضُرِبَتْ عَلَيْكُمُ الذِّلَّةُ وَالمـَسْكَنَةُ.

وَيْلَكُمْ يَا أَهْلَ الكُوفَةِ! أَتَدْرُونَ أَيَّ كَبِدٍ لِرَسُولِ اللهِ (ص) فَرَيْتُمْ؟! وَأَيَّ كَرِيمَةٍ لَهُ أَبْرَزْتُمْ؟! وَأَيَّ دَمٍ سَفَكْتُمْ؟! وَأَيَّ حُرْمَةٍ لَهُ انْتَهَكْتُمْ؟! لَقَدْ جِئْتُمْ بِهَا صَلْعَاءَ عَنْقَاءَ، سَوْدَاءَ فَقْمَاءَ، نَأْنَاءَ خَرْقَاءَ شَوْهَاءَ، كَطِلَاعِ الأَرْضِ أَوْ مِلْءِ السَّمَاءِ! أَفَعَجِبْتُمْ إنْ أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ دَمًا؟! {وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى}[فصّلت: 16] وَأَنْتُمْ لَا تُنْصَرُونَ، فَلَا يَسْتَخِفَّنَّكُمُ المـَهَلُ - بِأَنَّ اللهَ أَمْهَلَكُمْ -؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْفِزُهُ البِدَارُ - أَيْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى العَجَلَةِ - وَلَا يُخَافُ فَوْتُ الثَّأْرِ، {إِنَّ رَبَّكُمْ لَبِالْمِرْصَادِ}[الفجر: 14]".

وقال الرّاوي: فوالله، لقد رأيت النّاس يومئذٍ حيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخًا واقفًا إلى جنبي يبكي حتّى اخضلّت لحيته وهو يقول: "بِأَبِي أَنْتُمْ وَأُمِّي! كُهُولُكُمْ خَيْرُ الكُهُولِ، وَشَبَابُكُمْ خَيْرُ الشَّبَابِ، وَنِسَاؤُكُمْ خَيْرُ النِّسَاءِ".

هذا الموقف الزّينبيّ أمام أهل الكوفة يدلّ على أنَّ هذه المرأة المفجوعة الثّاكلة الَّتي يملأ الحزن قلبها، لم تَهِنْ ولم تَلِنْ ولم تجزع ولم يُسقِطها الحزن، بل بقيت قويّة تتحدّى كلّ هؤلاء الَّذين شاركوا في كربلاء أو الَّذين خذلوا الحسين (ع) في كربلاء.

وذلك هو الدَّرس لا للمرأة فحسب، ولكنَّه الدَّرس للمرأة وللرَّجل معًا، في كيفيَّة مواجهة التّحدّيات بالموقف القويّ الصَّلب الَّذي لا يسقط فيه الإنسان أمام حزن أو كارثة.

مقارعة السّلطان الجائر

ثمّ أُدخلت زينب (ع) مع السَّبايا إلى مجلس ابن زياد، ويقول الشّيخ المفيد (ره): "أُدخل عيال الحسين (ع) على ابن زياد، فدخلت زينب أخت الحسين (ع) في جملتهم متنكّرةً وعليها أرذل ثيابها، فمضت حتّى جلست ناحيةً من القصر وحفَّت بها إماؤها، فقال ابن زياد: مَن هذه الَّتي انحازت فجلست ناحيةً ومعها نساؤها؟ فلم تُجبه زينب، فأعاد ثانيةً وثالثةً يسأل عنها، فقال له بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (ص) - وكأنّها أرادت لفت نظره إلى لزوم تعظيمها واحترامها -.

فأقبل عليها ابن زياد بكلّ خسته وحقارته ووضاعته، وقال لها: "الحمد لله الَّذي فضحكم وقتلكم وأكذب أُحدوثتكم"!

فقالت زينب (ع): "الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَكْرَمَنَا بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ، وَطَهَّرَنَا مِنَ الرِّجْسِ تَطْهِيرًا، وإِنَّمَا يَفْتَضِحُ الفَاسِقُ، وَيَكْذِبُ الفَاجِرُ، وَهُوَ غَيْرُنَا وَالحَمْدُ للهِ".

فقال ابن زياد: "كيف رأيتِ فعل الله بأهل بيتكِ؟".

فقالت: "مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا؛ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ القَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ اللهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، فَتُحَاجُّونَ إِلَيْهِ وَتَخْتَصِمُونَ عِنْدَهُ، فَانْظُرْ لِمَنِ الفَلَجُ يَوْمَئِذٍ - أَيْ عَلَى مَنْ سَيَكُونُ الحَقُّ فَلَا يَسْتَطِيعُ جَوَابًا - هَبِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ". ونادته بأمّه كأنّها تقول له: إنَّ نسب أبيك ليس هو النَّسب الصَّحيح الشَّرعيّ.

فغضب ابن زياد واستشاط، فقال له عمر بن حريث: "أيُّها الأمير، إنّها امرأة لا تُؤاخذ بشيء من منطقها ولا تُذمّ على خطابها".

وقد أخطأ هذا الرَّجل؛ إنّها امرأة، ولكنَّها امرأة تعيش الوعي كلّه، والعقل كلّه، والصّواب كلّه. ولعلّ أفضل الصّواب هو كلامها لابن زياد، لأنّها كلمة عدل في مواجهة سلطان جائر.

وسأل ابن زياد عليّ بن الحسين: مَن أنت؟ فأخبره، فقال: أليس قد قتل الله عليّ بن الحسين؟!

فقال (ع): "كَانَ لِي أَخٌ يُسَمَّى عَلِيًّا قَتَلَهُ النَّاسُ".

قال: بل الله قتله!

فقال الإمام زين العابدين (ع): {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}[الزّمر: 42].

فغضب ابن زياد وقال: وبك جرأة لجوابي، وفيك بقيّة للردّ عليّ؟! اذهبوا به فاضربوا عنقه!

فتعلّقت به عمّته زينب - في موقف حفظت فيه بقيّة الإمامة وتراثها - وقالت: "يَا ابْنَ زِيَادٍ، حَسْبُكَ مِنْ دِمَائِنَا.. لَا وَاللهِ لَا أُفَارِقُهُ؛ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَاقْتُلْنِي مَعَهُ".

فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعةً، ثمّ قال: "عجبًا للرّحم! والله إنّي لأظنّها ودّت أنّي قتلتها معه؛ دعوه فإنّي أراه لما به"(9) من المرض.

خطبتها أمام يزيد

وانطلق الموكب إلى الشّام، ودعا يزيد برأس الحسين (ع)، فوُضع بين يديه، ثمّ دعا بالنّساء والصّبيان فأُجلسوا بين يديه. قالت فاطمة بنت الحسين (ع): "فقام رجل من أهل الشَّام أحمر الوجه، فقال: يا أمير المؤمنين، هبْ لي هذه الجارية - يقصد فاطمة بنت الحسين -، فأرعدتُ وظننتُ أنَّ ذلك جائز عندهم، فأخذتُ بثياب عمّتي زينب"، والَّتي قالت للشّاميّ: "كَذَبْتَ وَاللهِ وَلَؤُمْتَ؛ مَا ذَاكَ لَكَ وَلَا لَهُ".

فغضب يزيد وقال: كذبتِ، إنَّ ذلك لي، ولو شئتُ أن أفعل لفعلتُ!

قالت: "كَلَّا وَاللهِ؛ مَا جَعَلَ اللهُ لَكَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مِلَّتِنَا وَتَدِينَ بِغَيْرِهَا"، وقد نسبت الملّة إليهم أهل البيت (ع)، إسقاطًا لمعنويّاته وتبيانًا للحقّ.

فاستطار يزيد غضبًا وقال: إيّاي تستقبلين بهذا؟! إنّما خرج من الدّين أبوكِ وأخوكِ!

قالت زينب (ع): "بِدِينِ اللهِ، وَدِينِ أَبِي، وَدِينِ أَخِي اهْتَدَيْتَ أَنْتَ وَجَدُّكَ وَأَبُوكَ إِنْ كُنْتَ مُسْلِمًا"، فمن الَّذي طوّع المشركين حتّى أدخلهم في الإسلام، ومن المشركين أبوك وأخوك، هل غير أبي الَّذي جاهد المشركين، واستطاع رسول الله أن ينتصر من خلاله عليهم، وأخي الَّذي سار في نفس هذا الخطّ؟!

قال: كذبتِ يا عدوّة الله! قالت: "أَنْتَ أَمِيرٌ تَشْتُمُ ظَالِمًا، وَتَقْهَرُ بِسُلْطَانِكَ"؛ فكأنّه استحيا وسكت(10).

وعندما رأت رأس أخيها بين يدي يزيد، وبيده خيزران ينكت ثنايا الحسين (ع)، بدأت خطبتها، فقالت:

"أَظَنَنْتَ يَا يَزِيدُ، حَيْثُ أَخَذْتَ عَلَيْنَا أَقْطَارَ الأَرْضِ وَآفَاقَ السَّمَاءِ، فَأَصْبَحْنَا نُسَاقُ كَمَا تُسَاقُ الإِمَاءُ، أَنَّ بِنَا هَوَانًا عَلَى اللهِ، وَبِكَ عَلَيْهِ كَرَامَةً؟! وَأَنَّ ذَلِكَ لِعِظَمِ خَطَرِكَ عِنْدَهُ، فَشَمَخْتَ بِأَنْفِكَ، وَنَظَرْتَ فِي عِطْفِكَ جَذْلَانَ مَسْرُورًا، حَيْثُ رَأَيْتَ الدُّنْيَا لَكَ مُسْتَوْسِقَةً، وَالأُمُورَ مُتَّسِقَةً؟!

فَمَهْلًا مَهْلًا! لَا تَطِشْ جَهْلًا، أَنَسِيتَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}[آل عمران: 178]؟!

أَمِنَ العَدْلِ يَا ابْنَ الطُّلَقَاءِ - فَآبَاؤُهُ هُمُ الَّذِينَ عَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللهِ وَأَطْلَقَهُمْ - تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَإِمَاءَكَ، وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللهِ سَبَايَا؟! قَدْ هَتَكْتَ سُتُورَهُنَّ، وَأَبْدَيْتَ وُجُوهَهُنَّ، تَحْدُو بِهِمُ الأَعْدَاءُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَيَسْتَشْرِفُهُنَّ أَهْلُ المـَنَاهِلِ وَالمـَنَاقِلِ، وَيَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ القَرِيبُ وَالبَعِيدُ، وَالدَّنِيءُ وَالشَّرِيفُ؟!

وَلَئِنْ جَرَتْ عَلَيَّ الدَّوَاهِي مُخَاطَبَتَكَ، إِنِّي لَأَسْتَصْغِرُ قَدْرَكَ، وَأَسْتَعْظِمُ تَقْرِيعَكَ، وَأَسْتَكْثرُ تَوْبِيخَكَ، لَكِنَّ العُيُونَ عَبْرَى، وَالصُّدُورَ حَرَّى.. أَلَا فَالعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ، لِقَتْلِ حِزْبِ اللهِ النُّجَبَاءِ، بِحِزْبِ الشَّيْطَانِ الطُّلَقَاءِ!

وَلَئِنِ اتَّخَذْتَنَا مَغْنَمًا، لَتَجِدَنَّنَا قَرِيبًا مَغْرَمًا، حَيْثُ لَا تَجِدُ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}[فصّلت: 46]. فَإِلَى اللهِ المـُشْتَكَى، وَعَلَيْهِ المـُعَوَّلُ.

فَكِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ، وَنَاصِبْ جُهْدَكَ! فَوَاللهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَلَا تُمِيتُ وَحْيَنَا، وَلَا تُدْرِكُ أَمَدَنَا، وَلَا تَرْحَضُ عَنْكَ عَارَهَا، وَهَلْ رَأْيُكَ إِلَّا فَنَدٌ، وَأَيَّامُكَ إِلَّا عَدَدٌ، وَجَمْعُكَ إِلَّا بَدَدٌ، يَوْمَ يُنَادِي المـُنَادِي: أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ!".

زينب (ع): امتداد الزّهراء (ع)

أيُّها الأحبَّة، هذا هو موقف زينب (ع) أمام يزيد؛ هذه الإنسانة الَّتي لا تستطيع أن تتذكّرها إلّا وتتذكّر عظمة المرأة المسلمة القويّة المتحدّية الَّتي تدخل ساحة الصّراع بكلّ قوّتها ووعيها وروحانيّتها، لتخاطب الظّالم بكلّ جرأة، ولتوبّخه وتسقطه عند نفسه وعند من حوله.

فإذا تصوّرتم زينب، فلا تتصوّروها مجرَّد امرأة ثاكلة باكية هنا وهناك، ولكن تصوّروها كما تتصوّرون أمّها الزّهراء سيّدة نساء العالمين (ع)، هذه الإنسانة الَّتي علّمت ابنتها زينب كيف تقف مع الحقّ حتّى في أصعب الظّروف، وكيف تواجه الباطل حتّى في أقسى المواقف.

ولذلك سارت زينب خلف أمّها (ع) في كلّ وعيها وروحانيَّتها وصدقها وتقواها وشجاعتها وبطولتها. فعندما نثير ذكرى السيّدة زينب ونزورها، فإنّنا نريد أن نأخذ منها هذا الإخلاص لله، وهذا الذّوبان فيه، وهذه القوّة في سبيله.. اذكروا زينب بكلّ خشوع واحترام وتقدير، ابكوا لحزنها، ولكن ارتفعوا إلى آفاقها، نساءً ورجالًا.

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 12/09/ 1997م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية