مقابلات
14/04/2026

بالإيمان والثّبات نواجه التَّحدّيات ونصنع النّصر

بالإيمان والثّبات نواجه التَّحدّيات ونصنع النّصر

كيف يستطيع الإنسان أن يتغلّب على الهزيمة النَّفسيَّة وهو يشعر بأنَّه محاصر من كلّ الجهات، وعدوّه متطوّر بالسّلاح؟...

إذا أردنا أن نطرح هذا السّؤال على أنفسنا كمؤمنين، فإنّنا نجد في كتاب الله الكثير من الأجواء الروحيَّة الَّتي تفتح الآفاق الواسعة للأجواء النفسيَّة، وتركّز الواقع على أسسٍ ثابتة من القوّة والعزيمة والثَّبات.

الإيمان في مواجهة القوّة

فقد تتجلّى هذه الحقيقة في موقف القيادة، عندما تقف وحدها أمام القوى العاتية، في معركةٍ لا مجال فيها للمقارنة بين إمكانات القيادة وإمكانات القوى المضادَّة. وهذا ما نتمثّله في موقف النَّبيّ (ص) في ليلة الهجرة: {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}[التوبة: 40].

فنحن نلاحظ أنَّ النَّبيّ (ص) خرج مع صاحبه، وكان الَّذين يطلبونه يسيرون خلفه، ولم يكن يفصل بينهم وبين الإمساك به إلَّا مسافة قليلة، بحيث لو تقدَّموا خطوة لأمسكوا به. ومع ذلك، كان (ص) يشعر بحضور الله ورعايته له، وكان يحتقر من خلال ذلك القوَّة المضادَّة، ما جعله يركّز موقعه على أساسٍ ثابتٍ قويّ لا يعيش أيّ حالة من الاهتزاز. ولذلك، لم يكن دوره أن يثبّت نفسه فقط، بل كان دوره أن يثبّت صاحبه أيضًا.

وعندما نقرأ النَّتائج، فإنّنا نقرأ قول الله تعالى: {فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}[التَّوبة: 40].

وهنا نستوحي أنَّ الله سبحانه وتعالى يرفق بعباده المجاهدين، سواء كانوا رسلًا، أو كانوا سائرين في خطّ الرّسل، عندما ينزل عليهم ألطافه بطريقة غيبيَّة تفتح قلوبهم على الله، فتفتح مواقعهم على القوَّة.

الهزيمة ليست قدرًا

ثمّ نتقدَّم خطوةً لنعيش في معركة أُحد، فنجد أنَّ المسلمين عاشوا مشاكل صعبة في هذه المعركة الَّتي انقلب فيها النَّصر في البداية إلى ما يشبه الهزيمة في النّهاية. وكان المسلمون في حالة إرباك، وربّما كان بعضهم في حالة هزيمة نفسيَّة تتغذَّى من خلال الهزيمة العسكريَّة. ومع ذلك، قال الله تعالى لهم:
{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 139 - 140].

فإنّنا نستفيد من هذه الآية أفكارًا تتحرَّك في خطّ الواقع، وهي أنَّ الهزيمة الطَّارئة لا ينبغي أن تجعل الإنسان يعيش الوهن والضّعف والانفعالات النَّفسيَّة، بل لا بدَّ أن يدرس العناصر الَّتي أدَّت إلى هزيمته، وأن يعرف أنَّ الهزيمة لا تنطلق دائمًا من الضّعف المطلق للمهزوم، بل قد تخضع لظروف معيَّنة، أو لارتباكات داخل المعركة، مما يمكن تفاديه في معركة أخرى.

وعلى هذا الأساس، فإنَّ على الإنسان الَّذي يتلقَّى التحدّيات الصَّعبة، أن يدرس المسألة بعقلٍ بارد، ليعرف كيف يستطيع أن يحوّل الضّعف إلى قوَّة، ويحوّل الهزيمة إلى نصر.

وهكذا ركّز الله سبحانه وتعالى المسألة في دائرة الإيمان الَّذي لا يعطي الإنسان طاقةً روحيَّة فحسب، بل يمنحه طاقةً حركيَّة يفكّر من خلالها بمسؤوليَّته عن القضيَّة الكبرى الَّتي يدافع عنها، ومسؤوليَّته عن دراسة كلّ عوامل النَّصر والهزيمة في السَّاحة.

التَّوازن في الخسائر

ثمّ تشير الآية إلى جانبٍ آخر، لتؤكّد أنَّ المسلمين ليسوا وحدهم الَّذين أصيبوا بالجراح والخسائر، بل إنَّهم في الوقت الّذي عانوا ذلك، فإنّهم أصابوا العدوّ بجراحات وخسائر كثيرة أيضًا. وهذا يجعلنا نعيش خطّ التَّوازن، فنحن نقتل ونُقتل، نجرح ونُجرح، نتألَّم ونؤلم. وتلك هي قصَّة الحياة الَّتي تجعل الإنسان لا يشعر بأنَّه مهزوم في المطلق، لأنَّه إذا هُزم في جانبٍ، فإنَّ العدوّ يُهزم في جانبٍ آخر. ونحن نعرف أنَّ هذا المنطق يمكن أن يجعل الإنسان يفكّر بعيدًا من حالات التَّشنّج النَّفسيّ في مواجهة مثل هذه التّحدّيات.

سنّة التَّغيير

ثمّ تدعونا الآية إلى التَّفكير في أنَّ الحياة لا تبقى على خطّ واحد، فلن تبقى الحياة خاضعةً لقوَّة مطلقة، كما أنَّ الضّعفاء لن يبقوا ضعفاء دائمًا، فالقويّ قد يتحوَّل إلى ضعيف، والضَّعيف قد يتحوَّل إلى قويّ، والله أجرى الحياة على سننه الطبيعيَّة الّتي أودعها في حركة الكون والمجتمعات.

ولذلك، فإنَّ من الممكن جدًّا أن ينتصر أعداؤنا عندما تتجمَّع لهم أسباب النَّصر وفق السّنن الطَّبيعيَّة، ولكنَّ ذلك لن يدوم، لأنّنا نستطيع أن نجمّع من خلال السنن الاجتماعيّة الطبيعيّة أيضًا أسباب النّصر لتكون السَّاحة لنا.

ولهذا، فإنَّ الهزيمة لا تعني السقوط المطلق، ولكنَّها تعني الجمود في مرحلة لنتحرّك في مرحلة أخرى.

لا يأس مع الإيمان

وهكذا نستطيع أن نستشرف هذا الجوّ في غير المسألة العسكريّة، كما في المسائل الحياتيَّة التي تتعلَّق بحياة الناس، فالله يقول: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}[الطّلاق: 2 -3].

فنحن نستوحي من ذلك، أنَّ الإنسان إذا سُدّت عليه كلّ الأبواب والنَّوافذ والدّروب، فعليه أن لا ييأس، لأنَّ هناك نافذة يطلّ الله من خلالها على حياة النَّاس، ليعطيها إشراقًا وأملًا وحلًّا، فيرزقه من حيث لا يحتسب، ويحرسه وينصره من حيث لا يحتسب، تبعًا لحكمته تعالى وإرادته.

فلا مجال لليأس في الحياة أمام الحصار الَّذي قد يحيط بالإنسان من جميع الجهات، لأنَّ اليأس لا ينسجم مع الإيمان ولا مع طبيعة الحياة. فعندما يعيش الإنسان المؤمن اليأس، فمعنى ذلك أنّه يغفل عن إيمانه، لأنَّ المؤمن عندما يعرف أنَّ الله على كلّ شيء قدير، وأنّه يجعل بعد العسر يسرًا، وبعد الشّدّة فرجًا، فمن الطّبيعيّ أن يبقى الأمل الأخضر في قلبه حتى في أشدّ الحالات ظلمةً وحصارًا.

كما أنّ دراستنا للتَّاريخ تبيّن أنَّ هناك كثيرًا من الفرص الّتي قد لا تكون في حسابات الإنسان، ممّا يمكن أن تكون سببًا للنّصر بطريقة لا يعرف الإنسان طبيعتها وأسرارها؛ إنّها ليست حالة في الغيب، ولكنّها حالة في الواقع، قد يعيش الغيب في داخلها في بعض أجوائه، وقد تتحرَّك العناصر الواقعيَّة في داخلها بشكل خفيّ.

ثبات المؤمنين

وتبلغ المسألة القمَّة في حديث الله عن المؤمنين الَّذين حُوصروا في بداية الدَّعوة، ووقف النَّاس كلّهم ضدّهم، ومع ذلك ثبتوا، واستطاعوا من خلال هذا الثَّبات أن يصلوا إلى النَّتائج الكبرى، وذلك قول الله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * نَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[آل عمران: 173 - 175]. فنحن نقرأ في هذه الآية، أنَّ هؤلاء المؤمنين ثبتوا، وهم قلَّة، أمام التَّحدّيات الكبرى الَّتي وصلت إلى مستوى أنَّ كلّ النَّاس قد جمعوا لهم، ومع ذلك، اقتدوا برسول الله (ص)، فقالوا: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، وأوكلوا أمرهم إلى الله، ومن يوكل أمره إلى الله فإنّه يكفيه. وتحدَّث القرآن بأنّهم استطاعوا أن يصلوا إلى نتائج النَّصر ونتائج القوَّة، فلم يمسسهم سوء، وساروا في الخطّ الإسلاميّ، واتّبعوا رضوان الله، {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} على عباده الَّذين يؤمنون به ويصبرون ويثبتون ويتألَّمون ويتحمَّلون.

كسر سياسة التَّخويف!

ثمّ ركَّز القرآن على أنَّ سياسة الخوف هي سياسة تنطلق من تهاويل الشَّيطان الَّتي يشحن بها قلوب أوليائه، أمَّا الإنسان المؤمن، فإنَّه يخاف الله وحده، ويقف أمام العالم قويًّا، لأنَّه يشعر بأنَّ الله معه، وإذا كان الله معه، فلن يخذله، لتكون النَّتيجة إمَّا النَّصر، وإمَّا الشَّهادة الّتي تمهّد للنَّصر في مرحلة أخرى.

التّخطيط مع الإيمان

إنّنا نريد أن نقول لكلّ أهلنا وإخوتنا... إنَّ عليهم أن ينفتحوا على الله وعلى إيمانهم، ولا نقول لهم إنَّ عليهم أن يكتفوا بهذا الانفتاح الغيبيّ، فنحن نعرف أنَّ الغيب يمدّ الإنسان بطاقة روحيّة، لكي يثبّت أقدامه وخطواته...

ولكن، آمنوا بالله وخطّطوا.. آمنوا بالله واصبروا.. آمنوا بالله وجاهدوا.. آمنوا بالله وتعاونوا مع المجاهدين... فإنَّ العدوَّ مهما امتلك من قوَّة، لا يستطيع أن يستخدم كلّ قوَّته، لأنَّ هناك أكثر من وضع يحدّد له حركة هذه القوَّة.

إنَّ المشكلة الَّتي نعيشها، هي أنَّنا لا نحرّك قوَّتنا، فالعدوُّ يستفيد من إحساسنا بالضّعف، ومن سقوطنا أمام نقاط الضّعف، أكثر مما يستفيد من قوَّته...

واقعيّة النّصر

إنَّنا نستطيع إذا اجتمعنا، وإذا وحَّدنا كلَّ طاقاتنا، وانفتحنا على قضيَّة تحرير أرضنا، وتحرير إنساننا وتحرير مستقبلنا، أن نهزم العدوَّ في عنفوانه، ثمَّ نهزمه بعد ذلك في احتلاله، لنهزمه في الواقع كلّه.

إنَّ المسألة هي أن ننفتح على الله، وأن نثق بأنفسنا من خلال ثقتنا بالله، وأن نعرف كيف نخطّط، وأن يتحوَّل كلّ مؤمن إلى إنسان يفكّر مع إخوانه.

حاولوا أن تلاحقوا نقاط ضعف العدوّ، حاولوا أن تلاحقوا ثغرات العدوّ.. حتَّى تستطيعوا أن تستفيدوا من ذلك قوَّةً لأنفسكم، وعند ذلك، سوف يأذن الله سبحانه وتعالى بنصره، وهناك يفرح المؤمنون بنصر الله.

وتذكَّروا قول الله سبحانه وتعالى وأنتم تعيشون كلَّ هذا الزلزال النفسي والزلزال الحياتي: {أمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}[البقرة: 214].

هذا هو قدرنا الَّذي نصنعه بأنفسنا، والَّذي يصنعه الله لنا من خلال إرادتنا {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}[الرّعد: 11].

غيّروا أنفسكم تغيّروا الواقع.. غيّروا مساركم تغيّروا التَّاريخ.. غيّروا روحيَّتكم تغيّروا العالم.

والحمد لله ربّ العالمين.

* كلمة لسماحته وجّهها إلى أهل الشّريط الحدوديّ في الجنوب، خلال لقاء له مع إذاعة النّور، بتاريخ: 10/07/1993م.

كيف يستطيع الإنسان أن يتغلّب على الهزيمة النَّفسيَّة وهو يشعر بأنَّه محاصر من كلّ الجهات، وعدوّه متطوّر بالسّلاح؟...

إذا أردنا أن نطرح هذا السّؤال على أنفسنا كمؤمنين، فإنّنا نجد في كتاب الله الكثير من الأجواء الروحيَّة الَّتي تفتح الآفاق الواسعة للأجواء النفسيَّة، وتركّز الواقع على أسسٍ ثابتة من القوّة والعزيمة والثَّبات.

الإيمان في مواجهة القوّة

فقد تتجلّى هذه الحقيقة في موقف القيادة، عندما تقف وحدها أمام القوى العاتية، في معركةٍ لا مجال فيها للمقارنة بين إمكانات القيادة وإمكانات القوى المضادَّة. وهذا ما نتمثّله في موقف النَّبيّ (ص) في ليلة الهجرة: {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}[التوبة: 40].

فنحن نلاحظ أنَّ النَّبيّ (ص) خرج مع صاحبه، وكان الَّذين يطلبونه يسيرون خلفه، ولم يكن يفصل بينهم وبين الإمساك به إلَّا مسافة قليلة، بحيث لو تقدَّموا خطوة لأمسكوا به. ومع ذلك، كان (ص) يشعر بحضور الله ورعايته له، وكان يحتقر من خلال ذلك القوَّة المضادَّة، ما جعله يركّز موقعه على أساسٍ ثابتٍ قويّ لا يعيش أيّ حالة من الاهتزاز. ولذلك، لم يكن دوره أن يثبّت نفسه فقط، بل كان دوره أن يثبّت صاحبه أيضًا.

وعندما نقرأ النَّتائج، فإنّنا نقرأ قول الله تعالى: {فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}[التَّوبة: 40].

وهنا نستوحي أنَّ الله سبحانه وتعالى يرفق بعباده المجاهدين، سواء كانوا رسلًا، أو كانوا سائرين في خطّ الرّسل، عندما ينزل عليهم ألطافه بطريقة غيبيَّة تفتح قلوبهم على الله، فتفتح مواقعهم على القوَّة.

الهزيمة ليست قدرًا

ثمّ نتقدَّم خطوةً لنعيش في معركة أُحد، فنجد أنَّ المسلمين عاشوا مشاكل صعبة في هذه المعركة الَّتي انقلب فيها النَّصر في البداية إلى ما يشبه الهزيمة في النّهاية. وكان المسلمون في حالة إرباك، وربّما كان بعضهم في حالة هزيمة نفسيَّة تتغذَّى من خلال الهزيمة العسكريَّة. ومع ذلك، قال الله تعالى لهم:
{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 139 - 140].

فإنّنا نستفيد من هذه الآية أفكارًا تتحرَّك في خطّ الواقع، وهي أنَّ الهزيمة الطَّارئة لا ينبغي أن تجعل الإنسان يعيش الوهن والضّعف والانفعالات النَّفسيَّة، بل لا بدَّ أن يدرس العناصر الَّتي أدَّت إلى هزيمته، وأن يعرف أنَّ الهزيمة لا تنطلق دائمًا من الضّعف المطلق للمهزوم، بل قد تخضع لظروف معيَّنة، أو لارتباكات داخل المعركة، مما يمكن تفاديه في معركة أخرى.

وعلى هذا الأساس، فإنَّ على الإنسان الَّذي يتلقَّى التحدّيات الصَّعبة، أن يدرس المسألة بعقلٍ بارد، ليعرف كيف يستطيع أن يحوّل الضّعف إلى قوَّة، ويحوّل الهزيمة إلى نصر.

وهكذا ركّز الله سبحانه وتعالى المسألة في دائرة الإيمان الَّذي لا يعطي الإنسان طاقةً روحيَّة فحسب، بل يمنحه طاقةً حركيَّة يفكّر من خلالها بمسؤوليَّته عن القضيَّة الكبرى الَّتي يدافع عنها، ومسؤوليَّته عن دراسة كلّ عوامل النَّصر والهزيمة في السَّاحة.

التَّوازن في الخسائر

ثمّ تشير الآية إلى جانبٍ آخر، لتؤكّد أنَّ المسلمين ليسوا وحدهم الَّذين أصيبوا بالجراح والخسائر، بل إنَّهم في الوقت الّذي عانوا ذلك، فإنّهم أصابوا العدوّ بجراحات وخسائر كثيرة أيضًا. وهذا يجعلنا نعيش خطّ التَّوازن، فنحن نقتل ونُقتل، نجرح ونُجرح، نتألَّم ونؤلم. وتلك هي قصَّة الحياة الَّتي تجعل الإنسان لا يشعر بأنَّه مهزوم في المطلق، لأنَّه إذا هُزم في جانبٍ، فإنَّ العدوّ يُهزم في جانبٍ آخر. ونحن نعرف أنَّ هذا المنطق يمكن أن يجعل الإنسان يفكّر بعيدًا من حالات التَّشنّج النَّفسيّ في مواجهة مثل هذه التّحدّيات.

سنّة التَّغيير

ثمّ تدعونا الآية إلى التَّفكير في أنَّ الحياة لا تبقى على خطّ واحد، فلن تبقى الحياة خاضعةً لقوَّة مطلقة، كما أنَّ الضّعفاء لن يبقوا ضعفاء دائمًا، فالقويّ قد يتحوَّل إلى ضعيف، والضَّعيف قد يتحوَّل إلى قويّ، والله أجرى الحياة على سننه الطبيعيَّة الّتي أودعها في حركة الكون والمجتمعات.

ولذلك، فإنَّ من الممكن جدًّا أن ينتصر أعداؤنا عندما تتجمَّع لهم أسباب النَّصر وفق السّنن الطَّبيعيَّة، ولكنَّ ذلك لن يدوم، لأنّنا نستطيع أن نجمّع من خلال السنن الاجتماعيّة الطبيعيّة أيضًا أسباب النّصر لتكون السَّاحة لنا.

ولهذا، فإنَّ الهزيمة لا تعني السقوط المطلق، ولكنَّها تعني الجمود في مرحلة لنتحرّك في مرحلة أخرى.

لا يأس مع الإيمان

وهكذا نستطيع أن نستشرف هذا الجوّ في غير المسألة العسكريّة، كما في المسائل الحياتيَّة التي تتعلَّق بحياة الناس، فالله يقول: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}[الطّلاق: 2 -3].

فنحن نستوحي من ذلك، أنَّ الإنسان إذا سُدّت عليه كلّ الأبواب والنَّوافذ والدّروب، فعليه أن لا ييأس، لأنَّ هناك نافذة يطلّ الله من خلالها على حياة النَّاس، ليعطيها إشراقًا وأملًا وحلًّا، فيرزقه من حيث لا يحتسب، ويحرسه وينصره من حيث لا يحتسب، تبعًا لحكمته تعالى وإرادته.

فلا مجال لليأس في الحياة أمام الحصار الَّذي قد يحيط بالإنسان من جميع الجهات، لأنَّ اليأس لا ينسجم مع الإيمان ولا مع طبيعة الحياة. فعندما يعيش الإنسان المؤمن اليأس، فمعنى ذلك أنّه يغفل عن إيمانه، لأنَّ المؤمن عندما يعرف أنَّ الله على كلّ شيء قدير، وأنّه يجعل بعد العسر يسرًا، وبعد الشّدّة فرجًا، فمن الطّبيعيّ أن يبقى الأمل الأخضر في قلبه حتى في أشدّ الحالات ظلمةً وحصارًا.

كما أنّ دراستنا للتَّاريخ تبيّن أنَّ هناك كثيرًا من الفرص الّتي قد لا تكون في حسابات الإنسان، ممّا يمكن أن تكون سببًا للنّصر بطريقة لا يعرف الإنسان طبيعتها وأسرارها؛ إنّها ليست حالة في الغيب، ولكنّها حالة في الواقع، قد يعيش الغيب في داخلها في بعض أجوائه، وقد تتحرَّك العناصر الواقعيَّة في داخلها بشكل خفيّ.

ثبات المؤمنين

وتبلغ المسألة القمَّة في حديث الله عن المؤمنين الَّذين حُوصروا في بداية الدَّعوة، ووقف النَّاس كلّهم ضدّهم، ومع ذلك ثبتوا، واستطاعوا من خلال هذا الثَّبات أن يصلوا إلى النَّتائج الكبرى، وذلك قول الله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * نَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[آل عمران: 173 - 175]. فنحن نقرأ في هذه الآية، أنَّ هؤلاء المؤمنين ثبتوا، وهم قلَّة، أمام التَّحدّيات الكبرى الَّتي وصلت إلى مستوى أنَّ كلّ النَّاس قد جمعوا لهم، ومع ذلك، اقتدوا برسول الله (ص)، فقالوا: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، وأوكلوا أمرهم إلى الله، ومن يوكل أمره إلى الله فإنّه يكفيه. وتحدَّث القرآن بأنّهم استطاعوا أن يصلوا إلى نتائج النَّصر ونتائج القوَّة، فلم يمسسهم سوء، وساروا في الخطّ الإسلاميّ، واتّبعوا رضوان الله، {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} على عباده الَّذين يؤمنون به ويصبرون ويثبتون ويتألَّمون ويتحمَّلون.

كسر سياسة التَّخويف!

ثمّ ركَّز القرآن على أنَّ سياسة الخوف هي سياسة تنطلق من تهاويل الشَّيطان الَّتي يشحن بها قلوب أوليائه، أمَّا الإنسان المؤمن، فإنَّه يخاف الله وحده، ويقف أمام العالم قويًّا، لأنَّه يشعر بأنَّ الله معه، وإذا كان الله معه، فلن يخذله، لتكون النَّتيجة إمَّا النَّصر، وإمَّا الشَّهادة الّتي تمهّد للنَّصر في مرحلة أخرى.

التّخطيط مع الإيمان

إنّنا نريد أن نقول لكلّ أهلنا وإخوتنا... إنَّ عليهم أن ينفتحوا على الله وعلى إيمانهم، ولا نقول لهم إنَّ عليهم أن يكتفوا بهذا الانفتاح الغيبيّ، فنحن نعرف أنَّ الغيب يمدّ الإنسان بطاقة روحيّة، لكي يثبّت أقدامه وخطواته...

ولكن، آمنوا بالله وخطّطوا.. آمنوا بالله واصبروا.. آمنوا بالله وجاهدوا.. آمنوا بالله وتعاونوا مع المجاهدين... فإنَّ العدوَّ مهما امتلك من قوَّة، لا يستطيع أن يستخدم كلّ قوَّته، لأنَّ هناك أكثر من وضع يحدّد له حركة هذه القوَّة.

إنَّ المشكلة الَّتي نعيشها، هي أنَّنا لا نحرّك قوَّتنا، فالعدوُّ يستفيد من إحساسنا بالضّعف، ومن سقوطنا أمام نقاط الضّعف، أكثر مما يستفيد من قوَّته...

واقعيّة النّصر

إنَّنا نستطيع إذا اجتمعنا، وإذا وحَّدنا كلَّ طاقاتنا، وانفتحنا على قضيَّة تحرير أرضنا، وتحرير إنساننا وتحرير مستقبلنا، أن نهزم العدوَّ في عنفوانه، ثمَّ نهزمه بعد ذلك في احتلاله، لنهزمه في الواقع كلّه.

إنَّ المسألة هي أن ننفتح على الله، وأن نثق بأنفسنا من خلال ثقتنا بالله، وأن نعرف كيف نخطّط، وأن يتحوَّل كلّ مؤمن إلى إنسان يفكّر مع إخوانه.

حاولوا أن تلاحقوا نقاط ضعف العدوّ، حاولوا أن تلاحقوا ثغرات العدوّ.. حتَّى تستطيعوا أن تستفيدوا من ذلك قوَّةً لأنفسكم، وعند ذلك، سوف يأذن الله سبحانه وتعالى بنصره، وهناك يفرح المؤمنون بنصر الله.

وتذكَّروا قول الله سبحانه وتعالى وأنتم تعيشون كلَّ هذا الزلزال النفسي والزلزال الحياتي: {أمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}[البقرة: 214].

هذا هو قدرنا الَّذي نصنعه بأنفسنا، والَّذي يصنعه الله لنا من خلال إرادتنا {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}[الرّعد: 11].

غيّروا أنفسكم تغيّروا الواقع.. غيّروا مساركم تغيّروا التَّاريخ.. غيّروا روحيَّتكم تغيّروا العالم.

والحمد لله ربّ العالمين.

* كلمة لسماحته وجّهها إلى أهل الشّريط الحدوديّ في الجنوب، خلال لقاء له مع إذاعة النّور، بتاريخ: 10/07/1993م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية